قال المخرج المغربي ياسين الإدريسي إن فيلمه الروائي الطويل «حليمة» جاء ثمرة سنوات طويلة من الاحتكاك بالناس المهمشين خلال عمله مصوراً صحافياً في مختلف مناطق المغرب، مؤكداً أنه كان يشعر دائماً بأن هناك قصصاً إنسانية حقيقية لا تجد طريقها إلى السينما، وهو ما دفعه إلى البحث عن لغة بصرية مختلفة تعكس واقع هؤلاء الناس بعيداً عن الصور النمطية.
وأضاف ياسين الإدريسي في لقاء مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم» أن تجربته في الصحافة كانت نقطة التحول الأساسية في مسيرته الفنية، إذ أتاحت له التعرف إلى عوالم وشخصيات ظلت غائبة عن الشاشة، موضحاً أنه لم يكن مهتماً بتقديم أفلام تسعى فقط إلى إرضاء المهرجانات الأجنبية، بل أراد الاقتراب من الواقع المغربي، وتقديم وجوه وقصص لا تحظى عادة بالاهتمام السينمائي.
وعرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «شنغهاي السينمائي الدولي»، وحصد جائزتي «أفضل مخرج» للإدريسي، و«أفضل ممثلة» لبطلته خديجة عماري.

وتدور أحداثه حول امرأة مسنة تعيش بالقرب من البحر قبل أن يغير اتصال هاتفي مفاجئ مجرى حياتها، ويجبرها على مواجهة ماضٍ حاولت إخفاءه لسنوات، بما في ذلك علاقتها بتجارة القنب غير القانونية، ومن خلال التنقل بين الحاضر وذكريات الماضي، يكشف الفيلم جوانب إنسانية معقدة لشخصية تقاوم ظروفها، وتحاول التمسك بكرامتها وسط عالم مليء بالتحديات.
وأكد المخرج المغربي أن فكرة الفيلم ظلت ترافقه لسنوات طويلة، لكونه يعرف الكثير من الأشخاص المرتبطين بهذه البيئة الاجتماعية، لكنه لم يجد أعمالاً سينمائية تتناول حياتهم ومعاناتهم بصورة إنسانية، مشيراً إلى أنه لم يتمكن من الحصول على دعم لإنتاج فيلم روائي طويل، ما دفعه إلى تمويل المشروع بنفسه تدريجياً، مستفيداً من عمله في مشاريع أخرى لتأمين الميزانية اللازمة حتى يرى الفيلم النور بعد رحلة استغرقت نحو أربع سنوات بين الكتابة، والتصوير، والمونتاج.
وكشف الإدريسي أن اسم الفيلم وشخصيته الرئيسة يحملان ارتباطاً شخصياً بحياته، إذ استلهم اسم «حليمة» من جدته، التي وصفها بأنها كانت امرأة قوية، وصبورة، وصاحبة شخصية مؤثرة داخل الأسرة. لكنه شدد على أن الشخصية ليست نسخة من جدته، بل هي مزيج من نساء كثيرات التقى بهن خلال حياته المهنية، موضحاً أن الذاكرة لا تنقل الأشخاص كما هم، بل تعيد تشكيلهم، وتخلط بين التفاصيل والتجارب لتولد شخصيات جديدة أكثر ثراءً، وتعقيداً.

وأضاف أن اختياره لبطلة متقدمة في العمر كان مقصوداً، لأن المفاجأة الدرامية تكمن في اكتشاف أن هذه المرأة الهادئة والبسيطة تحمل تاريخاً غير متوقع، وتجارب لا تبدو ظاهرة للعيان، مؤكداً أن السينما بالنسبة إليه يجب أن تدفع الجمهور إلى اكتشاف ما هو غير متوقع داخل الشخصيات العادية، لأن كثيراً من الناس يعيشون حياتهم اليومية بصورة طبيعية، بينما يخفون قصصاً وتجارب لا يعرفها أحد.
وعن اختيار بطلة الفيلم، أوضح أنه كان يمتلك تصوراً واضحاً للشخصية أثناء الكتابة، والتقى عدداً من الممثلات قبل أن يستقر على خديجة التي خضعت لاختبارات أداء استمرت ثلاثة أيام كاملة، مشيراً إلى أنه شعر منذ البداية بأنها تمتلك الصبر والعمق الإنساني اللازمين للفيلم.
وأكد الإدريسي أنه يفضل منح الممثلين مساحة واسعة للتعبير عن فهمهم الخاص للشخصيات قبل التدخل بالتوجيهات، موضحاً أنه يبدأ بمراقبة ما يقدمونه أمام الكاميرا، ثم يعمل على إدخال تعديلات تدريجية للوصول إلى الإيقاع والشعور اللذين يبحث عنهما. وأضاف أن التفاصيل الصغيرة -مثل الصمت بين الجمل، أو طريقة النظر، أو التوقف القصير قبل الكلام- يمكن أن تصنع فارقاً كبيراً في صدق المشهد، وتأثيره.
وتحدث عن كون محدودية الميزانية فرضت تحديات كبيرة على التصوير، إذ جرى تنفيذ الفيلم على مراحل متقطعة امتدت لفترة طويلة، كما اضطر إلى تولي عدد كبير من المهام بنفسه، بينها الإنتاج، والمونتاج، وكتابة السيناريو، والإخراج، والإشراف على الجوانب الفنية المختلفة، ورغم صعوبة التجربة، فإن الإدريسي يرى أن هذه الظروف منحته حرية كاملة في تنفيذ رؤيته السينمائية.

وعن مشاركته في مهرجان «شنغهاي السينمائي الدولي»، قال الإدريسي إنه كان واثقاً من قدرة الفيلم على الوصول إلى المهرجانات بحكم خبرته السابقة، لكنه لم يكن يتوقع المشاركة في مسابقة بهذا الحجم، معتبراً أن فوزه بجائزة «أفضل مخرج» جاء مفاجئاً بالنسبة إليه، في ظل منافسة أعمال ضخمة لمخرجين يمتلكون تجارب طويلة، وإمكانات إنتاجية كبيرة.
وأوضح أن الجائزة التي كان يتوقعها أكثر من غيرها كانت جائزة التمثيل، نظراً لما قدمته البطلة من أداء استثنائي، مؤكداً أن نجاحها يعني نجاح رؤيته في إدارة الممثلين، وبناء الشخصيات.
وحول تجربته في الانتقال من الأعمال الوثائقية إلى الأفلام الروائية عبر «حليمة»، أكد الإدريسي أنه لا ينظر إلى السينما الروائية والوثائقية باعتبارهما عالمين منفصلين، بل يرى أن كليهما يعتمد على وجهة نظر المخرج، وطريقته في رواية الحكاية، لأن كل فيلم يفرض بنفسه أسلوبه البصري، والسردي، بينما يقتصر دور المخرج على ترجمة القصة إلى صورة وصوت يصلان إلى الجمهور.












