«أفلام السعودية»... «النخلة الذهبية» تُضيء الرحلة

ليلة الجوائز تُسدل ستار المهرجان وتكشف عن ملامح الدورة المقبلة

لقطة جماعية للمكرَّمين والفائزين بجوائز «النخلة الذهبية» (المهرجان)
لقطة جماعية للمكرَّمين والفائزين بجوائز «النخلة الذهبية» (المهرجان)
TT

«أفلام السعودية»... «النخلة الذهبية» تُضيء الرحلة

لقطة جماعية للمكرَّمين والفائزين بجوائز «النخلة الذهبية» (المهرجان)
لقطة جماعية للمكرَّمين والفائزين بجوائز «النخلة الذهبية» (المهرجان)

إلى أين تمضي الحكاية بعد نهاية الرحلة؟ سؤال حملته الدورة الثانية عشرة من «مهرجان أفلام السعودية» منذ اختارت شعارها «كلّ حكاية رحلة». وفي ليلة الختام، بدت الحكاية أوسع من منصة الجوائز؛ فالأفلام التي أنهت عروضها، والمشروعات التي حصدت دعماً، والقرارات التي رُسمت للدورة المقبلة، فتحت جميعها مسارات جديدة تبدأ من حيث انتهى المهرجان.

وجسَّدت هذه الفكرة كلمة مدير المهرجان الشاعر أحمد الملا، خلال الحفل الختامي الذي احتضنه، الخميس، مسرح مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي «إثراء» في الظهران، مسدلاً الستار على دورة أُقيمت بتنظيم «جمعية السينما»، وبالشراكة مع مركز «إثراء»، وبدعم من هيئة الأفلام. ووصف الملا الأفلام بأنها لم تعبر شاشات العرض فحسب، بل حملت معها «هواجس صنّاعها، وأسئلةً لم تهدأ عند نهاية العرض». وأضاف: «تنتهي الدورة في الجداول، وفي القاعات، وفي مواعيد السفر، وفي المقاعد التي تُطوى بعد آخر تصفيق... وإنما الطريق لا يفرغ من عابريه؛ هناك دائماً مَن يعود إليه، وفي قلبه رغبة لا تهدأ في أن يلمس الدهشة الأولى من جديد».

ولم تقتصر كلمة الملا على استعادة رحلة الدورة الثانية عشرة، بل حملت أيضاً أول ملامح المرحلة المقبلة للمهرجان، إذ أعلن تشكيل اللجنة الاستشارية العليا، على أن يُكشف عن أعضائها لاحقاً، كما أعلن اختيار المخرج والناقد عبد المحسن الضبعان مديراً فنياً للدورة الثالثة عشرة، في خطوة تعكس توجّه المهرجان نحو تطوير مساره الفنّي وتعزيز حضوره منصةً تجمع بين عرض الأفلام، ودعم المشروعات، وصناعة الفرص أمام السينمائيين.

مدير المهرجان أحمد الملا في كلمته خلال حفل الختام (المهرجان)

«النخلة الذهبية»... تتويج الرحلة

ومع بدء إعلان الجوائز تحوّلت القاعة إلى حالة من الترقُّب، وتعالت التصفيقات مع تتابُع أسماء الفائزين، في حين حظيت بعض النتائج بتفاعل لافت من صنّاع الأفلام والجمهور. وكانت البداية مع تتويج فيلم «هجرة» للمخرجة السعودية شهد أمين بـ«النخلة الذهبية» لأفضل فيلم روائي طويل، بعد رحلة مهرجانية لافتة شهدت فوزه بجوائز سابقة؛ في حين ذهبت جائزة أفضل فيلم خليجي روائي طويل إلى «إركالا... حلم كلكامش» للمخرج العراقي محمد الدراجي، وهو عمل عابر لحدود الإنتاج الواحد، تشارك في إنتاجه جهات من السعودية، والعراق، والمملكة المتحدة، وفرنسا، والإمارات، وقطر.

وكان «مسألة حياة أو موت» من أكثر الأفلام حضوراً في ليلة الختام، بعدما جمع بين جائزة أفضل تمثيل، التي ذهبت إلى سارة طيبة، والتنويه الخاص من لجنة التحكيم. ويواصل الفيلم، المعروض حالياً في دور السينما السعودية، رحلته مع الجمهور، وهو من إخراج أنس باطهف، وكتابة سارة طيبة وبطولتها، إلى جانب يعقوب الفرحان.

سارة طيبة تحصد جائزة التمثيل (المهرجان)

وحملت نتائج مسابقة الأفلام القصيرة حضوراً واضحاً للتجارب الجديدة، إذ حصد فيلم «مجهول» للمخرج إبراهيم البكيري «النخلة الذهبية» لأفضل فيلم قصير، وفاز فيلم «صرخة نملة» للمخرجة لجين سلام بـ«جائزة عبد الله المحيسن للفيلم الأول»، فيما ذهبت «النخلة الذهبية» لأفضل فيلم خليجي روائي قصير إلى الفيلم البحريني «بذرة» للمخرج سلمان يوسف، ومنحت لجنة التحكيم تنويهاً خاصاً لفيلم «الستر» لرولان حسن وسارة مصري.

وحافظ مسار الأفلام الوثائقية على صلته بالذاكرة والسير الشخصية، إذ فاز فيلم «ضباب البارود» للمخرج سعد طحيطح بـ«النخلة الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي، في عمل يستعيد أحد الطقوس التراثية في منطقة عسير بعد غياب طويل؛ في حين ذهبت جائزة لجنة التحكيم إلى فيلم «مرجوج هزازي» للمخرج مشعل الثبيتي، الذي يعود إلى سيرة أحد أبرز الأسماء في بدايات المشهد الرقمي السعودي. أما «النخلة الذهبية» لأفضل فيلم خليجي وثائقي، فذهبت إلى الفيلم اليمني «فريحة» للمخرج بدر الريمي، في حين نال فيلم «بقشة سعد» للمخرج مجبل سعد الفرج تنويهاً خاصّاً، وسط تصفيق حارّ للفنان الكويتي سعد الفرج، الذي صعد إلى المسرح لتحية الحضور.

تتويج «هجرة» بجائزة أفضل فيلم روائي طويل (المهرجان)

ما بعد منصّة الجوائز

وشهدت الدورة الثانية عشرة حضوراً مهنياً لافتاً عبر سوق الإنتاج، التي اختتمت أعمالها بمنح 51 جائزة مالية وخدمية تجاوزت قيمتها 4 ملايين و93 ألف ريال، مقارنة بنحو مليونين ونصف المليون ريال في الدورة الحادية عشرة، بنمو تجاوز 60 في المائة في قيمة الدعم المقدَّم للمشروعات السينمائية خلال دورة واحدة. وتنافس في السوق 13 مشروعاً سينمائياً، وحظيت بدعم من جهات مانحة في مجالات التطوير، والإنتاج، وما بعد الإنتاج، والخدمات الفنية والتقنية.

كما قدَّم المهرجان، في دورته الحالية، برنامج «أضواء على السينما الكورية»، بالتعاون مع «مهرجان بوسان الدولي للأفلام القصيرة»، امتداداً لمسار البرنامج الذي يفتح نافذة على تجارب سينمائية عالمية، ويُعزز التبادل الثقافي والمعرفي بين صناع الأفلام والجمهور. وشهدت الدورة أيضاً محور «سينما الرحلة»، الذي تناول الطريق بوصفه فضاءً للتحول، والنجاة، والذاكرة، والهوية، إلى جانب برنامج «لقاء الخبراء»، والدروس المتقدَّمة، والندوات المتخصصة، وجلسات توقيع إصدارات «الموسوعة السعودية للسينما»، في حضور مهني وثقافي رافق العروض السينمائية على امتداد أسبوع كامل.

جانب من حضور حفل الختام في مركز «إثراء» (المهرجان)

وبينما أُطفئت شاشات العرض، وطُويت مقاعد المسرح بعد آخر تصفيق، بقيت الحكايات التي حملها شعار الدورة «كلّ حكاية رحلة» مفتوحة على محطات جديدة؛ بعضها يبدأ بعرض أول، وبعضها بجائزة، وأخرى بمشروع وجد طريقه إلى الإنتاج. أما «مهرجان أفلام السعودية»، فاكتفى بإسدال الستار على دورته الثانية عشرة، تاركاً الباب مفتوحاً أمام رحلة جديدة تبدأ العام المقبل مع الدورة الثالثة عشرة.


مقالات ذات صلة

السعودية وكندا... التزام ببناء شراكة قوية ومستقبلية

الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بقصر السلام في جدة (واس)

السعودية وكندا... التزام ببناء شراكة قوية ومستقبلية

أكدت السعودية وكندا التزامهما ببناء شراكة قوية ومستقبلية بين البلدين، وثقتهما بمستقبل يتسم بتعاون أعمق وازدهار مشترك، مدعوم بالثقة المتبادلة، والصداقة الوثيقة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)

«بوليفارد بيزنس بارك»... أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال في السعودية

أعلن المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه بالسعودية، اكتمال الأعمال بمشروع «بوليفارد بيزنس بارك»؛ أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال بالبلاد.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الرئيس الأميركي دونالد ترمب مصافحاً نظيره السوري أحمد الشرع خلال لقائهما على هامش قمة قادة الناتو في أنقرة الأربعاء (رويترز)

السعودية تُرحِّب بإلغاء تصنيف سوريا «راعية للإرهاب»

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الولايات المتحدة عن بدء إجراءات إلغاء قانون تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، الذي أدرج عام 1979.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان مع دولة رئيس وزراء كندا مارك كارني (واس)

السعودية وكندا تبحثان تعزيز التعاون في قطاع الطاقة

بحث وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، في جدة، الخميس، مع رئيس وزراء كندا مارك كارني، تعزيز التعاون بقطاع الطاقة، على هامش زيارته الرسمية للمملكة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
عالم الاعمال أحد المشاريع في وجهات «البحر الأحمر الدولية» (الشركة)

«البحر الأحمر الدولية» تحول وجهاتها إلى مجتمعات متكاملة لدعم تنويع الاقتصاد السعودي

تتطلع شركة «البحر الأحمر الدولية» لتحويل مشاريعها من مرحلة التطوير إلى التشغيل الفعلي، مع توجه استراتيجي يتجاوز إنشاء المنتجعات الفاخرة إلى بناء وجهات متكاملة.

مساعد الزياني (الرياض)

«بوليفارد بيزنس بارك»... أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال في السعودية

مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)
مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)
TT

«بوليفارد بيزنس بارك»... أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال في السعودية

مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)
مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)

أعلن المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه بالسعودية، الخميس، اكتمال الأعمال بمشروع «بوليفارد بيزنس بارك»؛ أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال في البلاد، وذلك بدعم من القيادة، وباستثمار يتجاوز مليار ريال (267 مليون دولار).

وأوضح آل الشيخ، في تصريح له، أن المشروع يضم 9 مبانٍ مكتبية بمساحات تأجير تتجاوز 60 ألف متر مربع، بالإضافة لمساحات تجارية، ومقرات رئيسة للشركات، ومساحات عمل مشتركة، وأكثر من 1300 موقف سيارات.

وأضاف أن المشروع جاء «بالشراكة مع شركة (حي للتطوير العقاري)، وبالتعاون مع صندوق (REQ العقاري - الفرنسي كابيتال)، وبإدارة وتشغيل شركة (صلة)»، مُختتماً تصريحه بالقول: «عزيمة السعوديين ما لها حدود ولا سقف، والقادم أعظم».

وكان آل الشيخ أعلن في أغسطس (آب) 2024 إطلاق هذا المشروع ضمن منطقة «بوليفارد سيتي»، باعتباره المرحلة الأولى من المخطط الحضري لإعادة تخطيط وتنظيم منطقة «بوليفارد ديستريكت» بالشراكة مع القطاع الخاص.


موناليزا طفلة في معرض للوحات بوتيرو في نيويورك

بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)
بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)
TT

موناليزا طفلة في معرض للوحات بوتيرو في نيويورك

بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)
بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)

للفنان الكولومبي الراحل فرناندو بوتيرو طابع يميزه عن غيره، ولا يمكن تخطيه، فلوحاته تنظر للعالم من خلال عدسة مكبرة، الأشخاص عنده يسيطرون على اللوحات بأحجامهم الضخمة، حتى التفاصيل التي تحيط بهم لا تنجو من تأثير العدسة المكبرة، فالأشجار ضخمة الجذوع، وأدوات المائدة والفواكه وكل التفاصيل تتحول إلى عناصر ضخمة مستمدة من الحياة اليومية، تزهو بأحجامها المبالغ فيها وألوانها.

بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)

«بوتيرزمو» الجمال في الضخامة

في لوحات ومنحوتات بوتيرو يظهر نهجه الذي أطلق عليه مصطلح «بوتيرزمو» (Boterismo)، الذي تحدى به الفنان هيمنة الفن التجريدي الذي طبع تلك الحقبة، وابتكر بدلاً منه شخصيات ضخمة الحجم تتسم بروح الدعابة والعمق الإنساني، وللحق يستحق أسلوب بوتيرو مصطلحاً يضع فنه في مكانة خاصة بين فناني العصر الحديث.

لمسة «البوتيرزمو» أصبغها الفنان الكولومبي على لوحات استوحاها من كبار فناني العالم، وكان لموناليزا ليوناردو دافنشي مكانه خاصة لديه، فرسم عدد من اللوحات التي تصور الموناليزا صغيرة وكبيرة وفي كل حالاتها، وتحولت السيدة المبتسمة على يد الفنان إلى نسخ أضخم وأطرف. فتلك اللمسة البوتيرية تحمل حس دعابة جميلاً يلمس كل من ينظر للوحات الفنان الكولومبي، وتفسر المكانة التي احتلها فنه.

فرناندو بوتيرو مع أعماله (الدار)

حياة في نيويورك

يرتبط المعرض بمكانة نيويورك لدى الفنان الراحل، فقد قضى فترة من حياته فيها، وهناك اقتنى متحف الفن الحديث أول لوحة له، ولذلك لا عجب أن تكون المدينة هي المكان الذي اختارته عائلته لعرض مجموعة من لوحاته التي أبدعها خلال الفترة التي عاش بها في المدينة (بين عامي 1960 و1973) وذلك ضمن معرض مخصص للبيع تقيمه دار سوذبيز، يحمل عنوان «بوتيرو في نيويورك» بالتعاون مع المؤسسة التي تحمل اسمه.

من اللوحات في المعرض (الدار)

25 عملاً

ويجمع المعرض المقرر افتتاحه في 22 من يوليو (تموز) الحالي، بحسب بيان الدار، لوحات ومنحوتات، بعضها قادم مباشرة من عائلة بوتيرو، والبعض الآخر من مجموعات خاصة. يعرض بعضها للجمهور للمرة الأولى على الإطلاق. المعرض سيركز على المرحلة التي عاشها بوتيرو في نيويورك، ويعتبرها نقاد الفن بمثابة المرحلة التأسيسية للفنان، ومن خلال المعروضات سيتسنى للجمهور استكشاف تطور أسلوب الفنان في الرسم. تمثل كل قطعة من الأعمال الخمسة والعشرين في المعرض محطة هامة في مشوار الفنان.

ومن جانبها، تعلق أنا دي ستازي، الرئيسة العالمية لقسم فنون أميركا اللاتينية بـ«سوذبيز»: «تكشف سنوات بوتيرو في نيويورك عن فنان كان منخرطاً بعمق في التيارات الفنية المحيطة به، ومع ذلك ظل ثابتاً في عزمه على تطوير لغة فنية خاصة به تماماً. وتُبرز الأعمال المعروضة هنا ركائز ذلك الإنجاز؛ فنان تعامل مع التقاليد الفنية الأوروبية باستقلالية، وأعاد صياغة العالم البصري والاجتماعي لكولومبيا عبر مخيلته الخاصة، ليصيغ بذلك واحدة من أكثر اللغات التصويرية تفرداً في القرن العشرين».

«موناليزا في الثالثة عشرة من عمرها» (الدار)

موناليزا طفلة وزهور فان جوخ

أثناء إقامته في نيويورك زارت دوروثي ميلر استوديو الفنان، واختارت لوحة تصور الموناليزا وهي طفلة لتضمها لمجموعة متحف الفن الحديث بنيويورك، وكانت هذا النقطة الفاصلة في حياة الفنان، إذ وضعت عمله بجوار أعظم الفنانين العالميين. خلال حياته رسم بوتيرو أكثر من لوحة تصور الموناليزا، وتعرض الدار لوحة منها لم تعرض من قبل بعنوان «موناليزا في الثالثة عشرة من عمرها» نفّذها الفنان في عام 1959 تظهر فيها الموناليزا بوجه طفولي مكتنز وابتسامة ساحرة. هذه اللوحة وغيرها تقدم موضوعات وشخصيات مستمدة من أهم اللوحات العالمية، وهو ما يعكس نهج الفنان وترجمته الفنية لأعمال غيره من عباقرة الفن العالمي، وهو أسلوب تصفه الدار بـ«إعادة التفكير بطريقة جريئة في التقاليد الفنية التاريخية»، ويظهر ذلك بشكل كبير في لوحته الأشهر عن الموناليزا التي رسمها في عام 1978.

لوحة «أزهار عباد الشمس» (الدار)

في لوحة ثانية من المعرض بعنوان «نزهة» (1973) يزور بوتيرو مشهداً مألوفاً في اللوحات العالمية، حيث يجتمع حبيبان في نزهة برية تحيط بهما الأشجار. الجديد في اللوحة هو ذلك التصوير الممتع للأشجار، تكاد من حجمها أن تبتلع الأشخاص الجالسين على العشب أسفلها. اللوحة تعرض للجمهور للمرة الأولى.

ومن ليوناردو دافنشي إلى فان جوخ، تنتقل فرشاة بوتيرو الساحرة لتصور مزهرية متضخمة لزهور عباد الشمس التي أبدع فان جوخ في تصويرها في لوحاته الشهيرة.

تمنحنا «زهور عباد الشمس» (1977) كثيراً من المتعة، فالإناء الأزرق المتضخم يبدو متخماً بمجموعة من الأزهار المنتفخة والنابضة بالحياة والمتميزة بدرجات اللون الأصفر. يرى المختصون بالدار أن الإناء الأزرق والأزهار داخله «حوّل موضوع فان جوخ الشهير إلى عمل فني ذي ثقل نحتي وتوتر هادئ»، وأن بوتيرو قدّم في هذه اللوحة «ابتكاراً معاصراً بالكامل».

«طبيعة صامتة مع بطيخ» (الدار)

في لوحة «طبيعة صامتة مع بطيخ» (1976) يعود بوتيرو لموضوع أثير لديه، يستكشف التفاصيل اليومية بأسلوبه الخاص، وفي هذه اللوحة تتحول ثمرة البطيخ إلى كائن مدهش نستمتع بالنظر له. يرجع البعض جذور لوحات الطبيعة الصامتة لدى بوتيرو لإعجابه العميق بفن الرسم الإسباني الكلاسيكي واطلاعه المبكر على روائع متحف برادو في مدريد وتقديره للوحات لفلاسكيز وغويا وغيرهما من عمالقة الفن الإسباني.


المهند كلثوم: «فوتوغراف» رؤية عميقة لتمسك الإنسان بذاكرته وكرامته

لقطة من الفيلم وسط أنقاض البنايات السورية خلال الحرب (الشرق الأوسط)
لقطة من الفيلم وسط أنقاض البنايات السورية خلال الحرب (الشرق الأوسط)
TT

المهند كلثوم: «فوتوغراف» رؤية عميقة لتمسك الإنسان بذاكرته وكرامته

لقطة من الفيلم وسط أنقاض البنايات السورية خلال الحرب (الشرق الأوسط)
لقطة من الفيلم وسط أنقاض البنايات السورية خلال الحرب (الشرق الأوسط)

يطرح الفيلم السوري «فوتوغراف» سؤالاً يبدو بسيطاً في ظاهره، عميقاً في جوهره، عما يبقى للإنسان عندما تتغير الأمكنة، وتتبدل الأيام، وتتساقط التفاصيل التي كان يظنها ثابتة، فالأشياء لا تمنحنا هويتنا، لكن الذكريات التي تعلقنا بها هي التي تفعل ذلك.

طاف الفيلم الروائي القصير مهرجانات عدة. وحاز، أخيراً، جائزة «العدالة والسلام» من مهرجان الشرق الأوسط السينمائي في دورته التاسعة، الذي أقيم في يونيو (حزيران) الماضي بمدينة لاهاي الهولندية.

يُسلط «فوتوغراف» الضوء على تداعيات الحرب في سوريا، وأثرها على عمالة الأطفال وحرمانهم من التعليم لدعم أسرهم مادياً، وأنتجت الفيلم المؤسسة العامة للسينما السورية، وكتبت السيناريو والحوار بثينة نعيسة، والفيلم بطولة سليمان الأحمد، وغالب شندوية، وجمال العلي، وصفوح ميماس، وإخراج المهند كلثوم.

ويروي الفيلم حكاية صبيين تربطهما صداقة عميقة؛ «سلطان» و«يحيى»، اللذين يتجولان في مدينتهما وسط أنقاض المباني وبقايا الأثاث ومتعلقات بقيت شاهدة على حياة كانت هنا ولم تعد، بينما يقيمان في معسكرات الإيواء، ويقود سلطان صديقه يحيى، بعد أن فقد بصره ليقوما بجمع بقايا أدوات تحت الأنقاض لبيعها لأحد التجار مقابل ليرات معدودة، وبينما يبحثان في أنقاض بيت «يحيى» يعثران على كاميرا تخص عائلته، ينجحان في تشغيلها، فيلتقطان صوراً لبعضهما وسط البنايات المنهارة، لتصبح هذه اللقطات الفوتوغرافية شاهداً على ذكرياتهما، وفيما يحاول سلطان أن يلتقط مزيداً من الصور يسقط ركام المبنى فوق رأس صديقه.

ويقول المخرج المهند كلثوم إن «الجائزة التي حصل عليها الفيلم أكدت لي أن السينما ما زالت قادرة على أن تفتح حواراً بين البشر على اختلاف لغاتهم وثقافاتهم»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن القيمة الحقيقية لأي جائزة تكمن في السؤال الذي تطرحه: لماذا وصل هذا الفيلم إلى الناس، و«منذ بدايته وفيلم (فوتوغراف) لم يكن يبحث عن التعاطف، ولا عن إدانة أحد، بل كان يحاول أن يقترب من الإنسان عندما يكون مضطراً لأن يتمسك بما تبقى من ذاكرته وكرامته، لذا شعرت أن اسم الجائزة يلتقي مع روح الفيلم»، على حد تعبيره.

بطلا الفيلم السوري «فوتوغراف» (الشرق الأوسط)

ويوضح كلثوم أن «إخفاء الكاميرا خلف الشخصيات كان هاجسه الأكبر أثناء التصوير، فقد كنت أبحث عن صورة تتنفس بهدوء، وعن ضوء يشبه الحياة، وعن أماكن تحمل آثار الزمن من دون أن تتكلم، لم أرد صورة جميلة بقدر ما أردت صورة صادقة، لأن الصدق يبقى في ذاكرة المشاهد أكثر من أي إبهار بصري، ولهذا أقول دائماً إن (فوتوغراف) ليس فيلماً عن الحرب، بل عن الإنسان وهو يقاوم النسيان، لأن أكثر ما يخيف الإنسان ليس أن يفقد بيته بل أن يفقد حكايته».

وتُعد جائزة «العدالة والسلام» تتويجاً لمسيرة خاضها الفيلم بين عدة مهرجانات عربية ودولية، حصل خلالها على جوائز عدة، لكن المهند كلثوم لا ينظر لهذه المشاركات كسباق، بل كرحلة يتغير فيها الفيلم مع كل جمهور يشاهده، ويقول عن ذلك: «أحياناً كنت أخرج من قاعة العرض وأنا أشعر أن الجمهور اكتشف في الفيلم ما لم أكن واعياً له، وهذه واحدة من أجمل مفاجآت السينما، لهذا لا أحب أن أقيس نجاح الفيلم بعدد الجوائز، وإنما بعدد المرات التي استطاع فيها أن يترك أثراً صامتاً في قلب المشاهد بعد أن تُطفأ الشاشة».

ويفسر كلثوم سبب اختيار عنوان الفيلم «فوتوغراف» قائلاً: «لقد كنت أبحث عن عنوان لا يصف الفيلم، بل يفتح باباً للدخول إليه، فالصورة الفوتوغرافية بالنسبة إليّ تعد ذاكرة تقاوم الزمن، أحياناً تكفي صورة واحدة حتى تحمل حياة كاملة وتعيد إلينا أشخاصاً وأماكن لم تعد موجودة إلا في داخلنا، من هنا وُلد الفيلم».

المخرج السوري المهند كلثوم (الشرق الأوسط)

ويحمل «فوتوغراف» بعداً إنسانياً واضحاً، ويبدو كما لو كان يحاكم الذاكرة، لكن كلثوم يؤكد أنه «لا ينظر للذاكرة كمكان نهرب إليه كلما اشتقنا للماضي، بل هو المكان الذي نحمي فيه إنسانيتنا من النسيان، لذلك لم تكن الذاكرة في (فوتوغراف) مساحة للحنين، بقدر ما كانت مساحة للتأمل، ولإعادة طرح الأسئلة»، وفق قوله.

ويؤكد كلثوم أنه تعامل مع السيناريو كمساحة للحوار بين رؤية الكاتبة ورؤيته كمخرج، ويقول: «كان يهمني أن يصبح كل مشهد أكثر قرباً من الشخصيات، وأكثر قدرة على التعبير بالصورة والصمت، لا بالكلمات، وقد ترجمت هذا الحس للغة بصرية هادئة، تترك للمشاهد مساحة ليشعر بأكثر مما يُقال له، لأنني أؤمن أن أجمل الأفلام هي تلك التي تثق بإحساس المتلقي، ولا تفرض عليه تفسيراً واحداً».

وحول السينما السورية، وهل تجاوزت الحرب لتطرح أسئلة عن الهوية؟ يقول كلثوم: «أعتقد أن السينما السورية اليوم تقف أمام فرصة مهمة لإعادة اكتشاف نفسها، ليس لأن الحرب انتهت، بل لأن السينما لا تستطيع أن تبقى أسيرة الحدث إلى الأبد، فالتحدي الحقيقي اليوم ليس أن نروي ما جرى، وإنما أن نفهم ما الذي تركه داخل الإنسان».

وقدّم المهند كلثوم أعمالاً عديدة روائية ووثائقية شاركت في مهرجانات دولية، وحاز العديد من الجوائز الدولية، ومن بين أفلامه الروائية «لماذا» و«يالا نلعب»، و«على سطح دمشق»، و«أمل إيمان حب»، ومن الوثائقية «البرزخ»، و«رحلة الحرير السوري»، و«هذه الأرض»، وهو مؤسس مشروع «يلا سينما» ومهرجان «أيام دمشق السينمائية» لأفلام الطفولة واليافعين.