أوليڤر لاكس: لكي تكون آمناً في الطبيعة القاسية عليك أن تعيشها

المخرج الإسباني قال لـ«الشرق الأوسط» إن رحلة الأب تعكس التحديات الروحية في «صِراط»

من «صِراط» (ذا ماتش فاكتوري)
من «صِراط» (ذا ماتش فاكتوري)
TT

أوليڤر لاكس: لكي تكون آمناً في الطبيعة القاسية عليك أن تعيشها

من «صِراط» (ذا ماتش فاكتوري)
من «صِراط» (ذا ماتش فاكتوري)

لم تكن الدورة الـ78 من مهرجان «كان»، العام الماضي، المرة الأولى التي يشارك فيها المخرج الإسباني أوليڤر لاكس (المولود في باريس قبل 44 عاماً) في ذلك المهرجان؛ ففي عام 2010، فاز بجائزة «فيبريسكي» (الاتحاد الدولي للنقاد والصحافيين) عن فيلمه الأول «كلّكم قباطنة» (You All Are Captains). ثم عرض في المهرجان نفسه عام 2016 فيلم «ميموزا» (Mimosas). أما فيلمه الثالث، فكان «النار ستأتي» (Fire Will Come)، الذي نال جائزة لجنة تحكيم قسم «نظرة ما» عام 2019.

الرابط بين هذه الأفلام الثلاثة يقود إلى فيلمه الرابع «صِراط» (Sirāt)، الذي نال جائزة لجنة التحكيم في المسابقة الرسمية لمهرجان «كان»؛ فجميع أفلامه حتى الآن صُوّرت في المغرب، بدءاً من فيلمه الأول المصوَّر بالأبيض والأسود، وصولاً إلى «صِراط».

ومن السهل أيضاً ملاحظة أن فيلمه الثاني «ميموزا» يتناول رحلة شيخ قبيلة عبر جبال الأطلس، وهي رحلة لا تبتعد كثيراً، من حيث مشقة السفر، عن تلك التي نشاهدها في «صِراط».

أما السفر، فيحضر أيضاً في فيلمه الثالث «النار ستأتي»، وإن عبر موضوع مختلف؛ إذ تدور الحكاية حول عودة رجل إلى الريف البعيد حيث تعيش والدته.

رحلة الأب

المخرج أوليڤر لاكس (ذا ماتش فاكتوري)

«صِراط» رحلة يقوم بها أب تجاوز منتصف العمر بقليل (سيرغي لوبيز)، ينتقل من إسبانيا إلى المغرب بحثاً عن ابنته المفقودة. يرافقه ابنه وصورة لابنته. يصل إلى حفل راقص في الصحراء ويعرض الصورة على من يستطيع. وعندما يطوّق الأمن المكان، بمئات المحتفلين، يفرّ بمساعدة بعضهم. هو بسيارته الصغيرة، وهم بشاحناتهم. الهدف الوصول إلى حفل راقص آخر، لكن الجميع يضلّ الطريق، لتنتهي الرحلة بتراجيديات إنسانية ذات مغزى، تربط مصائرهم بالطبيعة القاسية. فالجبال الحمراء الشاهقة والصحراء الممتدة بلا نهاية تبدوان كياناً عملاقاً أمام مجموعة البشر الذين يصوّرهم لاكس أحياناً من مسافات بعيدة لتعميق هذه المقارنة.

لاكس مخرج يبحث عن سمات روحانية في موضوعاته، لا يجدها في المدينة الكبيرة، بل في الصحارى والجبال والمساحات المفتوحة على الطبيعة.

«صِراط» ليس فقط أشهر أفلامه، بل عمل مختلف يشحن فيه أحداثه ببصريات مبهرة. صوّره في صحارى المغرب قرب جبال الأطلس، حيث سبق أن صوّر «ميموزا»، ودخل به سباق الأوسكار العام الحالي ضمن فئة أفضل فيلم عالمي.

روحانيات

• «صِراط» كان مفاجئاً حتى لمن شاهد أفلامك السابقة. يبدأ بضجيج الموسيقى الإلكترونية الراقصة، ثم يسوده صمت الصحراء وقسوتها. وليس هناك مشهد واحد لا يمكن اعتباره أخّاذاً بصرياً. هل توافق على أنه يشكّل قفزة كبيرة إلى الأمام، ليس على مستوى الموضوع فقط، بل أيضاً على مستوى الأسلوب؟

- بالتأكيد. أردتُ في هذا الفيلم أن أضمّنه كل ما وجدته في أفلامي السابقة من تحديات وأبعاد. صوّرت أشخاصاً يواصلون البحث عن أنفسهم وسط طبيعة شاسعة تحتضنهم. إنهم يريدون أجوبة لأسئلة قد لا يطرحونها صراحة، لكنها تعيش في دواخلهم. بالنسبة إلي «صِراط» أوسع في مضامينه وأبعاده، وكنت أريد أن أوازي الدراما التي أسردها بعالم يبدو بلا حدود.

• بعض شخصيات «صِراط» تبدو طارئة على الصحراء. أقصد الأب الذي ينطلق للبحث عن ابنته المفقودة مع ابنه الصغير.

- كل الشخصيات طارئة على الصحراء. لا خبرة لها بها ولا معرفة كافية بطبيعتها. البقاء على قيد الحياة شعور طبيعي، لكنه ليس كافياً؛ فلا بد من دافع أعمق، وهذا ما تفتقده تلك الشخصيات باستثناء الأب وابنه. لقد جاءا لغاية لم تتحقق.

• لماذا اخترت المغرب لتصوير جميع أفلامك حتى الآن؟

- أنا إسباني، لكن في إسبانيا، ولسنوات طويلة، كانوا يعدونني فرنسياً لأنني وُلدت ونشأت هناك. وفي فرنسا يرونني إسبانياً. أما في المغرب، فأشعر بالانتماء. المغرب هو المكان الذي أشعر بأنه، إلى حد ما، بيتي. أعيش هناك منذ أكثر من 10 سنوات.

• هل يعود ذلك إلى اختلافه عن أوروبا من حيث المجتمع والثقافة؟

- هو مختلف بالفعل، لكن إضافة إلى ذلك هناك روحانيات لا أجدها في السينما الإسبانية، في حين أجدها في المغرب. أنا أبحث عن الموضوع الذي يتحدث عن الإيمان. والمخرجون الأقرب إليّ هم ثلاثة: أندريه تاركوڤسكي وروبير بريسون وعباس كيارستمي.

• في بعض تصريحاتك نفيتَ أن تكون لكلمة «صِراط» علاقة بالمعنى الوارد في القرآن، لكن هذه العلاقة تبدو واضحة، وفي أحاديث أخرى لك أكّدتها...

- الصراط هو الطريق المستقيم الذي يوصل إلى الجنة، وعندي تحمل هذه الكلمة بُعداً روحانياً يدل على مفهوم راقٍ. لم أنفِ ذلك، بل نفيت أن تكون الكلمة مرتبطة حصراً برحلة شخصيات الفيلم. إنها كلمة جميلة لمعنى روحاني شامل.

• لم تفتني تلك اللقطة في فيلم «ميموزا» لعبارة «لا تنسَ ذكر الله».

- نعم. الإيمان يفتح الطريق أمام ما توقّف الغرب عن التفكير فيه. لكن المسألة بالنسبة إليّ ليست مجرد مقارنة. «صِراط» تحديداً يقوم على فكرة أن الحياة ليست فقط ما نعيشه هنا، وأنها لا تمنحنا كل ما نريد. إنها جسر يرفع الإنسان روحياً.

الجسد والذاكرة

«ميموزا» (زيتون فيلمز)

• هذا الفيلم شهد تسويقاً عالمياً لم تتمتع به أفلامك السابقة. هل التواصل مع جمهور أكبر هو غايتك؟

- إلى حدّ ما. لا بدَّ أن أوضح أنني أردتُ الوصول إلى جمهور أوسع، لكن بشروطي أنا، لا بشروطه هو. إنه فيلم ضخم من حيث الحجم والطموح، ويتحدث عن مغامرة تنتهي تراجيدياً. وهذا ليس النوع الذي يتهافت عليه الجمهور العريض، لذلك كان نجاحه في «كان» العام الماضي ضرورياً لدفعه إلى الأمام.

الموسيقى والرقص

• يبدأ الفيلم بمكبرات صوت ضخمة تبث موسيقى صاخبة، وعدد كبير من الراقصين في ليل صحراوي. الموسيقى إلكترونية وعنيفة. كيف تفسّر ذلك؟

- إنها مقدمة لاستكشاف المكان والناس، وهذا النوع الهائج من الموسيقى يعبّر عن أناس يتوقون إلى التحرر من قوانين الحياة الجاهزة. وسيلتهم إلى ذلك هي هذه الموسيقى، التي تدفعهم إلى اللجوء إلى الأماكن المقفرة، حيث لا رقابة ولا قيود اجتماعية. إلى أن يصل الجيش للقبض عليهم. وأنا أمارس هذا الرقص أيضاً، لأنه يتعامل مع آلامي.

• كيف ذلك؟

- أعتقد أن الجسد يحتفظ بذاكرة قوية. إنه رقص عنيف لأنه يذكّرك بآلامك الاجتماعية، وربما التاريخية أيضاً. بكل ما ترفضه، لكن رفضك له لا يحرّرك منه. فهو يتعامل معك لأنك تعرضت له أو أدركته، أو بالأحرى لأنه هو الذي أدركك. في حلبة الرقص تشترك مع الجميع من دون أن تعرفهم، وهذا يشبه دخول صالات السينما. أنت واحد من كثيرين يشاهدون الفيلم معاً ويتلقّون مشاهده ومعانيه، لكنك لا تعرف شيئاً عن أيٍّ من المشاهدين الآخرين.

• كيف تصف تجربتك مع مهرجان «كان» إلى الآن؟

- مفيدة جداً، خصوصاً بالنسبة إلى الفيلم الأخير كما لمَّحتَ أنت. لكن كثيرين واصلوا سؤالي عن المعاني. أعتقد أن واحدة من أهم مشكلات السينما اليوم هي أن الجمهور يريد أجوبة جاهزة من الفيلم الذي يشاهده. الأفلام يجب أن تكون صوراً، لا كلمات. وهذا ما تفتقده سينما اليوم.

• تأثرت بنهايات شخصياتك في «صِراط». كانت مفاجئة وصادمة. الأب يركض مذعوراً لإيقاف سيارته قبل سقوطها في الوادي لإنقاذ ابنه، لكنها تهوي. وشخصية أخرى تنفجر بلغم مزروع في الأرض. هل يعود ذلك إلى رغبتك في القول إن الطبيعة هي صاحبة الكلمة الأخيرة؟

- هذا قريب جداً مما تصف. لكي تكون آمناً في الطبيعة القاسية، عليك أن تنتمي إليها، أن تعيشها وتتعايش معها. وهذا ما لا يتوافر للشخصيات التي تنطلق نحو الصحارى الشاسعة. الأب يبحث عن ابنته المفقودة، والبقية يبحثون عن حفل آخر، ربما كانت تلك الفتاة موجودة فيه. لكن الطبيعة أقوى من القرار البشري. هؤلاء جميعاً يدفعون ثمناً باهظاً لأنهم دخلوا عالماً لا خبرة لهم به. أنا أصوّر الطبيعة لأنها حاضرة، ولأن وجودها يتجاوز جمالياتها وتكويناتها.

التقنيات السينمائية

• صوّرت جميع أفلامك على شريط سينمائي، وليس بكاميرات رقمية، صحيح؟

- نعم.

• أعرف ما يوفِّره الفيلم التقليدي ولا توفِّره الكاميرات الرقمية، لكني أود سماع سبب اختيارك.

- التصوير بكاميرا فيلم هو انعكاس لطبقات متعددة. العلاقة مع الصورة السينمائية تشمل تأثيرها في العمل بأسره وبالتالي في المُشاهد أيضاً. الفيلم السينمائي يمتلك ثراءً لا يمكن تعويضه باستخدام كاميرا مؤلفة من «بيكسلات».


مقالات ذات صلة

«بومة»... امرأة تنتزع نفوذها بالعنف وتختبر الأمومة

يوميات الشرق الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)

«بومة»... امرأة تنتزع نفوذها بالعنف وتختبر الأمومة

يقترب الفيلم الأردني «بومة»، الذي عُرض ضمن مهرجان «الجونة السينمائي»، من حياة امرأة دفعتها نشأتها القاسية إلى انتزاع مكانتها داخل عالم تحكمه سطوة الرجال.

أحمد عدلي (الجونة (مصر))
يوميات الشرق رشيد مشهراوي في مهرجان الجونة السينمائي (الشرق الأوسط)

رشيد مشهراوي: «حرب غزة» غيّرت أولوياتي في صناعة السينما

قال المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي إن حرب إسرائيل على بلاده غيّرت أولوياته بصفته سينمائياً، فأرجأ جميع مشروعاته، لكنه على الطرف الآخر قاد مبادرات سينمائية عدة.

انتصار دردير (الجونة (مصر))
يوميات الشرق «كابونجا» يتوسط المخرج وفريق العمل في كواليس التصوير (الشركة المنتجة)

«عودة كابتن كابونجا» يوثق أحلام وخيبات «أقوى رجل في العالم»

يوثِّق فيلم «عودة كابتن كابونجا» أحلام وخيبات المصارع المصري أشرف محروس، الملقب بـ«أقوى رجل في العالم».

انتصار دردير (الجونة (مصر))
يوميات الشرق الفيلم السوري «حلفاء في المنفى» (إدارة مهرجان الجونة)

المشاهد الإنسانية في أفلام اللاجئين تلفت الأنظار في «الجونة السينمائي»

تُتيح المبادرة لصنّاع الأفلام المتأثرين بالنزوح فرصاً لتطوير مشروعاتهم وعرضها أمام مختصين في صناعة السينما.

انتصار دردير (الجونة)
يوميات الشرق لقطة من فيلم «تينزينغ» للمخرجة جينيفر بيدوم (أبل تي في)

«تينزينغ»... مَن الأبطال الحقيقيون لإيفرست؟

يتناول الفيلم قصة تينزينغ نورجاي، المتسلق النيبالي الهندي الذي أصبح - إلى جانب إدموند هيلاري - واحداً من أوائل الأشخاص الذين وصلوا إلى قمة جبل إيفرست عام 1953


«ويني الدبدوب» يطفئ شمعته الـ100... كم بلغ عمر شخصيات الكرتون الأكثر جماهيريّةً؟

«ويني الدبدوب» يطفئ شمعته الـ100... كم بلغ عمر شخصيات الكرتون الأكثر جماهيريّةً؟
TT

«ويني الدبدوب» يطفئ شمعته الـ100... كم بلغ عمر شخصيات الكرتون الأكثر جماهيريّةً؟

«ويني الدبدوب» يطفئ شمعته الـ100... كم بلغ عمر شخصيات الكرتون الأكثر جماهيريّةً؟

بلغ الدب الأصفر المحبوب «ويني ذا بو» أو «ويني الدبدوب» عامه الـ100 في 2026، وهو لا يزال في أوج حركتِه، وعشقه للعسل، جاذباً إلى عالمه اللطيف المُشاهدين كباراً، وصغاراً. السنوات المائة هي عمرُ «ويني» على الورق، أما عمرُه على الشاشة فهو 60 عاماً.

استوحى الكاتب الإنجليزي آلان ألكسندر ميلن تلك الشخصية من دميةٍ محشوّة ابتاعَها لابنِه مطلع العشرينات من متاجر «هارودز» في لندن، ومن دبٍّ يُدعى «ويني» شاهدَه في حديقة الحيوان في العاصمة البريطانية.

استوحى الكاتب أ.أ.ميلن شخصيات ويني وأصدقائه من دمى ابتاعها لابنه (ويكيبيديا)

عام 1926 تعرّف الجمهور على شخصية ويني من خلال مجموعة من الكتب التي جمعته بأصدقائه الخنزير، والحمار، والنمر، والكنغر، وغيرهم. أما الشخصية التلفزيونية فقدّمتها شركة «ديزني» إلى الجمهور العريض عام 1966 بعد أن ابتاعت الحقوق من ورثة ميلن في 1961.

مهما عبرت السنوات على شخصيات الكرتون، فهي لا تُصيبُهم بعجز. ومهما تكاثرَ الشَّعر الأبيض في رؤوس المشاهدين، فإنّهم يعودون أطفالاً كلّما شاهدوا «توم وجيري»، أو «ميكي ماوس»، أو «كابتن ماجد».

«ويني الدبدوب» وأصدقاؤه (ديزني)

«بياض الثلج»... شابّة في الـ89

«بياض الثلج» أو «سنو وايت» هي أكبر رفاقها سناً، إذ تبلغ على الورق 214 سنة. تعرّف عليها العالم عام 1937 بعد أن اقتبسها والت ديزني عن رواية الأخوين غريم المستوحاة من الفلكلور الألماني، والصادرة في 1812.

بعد أن أمضت 125 سنة أسيرة الكتب، منح ديزني «بياض الثلج» ولادة جديدة، وسكبَ عليها الألوان، هي وأصدقاءها الأقزام السبعة. في المقابل، أهدت تلك الشخصية الأسطورية صانعَ الرسوم المتحرّكة تحوّلاً جذرياً في مسيرته، فأصبحت بمثابة أولى أميرات ديزني، ممهّدةً الطريق لعهودٍ متتالية من بطلات «ديزني» المتسلّحات بالطيبة، والقوّة، والمتآلفات مع الطبيعة، والمنتصرات على القبح، والشرّ.

«بياض الثلج والأقزام السبعة» 89 سنة على الشاشة (ديزني)

«حوريّة البحر»... 37 سنة شاشة و189 على الورق

يعود الفضل في الولادة الثانية لشركة «ديزني» لـ«حوريّة البحر» أو «ذا ليتل مرميد» التي طلعت من بين صفحات المؤلّف الدنماركي هانس كريستيان أندرسن عام 1989، فصارت «آرييل» المستعدّة لأي مغامرة وخطر كي تدخل عالم البشر، وتلتقي بأميرها «إريك».

أطلقت آرييل عصر نهضة «ديزني»، فقد انتشل فيلم «حوريّة البحر» الاستوديوهات العريقة من فترة ركودٍ طويلة، مدشّناً الحقبة الذهبية التي أثمرت أفلاماً ضخمة كـ«بيوتي أند ذا بيست»، و«آلادن»، و«ليون كينغ».

استلهمَ الكاتب أندرسن بطلاته عام 1837 من قصة حب مستحيلة اختبرها شخصياً، ومن أساطير الفلكلور الأوروبي الخاصة بالحوريّات، والمخلوقات المائيّة، وأرواح البحار، والمحيطات. وهي بقيت عالقة في مخيّلة العامّة بشعرها الأحمر، وذَيلها الأخضر، وبصوتها الساحر الذي أدّى مجموعة من أجمل أغاني أفلام «ديزني».

افتتحت «حوريّة البحر» عصر نهضة ديزني عام 1989 (ديزني)

توم وجيري في الـ86

لا إجماعَ جماهيرياً عالمياً حول شخصية كرتونيّة كما هو الحال حول «توم وجيري». بلغ الثنائي التلفزيوني المحبوب 86 سنة، وهو لا يزال سلوى الأجداد، وأبنائهم، وأحفادهم. منذ ابتكاره على أيدي وليام حنا وجوزيف باربيرا عام 1940 وحتى اللحظة، نتجت عن الصراع الأبدي بين القط والفأر آلاف الحلقات التلفزيونية، إضافةً إلى الأفلام، والمجلّات، والسِّلَع التجاريّة.

مهما بلغَ عمرُ الحكاية، ومهما تكررت فصولها، إلا أنها تبقى مثيرةً للاهتمام والضحك في عيون جمهور «توم وجيري» العريض. ويمكن القول إنّ هذا الجمهور كبر وهو يشاهد الحلقات القصيرة، بمعنى أنها صارت جزءاً من تربيته، ومن الذاكرة الجماعيّة، ومن النوستالجيا الخاصة بكل بيتٍ في أي قارة أو بلدٍ من العالم.

مغامرات توم وجيري 86 سنة في الذاكرة الجماعية العالمية (ويكيبيديا)

الكابتن ماجد... محبوب الجماهير منذ 4 عقود

كان رسّام المنغا يويشي تاكاهاشي طالباً ثانوياً عندما شاهد مباريات كأس العالم عام 1978. لم تكن رياضة كرة القدم منتشرة في بلده اليابان، فتأثّر الشاب بما شاهد، لا سيما أداء النجم الأرجنتيني ماريو كيمبيس. قرر تاكاهاشي على أثر ذلك أن يبتكر رسوم منغا خاصة من أجل الترويج للّعبة في اليابان.

عام 1981، وُلد «كابتن تسوباسا» على الورق ليتحوّل عام 1983 إلى شخصية كرتونيّة سرعان ما انطلقت من اليابان إلى العالم.

في نهاية الثمانينات، وصلت حمّى تسوباسا إلى العالم العربي، حيث بات يُعرف بـ«كابتن ماجد». لم يكن اللاعب المحترف الصغير مجرّد شخصية كرتونيّة عاديّة، بل شكّل ظاهرة، وإعصاراً لفّ المدن والقرى العربية التي كانت تفرغ شوارعها وأزقّتها من الناس والحركة كلما حان موعد عرض حلقة من «كابتن ماجد».

كابتن ماجد المولود عام 1981 تحت اسم تسوباسا تاكاهاشي (نتفليكس)

«باغز باني»... 86 سنة من أكل الجَزر

بلغ أشهرُ الأرانب على الإطلاق، «باغز باني»، عامه الـ86. فهو ولد في استوديوهات «وارنر برذرز» أواخر الثلاثينات، ولمع نجمه ما بين 1940 و1964، حيث كان البطل في أكثر من 160 فيلماً قصيراً.

وتقول الحكاية إنّ ما أوحى بشخصية باغز باني كان مشهداً من فيلم للممثل كلارك غيبل، حيث كان يتكلّم بسرعة فائقة مستنداً إلى حائط، وماضغاً جزرة، وهي الوضعيّة التي عُرف بها الأرنب الرمادي والأبيض الظريف لاحقاً. أما عبارته الشهيرة What’s Up، Doc? فمأخوذة أيضاً من ذاك الفيلم.

شخصيّتا الممثلَين الكوميديين تشارلي تشابلن وغروشو ماركس كانتا لهما اليد الطولى كذلك في رسم ملامح باغز باني، بما تتّسمان من ميل للمزاح، ونزعة إلى الخداع، وردود سريعة وذكيّة، وحضور واثق.

الأرنب الشهير باغز باني 86 سنة من الحضور على الشاشة (وارنر برذرز)

من فأرٍ في مكتب ديزني إلى «ميكي ماوس»

بعد سنتَين يبلغ «ميكي ماوس» الـ100 عام. أكثر وجوه الرسوم المتحركة ألفةً وأقدمُها، ما زال نجمَ متنزهات «ديزني» حول العالم، فيما لم يخفّ الطلب في المتاجر على الدُّمية التي تجسّده.

عام 1928 ابتكر والت ديزني شخصية «ميكي ماوس» كبديل عن شخصية «أوزوالد الأرنب» الذي فقد حقوق ملكيته الفكرية إثر نزاع تجاري. إلّا أنّ أغربَ ما في الأمر، هو مصدر الإلهام الذي استند إليه ديزني في ابتكار ميكي؛ وهي الفئران الأليفة التي كان يحتفظ بها في مكتبه داخل الاستوديو.

بظهوره عشيّة موجة الكساد الكبير التي ضربت الولايات المتحدة، شكّلت شخصية ميكي المرحة -والمتّسمة بالجرأة، والصمود- متنفساً كوميدياً، ومصدراً للراحة للجماهير الأميركية. وسرعان ما انسحب ذلك الأثر على باقي أنحاء العالم.

ميكي ماوس أشهر شخصية في عالم الرسوم المتحركة (ديزني)

«بينك بانثر»... نمر زهريّ في الـ60

أطلّ النمر الزهريّ المعروف بـ«بينك بانثر» للمرة الأولى على الشاشة عام 1963، في مقدّمة فيلم حمل الاسم نفسه. ترك المرور السريع لشخصية الرسوم المتحرّكة أثراً في الجمهور، ما دفع بمبتكريها إلى تقديمها في السنة التالية ضمن فيلم رسوم متحرّكة خاص بـ«بينك بانثر»، ومن بطولته، وقد فاز الفيلم بأوسكار أفضل فيلم قصير عام 1964.

بذلك يبلغ «بينك بانثر» الذي رافق طفولة أجيال كثيرة عامه الـ63. ومن عناصر جاذبيّته، إضافةً إلى لونه الزهريّ، هدوؤه، وأناقته، وحذاقته في التغلّب على خصومه، إلى جانب موسيقى الجاز المرافقة لصمته شبه الدائم.

ظهر النمر الزهري «بينك بانثر» للمرة الأولى عام 1963 (شركة MGM)

نصف قرن من «غرندايزر»

بلغ الروبوت الآتي من زمنِ ما قبل روبوتات الذكاء الاصطناعي عامه الـ51 قبل أيام. إنه «غرندايزر» الذي وإن وجدَه العالم شخصية كرتونية اعتيادية آتية من اليابان، فإنّ الجماهير العربية رأت فيه بطلاً خارقاً، وصنعت منه ظاهرة في سبعينات القرن الماضي.


مصر تطلق منصة رقمية لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي

المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

مصر تطلق منصة رقمية لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي

المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)

أعلن المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري عن إطلاق منصة «شات EGYPT» لمواجهة الشائعات، ضمن فعاليات «منتدى مصر 2026»، بوصفها أكبر منصة رقمية وتفاعلية موحدة لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن المنصة أداة ذكية للتحقق من المعلومات، وتعزيز إتاحة الحقيقة من مصدرها الرسمي.

ووفق ما ذكره مركز المعلومات على صفحته، الاثنين، «تمثل المنصة أداة متكاملة لرصد الشائعات والتحقق منها والرد عليها، اعتماداً على منهج مؤسسي يضمن إتاحة المعلومة الصحيحة من مصدرها الرسمي وفي التوقيت المناسب».

وتضم المنصة 4 أقسام رئيسية، هي: «ركن الأخبار، والتوعية، والإحصائيات، واستفسارات المواطنين».

وتعتمد المنصة على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل النصوص والصور ومقاطع الفيديو، وربطها بالسياق الزمني والمعلوماتي الصحيح، بما يساعد على اكتشاف المحتوى المضلل والتلاعب بالمعلومات مبكراً، وفق ما نشره مركز معلومات مجلس الوزراء، مؤكداً أنه تم إدخال أكثر من 21 ألف عنصر بياني على المنصة حتى الآن، بالإضافة إلى التصريحات اليومية للمسؤولين في وسائل الإعلام.

وتعتمد المنصة على التكامل والتنسيق المؤسسي بين الوزارات والهيئات والمحافظات، من خلال نظام عمل لا مركزي يتيح لكل جهة رسمية إدراج البيانات والمعلومات المعتمدة الخاصة بها وفقاً لاختصاصاتها، بما يضمن سرعة تصحيح المعلومات المتداولة.

ووفق المتخصصة في الإعلام الرقمي وعضو مجلس إدارة مركز أبحاث ودراسات الرأي العام بكلية الإعلام جامعة القاهرة الدكتورة سارة فوزي فإن «منصة Chat Egypt لمكافحة الشائعات التي أطلقها المنتدى خطوة مهمة نحو توظيف التكنولوجيا في خدمة الوعي ودعم التحقق من المعلومات، ومواجهة المحتوى المضلل، وتعزيز قدرة المواطن على الوصول إلى معلومات أكثر دقة وموثوقية».

وتضيف فوزي لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن المعركة الحقيقية مع الشائعة لا تبدأ بعد انتشارها، بل قبل ذلك من خلال بناء مناعة معرفية ورقمية لدى الجمهور؛ لأن حماية الوعي تبدأ من حماية الحقيقة، ومواجهة الشائعة تبدأ بمُواطن يعرف كيف يسأل ويتحقق قبل أن يصدق أو يشارك المعلومة، فيتحول هنا المواطن إلى مدقق معلومات بصورة استباقية بدلاً من تورطه في نشر الشائعة».

وتعد منصة «شات EGYPT» خطوة جديدة نحو سرعة رصد الشائعات، والتحقق منها، والرد عليها، بما يحد من انتشارها قبل اتساع نطاق تداولها، وفق ما ذكره مركز المعلومات.

ويرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا» محمد فتحي أن منصة «شات EGYPT» خطوة مهمة لمواجهة الشائعات، ونقل الأمر من منطق رد الفعل المتأخر إلى منطق الإتاحة الفورية للمعلومة الرسمية، في بيئة تنتشر فيها الشائعة أسرع من التصحيح.

مركز معلومات مجلس الوزراء يبرز منصة مكافحة الشائعات (فيسبوك)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «نجاح المنصة مرهون بعدة عوامل، أولها الدقة والتحديث المستمر، وكذلك الشفافية، وذكر المصدر في كل معلومة، والاعتراف بحدود ما تعرفه المنصة بدلاً من التخمين لمجرد الرد والاستجابة، وأيضاً سرعة الاستجابة نفسها وكذلك الانتشار والتوعية؛ فالمنصة لن تكون مفيدة ما لم تصل إلى الشباب على المنصات التي يستخدمونها بالفعل، كما أن مواجهة الشائعات لا تقتصر على الأدوات التقنية، بل تحتاج إلى تعزيز الثقافة الإعلامية لدى الجمهور، وإلى سياسة اتصال حكومي تتيح المعلومات استباقياً، فالمنصة أداة قوية، لكنها جزء من منظومة».

وكان مجلس الوزراء قد ناقش في ديسمبر (كانون الأول) ضرورة أن تكون هناك وحدات رصد مبكر في جميع الوزارات لرصد الشائعات وبحثها، والرد عليها وتفنيدها في مهدها؛ حتى يتم وضع حد مبكر لانتشارها.

وعدّت صاحبة مبادرة «ثورة الذكاء الاصطناعي» إيمان الوراقي هذه المنصة «خطوة مهمة؛ لأنها تنقل مواجهة الشائعات من ردود الفعل المتأخرة إلى التحقق السريع، وتمنح المواطن طريقاً مباشراً إلى المعلومة الموثوقة من مصدرها». وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الاختبار الحقيقي لهذه المنصة لن يكون مع إطلاقها بل عند أول شائعة كبرى تنتشر أسرع من قدرة المؤسسات على الرد عليها».

وأضافت الوراقي: «التحدي الحقيقي هو أن تقدم المنصة للمواطن (الحقيقة من مصدرها) بصورة سريعة، واضحة، ومسنودة بالأدلة، لا أن تكتفي بنفي ما يتم تداوله، كما أن مواجهة الشائعات لا تعني مطاردة كل منشور كاذب، فالأهم هو معالجة البيئة التي تجعل الشائعة قابلة للتصديق والانتشار، وفي مقدمتها غياب المعلومة أو تأخرها أو غموضها».

وتناول الاجتماع المشار إليه آنفاً لمجلس الوزراء «العمل على إعداد مشروع قانون ينظم إتاحة وتداول البيانات امتثالاً لحكم المادة (68) من الدستور، بما يحقق التوازن بين تحقيق الشفافية، وتوافر المعلومات والبيانات والإحصاءات، وحماية المعلومات والبيانات السرية، وبين تحقيق الردع والتصدي الفعال للشائعات والأخبار الكاذبة».


«بومة»... امرأة تنتزع نفوذها بالعنف وتختبر الأمومة

الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
TT

«بومة»... امرأة تنتزع نفوذها بالعنف وتختبر الأمومة

الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)

يقترب الفيلم الأردني «بومة»، الذي عُرض ضمن فعاليات مهرجان «الجونة السينمائي»، من حياة امرأة دفعتها نشأتها القاسية إلى انتزاع مكانتها داخل عالم تحكمه سطوة الرجال. ومن خلال بطلة تتوسل العنف لحماية نفسها، يفتح المخرج زيد أبو حمدان أسئلة عن الوصم والانتماء وحدود الخيارات المتاحة للنساء في بيئة اجتماعية تضيق فيها فرص الحماية والاستقلال، متتبعاً صراعها حين توقظ علاقتها بطفلين حاجتها إلى العائلة، وتضعها أمام مسؤولية الرعاية بعدما اعتادت مواجهة الحياة وحيدة.

وتؤدي الممثلة ركين سعد شخصية تحمل آثار الإقصاء في علاقتها بنفسها وبالآخرين؛ إذ نشأت من دون اسم عائلة يوفر لها الحماية، في بيئة يرتبط فيها الاعتراف الاجتماعي بالنسب وشبكات القرابة. ويصبح البحث عن مكان داخل هذا المجتمع معركة مستمرة، وتغدو قدرتها على فرض حضورها تعويضاً عن غياب السند. ومن هنا تنشأ المفارقة التي تحكم حياتها: كلما اتسعت مساحة نفوذها، ظل إحساسها بالأمان مهدداً، وبقي عليها أن تثبت قوتها من جديد.

وتدور أحداث الفيلم في أحياء مهمّشة من عمّان، حيث تعيش بومة داخل عالم تتداخل فيه الجريمة مع تدبير شؤون الحياة اليومية، وتتحكم في علاقاته المصالح والخوف. وتبني لنفسها نفوذاً في مواجهة رجال العصابات وتجار المخدرات، قبل أن يدخل طفلان إلى حياتها، فتجد نفسها أمام أسئلة تتعلق بالأمومة والانتماء. وبالتزامن مع هذه العلاقة، تصعد قوة إجرامية أكثر تنظيماً تهدد موقعها، وتدفعها إلى المفاضلة بين الحفاظ على سلطتها وحماية المقربين منها.

وتنبع صعوبة وضعها من أن العنف الذي تستخدمه يحفظ لها مكانتها، لكنه يربطها أيضاً بمصدر الخطر. فقد تعلّمت قواعد الشارع وتبنّت أساليب الرجال المسيطرين عليه، حتى أصبحت القسوة جزءاً من الطريقة التي تقدم بها نفسها وتتعامل بها مع محيطها. ولهذا تبدو قدرتها على المواجهة محمّلة بثمن نفسي، فهي مطالبة بإخفاء ضعفها باستمرار.

ويمنح دخول الطفلين إلى حياتها هذا الصراع وجهاً أكثر خصوصية؛ إذ يضعها أمام احتياجات لا تستطيع تلبيتها بمجرد فرض النفوذ. فالرعاية تقتضي الصبر والثقة والقدرة على الاقتراب، وهي أمور يصعب على امرأة تشكّلت خبرتها عبر الخذلان أن تمنحها بسهولة. وتصبح علاقتها بهما اختباراً لما تستطيع تقديمه خارج حدود الحماية بالقوة، ويكتسب التفكير في المستقبل معنى مختلفاً بعدما صار لقراراتها أثر مباشر في حياة طفلين يعتمدان عليها.

ويرى الناقد السينمائي المصري طارق الشناوي أن المخرج زيد أبو حمدان راهن في فيلم «بومة» على شخصية استثنائية، تفرض قانونها الخاص على المكان الذي تعيش فيه، وتستمد سلطتها من قدرتها على إخضاع الآخرين لقواعدها، بعيداً عن القانون العام الذي يُفترض أن ينظم حياة الجميع.

صُوِّر الفيلم في مواقع أردنية عدَّة (حساب ركين سعد على «فيسبوك»)

ويضيف الشناوي لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الظاهرة موجودة في مجتمعات مختلفة حول العالم، بينما تأتي خصوصية المعالجة من إسناد هذه القوة المفرطة إلى امرأة تمارس سطوتها على محيطها».ويؤكد أن «ركين سعد تعاملت مع الشخصية بجدية واضحة»، مشيراً إلى أن الخط الإنساني يمثل جانباً مهماً في بنائها؛ لأنه يكشف مواضع الضعف داخل امرأة تبدو قادرة على السيطرة وفرض إرادتها. ويلفت إلى أن الجانب العاطفي الكامن فيها يجعلها تفقد قدراً من سطوتها، ويمنح الصراع بُعداً يتصل بما يحدث داخل الشخصية حين تصبح مشاعرها مؤثرة في قراراتها وقدرتها على الاحتفاظ بنفوذها.

ومع تبدّل موازين القوة حولها، تتكشف هشاشة الموقع الذي انتزعته بسنوات من المواجهة؛ فالنفوذ الشخصي يصبح معرّضاً للتراجع أمام منظومة إجرامية أوسع تنظيماً، بينما يضاعف ارتباطها بالطفلين إحساسها بالخطر. وتزداد المفاضلة تعقيداً لأن التخلي عن السلطة قد يعيد إليها شعورها القديم بالعجز، في حين أن التشبث بها يطيل بقاءها داخل دائرة التهديد. أما احتمال الرحيل، فيحمل سؤالاً عما تستطيع أن تكونه بعيداً عن المكان الذي صنع اسمها.

ويأخذ الشناوي على الفيلم «ارتفاع حدة التعبير على مستويات متعددة؛ فالموسيقى والأداء والأحداث، إلى جانب الصوت والصورة، تتضافر في صناعة حالة متواصلة من الصخب». ويؤكد أنه كان يتمنى مساحة أكبر من الهدوء الدرامي تسمح بتخفيف هذه الحدة، «لأن رسالة الفيلم وصلت بالفعل، لكن كان بالإمكان إيصالها بدرجة أقل من الصخب، مع الحفاظ على مضمونها وتأثيرها الإنساني».

فيلم «بومة» من تأليف زيد أبو حمدان وإخراجه، وبطولة ركين سعد، وجوانا عريضة، ومجد عيد، ونبيل الراعي، وفرح بسيسو، وحنان حلو.