الفسيفساء تنتصر للأطلال في الجناح السعودي بفينيسيا

بعنوان «عسى ألا تجف دموعك يا من بكى على الأطلال» للفنانة دانة عورتاني

سجادة من الفسيفساء تعيد ذكرى الأماكن المهدمة (الفنانة وهيئة الفنون البصرية)
سجادة من الفسيفساء تعيد ذكرى الأماكن المهدمة (الفنانة وهيئة الفنون البصرية)
TT

الفسيفساء تنتصر للأطلال في الجناح السعودي بفينيسيا

سجادة من الفسيفساء تعيد ذكرى الأماكن المهدمة (الفنانة وهيئة الفنون البصرية)
سجادة من الفسيفساء تعيد ذكرى الأماكن المهدمة (الفنانة وهيئة الفنون البصرية)

في جناح السعودية ببينالي فينيسيا، تأخذنا الفنانة دانة عورتاني في رحلة نخوضها عبر ممرات لنطلع على خريطة فنية لمعالم أثرية وتاريخية دمرت بفعل الحرب. ليست خريطة جغرافية، بل هي تشكيل بديع من الفسيفساء مصنوع من آلاف القطع المصنوعة من الطين، شُكّلت في قوالب وطبخت تحت شمس الرياض، ثم لونت بألوان طبيعية لتتشكل زخارف ورسومات هندسية مأخوذة من مواقع وبنايات وآثار تاريخية عاشت مئات السنين في المنطقة العربية عاصرت دولاً وممالك حتى طالتها يد الدمار لتنزع منها مكانها وموقعها في التراث الجمعي العربي.

الفنانة دانة عورتاني (الفنانة وهيئة الفنون البصرية)

دأبت عورتاني في أعمالها على تصوير موجات الهدم والإزالة التي طالت معالم أثرية وتاريخية في بلاد عربية مختلفة، فمن ينسى عملها الضخم في أولى دورات بينالي الفن المعاصر بالرياض والذي اختزلت فيه جانباً من تاريخ المسجد الكبير في حلب في سوريا، ثم بلاطات حمام السمرة في غزة والذي قدمته في بينالي بخارى للفن المعاصر العام الماضي؟

التوثيق بالطين والألوان

الموضوع ممتد، وأعمال عورتاني تسجل بدأب وصبر ما أزيل ودُمِّر، محملة بقناعة وجوب تسجيل ما نخسره يومياً نتيجة الحروب والدمار ومحاولات الإزالة. تتحدث عن الأبحاث التي تقوم بها لمعرفة المزيد عن المباني والأماكن الأثرية التي تتهدم بشكل متزايد. يتزامن عملها مع أعمال عنف متزايدة في المنطقة، وكأنه يسجل التاريخ لحظة بلحظة ويعلق على الحادث أمامنا، وربما هذا العنصر ما سيزيد من تفاعل أثر الجناح، فالتدمير والهدم يحدثان الآن، وعمل دانة يصبح بمثابة التعليق الفوري على ما يحدث.

جانب من الجناح السعودي في بينالي فينيسيا (الفنانة وهيئة الفنون البصرية)

في فينيسيا، يستحضر عملها ثلاثة وعشرين موقعاً ذات أهمية تاريخية، وينطوي كل منها على قيمة ثقافية ومادية بالغة.

البداية من الرياض

في الاستديو الخاص بها في الرياض، بدأت دانة العمل على القطعة الفنية الهائلة التي تمثل السعودية في بينالي فينيسيا، هناك وتحت أشعة الشمس الحارقة انهمك العمال والحرفيون في تشكيل ورصّ قوالب الطين بحسب خريطة شديدة الدقة تحملها عورتاني معها، تتحدث مع الحرفيين وتتناقش معهم حول القطع ووضعية تركيبها، وتشير إلى أن كلاً من هؤلاء الحرفيين يحمل خبرة بهذا النوع من العمل.

ليست أطلالاً بل تاريخ مشترك

تختار لعملها في فينيسيا عنواناً مستوحى من شعر أبو نواس «عسى ألا تجف دموعك يا من بكى على الأطلال». موضوع الأطلال مستمر في أعمالها، تناولت آثاراً عربية كثيرة تهدمت وتحولت إلى أطلال استوجب تدميرها الحزن والبكاء، ولكن دانة ترى تلك الأطلال بنظرة خاصة، تحملها معها في أعمالها، وتستمر في أبحاثها حول الآثار التي استهدفت، ودمرت وتسجل كل جديد، في أثناء مقابلتنا، تتحدث عن مناطق أثرية ومساجد وكنائس، وحتى أكثر من كنيس يهودي تحول إلى دمار بفضل هجوم عدواني لا يحفل بالماضي والتاريخ والثقافة.

رغم اختيارها لموضوع تناوله الشاعر أبو نواس، فإن الفنانة تختلف معه في سخريته ممن يقفون على الأطلال، وتقول: «أعتقد أن هذه الحجارة تحمل تاريخها وتروي قصص الناس الذين عاشوا هنا لمئات السنين. وقد تبقى هذه الحجارة بعد رحيل الأحياء. لذا، لم أتفق مع تلك القصيدة، لكنني اقتبست تلك الجملة تحديداً خارج سياقها واستخدمتها لتوضيح وجهة نظري».

سجادة الفسيفساء

في فينيسيا، ينفرد عمل عورتاني على كامل مساحة الجناح السعودي مثل سجادة من الفسيفساء المصنوعة من قوالب الطوب الملونة. ينقسم العمل لثيمات بصرية مختلفة، كلها مستوحاة من الشرق الأوسط، بحسب ما ذكرت لنا في أثناء جولة خاصة لـ«الشرق الأوسط» في الاستديو، حيث نُفذ العمل خارج مدينة الرياض في يناير (كانون الثاني) الماضي: «كل الموتيفات التي أستخدمها هنا مأخوذة من أماكن مختلفة من منطقة الشرق الأوسط، وكلها تعرضت للدمار».

يستحضر عملها 23 موقعاً تاريخياً ذات أهمية تاريخية (الفنانة وهيئة الفنون البصرية)

في بحثها، سجلت تفاصيل المواقع المدمرة، وما حدث لها، ثم أخذت من كل موقع الأشكال والموتيفات الفنية المميزة التي تختلف في أصلها وتاريخها؛ فمنها الروماني والبيزنطي وغيرها: «الأشكال والتصاميم كثيرة، ولكني أحرص في كل تصميم أقدمه أن يكون هناك إشارة إلى مكان تم تدميره»، وفي موقع العرض بفينيسيا تعرض كل المعلومات على أحد الحوائط.

موقع أثري متخيل

موقع الجناح السعودي في بينالي فينيسيا يوفر للفنان فرصة هائلة لعرض عمله؛ فالمساحة واسعة ومجردة، وكان أمام عورتاني أكثر من طريقة لتقديم عملها، ولكنها لم تستجب لفكرة أن يكون العمل معروضاً بطريقة تقليدية. تتحدث عن أن طريقة العرض تحمل رسالة «لتحرير الآثار من النظرة الاستعمارية».

وتلجأ لأنْ يكون عرضها جاذباً للزائر ليغوص داخله، يمشي الزائر عبر ممرات محددة بين سجادات من الفسيفساء المتجاورة والمرفوعة على قواعد خشبية دون حدود مصطنعة أو مفروضة، تقول: «أردنا أن يشعر الجمهور وهو يسير بين هذه العناصر وكأنه جزء من العمل. إنه أشبه بموقع أثري متخيل.».

سجادة من الفسيفساء تعيد ذكرى الأماكن المهدمة (الفنانة وهيئة الفنون البصرية)

وتصف العمل بـ«التركيب الأرضي الغامر» الذي يضم مزيجاً من التصاميم المختلفة: «لم أرغب في وضع خريطة توضح مصدر كل نمط؛ لأن الكثير من هذه الأنماط موجود في مواقع متعددة. إنه تراث مشترك، ولا يمكن القول ببساطة: هذا نمط فلسطيني، وهذا نمط سوري، وهذا نمط لبناني. جميعها متشابهة إلى حد كبير؛ فتراثنا مشترك ومهم لنا جميعاً».

تصاميم هندسية ونباتية وحيوانية من مواقع عربية مهدمة (الفنانة وهيئة الفنون البصرية)

وتشرح لنا الأنماط البصرية والتصميمات الهندسية المستخدمة في العمل: «هناك نمطان من غزة؛ أحدهما فسيفساء البريج، والآخر من دير القديس بطرس. وهناك أيضاً مجموعة من الأشكال من قصر بيت الدين في لبنان. كما توجد شجرة نخيل من دير في سوريا. عند دخول المبنى، سيجد الزائر لوحة جدارية تفصل المفاهيم الرئيسية، وقائمة بجميع المواقع التي أشرت إليها. معظمها أماكن سكنية والكثير منها مواقع مسيحية: أديرة، كنائس، كنيسة المهد، كنيسة جميع الأمم، وبيت لحم والقدس، التي تعرضت لأضرار تاريخية؛ لأن الفسيفساء تُستخدم بكثرة في هذه الأماكن».

الجمال الهش

من مدخل القاعة، تنبسط القطع أمامنا في جمال هادئ وهش، نتبع النقشات المختلفة، نسجل بأعيننا أن هذا النقش أو ذاك ينتمي لمكان معين، بعضها تشقق وبدا كأنه قادم إلينا للتو من موقعه الجغرافي الحقيقي حيث الدمار والتكسر. ولكن تلك الحالة الهشة جاءت من حرص الفنانة على أن يعكس العمل حالة المواقع الأثرية المتضررة؛ ففي خلطة الطين المستخدمة استبعدت إضافة القش الذي يعمل على تماسك القطع، وتركت القطع الطينية لتأثير الطبيعة. ترى أن حدوث التشققات أمر طبيعي ويخدم الفكرة، كذلك فعلت عند استخدامها الألوان الطبيعية للرسم على قطع الطوب، فلم تحاول تثبيتها باستخدام مواد اصطناعية: «لن يبقى بهذا اللون الواضح؛ لأن الألوان طبيعية ويمتصها الطين، لكنني أيضاً لم أرغب في وضع طلاء مانع للتسرب أو أي شيء اصطناعي من هذا القبيل عليه».

تصاميم هندسية من الأماكن المدمرة (الفنانة وهيئة الفنون البصرية)

الفسيفساء من الشرق للغرب وبالعكس

اختارت الفنانة الفسيفساء لعملها، وترى فيها تجسيداً للصلات بين الشرق والغرب: «في قراءتي، وجدت أن أول فسيفساء ظهرت في بلاد ما بين النهرين، وتحديداً في العراق. ثم انتقلت إلى الإمبراطورية الرومانية، وازدهر فن الفسيفساء في إيطاليا، حيث استُخدم بكثرة في أماكن العبادة المسيحية. وعندما وصل البيزنطيون إلى فلسطين وسوريا ولبنان، أعادوا هذا الفن إلى المنطقة، لذا فإن معظم الأنماط التي أستخدمها هنا مستوحاة من الفسيفساء التقليدية التي تعود إلى تلك الحقبة». وربما لن يبدو استخدام الفسيفساء غريباً على فينيسيا التي تضم كنائسها نماذج فائقة الجمال منها.

تضافر الأيدي

استغرق العمل ما يزيد على 30 ألف ساعة عمل، شارك فيها اثنان وثلاثون حرفياً من الرياض وخارجها. دأبت الفنانة على التعاون مع الحرفيين المتخصصين في أعمالها، ولها فلسفة خلف ذلك، تتحدث عن التعاون مع الحرفيين بوصفه أمراً أساسياً بالنسبة لها: «أحاول أن أفكر في الأمر على النحو التالي: لن أذهب إلى مصنع وأطلب منهم نحت الأحجار آلياً. أفضّل العمل مع البشر بالطريقة التقليدية؛ لأنني أهتم أيضاً بالحفاظ على التقنية التقليدية. وينطبق الأمر نفسه على هذا المشروع؛ فقد تم إنجازه باستخدام الطين التقليدي، لكنني عدّلت التقنية بطريقة ما، فالطوب اللبن التقليدي يحتوي على الرمل والقش لجعله قوياً ولا يتشقق. لقد استبعدت ذلك عمداً لأجعله يتشقق. عادةً ما يُستخدم طوب اللبن في بناء الهياكل والمنازل، لكنني أستخدمه كأرضية. لذا، من الضروري فهم الحرفة التي نعمل بها. أحرص على إشراك الأشخاص المعنيين طوال العملية. سيرون صوراً للمشروع، وسيتم ذكر أسمائهم بوصفهم متعاونين معي».

* الجناح السعودي يقام بتكليف من هيئة الفنون البصرية التابعة لوزارة الثقافة بإشراف القيمة الفنية أنطونيا كارفر، وبمشاركة القيمة الفنية المساعدة حفصة الخضيري.


مقالات ذات صلة

مقتنيات صلاح أبو سيف النادرة تخرج إلى العلن للمرّة الأولى في القاهرة

يوميات الشرق صلاح أبو سيف أحد أبرز رواد الواقعية في السينما المصرية (وزارة الثقافة المصرية)

مقتنيات صلاح أبو سيف النادرة تخرج إلى العلن للمرّة الأولى في القاهرة

يأتي المعرض مواكباً للذكرى الـ30 لرحيل أبو سيف، التي تحلّ الشهر المقبل...

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق خلف كل لوحة حكاية حياة تحطمت أو تبدلت إلى الأبد (متحف أورسي)

مَن يملك هذه الأعمال الفنية المنهوبة؟

خلف كل لوحة وكل قطعة فنية غالباً ما توجد حكايات لحيوات تحطمت أو انقلبت رأساً على عقب أو دُمّرت بالكامل

سيغولين لو ستراديك (باريس)
يوميات الشرق من بين عروض «شارع الفن» (رئاسة مجلس الوزراء)

«شارع الفن»... مبادرة لتحويل شوارع القاهرة إلى منصات مفتوحة للإبداع

مبادرة «شارع الفن» تُحوِّل شوارع القاهرة إلى منصات فنية مفتوحة لتنمية المواهب والحفاظ على الهوية الثقافية.

حمدي عابدين (القاهرة)
يوميات الشرق الأساطير المصرية حاضرة في المعرض (الشرق الأوسط)

«الأساطير المصرية وسطح الكون»... معرض فني يفجّر طاقة الألوان

عبر لغة تشكيلية تجريدية معاصرة، يطرح الفنان التشكيلي المصري، محمد برطش، رؤية فنية لبداية الكون، مازجاً بين العناصر والرؤى المختلفة لبداية الخليقة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
تقرير إخباري وهج الألوان يعكس صخب المدينة (الشرق الأوسط)

تقرير إخباري «تذكرة العودة»... معرض قاهري يحتفي بأضواء المدينة وصخب المهرجين

في مساحات مكتظة بالبشر، والبنايات، والسيارات، والتفاصيل اليومية، تلمع الألوان لتمنح المشهد متعة بصرية مطعمة بالبهجة، والمرح.

محمد الكفراوي (القاهرة )

«جامعة الرياض للفنون»: برامجنا تُقدم حسب طبيعة التخصص ومتطلباته

تستهدف البرامج الأكاديمية تمكين الكفاءات الوطنية في التخصصات الثقافية والإبداعية (جامعة الرياض للفنون)
تستهدف البرامج الأكاديمية تمكين الكفاءات الوطنية في التخصصات الثقافية والإبداعية (جامعة الرياض للفنون)
TT

«جامعة الرياض للفنون»: برامجنا تُقدم حسب طبيعة التخصص ومتطلباته

تستهدف البرامج الأكاديمية تمكين الكفاءات الوطنية في التخصصات الثقافية والإبداعية (جامعة الرياض للفنون)
تستهدف البرامج الأكاديمية تمكين الكفاءات الوطنية في التخصصات الثقافية والإبداعية (جامعة الرياض للفنون)

أوضحت «جامعة الرياض للفنون»، الاثنين، أن برامجها الأكاديمية مُصممة وفق أسس علمية ومهنية تنسجم مع مستهدفات تطوير التعليم، وتمكين الكفاءات الوطنية في التخصصات الثقافية والإبداعية.

وقال عبد المجيد العساف، المتحدث الرسمي المكلّف للجامعة، إن البرامج والمقررات الأكاديمية تُقدَّم باللغتين العربية والإنجليزية، وفق طبيعة كل تخصص ومتطلباته، وهو نهج أكاديمي معمول به في العديد من الجامعات حول العالم التي تعتمد أكثر من لغة بحسب طبيعة برامجها الأكاديمية.

وأضاف العساف أن اعتماد لغة الدراسة يأتي وفق معايير أكاديمية، وبناءً على توصيات اللجان العلمية المختصة، بما يضمن جودة المخرجات التعليمية، ورفع كفاءة التحصيل العلمي والمهني للطلبة، مع الاستفادة من أحدث المراجع والممارسات في المجالات التخصصية المختلفة.

وشدّد على أن البرامج الأكاديمية للجامعة لن تأتي بمعزل عن الهوية الوطنية، إذ تتضمن جميعها مقررات ومحتوى معرفياً يعززان الثقافة السعودية، إلى جانب مقررات تُعنى باللغة العربية، والتعبير الإبداعي، والتواصل الثقافي، منوهاً بأن ذلك يُسهم في تحقيق الهدف الأكبر المتمثل في إعداد خريجين معتزين بهويتهم، وقادرين على تمثيل ثقافتهم في مختلف المناحي المهنية والمعرفية.

وأكد العساف أن الجامعة تُثمّن وتُقدّر جميع الآراء والنقاشات المتعلقة بتطوير التعليم والبرامج الأكاديمية، مبيناً أن الحوار البنّاء والاهتمام المجتمعي يُعدّان عنصرين مهمين في دعم مسيرة البناء والتطوير للجامعة، والارتقاء بمخرجاتها التعليمية، بما يُسهم في بناء جيل سعودي مبدع يعتز بثقافته وهويته الوطنية، ويشارك بفاعلية في تحقيق المستهدفات الثقافية تحت مظلة «رؤية المملكة 2030».

يُشار إلى أن «جامعة الرياض للفنون» تنطلق في مرحلتها الأولى بأربع كليات، على أن تتوسع مستقبلاً لتشمل 13 كلية متخصصة تغطي مختلف قطاعات الثقافة والفنون، وتُقدَّم برامجها باللغتين العربية والإنجليزية، مستهدفة تعزيز حضور اللغة العربية والثقافة السعودية في المحتوى والممارسة التعليمية.


«بلوغر» مصرية تثير جدلاً بعد حرق نفسها لحصد المشاهدات

«البلوغر» التي نشرت الفيديو بعد إشعالها النار في نفسها (وزارة الداخلية المصرية)
«البلوغر» التي نشرت الفيديو بعد إشعالها النار في نفسها (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«بلوغر» مصرية تثير جدلاً بعد حرق نفسها لحصد المشاهدات

«البلوغر» التي نشرت الفيديو بعد إشعالها النار في نفسها (وزارة الداخلية المصرية)
«البلوغر» التي نشرت الفيديو بعد إشعالها النار في نفسها (وزارة الداخلية المصرية)

أثارت «بلوغر» مصرية الجدل بعد أن أضرمت النار في نفسها بدافع حصد مشاهدات على مواقع التواصل الاجتماعي، لتسديد ما قالت إنها ديون متراكمة، وتحفظت وزارة الداخلية المصرية عليها بعد إيداعها أحد المستشفيات مصابة بحروق تجاوزت 70 في المائة.

وذكرت «الداخلية المصرية»، في بيان لها، أنه «في إطار كشف ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بأحد الحسابات الشخصية بمواقع التواصل الاجتماعي تضمن قيام إحدى السيدات بإضرام النيران في نفسها بالجيزة، فقد تم تحديد السيدة الظاهرة بمقطع الفيديو، وهي ربة منزل (لها معلومات جنائية) مصابة بحروق متفرقة بالجسم وتم إيداعها بأحد المستشفيات لتلقي العلاج اللازم، وبسؤالها أقرت بقيامها بإضرام النيران بنفسها في بث مباشر على مواقع التواصل الاجتماعي لمرورها بحالة نفسية سيئة حال تواصلها مع أحد معارفها بمواقع التواصل الاجتماعي بهدف جذب تعاطف المتابعين».

و«أمكن تحديد وضبط القائمة على النشر (لها معلومات جنائية)، وهي مقيمة بمحافظة القاهرة، وبحوزتها هاتف محمول، وبفحصه تبيّن احتواؤه على مقطع الفيديو المشار إليه، وبمواجهتها اعترفت بقيامها باستغلال الموقف ونشره على صفحتها بمواقع التواصل الاجتماعي لزيادة نسب المشاهدات وتحقيق أرباح مالية»، وفق ما ورد بالبيان.

وأثارت الواقعة جدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي بين المتخصصين في علم الاجتماع وفي «السوشيال ميديا»، بين من يراها حوادث فردية سلبية يجب تجاهلها، ومن يرى أنها تشير إلى دلالة على الخطر الذي تبشّر به وسائل التواصل الاجتماعي ومنحها وهم الثراء السريع لبعض «البلوغرز».

وزارة الداخلية تواجه جرائم الإنترنت (وزارة الداخلية المصرية)

«وتكمن الإشكالية مع (السوشيال ميديا) أو المواقع نفسها في الطريقة التي تكافئ بها المتابعين عبر خوارزميات تتغذّى على المحتوى المثير والصادم حتى لو كان بلا قيمة، يعني كلما زادت المشاهدات واللايكات والضغط على الروابط، زادت الشهرة وربما زاد المال»، وفق تصريحات المتخصص في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا» معتز نادي.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «بعض صناع المحتوى أو البلوغرز يفكرون بطريقة خطيرة وصادقة من مبدأ كيف أجذب الناس بأي شكل؟ حتى لو بالمبالغة، أو الخوف، أو الفضائح، أو المقالب المؤذية، أو التحديات الخطرة، وهو مرفوض بالطبع».

وعدّ نادي أن «المواقع أيضاً قد تُغري البلوغرز بالإعلانات والعمولات والرعايات عن طريق شركات وشراكات وسيطة من الباطن، فبدلاً من أن يسأل: هل ما أقدمه مفيداً وصادقاً؟ يبدأ يسأل: هل سيجلب مشاهدات؟ هل سيجعل الناس تضغط على الرابط؟».

وأشار إلى مشكلة أخرى تتمثّل في أن «الجمهور بعضه يكافئ المحتوى الصادم بالمشاهدة والمشاركة، فتنتشر الفكرة أكثر، وقد يقلدها آخرون، خصوصاً الأطفال والمراهقين، وهو ما يستدعي تربية إعلامية تبرز النماذج الناجحة وتتجاهل تماماً النماذج السلبية التي هي بحاجة إلى تقويم، والحل أن يكون الجمهور واعياً لا يشجع المحتوى المؤذي لمجرد أنه مثير، فالتجاهل هو الحل».

من جانبها، أشارت أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن السبب في تفاقم المخالفات وحتى الجرائم التي يرتكبها بعض البلوغرز يعود إلى نقص الوعي في المجتمع.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «إقدام بلوغر على إضرام النار في نفسها لجذب المشاهدات وحصد المكاسب يحيلنا إلى أزمة خطيرة بالمجتمع، وهو لجوء الأشخاص إلى فعل أي شيء بوصفه نوعاً من اليأس لأسباب ترتبط بضائقة مالية أو أزمة نفسية».

وتابعت: «يجب تصدير القدوة والمثل الأعلى للشباب، ويجب التوعية بتحريم وخطورة الإقدام على الانتحار أو إزهاق الروح مهما واجهت من مشكلات». ولفتت إلى أنها تتمنى ألا يتم نشر أو الإشارة إلى مثل هذه الحوادث لأنها تُعطي مثالاً سيئاً ورديئاً، وقد تجذب آخرين لتقليدها، في حين يجب تقديم القدوة الجيدة للشباب وللمجتمع عموماً.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


أزمة منع «الجلباب الصعيدي» في دور سينما مصرية تصل للبرلمان

فيلم «أسد» يتناول قضية العبيد وثورة لتحريرهم (الشركة المنتجة)
فيلم «أسد» يتناول قضية العبيد وثورة لتحريرهم (الشركة المنتجة)
TT

أزمة منع «الجلباب الصعيدي» في دور سينما مصرية تصل للبرلمان

فيلم «أسد» يتناول قضية العبيد وثورة لتحريرهم (الشركة المنتجة)
فيلم «أسد» يتناول قضية العبيد وثورة لتحريرهم (الشركة المنتجة)

وصلت أزمة منع مجموعة مشاهدين من الدخول بـ«الجلباب الصعيدي» لإحدى دور العرض في مصر من أجل مشاهدة فيلم «أسد» لمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان) بطلب إحاطة رسمي قدمه البرلماني أحمد البرلسي.

وترجع وقائع الأزمة إلى مساء السبت الماضي مع نشر المدون محمد المطعني مقطع فيديو برفقة عدد من أقاربه يتحدث فيه عن منعهم من دخول إحدى دور العرض السينمائية لمشاهدة فيلم «أسد» الذي يقوم ببطولته محمد رمضان بسبب ارتدائهم الجلباب الصعيدي، وتأكيد إدارة السينما أن هذا الزي غير مسموح بالدخول به.

وتفاعل عدد من صناع الفيلم مع مقطع الفيديو الذي انتشر بشكل سريع، ومن بينهم بطل الفيلم محمد رمضان، ومخرجه محمد دياب الذي حرص على دعوتهم لمشاهدة الفيلم، معلناً اعتزامه مشاهدته معهم، ومؤكدين أن مشاهدة الفيلم بالصالات السينمائية حق للجميع، ووصفوا ما حدث بـ«التمييز المرفوض» بوقت يناقش فيه فيلمهما هذه القضية.

كما قدم النائب أحمد البرلسي طلب الإحاطة موجهاً مخاطبته إلى رئيس الوزراء، وكل من وزراء التنمية المحلية، والثقافة، والسياحة والآثار، والصناعة، تجاه ما اعتبره «التمييز ضد المواطنين بسبب ارتداء الجلباب المصري، بما يمثل انتهاكاً للدستور، وإهانة للهوية الوطنية المصرية»، على حد تعبيره.

وأكد أن الواقعة تمثل «جريمة تمييز، وإهانة للثقافة الوطنية»، في ظل عدم إمكانية اعتبار ما حدث واقعة فردية عادية، لافتاً إلى أنها تعكس خللاً في التعامل مع الهوية، والثقافة الوطنية، فضلاً عن كونها مخالفة صريحة للدستور، وللمادتين 47 و53 بشكل خاص، واللتين تنصان على التزام الدولة بالحفاظ على الهوية الثقافية المصرية بروافدها الحضارية المتنوعة، والمساواة بين المواطنين، وعدم التمييز لأي سبب.

وشدد على أن «الجلباب المصري ليس زياً غريباً، أو مستورداً، بل يمثل جزءاً أصيلاً من ثقافة الشعب المصري عبر آلاف السنين، ولا يجوز أن يكون سبباً للتمييز، أو الانتقاص من كرامة أي مواطن مصري، معتبراً أن الواقعة تزداد خطورة لكونها حدثت داخل منشأة ذات صلة بالثقافة، والفنون».

جانب من العرض الخاص لفيلم «أسد» في القاهرة (الشركة المنتجة)

وأكد البرلسي أن «الحكومة مطالبة بإعلان سياسة واضحة تؤكد عدم التمييز ضد أي مواطن بسبب زيه الوطني، أو تمسكه بهويته الثقافية، والحضارية»، مشيراً إلى أن «الزي المصري لا يمكن أن يتحول إلى وصمة».

وضجت مواقع التواصل الاجتماعي مع تداول الفيديو على نطاق واسع، وإطلاق البعض دعوات للذهاب لمشاهدة الفيلم بالجلباب كنوع من التضامن مع الأفراد الذين جرى منعهم، فيما اعتبر آخرون أن ما حدث كان نوعاً من الدعاية للفيلم الذي استقبلته الصالات السينمائية نهاية الأسبوع الماضي، وحقق أكثر من 23 مليون جنيه (الدولار يساوي 53.25 جنيه في البنوك).

من جهته، قال الناقد الفني المصري، محمد عبد الرحمن، إن أزمة التمييز على أساس الملابس ليست جديدة في المجتمع المصري، مشيراً إلى أن «الرأي العام ناقش على مدار سنوات وقائع مشابهة ارتبطت بالجلباب، أو النقاب، أو الحجاب، سواء داخل دور السينما، أو المطاعم، والأماكن العامة، مع الأخذ في الاعتبار أن تكرار هذه الأزمات يكشف غياب ضوابط واضحة تنظم حق المؤسسات في وضع قواعدها، وفي الوقت نفسه تحمي المواطنين من أي ممارسات قد تُفهم باعتبارها تمييزاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «ما جرى في أزمة فيلم أسد أثار جدلاً واسعاً، لأن القضية في أصلها مرتبطة بفكرة النظرة الاجتماعية لبعض الملابس الشعبية»، لكنه يرى في المقابل أن «طريقة تقديم الواقعة عبر الفيديو المتداول شابها قدر من المبالغة، لأن الأشخاص الذين ظهروا في المقطع كان يمكنهم التوجه إلى دور عرض أخرى، معتبراً أن الأداء داخل الفيديو بدا كأنه يسعى إلى تصعيد الأزمة بشكل أكبر»، على حد تعبيره.

وأشار عبد الرحمن إلى أن «مثل هذه الملابسات تؤدي أحياناً إلى إبعاد النقاش عن جوهر القضية الحقيقية، وهي كيفية منع التمييز على أساس المظهر، أو نوعية الملابس»، مؤكداً أن «المجتمع والمؤسسات المعنية بحاجة إلى وضع قوانين أو لوائح واضحة وحاسمة تنظم هذه المسائل، حتى لا تتكرر مثل هذه الوقائع مستقبلاً».