يفتح أدهم الدمشقي باب بيت عائلته القديم في الجعيتاوي، بالأشرفية البيروتية، كما لو أنه يفتح باب الذاكرة لا باب المكان. في منزل يناهز عمره 100 عام، تقترب مسرحية «صاج» من شكل مسرحي يصعب وضعه تحت تسمية واحدة. فهي ليست عرضاً منزلياً بالمعنى المُتعارَف عليه، ولا سيرة شخصية على الخشبة، ولا تندرج بالكامل ضمن الشهادة العائلية. إنها تجربة تشتغل على أدوات المسرح الحميم ومادته الإنسانية، حيث يغدو البيت جزءاً من البنية الأدائية، وتصبح الذاكرة نصّاً متحرّكاً، ويجلس الجمهور شاهداً على ما ظلّ طويلاً داخل الجدران.

يستقبل الدمشقي الحاضرين في بيته، يُقدّم لهم شراب المتّي ويُهيئهم للدخول إلى عالمه. الكراسي عادية، والمسافة بين المؤدّي والجمهور قصيرة، حتى تكاد تزول. لا ستارة تفصل الخارج عن الداخل، ولا خشبة مرتفعة تمنح الممثل سلطة الوهم. كلّ شيء مكشوف؛ الجدران واللوحات وتفاصيل البيت وأثر الزمن، وذاكرة أمّ تجلس إلى جانب ابنها لتستعيد ما عاشته من غير تنميق زائد أو بناء مسرحي مُحكَم.

تُشارك شكرية عزّام، والدة أدهم، في العرض بطريقة تمنحه خصوصيته؛ فهي لا تؤدّي نصّاً محفوظاً، إنما تستدعي مادتها من ذاكرتها. تتحدَّث عن الحرب والتهجير ومرض الزوج والعبء الذي حملته بعد رحيله، وعن سنوات كان عليها فيها أن تنهض بالعائلة من الخسارة والإنهاك. ما تقوله لا يخضع دائماً لقواعد الصقل، وهذا يمنح التجربة قوتها. فالكلام يخرج كما تفرزه الذاكرة، بطرافته ووجعه ونِتَفه المنسيّة، وبما يحمله من عفوية لا تُكتَسب بالتدريب أو التمرين.

يبدأ العرض من منعطف شخصي جداً في علاقة الابن بأمه. كان أدهم يعرف شكرية امرأةً ربّته ورعت شقيقاته بعد مرض الأب ووفاته، وهو في التاسعة من عمره. لكنه، كما يوحي العمل، لم يكن يعرفها كاملة. عرف الأم في صورتها الوظيفية داخل العائلة. الأم الحامية والمُعيلة والساهرة والحاضرة. ثم جاء الانفتاح المُتبادل بينهما ليكشف امرأة أخرى خلف صورة الأم. امرأة لها ماضٍ وأسرار وشقاء وحكايات وتفاصيل لم تكن مُتاحة للابن. من هذه المسافة بين المعرفة والحَجِب، تبني «صاج» مادتها من ابن يُنقّب في ذاكرته وأمّ تسمح لذاكرتها بأن تُقال على الملأ.
هنا إشكالية العمل وجمال مخاطره. إخراج الأسرار العائلية إلى الجمهور فعلٌ شديد الحساسية. المسرح في هذه الحالة ينقل الخاص إلى منطقة المُشارَكة العامة. العائلة تفتح دفاترها أمام غرباء، والبيت يُسلّم شيئاً من باطنه لمَن يدخلونه لمدّة محدودة. قد تحمل هذه المغامرة في طياتها احتمال الانزلاق إلى استثمار الوجع الشخصي أو تحويل ذاكرة الأم إلى مادة فنّية تُستهلك أمام الجمهور. وإنما «صاج» تتفادى هذا المطبّ من خلال طبيعة العلاقة بين أدهم ووالدته، والمساحة التي تُمنح لها لتكون صاحبة روايتها، وليست موضوعاً داخل رواية ابنها. الأم أيضاً صوتٌ مستقلّ وجريء وقادر على أن يضحك من ذاكرته ويفتح جروحه من دون أن يفقد كرامته.

يُدير أدهم الدمشقي هذا العالم بحذر ابن يعرف أنّ الاقتراب من ذاكرة الأم يحتاج إلى رهافة. لا يضع نفسه في مركز البطولة ولا يُحوّل العمل إلى احتفاء بذاته. حضوره يأتي من موقع الابن الذي رافق أمه طفلاً في سعيها لتأمين العائلة، والتصق بها بعلاقة خاصة، خصوصاً أنه الشاب الوحيد في بيت رحل عنه الأب باكراً وبقيت فيه الأم مع البنات. لذا، لا يُختَزل العرض في النبش المجاني. إنه محاولة لفهم السلالة العاطفية التي صنعت كاتبه: من أين جاء، كيف كبر، أيُّ تعب حملته أمه عنه، وأيُّ أسرار تأخَّر في معرفتها.

يلعب البيت دوراً أساسياً في هذه التجربة. لوحات أدهم الدمشقي على الجدران، تفاصيل المكان، حكاية الكلب، حرارة المطبخ القريب... تمدّ العمل بجذور حسّية. البيت شريك في الأداء. يحمل آثار العائلة ويمنح الذاكرة جسداً. لذلك تنبع الحميمية من المكان أيضاً، وليس من الكلام وحده. فالمسرح قد يولد أحياناً من مائدة. من كرسي. من إبريق ماء يغلي على الغاز. ومن جدار يكتم أسرار أصحابه.
وفي النهاية، يجلس الحاضرون إلى طاولة ويتشاركون مناقيش الصاج من إعداد والدة أدهم، من المخبز الذي يتوسّط غرفة مجاورة لغرفة الأداء. يصبح الطعام امتداداً للعرض. ما قيل بالكلام يُستَكمل بالخبز. الذاكرة التي خرجت من الفم تعود إلى اليد. إلى العجين. إلى النار. إلى فعل الإطعام، لتصبح المنقوشة خاتمة مسرحية. فالأم التي روت تعبها لا تُغادر موقع الرعاية، والابن الذي فتح البيت يترك للجمهور أن يتذوَّق شيئاً من تاريخه العائلي.





