أوليڤر لاكس: لكي تكون آمناً في الطبيعة القاسية عليك أن تعيشها

المخرج الإسباني قال لـ«الشرق الأوسط» إن رحلة الأب تعكس التحديات الروحية في «صِراط»

من «صِراط» (ذا ماتش فاكتوري)
من «صِراط» (ذا ماتش فاكتوري)
TT

أوليڤر لاكس: لكي تكون آمناً في الطبيعة القاسية عليك أن تعيشها

من «صِراط» (ذا ماتش فاكتوري)
من «صِراط» (ذا ماتش فاكتوري)

لم تكن الدورة الـ78 من مهرجان «كان»، العام الماضي، المرة الأولى التي يشارك فيها المخرج الإسباني أوليفر لاكس (المولود في باريس قبل 44 عاماً) في ذلك المهرجان؛ ففي عام 2010، فاز بجائزة «فيبريسكي» (الاتحاد الدولي للنقاد والصحافيين) عن فيلمه الأول «كلّكم قباطنة» (You All Are Captains). ثم عرض في المهرجان نفسه عام 2016 فيلم «ميموزا» (Mimosas). أما فيلمه الثالث، فكان «النار ستأتي» (Fire Will Come)، الذي نال جائزة لجنة تحكيم قسم «نظرة ما» عام 2019.

الرابط بين هذه الأفلام الثلاثة يقود إلى فيلمه الرابع «صِراط» (Sirāt)، الذي نال جائزة لجنة التحكيم في المسابقة الرسمية لمهرجان «كان»؛ فجميع أفلامه حتى الآن صُوّرت في المغرب، بدءاً من فيلمه الأول المصوَّر بالأبيض والأسود، وصولاً إلى «صِراط».

ومن السهل أيضاً ملاحظة أن فيلمه الثاني «ميموزا» يتناول رحلة شيخ قبيلة عبر جبال الأطلس، وهي رحلة لا تبتعد كثيراً، من حيث مشقة السفر، عن تلك التي نشاهدها في «صِراط».

أما السفر، فيحضر أيضاً في فيلمه الثالث «النار ستأتي»، وإن عبر موضوع مختلف؛ إذ تدور الحكاية حول عودة رجل إلى الريف البعيد حيث تعيش والدته.

رحلة الأب

المخرج أوليڤر لاكس (ذا ماتش فاكتوري)

«صِراط» رحلة يقوم بها أب تجاوز منتصف العمر بقليل (سيرغي لوبيز)، ينتقل من إسبانيا إلى المغرب بحثاً عن ابنته المفقودة. يرافقه ابنه وصورة لابنته. يصل إلى حفل راقص في الصحراء ويعرض الصورة على من يستطيع. وعندما يطوّق الأمن المكان، بمئات المحتفلين، يفرّ بمساعدة بعضهم. هو بسيارته الصغيرة، وهم بشاحناتهم. الهدف الوصول إلى حفل راقص آخر، لكن الجميع يضلّ الطريق، لتنتهي الرحلة بتراجيديات إنسانية ذات مغزى، تربط مصائرهم بالطبيعة القاسية. فالجبال الحمراء الشاهقة والصحراء الممتدة بلا نهاية تبدوان كياناً عملاقاً أمام مجموعة البشر الذين يصوّرهم لاكس أحياناً من مسافات بعيدة لتعميق هذه المقارنة.

لاكس مخرج يبحث عن سمات روحانية في موضوعاته، لا يجدها في المدينة الكبيرة، بل في الصحارى والجبال والمساحات المفتوحة على الطبيعة.

«صِراط» ليس فقط أشهر أفلامه، بل عمل مختلف يشحن فيه أحداثه ببصريات مبهرة. صوّره في صحارى المغرب قرب جبال الأطلس، حيث سبق أن صوّر «ميموزا»، ودخل به سباق الأوسكار العام الحالي ضمن فئة أفضل فيلم عالمي.

روحانيات

• «صِراط» كان مفاجئاً حتى لمن شاهد أفلامك السابقة. يبدأ بضجيج الموسيقى الإلكترونية الراقصة، ثم يسوده صمت الصحراء وقسوتها. وليس هناك مشهد واحد لا يمكن اعتباره أخّاذاً بصرياً. هل توافق على أنه يشكّل قفزة كبيرة إلى الأمام، ليس على مستوى الموضوع فقط، بل أيضاً على مستوى الأسلوب؟

- بالتأكيد. أردتُ في هذا الفيلم أن أضمّنه كل ما وجدته في أفلامي السابقة من تحديات وأبعاد. صوّرت أشخاصاً يواصلون البحث عن أنفسهم وسط طبيعة شاسعة تحتضنهم. إنهم يريدون أجوبة لأسئلة قد لا يطرحونها صراحة، لكنها تعيش في دواخلهم. بالنسبة إلي «صِراط» أوسع في مضامينه وأبعاده، وكنت أريد أن أوازي الدراما التي أسردها بعالم يبدو بلا حدود.

• بعض شخصيات «صِراط» تبدو طارئة على الصحراء. أقصد الأب الذي ينطلق للبحث عن ابنته المفقودة مع ابنه الصغير.

- كل الشخصيات طارئة على الصحراء. لا خبرة لها بها ولا معرفة كافية بطبيعتها. البقاء على قيد الحياة شعور طبيعي، لكنه ليس كافياً؛ فلا بد من دافع أعمق، وهذا ما تفتقده تلك الشخصيات باستثناء الأب وابنه. لقد جاءا لغاية لم تتحقق.

• لماذا اخترت المغرب لتصوير جميع أفلامك حتى الآن؟

- أنا إسباني، لكن في إسبانيا، ولسنوات طويلة، كانوا يعدونني فرنسياً لأنني وُلدت ونشأت هناك. وفي فرنسا يرونني إسبانياً. أما في المغرب، فأشعر بالانتماء. المغرب هو المكان الذي أشعر بأنه، إلى حد ما، بيتي. أعيش هناك منذ أكثر من 10 سنوات.

• هل يعود ذلك إلى اختلافه عن أوروبا من حيث المجتمع والثقافة؟

- هو مختلف بالفعل، لكن إضافة إلى ذلك هناك روحانيات لا أجدها في السينما الإسبانية، في حين أجدها في المغرب. أنا أبحث عن الموضوع الذي يتحدث عن الإيمان. والمخرجون الأقرب إليّ هم ثلاثة: أندريه تاركوڤسكي وروبير بريسون وعباس كيارستمي.

• في بعض تصريحاتك نفيتَ أن تكون لكلمة «صِراط» علاقة بالمعنى الوارد في القرآن، لكن هذه العلاقة تبدو واضحة، وفي أحاديث أخرى لك أكّدتها...

- الصراط هو الطريق المستقيم الذي يوصل إلى الجنة، وعندي تحمل هذه الكلمة بُعداً روحانياً يدل على مفهوم راقٍ. لم أنفِ ذلك، بل نفيت أن تكون الكلمة مرتبطة حصراً برحلة شخصيات الفيلم. إنها كلمة جميلة لمعنى روحاني شامل.

• لم تفتني تلك اللقطة في فيلم «ميموزا» لعبارة «لا تنسَ ذكر الله».

- نعم. الإيمان يفتح الطريق أمام ما توقّف الغرب عن التفكير فيه. لكن المسألة بالنسبة إليّ ليست مجرد مقارنة. «صِراط» تحديداً يقوم على فكرة أن الحياة ليست فقط ما نعيشه هنا، وأنها لا تمنحنا كل ما نريد. إنها جسر يرفع الإنسان روحياً.

الجسد والذاكرة

«ميموزا» (زيتون فيلمز)

• هذا الفيلم شهد تسويقاً عالمياً لم تتمتع به أفلامك السابقة. هل التواصل مع جمهور أكبر هو غايتك؟

- إلى حدّ ما. لا بدَّ أن أوضح أنني أردتُ الوصول إلى جمهور أوسع، لكن بشروطي أنا، لا بشروطه هو. إنه فيلم ضخم من حيث الحجم والطموح، ويتحدث عن مغامرة تنتهي تراجيدياً. وهذا ليس النوع الذي يتهافت عليه الجمهور العريض، لذلك كان نجاحه في «كان» العام الماضي ضرورياً لدفعه إلى الأمام.

الموسيقى والرقص

• يبدأ الفيلم بمكبرات صوت ضخمة تبث موسيقى صاخبة، وعدد كبير من الراقصين في ليل صحراوي. الموسيقى إلكترونية وعنيفة. كيف تفسّر ذلك؟

- إنها مقدمة لاستكشاف المكان والناس، وهذا النوع الهائج من الموسيقى يعبّر عن أناس يتوقون إلى التحرر من قوانين الحياة الجاهزة. وسيلتهم إلى ذلك هي هذه الموسيقى، التي تدفعهم إلى اللجوء إلى الأماكن المقفرة، حيث لا رقابة ولا قيود اجتماعية. إلى أن يصل الجيش للقبض عليهم. وأنا أمارس هذا الرقص أيضاً، لأنه يتعامل مع آلامي.

• كيف ذلك؟

- أعتقد أن الجسد يحتفظ بذاكرة قوية. إنه رقص عنيف لأنه يذكّرك بآلامك الاجتماعية، وربما التاريخية أيضاً. بكل ما ترفضه، لكن رفضك له لا يحرّرك منه. فهو يتعامل معك لأنك تعرضت له أو أدركته، أو بالأحرى لأنه هو الذي أدركك. في حلبة الرقص تشترك مع الجميع من دون أن تعرفهم، وهذا يشبه دخول صالات السينما. أنت واحد من كثيرين يشاهدون الفيلم معاً ويتلقّون مشاهده ومعانيه، لكنك لا تعرف شيئاً عن أيٍّ من المشاهدين الآخرين.

• كيف تصف تجربتك مع مهرجان «كان» إلى الآن؟

- مفيدة جداً، خصوصاً بالنسبة إلى الفيلم الأخير كما لمَّحتَ أنت. لكن كثيرين واصلوا سؤالي عن المعاني. أعتقد أن واحدة من أهم مشكلات السينما اليوم هي أن الجمهور يريد أجوبة جاهزة من الفيلم الذي يشاهده. الأفلام يجب أن تكون صوراً، لا كلمات. وهذا ما تفتقده سينما اليوم.

• تأثرت بنهايات شخصياتك في «صِراط». كانت مفاجئة وصادمة. الأب يركض مذعوراً لإيقاف سيارته قبل سقوطها في الوادي لإنقاذ ابنه، لكنها تهوي. وشخصية أخرى تنفجر بلغم مزروع في الأرض. هل يعود ذلك إلى رغبتك في القول إن الطبيعة هي صاحبة الكلمة الأخيرة؟

- هذا قريب جداً مما تصف. لكي تكون آمناً في الطبيعة القاسية، عليك أن تنتمي إليها، أن تعيشها وتتعايش معها. وهذا ما لا يتوافر للشخصيات التي تنطلق نحو الصحارى الشاسعة. الأب يبحث عن ابنته المفقودة، والبقية يبحثون عن حفل آخر، ربما كانت تلك الفتاة موجودة فيه. لكن الطبيعة أقوى من القرار البشري. هؤلاء جميعاً يدفعون ثمناً باهظاً لأنهم دخلوا عالماً لا خبرة لهم به. أنا أصوّر الطبيعة لأنها حاضرة، ولأن وجودها يتجاوز جمالياتها وتكويناتها.

التقنيات السينمائية

• صوّرت جميع أفلامك على شريط سينمائي، وليس بكاميرات رقمية، صحيح؟

- نعم.

• أعرف ما يوفِّره الفيلم التقليدي ولا توفِّره الكاميرات الرقمية، لكني أود سماع سبب اختيارك.

- التصوير بكاميرا فيلم هو انعكاس لطبقات متعددة. العلاقة مع الصورة السينمائية تشمل تأثيرها في العمل بأسره وبالتالي في المُشاهد أيضاً. الفيلم السينمائي يمتلك ثراءً لا يمكن تعويضه باستخدام كاميرا مؤلفة من «بيكسلات».


مقالات ذات صلة

بعد أسبوعين... «سفن دوغز» يفتح أبواب أضخم إنتاج عربي في السينما

يوميات الشرق يُطرَح الفيلم في أول أيام عيد الأضحى (البوستر الرسمي)

بعد أسبوعين... «سفن دوغز» يفتح أبواب أضخم إنتاج عربي في السينما

يمتاز الفيلم باستقطابه نجوماً من السينما العالمية؛ إذ تتصدَّر الإيطالية مونيكا بيلوتشي قائمة الأبطال...

«الشرق الأوسط» (الدمام)
يوميات الشرق هنا يتحوَّل الحفظ إلى جزء من التجربة الفنّية (موقع المتحف)

«ديبوت - انعكاس بوييمانز»... داخل العالم السرّي لأحد أضخم مخازن الفنّ

المادة التي كان يمكن أن تقع في الجفاف، بين معلومات عن الهندسة والتخزين والحفظ، تتحوَّل بين يدَي المخرجة إلى تجربة مشغولة بالتدفُّق والملمس والإيقاع.

فاطمة عبد الله (بيروت)
سينما 5 أفلام جديدة تكشف الفجوة بين النقد والجمهور

5 أفلام جديدة تكشف الفجوة بين النقد والجمهور

في غضون 3 أيام هذا الأسبوع، بلغت الإيرادات الإجمالية لـ5 أفلام معروضة تجارياً على نطاق واسع أكثر من 158 مليون دولار في السوقين الأميركية والكندية فقط.

محمد رُضا (باريس)
سينما شاشة الناقد: فيلمان جديدان برسم الترفيه... إذا أمكن

شاشة الناقد: فيلمان جديدان برسم الترفيه... إذا أمكن

ما يبقى عالقاً في الذهن من الجزء الأول من هذا الفيلم هو أنه ترفيه يشبه حديث الصالونات، مع الكثير من الأضواء وتصاميم الشعر والأزياء، وقليل من الصدق.

محمد رُضا (باريس)
يوميات الشرق أخرجت قعدان أصوات الفلسطينيين في الداخل إلى الشاشة الكبيرة (صور المخرجة)

«سيجيء يوم آخر»: صوت حيّ من فلسطين إلى العالم

يمرُّ الفيلم على مشاهد البحر والشاطئ وأشجار السرو، بينما تتردّد في الخلفية رسالة صوتية تقول إنّ ملامح فلسطين الحقيقية طُمست تحت طبقات الإسفلت.

فيفيان حداد (بيروت)

السعودية تدشن أحدث مضخات الإنسولين الذكية 

لقطة توضح آلية عمل أحدث أجهزة مضخات السكري من الداخل (تركي العقيلي)
لقطة توضح آلية عمل أحدث أجهزة مضخات السكري من الداخل (تركي العقيلي)
TT

السعودية تدشن أحدث مضخات الإنسولين الذكية 

لقطة توضح آلية عمل أحدث أجهزة مضخات السكري من الداخل (تركي العقيلي)
لقطة توضح آلية عمل أحدث أجهزة مضخات السكري من الداخل (تركي العقيلي)

وسط تسارع عالمي في معدلات الإصابة بمرض السكري، كشفت جلسات مؤتمر تدشين أحدث مضخات الإنسولين الذكية في العاصمة الرياض عن أرقام مقلقة، تضع السعودية في المرتبة التاسعة عالمياً من حيث انتشار المرض، في وقت تتجه فيه السعودية إلى توسيع استثماراتها في تقنيات الرعاية الصحية الحديثة لتحسين جودة حياة المرضى وتعزيز التحكم بالمرض.

وشهد المؤتمر الذي عُقد في «إنتركونتيننتال» تدشين جهاز «أومني بود 5» لأول مرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بحضور نخبة من أطباء وخبراء السكري من مختلف دول العالم، لمناقشة أحدث التطورات التقنية والعلاجية المرتبطة بإدارة داء السكري، إلى جانب استعراض تجارب سريرية وتطبيقات عملية للتقنيات الذكية الحديثة.

وجاء المؤتمر بتنظيم «إنسوليت» الشركة المتخصصة في تطوير أنظمة توصيل الإنسولين والتقنيات الذكية الخاصة بإدارة مرض السكري، حيث افتتح الحدث المدير العام للشركة في الشرق الأوسط والأسواق الناشئة، إلى جانب مدير الشركة في السعودية، قبل انطلاق سلسلة من الجلسات العلمية والنقاشية التي تناولت مستقبل رعاية السكري في السعودية والتجارب المبكرة مع جهاز «أومني بود 5».

جانب من جلسات مؤتمر مرض السكري الذي نظّمته «إنسوليت» في «إنتركونتيننتال - الرياض» (تركي العقيلي)

وأوضح محمد آل مهذل، المدير الطبي لمركز السكري والغدد الصماء في مدينة الملك فهد الطبية، لصحيفة «الشرق الأوسط»، أن العالم يواجه اليوم وباءً عالمياً يتمثل في داء السكري والسعودية ليست استثناءً من هذا التحدي الصحي المتصاعد، فنحو 25 في المائة من البالغين في السعودية مصابون بالسكري، فيما تقترب نسبة مماثلة من مرحلة ما قبل السكري، مضيفاً أن «السعودية سجلت قرابة ربع مليون مريض بالسكري من النوع الأول، مع تزايد سنوي في معدلات الإصابة يصل إلى 10 في المائة للنوع الأول مقارنة بـ6 في المائة للنوع الثاني».

وتابع: «ارتفاع معدلات الإصابة لا يقتصر على السعودية فحسب، إنما يشهد العالم بأسره زيادة مستمرة، خاصةً في حالات السكري من النوع الأول لدى الأطفال»، مبيناً أن «الأسباب الدقيقة لا تزال غير معروفة حتى الآن بالرغم من وجود مجموعة نظريات ترتبط بالإصابات الفيروسية وبعض العوامل الغذائية والبيئية المحيطة».

ولفت آل مهذل إلى أن السكري من النوع الثاني يرتبط بعدة عوامل، في مقدمتها الاستعداد الوراثي والعادات الصحية غير السليمة. وأردف: «يسهم قلة النشاط البدني وعدم الالتزام بالغذاء الصحي واضطرابات النوم في زيادة احتمالية الإصابة بالمرض». كما أكد أن السعودية كثفت خلال السنوات الماضية من برامج التوعية والكشف المبكر للحد من تطور حالات ما قبل السكري إلى السكري، إلى جانب التوسع في توفير أحدث العلاجات والتقنيات الطبية، منوهاً بأن «المملكة كانت من أوائل الدول التي تبنت حلول السكري الحديثة، مثل حساسات قياس السكر المستمرة والمضخات الذكية». وقد أسهمت الأجهزة الحديثة بشكل كبير في تحسين التحكم بمستويات السكر، خصوصاً لدى مرضى السكري من النوع الأول، إلى جانب دورها في تحسين جودة الحياة والنوم وتخفيف الأعباء اليومية على المرضى وعائلات الأطفال المصابين.

وكشف المؤتمر أن مريض السكري من النوع الأول يضطر لاتخاذ أكثر من 180 قراراً يومياً يتعلق بصحته وإدارة حالته المرضية، فيما يلجأ نحو 50 في المائة من المرضى إلى تناول وجبات غنية بالكربوهيدرات قبل النوم خوفاً من انخفاض السكر الليلي أو ما يعرف بانخفاض مستوى السكر في الدم، وهي إحدى التحديات التي لا تزال تمثل فجوة علاجية يسعى المختصون إلى تقليصها مستقبلاً رغم التطورات الحالية.

محمد آل مهذل المدير الطبي لمركز السكري والغدد الصماء خلال حديثه لصحيفة «الشرق الأوسط» (تركي العقيلي)

وناقش المشاركون أحدث التقنيات القابلة للارتداء والمستخدمة تحت الماء، التي ساعدت مرضى السكري على ممارسة حياتهم اليومية بمرونة أكبر، إلى جانب أنظمة ذكية توفر سهولة التعبئة والتركيب والتحكم، وتضم حاسبات للكربوهيدرات تساعد المرضى على إدارة جرعات الإنسولين بدقة أعلى. ومن أبرز هذه التقنيات جهاز «أومني بود 5»، الذي يعمل عبر نظام آلي ذكي يراقب مستويات السكر بشكل مستمر ويعدل ضخ الإنسولين تلقائياً بناءً على قراءات الغلوكوز، بما يسهم في تحسين التحكم بالسكري وتقليل التقلبات الحادة في مستويات السكر.

وتضمنت برامج المؤتمر جلسات علمية ، من أبرزها جلسة بعنوان «مستقبل رعاية السكري في السعودية والتجارب المبكرة مع (أومني بود 5)» إلى جانب جلسة ناقشت كيفية تحويل الأدلة العلمية إلى ممارسات يومية واقعية للمرضى، كما ضم الحدث عدداً من المصابين بمرض السكري وعائلاتهم، في خطوة هدفت إلى رفع مستوى الوعي وإبراز أثره المباشر في تحسين جودة الحياة اليومية للمصابين، ومن بينهم الطفلة ياسمين الشثري، إحدى أوائل مستخدمي جهاز «أومني بود 5» في السعودية.

وعن أهمية التقنيات الحديثة في الرعاية الصحية، قالت لمى المعقيل، والدة ياسمين، لصحيفة «الشرق الأوسط»، إن « هذه الأجهزة أسهمت بشكل كبير في تقليل المخاوف المرتبطة بالمرض وتعزيز مفهوم الرعاية الذكية»، حيث أصبحت قادرة على التنبؤ بانخفاض مستوى السكر في الدم، إذ تقوم تلقائياً بإيقاف ضخ الإنسولين لتفادي حالات الهبوط، ومن بينها خصائص تعتمد على الحركة والنشاط البدني لتنظيم كمية الإنسولين المرسلة بما يتناسب مع احتياج ابنتها ومراقبة صحتها. وأشادت بدور هذه المؤتمرات المتخصصة في مجال السكري، وأن دورها مهم في رفع الوعي. وأضافت: «هذه المؤتمرات مهمة جداً للمرضى، وليس للممارسين الصحيين فقط، حيث تساعد المرضى وأسرهم على فهم الخيارات المتاحة بصورة أوضح، والتعرف على الفروقات بين أنواع المضخات والأجهزة المختلفة، ما يساعدهم على اتخاذ قرارات مبنية على معرفة ووعي حقيقيين».


آثاريون مصريون ينتفضون ضد «تشويه» بانوراما معبد كلابشة بأسوان

جانب من البانوراما الخاصة بمعبد كلابشة (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)
جانب من البانوراما الخاصة بمعبد كلابشة (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)
TT

آثاريون مصريون ينتفضون ضد «تشويه» بانوراما معبد كلابشة بأسوان

جانب من البانوراما الخاصة بمعبد كلابشة (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)
جانب من البانوراما الخاصة بمعبد كلابشة (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

أبدى عددٌ من الآثاريين المصريين غضبهم وانتفضوا لمشاهِد مُصوَّرة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك عبر وسائل إعلام محلية، تظهر واجهة معبد كلابشة بأسوان (جنوب مصر) وبها مبنيان حديثان للخدمات الخاصة بالموقع الأثري، ما عدَّه متخصصون «تشويهاً» للموقع والبانوراما الخاصة بالمعبد.

وناشدت «حملة الدفاع عن الحضارة المصرية» وزير السياحة والآثار، والأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، إزالة هذه «التشوهات»، التي ظهرت في صور وصلت للحملة من مصادر عدة من آثاريين ومرشدين سياحيين وعشاق للحضارة المصرية، وكذلك معالجة آثار الطيور على الأثر، لحرصها على ظهوره بأجمل منظر، وفق بيان نشرته الحملة على «فيسبوك».

ويؤكد الخبير الآثاري الدكتور عبد الرحيم ريحان، رئيس «حملة الدفاع عن الحضارة المصرية»، أن هناك نصوصاً قانونية تجرّم تشويه الآثار، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الصور التي وصلتنا تشير إلى مبانٍ خدمية في بانوراما الأثر، وهو أمر يؤثر سلباً على صورته وشكله أمام الزائرين». وتابع: «حل المشكلات لا يأتي على حساب الأثر، فالمباني الخدمية داخل المباني الأثرية يجب أن تراعي بيئة الأثر نفسه، وألا تتنافر معه، لأنها ستكون جزءاً من بانوراما الموقع».

ولفت إلى «ضرورة التعاون بين الجهات المسؤولة عن هذا الأمر، وبين هيئة التنسيق الحضاري، وأساتذة كليات الهندسة والفنون الجميلة والتطبيقية، قبل تنفيذ أي تدخلات حديثة في محيط الأثر، خصوصاً أنَّه مُسجَّل في قائمة التراث الحضاري باليونيسكو».

صورة لمعبد كلابشة بأسوان أثارت جدلاً (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

ويعدُّ معبد كلابشة من أجمل وأكمل المعابد في النوبة السفلى، وفق وزارة السياحة والآثار. وقد بُني في عهد الإمبراطور الروماني أغسطس (30 ق.م - 14م)، وكُرِّس للمعبود النوبي ماندوليس، وكذلك للمعبودَين المصريَّين القديمَين إيزيس وزوجها أوزيريس. وقد أُدرجت آثار النوبة المصرية، من أبوسمبل إلى فيلة، على قائمة التراث العالمي لـ«اليونيسكو» عام 1979.

وتؤكد أستاذة مساعدة الآثار والتراث الحضاري، الدكتورة مونيكا حنا، أن «هذا البناء الذي انتشر لا يصح، فهو يؤدي إلى ضياع مشهد البانوراما، حتى لو كانت الجزيرة التي يوجد فيها المعبد غير أثرية، لأنَّه تمَّ نقل المعبد إليها بعد تفكيكه».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «البانوراما الخاصة بالمعبد مُشوَّهة جداً، وإن كانت هناك رغبة في بناء حمامات أو مرافق خدمية، فيمكن بناؤها في أماكن أخرى خلف المعبد، أو في المنطقة بشكل عام بطريقة لا تشوه المشهد البانورامي. ولكن ما رأيناه يدل على فقر في الخيال، وفشل في إدارة موقع مهم مُسجَّل على قائمة التراث العالمي».

إحدى لوحات المعبد الداخلية (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

ويتكوَّن معبد كلابشة من صرح يؤدي إلى الفناء المفتوح، يؤدي بدوره إلى قاعة الأعمدة. في حين تقع غرفتان مستعرضتان خلفهما، وهما بمثابة غرفتين للقرابين. وفي نهاية المعبد يوجد قدس الأقداس، حيث احتُفظ بتمثال للمعبود النوبي ماندوليس كما هو المعتاد. وشهد هذا المعبد تأثيرات مختلفة من الحضارات المتعاقبة التي تركت بصمتها عليه في العصر الروماني، وكذلك مع بدايات انتشار المسيحية في مصر، وفق الموقع الرسمي لوزارة السياحة والآثار.

ويرى الخبير الآثاري المتخصص في المصريات، أحمد عامر، أن «وجود أبنية حديثة بالقرب من الأثر نفسه بشكل عام لا يجوز قانوناً، نظراً لأنه بمثابة تعدٍ على حرم الأثر، كما أنه يعدُّ تشويهاً بصرياً، لا يتماشى مع طبيعة الأثر والمكان، ولا يليق بالمنطقة الأثرية نفسها».

وقال عامر لـ«الشرق الأوسط»: «إن الصور المتداولة تظهر وجود مبانٍ بالقرب من معبد كلابشة أثارت سخط كثيرين من المتخصصين في علم الآثار بدافع الغيرة على آثار بلدهم، وحرصهم على ظهور آثارها بشكل يليق بمكانتها وحضارتها العظيمة»، مستدركاً: «لكني أعتقد أنَّ هذا المبنى لن يكون بالقرب من المعبد نفسه بالشكل الذي ظهر عليه في الصورة، نظراً لأنَّ الوزارة تعلم جيداً أنَّ مثل هذه الأمور لا تجوز، وتجلب انتقادات».

وتابع عامر: «هذا المبنى في الحقيقة بعيد بشكل كبير عن الأثر نفسه، كما أنه سيُطلَى بطريقة تتماشى مع طبيعة الأثر، وتراعي التناسق في الألوان، بما يتوافق مع الهوية البصرية للمكان. وأعتقد أنَّ المسؤولين عن الموقع سيحرصون على ذلك، لمعرفتهم بقيمة هذا الموقع الأثري المميز».


جاك مارون يقدم مسرحية «الوحش» من بطولة كارول عبود ودوري السمراني

مسرحية «الوحش» بطولة الثنائي كارول عبود ودوري السمراني (جاك مارون)
مسرحية «الوحش» بطولة الثنائي كارول عبود ودوري السمراني (جاك مارون)
TT

جاك مارون يقدم مسرحية «الوحش» من بطولة كارول عبود ودوري السمراني

مسرحية «الوحش» بطولة الثنائي كارول عبود ودوري السمراني (جاك مارون)
مسرحية «الوحش» بطولة الثنائي كارول عبود ودوري السمراني (جاك مارون)

في لبنان، الحرب تُشعل أزمات القطاع الفني سريعاً. المسرح، الذي كان يحجز لنفسه مساحة نابضة بالحياة قبل سنوات، شهد توقفاً واضحاً: عروض تأجَّلت، وأخرى أُلغيت، وجمهور ينتظر ظروفاً أكثر أماناً.

ومع ذلك، بدأ المسرح يستعيد نبضه بخجل. الفنانون يرفضون الاستسلام، متمسكون برسالتهم، مدفوعين بالشغف والإصرار على الاستمرار.

الكاتب والمنتج والمخرج المسرحي والممثل جاك مارون يؤكد: «المسرح مساحة للمقاومة الثقافية، والتوقف الكامل يعني الاستسلام. وجود فريق متحمّس هو الحافز الذي يجعلنا نستمر، رغم ندرة الدعم في زمن الحرب».

كارول عبود في مشهد من المسرحية (جاك مارون)

في 23 مايو (أيار) الحالي، يبدأ جاك مارون عرض عمله الجديد «الوحش» على مسرح «مونو»، من بطولة كارول عبود، ودوري السمراني. تروي المسرحية قصة شخصين منبوذين من المجتمع يلتقيان في حانة فارغة ذات ليلة، حيث يبحث كل منهما عن بعض السلام الداخلي. يبدأ اللقاء متوتراً ومشحوناً بحوارات قاسية، قبل أن تنمو بينهما تدريجياً شرارة إنسانية صغيرة وسط أوجاعهما الثقيلة.

وكان العمل قد عُرض للمرة الأولى عام 2019 في المحترف الفني الخاص بمارون، على أن يُنقل لاحقاً إلى خشبة «مونو»، إلا أنَّ توالي الأزمات في لبنان حال دون ذلك.

يمتلك جاك مارون خبرةً طويلةً في عالم المسرح، ما يجعل أعماله منتظَرة من شريحة واسعة من اللبنانيين. وحول ما إذا كانت «الوحش» تحمل لمسةً رومانسيةً وسط الظروف القاسية، يوضح: «هي في الحقيقة قصة حب عاشها شخصان خلال 16 ساعة أمضياها معاً. لا نعرف مصير هذه العلاقة، لكن الجمهور سيتابع من خلالها موضوعات متعددة، لا سيما أن البطلين يحملان تاريخاً صادماً يجعلهما يشعران بالراحة وهما يستعيدان ماضيهما».

يؤكد مارون تمسُّكه بالمسرح الحقيقي (جاك مارون)

نصُّ المسرحية من تأليف الكاتب الأميركي جون باتريك شانلي، وترجمته إلى العربية أرزة خضر. ويشير مارون إلى أن اختيار الممثلين لم يكن عشوائياً، بل نتيجة رحلة طويلة من التفكير. يقول: «تأثرت بالقصة منذ قرأتها قبل 27 عاماً، وتركت في داخلي أثراً كبيراً. وعندما تعرَّفت إلى كارول عبود عام 2011 بعد تعاون سابق، رشحتها مباشرة للبطولة. ثم انتظرت حتى عام 2015 لاختيار الممثل الذي سيشاركها العمل. فعندما أقرِّر تنفيذ مشروع مسرحي، أحتاج إلى وقت طويل كي أرسمه كاملاً في خيالي، بأسلوبي وطريقتي».

تربط مارون بالكاتب الأميركي صداقة متينة، وهو من المعجبين بأعماله، وينوي تقديم نصوص أخرى له على المسرح مستقبلاً. ويشير إلى أنَّ تنفيذ أي عمل مسرحي في لبنان أصبح يحتاج إلى رحلة شاقة؛ بسبب الأزمات المتلاحقة. ويضيف: «في الظروف الطبيعية يقدِّم الفنان مشروعه في توقيته المناسب، لكن ما مرَّ به لبنان أخَّرني كثيراً. كنت حريصاً على التحكم بوقت التحضير والتنفيذ والعرض، لأنَّ الظروف المحيطة بنا لا يمكن السيطرة عليها. واليوم اتخذنا قرار تقديم المسرحية رغم كل شيء، ونأمل ألا تعترضنا مفاجآت تمنعنا من ذلك».

يشتهر جاك مارون بأسلوبه الإخراجي البصري المتقن، القائم على تقديم صورة مسرحية مختلفة تبتعد عن المباشرة والطرح السهل. فهو يحرص على إشراك المشاهد في رحلة فكرية وعاطفية، من دون تقديم الأفكار بشكل جاهز. ويقول: «تكمن مسؤوليتي في احترام عقل الجمهور وتقديم محتوى يليق بفكره. هذه المسؤولية تبدأ من النَّصِّ نفسه. فعندما يكون المحتوى راقياً، يجد المتلقي نفسه تلقائياً في المكان المناسب. لذلك أشعر دائماً بأنَّ عليّ أن أعيش القصة التي أقدّمها وأحييها داخلياً قبل أن يراها الجمهور».

ويشير مارون إلى أنه لا يستطيع تقديم أي مادة مسرحية ما لم يفهم مضمونها بالكامل، مؤكداً أنه يسير عكس مقولة «الجمهور عايز كده». ويعلق: «في زمن وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، من الصعب التمييز بين الزيف والحقيقة. لذلك أجتهد لتقديم عمل حقيقي يترجم الحبر المكتوب على الورق، وينقل مشاعر شخصيات من لحم ودم. فإذا صدّقني الجمهور وتفاعل مع ما أقدمه، أشعر بأنني نجحت في مهمتي. فالمسرح ليس مجرد مساحة للضحك أو التسلية، بل مساحة للصدق الإنساني، مهما كان نوع العمل درامياً أو كوميدياً أو تراجيدياً. وفي زمن الذكاء الاصطناعي نحن بحاجة إلى الحقيقة أكثر من أي وقت مضى».

ويختم مارون حديثه لـ«الشرق الأوسط» بالقول: «من الصعب أن تؤلف مسرحية وأنت تعيش في قلب مسرحية أخرى أكثر قسوة. فنحن اللبنانيين نتابع منذ سنوات طويلة عروضاً عبثية لا أحد يحاسب فيها أو يضع النقاط على الحروف. ومع ذلك، يبقى أملنا بلبنان الغد، وبالمواطنين الذين تشبثوا بأرضهم وما زالوا يحلمون بوطن أفضل».