«بلايد رَنر»... نبوءة عالم يقف على حافة الخطر

قراءات مهمّة في فيلم تنبأ بكثير من ملامح واقعنا اليوم

المخرج ريدلي سكوت (تونتييث سنتشري فوكس)
المخرج ريدلي سكوت (تونتييث سنتشري فوكس)
TT

«بلايد رَنر»... نبوءة عالم يقف على حافة الخطر

المخرج ريدلي سكوت (تونتييث سنتشري فوكس)
المخرج ريدلي سكوت (تونتييث سنتشري فوكس)

بعد 44 عاماً على إطلاقه، تتبلور أمامنا اليوم بعض الرؤى الأساسية التي قام عليها فيلم «بلايد رَنر» (Blade Runner) للمخرج ريدلي سكوت، المأخوذ عن رواية لفيليب ك. ديك بعنوان «هل تحلم الأندرويدات بالخراف الإلكترونية؟ (Do Androids Dream of Electric Sheep؟).

تدور أحداث الفيلم والرواية التي اقتُبس عنها في عام 2019. ومن منظور عام 1982، حين أُنجز الفيلم، كانت المسافة الزمنية كافية لتخيّل العالم الذي نعيش فيه اليوم بكل إنجازاته ومخاطره العلمية. وخلال الربع الأول من هذا القرن، تم تطوير الروبوتات واستخدام متطوعين من البشر في تجارب الحمض النووي (DNA)، وصولاً إلى شيوع الذكاء الاصطناعي، الذي كان عنوان فيلم ستيفن سبيلبرغ «A.I.: Artificial Intelligence» عام 2001، والذي توقع تطوّر الإنسان الآلي في هذا العصر.

هناك أفلام كثيرة أخرى تناولت أحداثاً تقع في الربع الأول من هذا القرن، مثل «العودة إلى المستقبل» (Back to the Future) الذي أخرجه روبرت زيميكيس عام 1989 وتقع أحداثه في عام 2015. وقبله أنجز ريتشارد فلايشر فيلم «Soylent Green» عام 1973، الذي تدور وقائعه في عام 2022. لكن الفيلم الذي يُعدّ الأب الروحي لصورة المستقبل المتخيَّل هو «2001: أوديسا الفضاء» (2001: A Space Odyssey). وقد أنجزه ستانلي كوبريك عام 1968، محذّراً من مستقبل يسيطر فيه العلم على شتى شؤون الحياة ويتمرّد على الإنسان الذي صنعه، في توليفة تذكّر بالوحش الذي تمرّد على خالقه في رواية «فرانكنشتاين».

عنوان لافت بلا دلالات

هاريسون فورد في «بلايد رَنر» (لاد كومباني)

لكن «بلايد رَنر» يختلف تماماً عن تلك الأفلام وغيرها من أعمال الخيال العلمي. ففي اختلافاته قراءات مهمة لطبيعة المستقبل الذي نعيشه، وللعلم بوصفه سلعة، ولحياة الكائنات المصنوعة علمياً، وللبيئة الملوّثة، وللأيديولوجيا التي تدور الأحداث في إطارها. وكل ذلك يُقدَّم ضمن مغامرة ذات طابع قاتم يستلهم أفلام «الفيلم نوار» (film noir) داخل منظومة الخيال العلمي.

وفي تلخيص لا يفسد متعة المشاهدة لمن لم يشاهد الفيلم بعد، تدور الأحداث في مدينة لوس أنجليس عام 2019، حيث نجح العلم في صنع روبوتات متطورة تشبه البشر تماماً من حيث الإحساس والسلوك والقوة والقدرة على النطق. وأُطلق عليها اسم «مستنسخين» (Replicants) وأُرسلت للعمل في الفضاء. لكن أربعة منها تمرّدت وعادت إلى الأرض من دون إذن صانعيها، ما عُدَّ تهديداً للبشر. عندها تلجأ مؤسسة «تايريل كوربوريشن» إلى المقاتل المحترف ريك ديكارد (هاريسون فورد) لتعقب هؤلاء الروبوتات والقضاء عليهم. غير أن ديكارد يكتشف أن القضية أكثر تعقيداً مما تبدو عليه، وأن المؤسسة تخفي أسراراً خطيرة تتعلق بالتلاعب بالذاكرة البشرية واستبدال الذكريات المصطنعة بها.

بدايةً، ليس هناك معنى مباشر للكلمتين المستخدمتين في العنوان «Blade Runner». وترجمتها الحرفية إلى «راكض النصل» لا تشرح مدلولها الفعلي داخل الفيلم. وهكذا يضيف العنوان مزيداً من الغموض والخصوصية إلى العمل. والأهم، أن رواية فيليب ك. ديك لا تحمل هذا العنوان أصلاً، علماً بأن هناك رواية أخرى للخيال العلمي كتبها آلان إي. نورس بعنوان «Bladerunner» عام 1974، لكنها لا ترتبط برواية ديك أو بالفيلم.

كذلك، لا يسعى الفيلم إلى تفسير عنوانه. فلا يوجد حوار مباشر يشير إليه، ولا رابط واضح بينه وبين الأحداث. وفي المقابل، ترتبط عناوين كثيرة في أفلام الخيال العلمي الأخرى بمضمونها، مثل «Capricorn One» الذي يشير إلى مشروع رحلة إلى المريخ، و«سوليانت غرين» هو اسم مصنع يوفر طعاماً من لحوم البشر، «ترميناتور» هو عن مخلوق فضائي يهبط ليقوم بمهمّة القضاء على أم وابنها الذي قد يكون المسيح المنتظر، حسب الفيلم.

مسائل شائكة

علم متقدّم وعالم موبوء: من «بلايد رَنر 2049» (وورنر برذرز)

بتجاوز هذه النقطة، تتبدى مفاهيم ومضامين عدّة تستحق التوقف عندها؛ لأنها لا ترد عبثاً أو لمجرد إثارة التساؤلات.

في صميم المهمة التي يتولاها ريك ديكارد يكمن اكتشافه أن الكائنات التي يُطلب منه القضاء عليها تبدو بشرية بالكامل. ولذلك تصبح مهمته شاقة؛ إذ يجد نفسه أمام واقع يختلط فيه الإنسان بالآلة إلى حد انعدام اليقين. وفي الوقت نفسه، يوظف الفيلم هذا الالتباس لتوجيه نقده إلى العلم المنفلت من الضوابط، لا إلى الروبوتات نفسها، بل إلى البشر الذين صنعوها.

انطلاقاً من هذا التحديد، يطرح الفيلم مسألة شائكة حول العلم حين يتجاوز المنطق ويتجاهل المخاطر ويتوسّع في محاولة فهم الطبيعة الإنسانية لمن هم بشر والطبيعة الاصطناعية لمن هم مخلوقات آلية. تتداخل في هذا الشأن مسألة أخرى مهمّة. البشر الحقيقيون في هذا الفيلم، وبينهم ديكارد، لا يعكسون عاطفة في حين تحاول المخلوقات التواصل عاطفياً مع الإنسان. في النهاية يفهم ديكارد هذه المسألة حين يشعر بالعاطفة حيال الطريدة الأخيرة راتشل (شون يونغ) في الوقت الذي يقف على غايات غير مشروعة للمؤسسة.

ورغم أن الفيلم يبدأ من منطق «نحن الأخيار وهم الأشرار»، فإنه يمنح المستنسخين حق البحث عن تاريخ وهوية ومعنى لوجودهم. وعندما تنكشف الحقائق، تصبح المؤسسة العلمية هي الطرف المُدان، لا الكائنات التي صنعتها وتسعى إلى التخلص منها.

كل ذلك يجري في عالم موبوء؛ فالبيئة الطبيعية ملوثة، والمدينة مكتظة إلى حد الاختناق، في حين يتكرر حضور المطر والليل شبه الدائم، إلى جانب خليط بشري يعيش على هامش المجتمع.

نبوءة مشتركة

في مقابلة أجريتها مع ريدلي سكوت بعد 20 عاماً على إنجاز الفيلم، قال إن «بلايد رَنر» قبل كل شيء فيلم تشويقي يستند إلى تقاليد أفلام التحري والمطاردة.

وأضاف: «الفارق أن الأشخاص الذين تتم مطاردتهم ليسوا بشراً، وأن العالم لم يعد كما عهدناه، والمسائل لم تعد واضحة. الحقيقة والكذب امتزجا إلى درجة يصعب معها التمييز بينهما».

• يصوّر الفيلم مستقبلاً لمجتمع يسوده الاستبداد ويعاني كارثة بيئية. هل كان هذا تصورك للمستقبل؟

- كان تصوراً مشتركاً بيني وبين فيليب ك. ديك وكاتب السيناريو هامبتون فانشر، لكنه ليس حكراً علينا. العالم يتطور بلا ضوابط واضحة، والعلم يتجه نحو المادة والاستهلاك بعيداً عن خدمة الإنسان. لذلك؛ سعى الفيلم إلى تقديم نبوءة تستند إلى تقاليد الخيال العلمي في استشراف مستقبل قاتم.

• هذا فيلم كلاسيكي في تاريخ الخيال العلمي... هل تفكر في جزء ثانٍ؟

- لا. علينا أن نكتفي به وحده.

لكن ذلك لم يحدث. ففي عام 2017 أخرج دنيس فيلنوف الجزء الثاني بعنوان «Blade Runner 2049»، الذي تدور أحداثه بعد 30 عاماً من أحداث الفيلم الأول، ويتابع شخصية جديدة تدعى K (يجسدها رايان غوسلينغ) في عالم يبدو أنه تجاوز مرحلة الإنقاذ.


مقالات ذات صلة

من ذاكرة المنازل إلى الشاشة الكبيرة... «الخلاص من شاوشانك» في صالات السعودية

يوميات الشرق تيم روبنز ومورغان فريمان في مشهد من الفيلم (imdb)

من ذاكرة المنازل إلى الشاشة الكبيرة... «الخلاص من شاوشانك» في صالات السعودية

قبل أكثر من 3 عقود، خرج فيلم «الخلاص من شاوشانك» إلى دور العرض العالمية، فيما عاش الجمهور السعودي تلك المرحلة في غياب صالات السينما.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق المخرجون الشباب المتقدّمون إلى منصة مهرجان طرابلس لتمويل الأفلام القصيرة (الشرق الأوسط)

الفيلم القصير عملٌ شاقّ... ومهرجان طرابلس يساعد على اختصار الطريق الطويل

مهرجان طرابلس للأفلام يساعد المخرجين الشباب على الانتقال بأفلامهم القصيرة من الورق إلى الشاشة الكبيرة.

كريستين حبيب (طرابلس (شمال لبنان))
يوميات الشرق من «المواطن أسامة» (فيلكام)

في ختام مهرجان تورنتو: 430 فيلماً وعشرة أعمال تستحق المشاهدة

يصل مهرجان تورنتو السينمائي، اليوم (الأحد)، إلى ختام دورته الحادية والخمسين، في نسخة استثنائية يصعب وصفها إلا بأنها أكبر من قدرة حتى أكثر عشاق السينما شغفاً…

محمد رُضا (تورنتو - كندا)
يوميات الشرق نجوم في التمثيل اللبناني حضروا حفل الافتتاح (المهرجان)

«مهرجان طرابلس للأفلام» يضيء على تراث المدينة العمراني الفريد

للمرة الثالثة عشرة على التوالي، يجتمع أهل الفن من أجل الاحتفاء بالسينما في طرابلس. هذه المرة كان الجمع أكبر في افتتاح «مهرجان طرابلس للأفلام».

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق صورة تجمع الفائزين بلجنة التحكيم والقنصل الفرنسي في جدة وفيصل بالطيور (البحر الأحمر السينمائي)

فرنسا تتطلع إلى مشاريع سينمائية مشتركة مع السعودية بعد 6 أعوام من «تحدي 48 ساعة»

يكتسب هذا التوجه الفرنسي أهمية خاصة لأنه يأتي بعد ستة أعوام من الشراكة في «تحدي صناعة فيلم في 48 ساعة»، الذي تنظمه مؤسسة البحر الأحمر السينمائي.

أسماء الغابري (جدة)

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
TT

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي

تنطلق «قمة الإبداع» (Creative Summit)، المهرجان الرائد للإبداع في السعودية، من 3 إلى 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في حي جاكس بالعاصمة الرياض، للعام الثاني، ضمن شراكة استراتيجية بين الجانبين، في واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والإبداعية في المملكة.

وتُقام نسخة العام الحالي تحت شعار «وراء كل ذكاء... إنسان»، لمناقشة إحدى أبرز القضايا التي تشغل الصناعات الإبداعية اليوم، وهي العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، في ظل التطور التقني المتسارع وتأثيره المتزايد في أساليب العمل والإنتاج.

وتؤكد القمة من خلال شعارها أن التقنية، مهما تطورت، تظل أداة قوية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الروح الإنسانية والحدس والإبداع والتجارب التي تصوغ أفكار الإنسان وقصصه.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تقدم القمة مسارات تتجاوز النقاشات العامة، وتركز على الأدوات العملية والحوارات المعمقة بشأن دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية، وتعزيز استدامتها، وابتكار حلول قابلة للتطبيق في قطاع الأعمال.

ويعكس اختيار حي جاكس مقراً للقمة لمكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي، ودوره بوصفه وجهة تجمع القادة والمبدعين والممارسين والمؤسسات الناشطة في مختلف المجالات الإبداعية.

كما تسهم الشراكة بين القمة وحي جاكس في ربط مجتمع الاقتصاد الإبداعي السعودي بالوكالات الإقليمية وقادة الأسواق العالمية، وتوفير مساحة تجمع المبدعين وصنّاع القرار والخبراء لتبادل المعرفة والتعاون وبناء علاقات مهنية فاعلة.

اختيار حي جاكس مقراً للقمة يعكس مكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي

وقالت مي سلامة، الشريكة المؤسسة لـ«قمة الإبداع»: «نسعد كثيراً بإقامة المهرجان في الرياض، ولا يوجد مكان نفضل استضافته فيه أكثر من حي جاكس، فهو ليس مجرد موقع للفعاليات، بل القلب النابض للنهضة الثقافية والفنية التي تشهدها المملكة».

وأضافت: «من خلال جمع مجتمع الاقتصاد الإبداعي في المنطقة تحت مظلة المهرجان، نبني مساحة للحوار والتواصل وتبادل المعرفة. وتحمل نسخة العام الحالي أهمية خاصة بالنسبة إلينا؛ لأن شعار (وراء كل ذكاء... إنسان) يذكّرنا بوضوح بأن إنسانيتنا ستظل أهم ما نملكه في عالم يزداد اعتماداً على الخوارزميات والأتمتة».

وتابعت: «نجتمع هذا العام للاحتفاء بالقادة والمبدعين والمستثمرين ورواد الأعمال وصنّاع الأفلام والعاملين في الصناعات الإبداعية».

من جانبها، قالت آية البكري، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بينالي الدرعية: «يحتضن حي جاكس مجتمعاً متنامياً من القادة والمبدعين العاملين في مجالات الفنون والتصميم والإعلام والحرف. وتجمع قمة الإبداع العاملين في الصناعات الإبداعية، وتتيح لهم حواراً مباشراً داخل المنظومة التي تدعم أعمالهم على مدار العام».

وأضافت: «يسعدنا استقبال قمة الإبداع في حي جاكس للعام الثاني، ونتطلع إلى ما ستنتجه أيامها الثلاثة من أفكار وفرص جديدة للتواصل».

وعلى مدى 13 عاماً من حضورها في المشهد الإبداعي بالمنطقة، أسهمت القمة في تمكين الأفراد وتطوير الأعمال ودعم نمو الاقتصاد الإبداعي، وتركت أثراً واضحاً في صناعات عدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وحققت نسخ القمة السابقة أكثر من 280 مليون ظهور رقمي، وأسهمت في بناء مجتمع إبداعي إقليمي واسع يضم آلاف المتحدثين ومئات الآلاف من الحضور، فيما سجلت النسخة الماضية وحدها حضوراً قياسياً بلغ 21 ألف زائر خلال 3 أيام.


حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
TT

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)

تسبَّب اللحن التراثي المصري «زوروني كل سنة مرة»، لـ«فنان الشعب» الموسيقار المصري الراحل سيد درويش، في إثارة جدل حول حقوق الأغنية وأصلها، خصوصاً بعد تقديم الفنانة السورية أصالة نصري أغنية «على روض الحبيب»، خلال إحيائها حفلاً في بلدها سوريا بعد سنوات من الغياب. وأكدت أصالة أمام الحضور أن اللحن من تراث اللاذقية، رغم تشابهه مع لحن «زوروني كل سنة مرة»، وفقاً لنقاد ومتابعين.

ورفض الجمهور والنقاد، في تعليقات ومشاركات كثيفة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما قالته أصالة في المقطع الذي جرى تداوله على نطاق واسع خلال اليومين الماضيين، معبّرين عن استيائهم مما حدث. وأكدوا أن اللحن من التراث المصري، وموثَّق باسم سيد درويش الذي رحل منذ أكثر من قرن، مطالبين الفنانة السورية بإثبات حديثها بوثائق رسمية، بدلاً من الكلام المرسل.

وبدورها، أصدرت جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية، السبت، بياناً أكدت فيه متابعتها ما أُثير حول أغنية «على روض الحبيب»، التي أدَّتها أصالة، وما أُعلن بشأن نسبة لحنها إلى التراث السوري، وتحديداً إلى تراث اللاذقية.

وأكدت الجمعية أن تناولها هذا الموضوع لا يستهدف أصالة، لكن إعلانها أن اللحن من التراث السوري يحمّلها مسؤولية مهنية في تحرّي الدقة والتثبّت من صحة هذه النسبة، والأساس الذي استندت إليه في الجزم بأنه من التراث السوري، وما إذا كان ذلك يستند إلى دليل موثوق به.

ورأت الجمعية المصرية أن الأمر لا يقتصر على تشابه عابر، بل إن «البنية اللحنية» الأساسية تتطابق بصورة واضحة مع لحن «زوروني كل سنة مرة» لسيد درويش، مع بعض «التحويرات والتنويعات» في الصياغة؛ إذ تظل الملامح الأساسية للحن حاضرة من حيث البناء، والمسار النغمي، والتفعيلات الزمنية والإيقاعية، والإطار المقامي، والعلاقات بين الجمل الموسيقية.

إلا أن محمد حسن سيد درويش، حفيد «فنان الشعب»، دخل على خط الأزمة بموقف مغاير، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما صدر عن جمعية المؤلفين والملحنين كان يهدف إلى الدفاع عن الحقوق بوجه عام. وأضاف: «بصفتي حفيداً لسيد درويش، والحارس القضائي على تراثه الفني، واستناداً إلى دراستي الموسيقية، أوضح أنه، بمقارنة ما تغنَّت به أصالة في لحن (على روض الحبيب) بلحن (زوروني كل سنة مرة)، يتبيّن أنه لا يمت إليه بأي صلة».

وأضاف حفيد «فنان الشعب»: «يتفق اللحن الأول مع الثاني من حيث المقام الموسيقي والإيقاع، لكنه لا يرتبط بالنوتة الموسيقية الخاصة به». وأشار إلى أن أصالة أوضحت على المسرح أن اللحن يحمل روح التراث وعبقه، ويعود إلى أجواء الموسيقى القديمة، مثل موسيقى سيد درويش.

أصالة قدمت حفلاً في سوريا بعد فترة غياب طويلة (حسابها على «فيسبوك»)

وأكدت «ساسيرو» في بيانها أن موقفها «لا يأتي لمجرد أن سيد درويش أحد أعضائها، وإنما ينطلق من مسؤوليتها عن حماية التأليف الموسيقي المصري، وصون تراثه، والدفاع عن حقوق مبدعيه».

ورداً على أنباء اعتزامه اتخاذ إجراءات قانونية ضد الفنانة السورية، أوضح حفيد سيد درويش أنه لم يقصد أصالة، التي يكنّ لها كل تقدير واحترام، بهذا التصريح، بل كان يتحدث بصورة عامة، قبل أن يوضع حديثه في سياق مختلف. وأضاف أن «استخدام أي لحن لسيد درويش من دون الرجوع إليه، بصفته الحارس القضائي على تراثه، والحصول على موافقة كتابية موثَّقة في الشهر العقاري، حفاظاً على حقوق الورثة، سيدفعه إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد المخالفين».

بدوره، كشف الدكتور مدحت العدل، رئيس جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين»، لـ«الشرق الأوسط»، أن اتخاذ الجمعية إجراءات قانونية لا بد أن يكون بناءً على طلب العضو، وهو ما لم يحدث، مؤكداً اكتفاء الجمعية بإصدار البيان الرسمي.

وعن أصل أغنية «زوروني كل سنة مرة»، أوضح الناقد الفني المصري أحمد السماحي، لـ«الشرق الأوسط»، أن الأغنية أثارت جدلاً كبيراً منذ سنوات طويلة، رغم شهرتها بألحان سيد درويش وكلمات محمد يونس القاضي. وكان حامد مرسي أول من قدَّمها عام 1917، ثم أصبحت لاحقاً واحدة من أشهر كلاسيكيات الغناء العربي، وغنّاها محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وفيروز، وفرق الموسيقى العربية في مصر والعالم العربي.

ونوَّه السماحي إلى أن بعض الباحثين قالوا إن الأغنية تعود إلى الموسيقار والمنشد العراقي الملا عثمان الموصلي، وإنها كانت تُؤدَّى في سياق ديني بكلمات مختلفة، أبرزها «زُرْ قبر الحبيب». لكنه أشار إلى أن لحن الموصلي ظهر عام 1925، ومن ثمَّ لا علاقة له بلحن سيد درويش، خلافاً لما يردّده البعض، مؤكداً أن «زوروني كل سنة مرة» تعود إلى التراث المصري دون سواه.


نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
TT

نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)

أظهرت دراسة دولية أن نوافذ ذكية تستجيب تلقائياً لتغير درجات الحرارة يمكن أن تساعد في خفض استهلاك المباني للطاقة وتحسين الراحة الحرارية، من دون الحاجة إلى مصدر كهرباء خارجي أو أجهزة استشعار وأنظمة تحكم معقدة.

وأوضح باحثون من جامعة ساوث إيست الصينية وجامعة كونكورديا الكندية، أن هذه النوافذ يمكن أن تصبح عنصراً نشطاً في التحكم بدرجة حرارة المباني، بما يفتح المجال أمام تقليل الطاقة اللازمة للتبريد والتدفئة، مع الحفاظ على الاستفادة من الضوء الطبيعي. ونشرت نتائج المراجعة، الجمعة، في دورية «Science Bulletin».

وتمثل النوافذ جزءاً مهماً من المباني، إذ تسمح بدخول الضوء الطبيعي، وتوفر إطلالات على الخارج، لكنها في الوقت نفسه تعد من نقاط الضعف في غلاف المبنى، ويمكن أن تتسبب في فقدان الحرارة أو اكتسابها بصورة غير مرغوبة، ما يزيد الحاجة إلى أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء.

وأجرى الفريق مراجعة لرصد التطورات الرئيسية في تقنية تعرف باسم «النوافذ المتغيرة حرارياً»، إلى جانب التحديات التي لا تزال تعوق استخدامها على نطاق واسع.

وتعتمد هذه النوافذ على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة؛ ففي الظروف الباردة، تصبح أكثر شفافية، بما يسمح بدخول مزيد من الضوء الطبيعي والاستفادة من الحرارة الآتية من أشعة الشمس، بينما تقلل في الأجواء الحارة من نفاذ الطاقة الشمسية إلى داخل المبنى، خصوصاً الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء. ويمكن لهذه الخاصية أن تحد من اكتساب المبنى للحرارة خلال الفترات الحارة، وبالتالي تخفف الحمل الواقع على أنظمة التبريد، من دون الحاجة إلى تشغيل النافذة بالكهرباء بصورة مستمرة. وتتغير الخصائص البصرية لهذه النوافذ عند بلوغ درجة حرارة معينة، فتتبدل قدرتها على السماح بمرور الضوء والطاقة الشمسية، وتختلف آلية عملها حسب المواد المستخدمة.

وشملت المواد التي تناولتها المراجعة «ثاني أكسيد الفاناديوم»، و«بيروفسكايت الهاليد»، والمواد الهلامية المائية، والبلورات السائلة، والسوائل الأيونية.

ووفقا للباحثين، تتمتع هذه المواد بخصائص مختلفة؛ فبعضها يمتلك قدرة جيدة على التحكم في الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء، بينما يوفر بعضها الآخر تغيراً قوياً في الخصائص البصرية، أو يسمح بضبط درجة الحرارة التي تبدأ عندها عملية التحول.

لكنّ الباحثين أوضحوا أن نقل هذه التقنية من المختبر إلى المباني يواجه تحديات عدة، من بينها ارتفاع درجة حرارة التحول في بعض المواد، وتغير لون الزجاج، والضبابية، والحساسية للرطوبة، والإجهاد الميكانيكي، وعدم الاستقرار على المدى الطويل.

كما تعتمد فاعلية النوافذ المتغيرة حرارياً بدرجة كبيرة على المناخ، واتجاه واجهة المبنى، ونوعه، وتصميم الزجاج. وقد تكون أكثر فائدة في المناطق التي تسود فيها الحاجة إلى التبريد، بينما يمكن لتصميم غير مناسب أن يحجب الحرارة الشمسية المفيدة في المناطق التي تحتاج إلى التدفئة.

ويرى الباحثون أن تطوير هذه التقنية يجب ألا يركز على تحسين المواد وحدها، بل ينبغي أن يتجه أيضاً إلى دمج النوافذ في أنظمة المباني، بما يشمل التدفئة والتهوية وتكييف الهواء والإضاءة ووسائل التظليل.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني أن النوافذ المتغيرة حرارياً يمكن أن تحل محل أجهزة التكييف، وإنما تشير إلى إمكانية استخدامها لتقليل كمية الحرارة التي تدخل المبنى، وبالتالي خفض الطاقة التي تحتاج إليها أنظمة التبريد، مع اختلاف الفائدة المتوقعة وفقاً للظروف المناخية وتصميم المبنى.