ليلة حب استثنائية لدعم لبنان أدارها العالمي إبراهيم معلوف في باريس

تنظيم «معهد العالم العربي» برعاية الرئيس إيمانويل ماكرون

الفنانون على المسرح... وإبراهيم معلوف يبكي وهو يقرأ كلمات أغنيته (الشرق الأوسط)
الفنانون على المسرح... وإبراهيم معلوف يبكي وهو يقرأ كلمات أغنيته (الشرق الأوسط)
TT

ليلة حب استثنائية لدعم لبنان أدارها العالمي إبراهيم معلوف في باريس

الفنانون على المسرح... وإبراهيم معلوف يبكي وهو يقرأ كلمات أغنيته (الشرق الأوسط)
الفنانون على المسرح... وإبراهيم معلوف يبكي وهو يقرأ كلمات أغنيته (الشرق الأوسط)

حفل خيري لدعم لبنان، نظمه «معهد العالم العربي» في باريس، بإدارة فنية مشتركة من الموسيقي إبراهيم معلوف والفنانة هبة طوجي، وذلك برعاية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وأتى هذا الحفل الاستثنائي الذي جمع نخبة من الفنانين في غالبيتهم لبنانيون أو من أصول لبنانية، في إطار جهود فرنسية للتضامن مع لبنان في محنته، بحيث خصصت عائداته بالكامل لمنظمات غير حكومية.

بحبك يا لبنان زينت واجهات معهد العالم العربي (الشرق الأوسط)

مساء الأربعاء كانت الباحة الخارجية لـ«معهد العالم العربي» في باريس، قد استعدت لاستقبال ضيوفها، وعلى خشبة المسرح الذي انتصب في الهواء الطلق، تناوب الفنانون المشاركون ومنهم أسامة الرحباني، وأميمة الخليل، وتانيا صالح، كذلك كان فرنسيون من أصول لبنانية، إيكاري (حسن عطية)، والأخوان ساري وعياد خليفة، وناش (أنّا شديد)، وفيرني روج (مانو دبس) وغيرهم. أما إبراهيم معلوف عازف البوق العالمي الموهوب، وهو مدير الحفل، ومحركه، فقد بقي على الخشبة يقدم الفنانين، يواكبهم بخفة ظل، ولمحات ذكية، والأهم بكثير من المحبة والدماثة، والحرص على أن تكون تلك الأمسية دعماً مادياً، ولكن معنوياً بشكل خاص: «أردت أن يعرف الذين يتألمون هناك، أننا معهم ونفكر بهم ونتضامن معهم».

إبراهيم معلوف مع أنَّا شديد «حفيدة أندريه شديد» على المسرح (الشرق الأوسط)

غنت هبة طوجي «لا بداية ولا نهاية» بينما شاركها أسامة الرحباني عزفاً على البيانو، في بدء الحفل كما في ختامه. وغنت أميمة الخليل «عصفور طلّ من الشباك» بصوت هادئ حزين. وبما أن إبراهيم معلوف يحب المفاجآت كما قال للحضور فكان ثمة فنانين من خارج البرنامج المعلن، ليضفوا جواً من البهجة على مناسبة ليست بالضرورة فرحة.

كان من الملاحظ أن الخيارات جاءت محافظة على موسيقى تجمع بين الجمالية والتأمل والحنين، كي لا نقول إنها أبقت على شيء من الشجن احتراماً لكل المآسي التي يعيشها لبنان.

لكن عندما اقترب الحفل من منتصفه، وبدا أن الحاضرين تعبوا، خاطبهم معلوف، قائلاً لهم: «المناسبة حزينة، لكن يحق لكم شيئاً من الفرح». لهذا من بين المفاجآت كانت فرقة عازفي الأبواق (مايكل أنج) بموسيقييها الستة الذين عزفوا بمشاركة معلوف، وأضفوا جواً حماسياً بهيجاً، كما دفعوا بالجمهور إلى التصفيق، والرقص، والدندنة، واستعادة الحيوية. ومن خارج البرنامج المعلن جاءت مشاركة الفنان المصري جوزيف كمال بأغنية داليدا «سالمة يا سلامة» على طريقته الخاصة.

عازفو الأبواق الستة من فرقة «مايكل أنج» (الشرق الأوسط)

الرموز مهمة، وهي كانت حاضرة بقوة. أعلام لبنانية، فرنسية وفلسطينية. لفت معلوف أثناء تقديمه الفنانين، إلى أن الجمع الحاضر هو من جنسيات مختلفة، وأديان عدَّة، ومناحي سياسية متباينة، لكن الموسيقى تجمع المختلفين وتنسيهم فروقاتهم. وأكمل ممازحاً «لا بدَّ يُختار السياسيون من بين خريجي المعاهد الموسيقية، ليحل السلام. ربما يكون هذا هو الحل».

أطل سيريل مكاويش على غيتاره ليغني «كما الأرزة في لبنان»، وعزف الشقيقان ساري وإياد خليفة، الأول على التشلّو، والثاني على البيانو قبل أن يأتي دور فرني روج (مانو دبس)، التي أدَّت أغنية مؤثرة عن حنينها إلى لبنان موطن طفولتها. وشرحت قبل بدء الغناء بصوت متهدج، أنها ولدت في لبنان وكبرت فيه، لكنها اضطرت للهجرة عام 2006 إلى وطن أمها الفرنسية بسبب الحرب، إنما قلبها يملأه الحنين، ولكن أيضاً بالحزن على من تركتهم خلفها هناك، وتعرف ما يعانون.

إبراهيم معلوف يبكي أثناء قراءة كلمات أغنيته (الشرق الأوسط)

لربما كان هذا الحفل نموذجاً نابضاً لاكتشاف أهمية مواهب المهاجرين اللبنانيين، خصوصاً الشباب، وكيف أن الغربة شتتهم. فالموسيقي إبراهيم معلوف بموهبته الكبيرة هو ابن شقيق الأديب أمين معلوف، هاجر مع أهله صغيراً بسبب الحرب. الأخوان الموسيقيان الموهوبان خليفة نالا العديد من الجوائز، وهما أبناء عازف الكمان المعروف أنطوان خليفة في الأوركسترا السمفونية الوطنية اللبنانية. أما أنّا شديد (ناس) التي غنت بموهبة لافتة لفيروز «حبيتك بالصيف» بكلمات فرنسية، فهي حفيدة الأديبة الراحلة أندريه شديد، التي كتبت بالفرنسية ونالت شهرة واسعة وترجمت إلى لغات عدة.

وتكريماً للسينما اللبنانية كانت تانيا صالح في أغنية «يا مرايتي» من فيلم «كراميل»، أو «سكر بنات»، في لفتة أيضاً لدور مخرجته نادين لبكي وزوجها الموسيقي خالد مزنر صانع موسيقى الفيلم.

وكما في الافتتاح، غنَّت هبة طوجي في الختام يرافقها أسامة الرحباني على البيانو أغنية «أنا بدي طير ما حدا بيلغي جناحاتي»، مهداة لكل نساء العالم الباحثات عن حريتهن.

وفي لفتة ذكية من منسق هذا الحفل إبراهيم معلوف قرأت الحفيدة شديد، بمشاركة وزيرة الثقافة الفرنسية السابقة ريما عبد الملك، قصيدة لجدتها أندريه شديد فيها حنين وذكريات وبحث عن الوطن.

تحية حب وتضامن من باريس إلى معذبي الوطن (الشرق الأوسط)

واللحظة الأكثر تأثيراً هي حين قرر دينامو الحفل معلوف، أن يقرأ كلمات أغنية كتبها عن ذكرياته في لبنان. لكن حين وصل إلى المقاطع الأخيرة غلبته دموعه، وجاهد ليكمل القراءة، قبل أن يؤدي الفنانون المشاركون معاً، هذه الأغنية المؤثرة التي تجول في شوارع لبنان ومناطقه من الشمال إلى الجنوب، مع وقفه على ميزة كل واحدة من هذه الأماكن، وجماليتها.

وبهذه المناسبة، أُنيرت واجهة «معهد العالم العربي الفنية» بزخرفها الشرقي الجميل، بكلمتين «بحبك يا لبنان» باللغتين الفرنسية والعربية.


مقالات ذات صلة

هيام أبو شديد... مع «الحكي بيناتنا» توصل صوت اللبنانيين في بلاد الهجرة

يوميات الشرق تُعطي دروساً في التمثيل بمدارس كندية (إنستغرام)

هيام أبو شديد... مع «الحكي بيناتنا» توصل صوت اللبنانيين في بلاد الهجرة

نحن نشتاق إلى لبنان حتى ونحن نعيش فيه. نشتاق إليه بعيداً عن الحروب والأزمات، ونأمل أن يعود يوماً كما عرفناه

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق أحياناً نكتشف أنفسنا متأخّرين... على شاشة تلفزيون (إنستغرام)

شقيقان يتسابقان حول العالم... ثم يكتشفان نفسيهما على الشاشة

وثَّق هذا الموسم رحلة الفرق المشاركة وهي تتسابق لمسافة تزيد على 12 ألف كيلومتر عبر أوروبا وآسيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق بعض نجمات الغرب ذات الوشوم باللغة العربية (أ.ف.ب - رويترز)

«أنا لحبيبي» و«ابعد عنّا الشر»... وشوم عربيّة على أجساد مشاهير الغرب

رغم عدم فهمهم اللغة، يختار مشاهير الغرب وشم أجسامهم بكلمات عربية. ما سرّ هذه الظاهرة المنتشرة من أنجلينا جولي إلى جورجينا رودريغيز وصولاً إلى نجوم الكرة؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الممثلة الألمانية ساندرا هولر في جلسة تصوير فيلم «وطن» بمهرجان «كان» (أ.ف.ب)

ساندرا هولر: لا أرفض أي فيلم أراه جيداً

التمثيل المسرحي شكل أرضية مهمة للألمانية ساندرا هولر لتكوين هويتها الفنية وتعليمها أن التمثيل ليس ترفيهاً فحسب، بل مسؤولية.

محمد رُضا‬ (كان)
يوميات الشرق خطوة تُشبه أفلام الخيال العلمي أكثر من الواقع (أ.ب)

«بيضة المستقبل»... تجربة تفقس صيصاناً لأنواع منقرضة

أعلنت شركة للتكنولوجيا الحيوية تسعى إلى إحياء الكائنات المنقرضة نجاحها في فَقْس صيصان حية داخل بيئة اصطناعية...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

سامي الشيخ: تجاوزت فكرة «الشرير التقليدي» في «قانون الفرنساوي»

سامي الشيخ في مشهد آخر من المسلسل (الشركة المنتجة)
سامي الشيخ في مشهد آخر من المسلسل (الشركة المنتجة)
TT

سامي الشيخ: تجاوزت فكرة «الشرير التقليدي» في «قانون الفرنساوي»

سامي الشيخ في مشهد آخر من المسلسل (الشركة المنتجة)
سامي الشيخ في مشهد آخر من المسلسل (الشركة المنتجة)

قال الممثل المصري سامي الشيخ إنه انجذب منذ اللحظة الأولى للمشاركة في مسلسل «قانون الفرنساوي» بسبب طبيعة العالم الذي يقدّمه، موضحاً أنّ العمل لا يعتمد فقط على الإثارة أو الصدامات التقليدية، بل يدخل إلى مناطق نفسية معقَّدة داخل شخصيات «مركَّبة وغير مستهلكة درامياً».

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «السيناريو الذي كتبه آدم عبد الغفار جاء مُكتملاً بصورة نادرة، ممّا جعلني أشعر منذ القراءة الأولى بأن المشروع يحمل لغة مختلفة على مستوى الكتابة والإيقاع وبناء العلاقات بين الشخصيات»، لافتاً إلى أنّ انجذابه للأدوار المعقَّدة يعود إلى رغبته الدائمة في تقديم شخصيات عصية على التوقُّع.

سامي الشيخ في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)

وأكد أنه لا يحبّ فكرة «الشرير التقليدي» الذي يمكن للجمهور فهمه منذ المشهد الأول، بل يفضّل الشخصيات التي تحمل تناقضات داخلية تجعل المُشاهد في حالة شكّ دائم تجاه دوافعها الحقيقية، معتبراً أنّ هذا النوع من الأدوار يمنحه مساحة أوسع للعب النفسي أمام الكاميرا، «لكون الشخصية لا تتحرّك بمنطق واحد أو رد فعل متكرر، وإنما تتبدل باستمرار وفقاً للحظة والصراع الداخلي الذي تعيشه».

وتحدَّث عن طريقته الخاصة في الاقتراب من الشخصيات المركَّبة، موضحاً أنه لا ينتمي إلى المدرسة التي تعتمد على استنزاف الممثل نفسياً أو إدخاله في عزلة شعورية حتى يُصدّق الدور، بل يرى أنّ الأساس الحقيقي يكمن في فَهْم الشخصية وتحليل دوافعها بعمق قبل التصوير، لأنّ فَهْم الدوافع يساعد على تقديم كلّ التفاصيل مهما كانت صعوبتها.

وأشار إلى أنّ من أهم العناصر التي ساعدته في بناء شخصية «يوسف عدلي ثابت» التي يقدّمها في العمل تعاونه مع المخرج والمؤلف آدم عبد الغفار، «فوجود المخرج نفسه كاتباً للعمل خلق حالة من الوضوح داخل موقع التصوير، لأنّ الرؤية الدرامية كانت مكتملة منذ البداية من دون ارتباك أو تضارب في تفسير الشخصيات والأحداث»، وفق قوله.

ولفت إلى أنّ عبد الغفار منحه منذ أول جلسة تحضير ملفاً كاملاً عن الشخصية يتضمَّن تاريخها النفسي وطبيعة علاقاتها وردود فعلها المحتملة، وهو ما عدَّه من أكثر الأمور التي ساعدته على الدخول إلى العالم الداخلي للدور.

من جهته، رأى الفنان المصري أنّ «المميّز في تجربة آدم عبد الغفار أيضاً هو انفتاحه على اقتراحات الممثلين وتفاصيل الأداء، لأنّ بعض المخرجين يرفضون أيّ تغيير في النصّ، بينما كان عبد الغفار يمنح مساحة حقيقية للنقاش ما دامت الإضافة تصبُّ في مصلحة الشخصية والمشهد، وهو نوع من التعاون يخلق حالة ثقة كبيرة لدى الممثل، لأنه يشعر بأنه شريك في صناعة الشخصية وليس مجرّد منفِّذ».

سامي الشيخ وبيومي فؤاد في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)

وعن العلاقة التي جمعته بالفنان عمرو يوسف داخل العمل، قال سامي الشيخ إنّ «التوتر بين الشخصيتين لم يكن قائماً فقط على الصدام الظاهري، بل على فهم نفسي عميق لطبيعة الصراع بينهما»، مضيفاً أنّ بروفات التحضير لعبت دوراً مهماً في بناء هذه الكيمياء قبل بدء التصوير، بعدما أصبح كلّ طرف يعرف جيداً ما الذي تريده شخصيته من الطرف الآخر، وهو ما انعكس لاحقاً على أداء المَشاهد المشتركة بصورة أكثر توتّراً وصدقاً.

ورأى الممثل المصري، الذي يقيم بين مصر والولايات المتحدة الأميركية، أن الأعمال القصيرة أصبحت أكثر قدرةً على خدمة الدراما الحديثة، لأنها تمنح الكتّاب والمخرجين فرصة للتركيز على التفاصيل من دون الوقوع في فخ المطّ والتطويل، مؤكداً أن «المُشاهد اليوم بات أكثر ميلاً إلى الإيقاع السريع والحلقات المكثَّفة التي تعتمد على التطور المستمر للأحداث، لأن بعض الأعمال الطويلة تضطر أحياناً إلى خلق مساحات ممتدّة لا تخدم الحكاية بالضرورة، بينما تمنح الأعمال القصيرة كلّ مشهد ثقله الحقيقي داخل البناء الدرامي».

جانب من جلسات التحضير للعمل (الشركة المنتجة)

وكشف أنّ من أصعب المَشاهد التي واجهته خلال التصوير هي التي تجمع الشخصية بوالدته، موضحاً أنّ «هذا الخطّ كان أساسياً لفهم الجانب الإنساني داخل الشخصية وعدم تقديمها شريراً مسطَّحاً أو كاريكاتيرياً».

وأشار إلى أنّ «هذا المشهد تحديداً حمل بُعداً عاطفياً قاسياً، لأنه يكشف كيف يمكن للإنسان أن يتحوّل تدريجياً إلى شخص عنيف أو مدمِّر نتيجة تاريخه النفسي وعلاقاته المعقَّدة، ولأن تلك اللحظات الإنسانية هي التي تمنح الشخصيات الثقيلة صدقيتها الحقيقية».

وعن مشاريعه الفنّية الجديدة، أكد سامي الشيخ أنه يراهن على تجربته الدرامية الجديدة «الأمير» مع أحمد عز، التي تنتمي إلى نوعية الأعمال الدرامية المغايرة للسائد، وتحمل كثيراً من التفاصيل المختلفة على مستوى السيناريو أو التنفيذ.


شوادر الأضاحي تكرّس حضورها في الشوارع المصرية رغم الغلاء

أحد شوادر الأضاحي في القاهرة (الشرق الأوسط)
أحد شوادر الأضاحي في القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

شوادر الأضاحي تكرّس حضورها في الشوارع المصرية رغم الغلاء

أحد شوادر الأضاحي في القاهرة (الشرق الأوسط)
أحد شوادر الأضاحي في القاهرة (الشرق الأوسط)

تفرض شوادر الأضاحي حضورها في الشارع المصري، رغم ارتفاع أسعار اللحوم. وتتصدَّر الخراف والأغنام سوق الأضاحي مع اقتراب عيد الأضحى المبارك.

ويتراوح سعر الأضحية بين 10 آلاف و15 ألف جنيه (علماً بأنَّ الدولار يعادل نحو 53 جنيهاً مصرياً). وبالاستناد إلى ما أعلنته وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي في إحصائية أصدرتها العام الماضي، يمكن تفسير ذلك، حيث شهدت أعداد الأضاحي خلال عيد الأضحى المبارك لعام 2025 ارتفاعاً بنسبة 11.6 في المائة مقارنة بالعام السابق، وفق ما ذكرته الوزارة. وأضافت في بيان لها: «استقبلت المجازر الحكومية بمختلف المحافظات أكثر من 34 ألف أضحية، مقارنة بـ31 ألف رأس ماشية خلال موسم 2024».

ويفسِّر عبد الرحيم عبده، جزار أربعيني بمنطقة المنيب بمحافظة الجيزة، ذلك بقوله: «كثير من المصريين يحرصون على شراء الأضاحي أو الشراكة فيها، وبعضهم يدخر النقود للالتزام بعاداته في الذبح كل عام». ويعترف عبده في حديثه لـ«الشرق الأوسط» بإمكانية تأثر مبيعاته ؛بسبب ارتفاع الأسعار، لكنه لا يتوقع أن يكون الفارق كبيراً عن العام الماضي.

جانب من الأضاحي في شوارع منطقة المنيب بالجيزة (الشرق الأوسط)

ويشير عبد الرحيم عبده إلى أنَّ معظم عملائه من تجار المنطقة أصحاب محلات العطارة والأدوات الصحية، فضلاً عن ملاك الصيدليات والأطباء، وهم الأكثر حرصاً على شراء الأضحية كل عيد.

أما عن أكثر ما يمكن ملاحظته في أي أضحية، حسب قوله، فهو: «يظهر من أسنانها، فهي التي تشير إلى عمر الذبيحة، وما إذا كانت صغيرة أم كبيرة، كما تكشف الأسنان اللبنية مذاق اللحوم، فضلاً عن نوعية العلف الذي يُقدَّم للأضحية».

ويعدُّ إبراهيم صالح، جزار ستيني بشارع الملك فيصل (غرب القاهرة)، نوع الأضحية سبباً أساسياً لتحديد قيمتها وثمنها. فحسب قوله، يُباع الخروف البلدي «حياً» بسعر 220 جنيهاً للكيلوغرام، والبرقي بسعر 250 جنيهاً، أما الجديان فيُباع الكيلوغرام بـ230 جنيهاً. ويتراوح سعر الفرد الواحد من الغنم عموماً بين 10 آلاف و16 ألف جنيه.

وحسب أبو علي محمود، جزار ستيني بمصر القديمة، فإنَّ هناك أوزاناً يصل سعرها إلى أكثر من ذلك. وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن ارتفاع الأسعار جعله يقلل عدد الأضحيات التي يستعد لتقديمها لزبائنه هذا العام، مشيراً إلى أنَّه يبيع الأضحية البلدي بسعر 230 جنيهاً للكيلوغرام، والبرقي بـ240 جنيهاً، منافساً بذلك جيرانه في المنطقة لأنَّه يُقدِّم لها علفاً من مخزونه الذي يقدِّمه للعجول التي يذبحها أسبوعياً.

أحد الشوادر في شوارع القاهرة (الشرق الأوسط)

وفق المحاسب الخمسيني شريف عبد الحميد، الذي يعيش بمنطقة فيصل، فإنَّ الزيادة الكبيرة في أسعار اللحوم جعلته يصرف النظر عن شراء أضحية هذا العام. وقال لـ«الشرق الأوسط» إنَّ متطلبات أسرته فرضت شروطها على خطته للاحتفال بالعيد بأضحية، مشيراً إلى أنَّه كان يسعى لمشاركة بعض أشقائه في ذلك، لكن ظروفهم كانت عائقاً دون تحقيق ذلك. وأضاف: «سأكتفي بشراء ما يكفي لعائلتي من اللحوم حتى يكون للعيد طعمه مثل كل عام».

ويرى الخبير الاقتصادي، إلهامي الميرغني، أنَّ ارتفاع أسعار اللحوم والأضاحي جعل كثيراً من المصريين غير قادرين على الشراء، حتى انخفض نصيب الفرد من اللحوم الحمراء إلى 7.9 كيلوغرام سنوياً، وفق قوله لـ«الشرق الأوسط».

وعند عقد مقارنة بين نصيب الفرد من اللحوم الحمراء في بعض الدول العربية، قال الميرغني: «نجد أنَّ متوسط نصيب الفرد يصل إلى 56 كيلوغراماً في السودان، و67 كيلوغراماً في موريتانيا، و39 كيلوغراماً في المغرب، و38 كيلوغراماً في الأردن، و30 كيلوغراماً في لبنان، وهنا يتضح أنَّ نصيب الفرد في مصر قليل جداً. ولا يوجد بين الدول العربية أقل من مصر سوى العراق بكيلوغرامين، واليمن بـ1.8 كيلوغرام».

أما عن انتشار الشوادر، فيراه الميرغني «عادة غير صحية، خصوصاً في ظلِّ درجات الحرارة الحالية، لكنها تحاول تقديم منتجات بأسعار أقل من محلات الجزارة والسوبر ماركت. ومع ذلك، دخل المواطن لا يسمح له بالتعامل مع اللحوم الحمراء لأنَّها ليست في متناول الأسر محدودة الدخل، وهناك كثير من المواطنين الذين يمرون على هذه الشوادر مرور الكرام دون أن يفكروا في الدخول أو الشراء منها».


ممسحة ومكنسة... وطمأنينة داخلية

ممسحة ومكنسة... وطمأنينة داخلية
TT

ممسحة ومكنسة... وطمأنينة داخلية

ممسحة ومكنسة... وطمأنينة داخلية

في زحمة الحياة اليومية، ينظر كثيرون إلى أعمال التنظيف المنزلية بوصفها عبئاً متكرراً لا ينتهي، أو مهمة ثقيلة ترتبط بالإرهاق، والضغط النفسي. لكن خلف أصوات المكانس ورائحة المنظفات يكتشف البعض شكلاً مختلفاً من السكينة، وربما مساحة هادئة لإعادة ترتيب الداخل قبل الخارج.

ومع حلول موسم التنظيف الربيعي، يعود الحديث مجدداً عن العلاقة الخفية بين النظام الخارجي والراحة النفسية؛ وهي علاقة لم تعد مجرد انطباعات شخصية، بل باتت تحظى باهتمام متزايد من علماء النفس، وممارسي التأمل، وفلسفات الشرق القديمة. وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

وفي فلسفة «الزِن» اليابانية تتردد حكمة شهيرة تختصر هذه الفكرة ببساطة عميقة: «قبل التنوير: اقطع الحطب واحمل الماء... وبعد التنوير: اقطع الحطب واحمل الماء».

فالهدوء، بحسب هذا التصور، لا يتحقق بالهروب من تفاصيل الحياة اليومية، بل بالانخراط الواعي فيها.

ماذا يرى رهبان «الزِن» في التنظيف؟

يقضي رهبان «الزِن» المتدرّبون، المعروفون باسم «أونسوي»، ساعات طويلة في الكنس والتنظيف، وترتيب المساحات المحيطة بهم، ليس باعتبارها أعمالاً خدمية فحسب، بل تعد بالنسبة لهم جزءاً من تدريب روحي وعقلي متكامل.

ويقول الراهب شوكي ماتسوموتو في كتابه «دليل الراهب لمنزل وعقل نظيفين»: «نكنس الغبار للتخلّص من الرغبات الدنيوية، ونفرك الأوساخ لتحرير أنفسنا من التعلّق بالأشياء». ويضيف أن تنظيف الزوايا والأركان بعناية يمنح الإنسان شعوراً عميقاً بالرضا، وكأن ترتيب المكان يصبح، بصورة غير مباشرة، محاولة هادئة لترتيب الفوضى الداخلية أيضاً.

التنظيف نوع من التأمل

وترى الاختصاصية النفسية الإكلينيكية هولي شيف أن الأعمال المنزلية المتكررة قد تؤدي دوراً قريباً من التأمل، لما تمنحه من إيقاع منتظم يساعد على تهدئة الجهاز العصبي. وتقول إن الحركات البسيطة، والمتوقعة، مثل المسح أو الكنس، تمنح الإنسان شعوراً بالسيطرة، والاستقرار، خصوصاً في الأوقات التي تبدو فيها الحياة أكثر فوضى، أو ضغطاً.

كما أن رؤية النتيجة فور الانتهاء من المهمة، غرفة مرتبة، أو مساحة نظيفة، تمنح إحساساً مباشراً بالإنجاز، وهو شعور قد نفتقده أحياناً في الأعمال الذهنية، أو الضغوط العاطفية المعقدة.

لمن يكرهون التنظيف... غيّروا طريقة النظر إليه

بالنسبة لكثيرين، لا يبدو التنظيف نشاطاً مريحاً على الإطلاق. لكن المختصين يرون أن المشكلة لا تكمن دائماً في المهمة نفسها، بل في الطريقة التي نتعامل بها معها ذهنياً.

وتنصح شيف بعدم التفكير في قائمة طويلة من الأعمال المتراكمة، بل التركيز على اللحظة نفسها: حركة اليد، صوت الماء، أو الإيقاع الهادئ للعمل. وتوضح أن التمهّل والانتباه للتفاصيل الحسية يحوّلان التنظيف، تدريجياً، إلى تمرين على «اليقظة الذهنية»، بدلاً من كونه سباقاً مرهقاً لإنهاء المهام.

عندما يحصل العقل على فرصة للهدوء

ويرى ماتسوموتو أن العناية بالمكان بهدوء ولطف تنعكس تلقائياً على صفاء الذهن، مشيراً إلى أن الإنسان حين يهدأ أثناء ترتيب محيطه، يبدأ عقله بالتخفف تدريجياً من الضوضاء الداخلية، والتفكير المستمر.

وبحسب فلسفة «الزِن»، فإن التنظيف لا يُنظر إليه بوصفه وسيلة للسيطرة على البيئة المحيطة، بل إنه شكل من أشكال الرعاية والاهتمام بالمكان الذي نعيش فيه، وبالعلاقة التي تربطنا به. ويشرح قائلاً إن الإنسان عندما ينظف بيته لا يرتب الغرفة فقط، بل يعتني أيضاً بإيقاع حياته اليومية، وعلاقته بالعالم من حوله.

لا تبحث عن الكمال

ومن الأفكار الأساسية التي يشدد عليها ماتسوموتو التخلي عن هوس الوصول إلى «الترتيب المثالي».

فالسلام النفسي، كما يقول، لا يكمن في الوصول إلى منزل لا تشوبه فوضى، بل في الاستمرار الهادئ والمتواضع في العناية بالمكان والعقل معاً.

ويضيف: «في الطبيعة، كل شيء يتغيّر باستمرار... فالأوراق تتساقط مجدداً بمجرد أن تنتهي من كنسها».

خطوة صغيرة قد تكون كافية

وفي أحيان كثيرة لا يأتي الإرهاق من حجم العمل نفسه، بل من الشعور النفسي المصاحب له: ضغط الوقت، أو الإحساس بالتقصير، أو التفكير بالمهمة كاملة دفعةً واحدة.

ولهذا تنصح شيف بتقسيم المهام إلى خطوات صغيرة وواضحة:

ابدأ بسطح واحد، أو درج واحد، أو غرفة واحدة فقط.

فالتعامل مع المهمة جزءاً جزءاً يجعلها أكثر احتمالاً، ويخفف من ذلك العبء الذهني الذي يسبق أحياناً العمل نفسه.

التنظيف... لغة صامتة من العناية

وفي النهاية، ربما لا يكون أثر التنظيف في الأرضيات أو الأثاث فقط، بل في الإحساس الذي يتركه خلفه.

ويختتم ماتسوموتو فكرته بالقول إن الأماكن النظيفة تمنح شعوراً خفياً بالطمأنينة، حتى لو لم نرَ الشخص الذي اعتنى بها.

ففي بعض المساحات المرتبة والهادئة يشعر الإنسان، دون أن يدرك السبب تماماً، بأن هناك من اهتم بهذا المكان بمحبة، ووعي، وهدوء.