بعد 44 عاماً على إطلاقه، تتبلور أمامنا اليوم بعض الرؤى الأساسية التي قام عليها فيلم «بلايد رَنر» (Blade Runner) للمخرج ريدلي سكوت، المأخوذ عن رواية لفيليب ك. ديك بعنوان «هل تحلم الأندرويدات بالخراف الإلكترونية؟ (Do Androids Dream of Electric Sheep؟).
تدور أحداث الفيلم والرواية التي اقتُبس عنها في عام 2019. ومن منظور عام 1982، حين أُنجز الفيلم، كانت المسافة الزمنية كافية لتخيّل العالم الذي نعيش فيه اليوم بكل إنجازاته ومخاطره العلمية. وخلال الربع الأول من هذا القرن، تم تطوير الروبوتات واستخدام متطوعين من البشر في تجارب الحمض النووي (DNA)، وصولاً إلى شيوع الذكاء الاصطناعي، الذي كان عنوان فيلم ستيفن سبيلبرغ «A.I.: Artificial Intelligence» عام 2001، والذي توقع تطوّر الإنسان الآلي في هذا العصر.
هناك أفلام كثيرة أخرى تناولت أحداثاً تقع في الربع الأول من هذا القرن، مثل «العودة إلى المستقبل» (Back to the Future) الذي أخرجه روبرت زيميكيس عام 1989 وتقع أحداثه في عام 2015. وقبله أنجز ريتشارد فلايشر فيلم «Soylent Green» عام 1973، الذي تدور وقائعه في عام 2022. لكن الفيلم الذي يُعدّ الأب الروحي لصورة المستقبل المتخيَّل هو «2001: أوديسا الفضاء» (2001: A Space Odyssey). وقد أنجزه ستانلي كوبريك عام 1968، محذّراً من مستقبل يسيطر فيه العلم على شتى شؤون الحياة ويتمرّد على الإنسان الذي صنعه، في توليفة تذكّر بالوحش الذي تمرّد على خالقه في رواية «فرانكنشتاين».
عنوان لافت بلا دلالات

لكن «بلايد رَنر» يختلف تماماً عن تلك الأفلام وغيرها من أعمال الخيال العلمي. ففي اختلافاته قراءات مهمة لطبيعة المستقبل الذي نعيشه، وللعلم بوصفه سلعة، ولحياة الكائنات المصنوعة علمياً، وللبيئة الملوّثة، وللأيديولوجيا التي تدور الأحداث في إطارها. وكل ذلك يُقدَّم ضمن مغامرة ذات طابع قاتم يستلهم أفلام «الفيلم نوار» (film noir) داخل منظومة الخيال العلمي.
وفي تلخيص لا يفسد متعة المشاهدة لمن لم يشاهد الفيلم بعد، تدور الأحداث في مدينة لوس أنجليس عام 2019، حيث نجح العلم في صنع روبوتات متطورة تشبه البشر تماماً من حيث الإحساس والسلوك والقوة والقدرة على النطق. وأُطلق عليها اسم «مستنسخين» (Replicants) وأُرسلت للعمل في الفضاء. لكن أربعة منها تمرّدت وعادت إلى الأرض من دون إذن صانعيها، ما عُدَّ تهديداً للبشر. عندها تلجأ مؤسسة «تايريل كوربوريشن» إلى المقاتل المحترف ريك ديكارد (هاريسون فورد) لتعقب هؤلاء الروبوتات والقضاء عليهم. غير أن ديكارد يكتشف أن القضية أكثر تعقيداً مما تبدو عليه، وأن المؤسسة تخفي أسراراً خطيرة تتعلق بالتلاعب بالذاكرة البشرية واستبدال الذكريات المصطنعة بها.
بدايةً، ليس هناك معنى مباشر للكلمتين المستخدمتين في العنوان «Blade Runner». وترجمتها الحرفية إلى «راكض النصل» لا تشرح مدلولها الفعلي داخل الفيلم. وهكذا يضيف العنوان مزيداً من الغموض والخصوصية إلى العمل. والأهم، أن رواية فيليب ك. ديك لا تحمل هذا العنوان أصلاً، علماً بأن هناك رواية أخرى للخيال العلمي كتبها آلان إي. نورس بعنوان «Bladerunner» عام 1974، لكنها لا ترتبط برواية ديك أو بالفيلم.
كذلك، لا يسعى الفيلم إلى تفسير عنوانه. فلا يوجد حوار مباشر يشير إليه، ولا رابط واضح بينه وبين الأحداث. وفي المقابل، ترتبط عناوين كثيرة في أفلام الخيال العلمي الأخرى بمضمونها، مثل «Capricorn One» الذي يشير إلى مشروع رحلة إلى المريخ، و«سوليانت غرين» هو اسم مصنع يوفر طعاماً من لحوم البشر، «ترميناتور» هو عن مخلوق فضائي يهبط ليقوم بمهمّة القضاء على أم وابنها الذي قد يكون المسيح المنتظر، حسب الفيلم.
مسائل شائكة

بتجاوز هذه النقطة، تتبدى مفاهيم ومضامين عدّة تستحق التوقف عندها؛ لأنها لا ترد عبثاً أو لمجرد إثارة التساؤلات.
في صميم المهمة التي يتولاها ريك ديكارد يكمن اكتشافه أن الكائنات التي يُطلب منه القضاء عليها تبدو بشرية بالكامل. ولذلك تصبح مهمته شاقة؛ إذ يجد نفسه أمام واقع يختلط فيه الإنسان بالآلة إلى حد انعدام اليقين. وفي الوقت نفسه، يوظف الفيلم هذا الالتباس لتوجيه نقده إلى العلم المنفلت من الضوابط، لا إلى الروبوتات نفسها، بل إلى البشر الذين صنعوها.
انطلاقاً من هذا التحديد، يطرح الفيلم مسألة شائكة حول العلم حين يتجاوز المنطق ويتجاهل المخاطر ويتوسّع في محاولة فهم الطبيعة الإنسانية لمن هم بشر والطبيعة الاصطناعية لمن هم مخلوقات آلية. تتداخل في هذا الشأن مسألة أخرى مهمّة. البشر الحقيقيون في هذا الفيلم، وبينهم ديكارد، لا يعكسون عاطفة في حين تحاول المخلوقات التواصل عاطفياً مع الإنسان. في النهاية يفهم ديكارد هذه المسألة حين يشعر بالعاطفة حيال الطريدة الأخيرة راتشل (شون يونغ) في الوقت الذي يقف على غايات غير مشروعة للمؤسسة.
ورغم أن الفيلم يبدأ من منطق «نحن الأخيار وهم الأشرار»، فإنه يمنح المستنسخين حق البحث عن تاريخ وهوية ومعنى لوجودهم. وعندما تنكشف الحقائق، تصبح المؤسسة العلمية هي الطرف المُدان، لا الكائنات التي صنعتها وتسعى إلى التخلص منها.
كل ذلك يجري في عالم موبوء؛ فالبيئة الطبيعية ملوثة، والمدينة مكتظة إلى حد الاختناق، في حين يتكرر حضور المطر والليل شبه الدائم، إلى جانب خليط بشري يعيش على هامش المجتمع.
نبوءة مشتركة
في مقابلة أجريتها مع ريدلي سكوت بعد 20 عاماً على إنجاز الفيلم، قال إن «بلايد رَنر» قبل كل شيء فيلم تشويقي يستند إلى تقاليد أفلام التحري والمطاردة.
وأضاف: «الفارق أن الأشخاص الذين تتم مطاردتهم ليسوا بشراً، وأن العالم لم يعد كما عهدناه، والمسائل لم تعد واضحة. الحقيقة والكذب امتزجا إلى درجة يصعب معها التمييز بينهما».
• يصوّر الفيلم مستقبلاً لمجتمع يسوده الاستبداد ويعاني كارثة بيئية. هل كان هذا تصورك للمستقبل؟
- كان تصوراً مشتركاً بيني وبين فيليب ك. ديك وكاتب السيناريو هامبتون فانشر، لكنه ليس حكراً علينا. العالم يتطور بلا ضوابط واضحة، والعلم يتجه نحو المادة والاستهلاك بعيداً عن خدمة الإنسان. لذلك؛ سعى الفيلم إلى تقديم نبوءة تستند إلى تقاليد الخيال العلمي في استشراف مستقبل قاتم.
• هذا فيلم كلاسيكي في تاريخ الخيال العلمي... هل تفكر في جزء ثانٍ؟
- لا. علينا أن نكتفي به وحده.
لكن ذلك لم يحدث. ففي عام 2017 أخرج دنيس فيلنوف الجزء الثاني بعنوان «Blade Runner 2049»، الذي تدور أحداثه بعد 30 عاماً من أحداث الفيلم الأول، ويتابع شخصية جديدة تدعى K (يجسدها رايان غوسلينغ) في عالم يبدو أنه تجاوز مرحلة الإنقاذ.








