لا أحد يُحضِّرك لتلك اللحظة... لذلك الاتصال... عندما تشعر أن عالمك الذي بنيته بعناية وتأنٍّ وحبٍّ يتهاوى.
«للأسف، وجدنا خلايا سرطانية...»
كيف؟ ولماذا؟ كل ما رأيته كان وجهَي ابنتَيّ. لقد خذلتهما... هل سأكون أماً لهما؟ هل سأبقى لأكون؟ مخيف جداً هذا الشعور... لا أحد يُحضّرك لتلك اللحظة. كيف؟ وما من شخص في عائلتي مصاب بهذا المرض؟ كيف؟ وأنا التي لا أوفّر فحصاً طبياً روتينياً كل عام. كيف؟ وقد أجريت الصورة السنوية قبل شهر فقط ولم تُظهر أي علامات تحذيرية؟ كيف؟ وكيف؟ وكيف؟
ثم يتوقف الزمن، وأرى أمامي شريطاً من الوجوه والأحداث والأشخاص الذين يجب أن أخبرهم. كيف أخبر زوجي؟ كيف أخبر أمي وأبي وإخوتي وعائلتي؟ كيف أخبر أصدقائي؟ كيف أخبر عملي؟ وكيف، آه، كيف سأخبر بناتي؟
في تلك اللحظة شعرت أنني خذلت الجميع. جسدي الذي خذلني جرّني معه إلى مساحة لست معتادة عليها. فأنا أعتني بنفسي وبه جيداً، وأمارس الرياضة بانتظام يكاد يكون مزعجاً، وأتناول طعاماً صحياً درست تفاصيله بعناية فائقة. لا أمرض بسهولة، حتى «كوفيد» لم يتمكن مني... فكيف حدث ذلك؟
بعد الجمود والصدمة، بدأ ذهني يطرح الأسئلة التي اعتاد عليها في عملي الصحافي؛ يسأل عن الوقائع، وعن الأرقام، وعن سبل العلاج واحتمالات الشفاء. وصدمني ما سمعت. فنحو 90 في المائة من النساء المصابات بسرطان الثدي لا يحملن جينات وراثية مرتبطة بالمرض، وليس هناك تاريخ للإصابة به في عائلاتهن. واقع يعاكس كثيراً مما نسمعه في زيارات الأطباء والعشرات من الاستمارات التي نجيب فيها عن أسئلة تُسهم في تحديد مصيرنا. كما أن الصورة السنوية قد لا تلتقط الورم في بدايات تكوّنه، في حين يستطيع التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) كشف ما قد لا تظهره فحوص أخرى.
كلها أمور لم أكن أعرفها، وأتمنى لو قالها لي أحد من قبل. ومن لطف الله، وبفضل الاكتشاف المبكر، وجدت نفسي أمام مرض يمكن مواجهته بخطة علاج واضحة وفرص شفاء مرتفعة.
ما أمرّ به تجربة شخصية وشعور لا أتمناه لأحد. قررت في البداية إبقاءه أمراً شخصياً، سراً، لعل عدم الحديث عنه ينسيني أن أمامي مشواراً طويلاً من العلاج والمواجهة. لكنني شعرت بنوع من المسؤولية تجاه المشاركة والتوعية. أدركت أن الصمت لن يغيّر شيئاً، بل ربما يحرم امرأة أخرى من معلومة قد تنقذها.
لهذا قررت أن أكتب.

ليس طلباً للشفقة، ولا بحثاً عن التعاطف. فأنا ممتنة لكل محبة صادقة وصلتني، ولكل يد امتدت لتساندني. أكتب لأنني أدركت أن قصتي ليست استثناءً، وأن آلاف النساء يعشن التجربة نفسها بصمت، وأحياناً بخجل. اليوم أبحث عن النساء اللواتي مررن بهذه الرحلة لأتعلم منهن، وأضع تجربتي في العلن لعلَّني أتمكن من مساعدة غيري. لعل امرأة أخرى، في مكان آخر بعيد، تقرأ قصتي قبل فحص تؤجله منذ أشهر. ربما تطلب استشارة إضافية، وربما تطمئن عندما تراني أكتب وأعمل وأظهر على الشاشة، في ساعة أنسى فيها مرضي وأعيش حياتي، في حين أخوض رحلة المواجهة.
لا أخاف من مشوار العلاج. فأنا أتحمل الألم، وسأقاتل بكل ما لدي من قوة، بأظافري، بأسناني، بروحي، وبجسدي، من أجل بناتي، ومن أجل زوجي، ومن أجل أهلي وإخوتي وعائلتي، وأصدقائي الذين أصبحوا عائلتي في هذه الغربة.
سأقاتل. وقد يهزمني، وقد أهزمه، لكنني لن أستسلم.
إلى كل امرأة خاضت أو تخوض هذه الحرب... لن أستسلم. قد أتعب، وقد أبكي، لكنني لن أتوقف عن العيش، وعن الحب، وعن الفرح، وعن العمل.
صحيح أن هذا المرض أصبح جزءاً من قصتي، لكنه لن يكون نهايتها، ولن أمنحه حق تعريف من أكون.
وسأبقى مصممة على تغيير عقلية ما زلنا نعيشها في عالمنا، تخشى حتى من قول اسم «ذلك المرض». أنا رنا أبتر، وأنا مصابة بسرطان الثدي.
لن يهزمني... فسوف أُصيبه بعدوى حب الحياة.


