الفسيفساء تنتصر للأطلال في الجناح السعودي بفينيسيا

بعنوان «عسى ألا تجف دموعك يا من بكى على الأطلال» للفنانة دانة عورتاني

سجادة من الفسيفساء تعيد ذكرى الأماكن المهدمة (الفنانة وهيئة الفنون البصرية)
سجادة من الفسيفساء تعيد ذكرى الأماكن المهدمة (الفنانة وهيئة الفنون البصرية)
TT

الفسيفساء تنتصر للأطلال في الجناح السعودي بفينيسيا

سجادة من الفسيفساء تعيد ذكرى الأماكن المهدمة (الفنانة وهيئة الفنون البصرية)
سجادة من الفسيفساء تعيد ذكرى الأماكن المهدمة (الفنانة وهيئة الفنون البصرية)

في جناح السعودية ببينالي فينيسيا، تأخذنا الفنانة دانة عورتاني في رحلة نخوضها عبر ممرات لنطلع على خريطة فنية لمعالم أثرية وتاريخية دمرت بفعل الحرب. ليست خريطة جغرافية، بل هي تشكيل بديع من الفسيفساء مصنوع من آلاف القطع المصنوعة من الطين، شُكّلت في قوالب وطبخت تحت شمس الرياض، ثم لونت بألوان طبيعية لتتشكل زخارف ورسومات هندسية مأخوذة من مواقع وبنايات وآثار تاريخية عاشت مئات السنين في المنطقة العربية عاصرت دولاً وممالك حتى طالتها يد الدمار لتنزع منها مكانها وموقعها في التراث الجمعي العربي.

الفنانة دانة عورتاني (الفنانة وهيئة الفنون البصرية)

دأبت عورتاني في أعمالها على تصوير موجات الهدم والإزالة التي طالت معالم أثرية وتاريخية في بلاد عربية مختلفة، فمن ينسى عملها الضخم في أولى دورات بينالي الفن المعاصر بالرياض والذي اختزلت فيه جانباً من تاريخ المسجد الكبير في حلب في سوريا، ثم بلاطات حمام السمرة في غزة والذي قدمته في بينالي بخارى للفن المعاصر العام الماضي؟

التوثيق بالطين والألوان

الموضوع ممتد، وأعمال عورتاني تسجل بدأب وصبر ما أزيل ودُمِّر، محملة بقناعة وجوب تسجيل ما نخسره يومياً نتيجة الحروب والدمار ومحاولات الإزالة. تتحدث عن الأبحاث التي تقوم بها لمعرفة المزيد عن المباني والأماكن الأثرية التي تتهدم بشكل متزايد. يتزامن عملها مع أعمال عنف متزايدة في المنطقة، وكأنه يسجل التاريخ لحظة بلحظة ويعلق على الحادث أمامنا، وربما هذا العنصر ما سيزيد من تفاعل أثر الجناح، فالتدمير والهدم يحدثان الآن، وعمل دانة يصبح بمثابة التعليق الفوري على ما يحدث.

جانب من الجناح السعودي في بينالي فينيسيا (الفنانة وهيئة الفنون البصرية)

في فينيسيا، يستحضر عملها ثلاثة وعشرين موقعاً ذات أهمية تاريخية، وينطوي كل منها على قيمة ثقافية ومادية بالغة.

البداية من الرياض

في الاستديو الخاص بها في الرياض، بدأت دانة العمل على القطعة الفنية الهائلة التي تمثل السعودية في بينالي فينيسيا، هناك وتحت أشعة الشمس الحارقة انهمك العمال والحرفيون في تشكيل ورصّ قوالب الطين بحسب خريطة شديدة الدقة تحملها عورتاني معها، تتحدث مع الحرفيين وتتناقش معهم حول القطع ووضعية تركيبها، وتشير إلى أن كلاً من هؤلاء الحرفيين يحمل خبرة بهذا النوع من العمل.

ليست أطلالاً بل تاريخ مشترك

تختار لعملها في فينيسيا عنواناً مستوحى من شعر أبو نواس «عسى ألا تجف دموعك يا من بكى على الأطلال». موضوع الأطلال مستمر في أعمالها، تناولت آثاراً عربية كثيرة تهدمت وتحولت إلى أطلال استوجب تدميرها الحزن والبكاء، ولكن دانة ترى تلك الأطلال بنظرة خاصة، تحملها معها في أعمالها، وتستمر في أبحاثها حول الآثار التي استهدفت، ودمرت وتسجل كل جديد، في أثناء مقابلتنا، تتحدث عن مناطق أثرية ومساجد وكنائس، وحتى أكثر من كنيس يهودي تحول إلى دمار بفضل هجوم عدواني لا يحفل بالماضي والتاريخ والثقافة.

رغم اختيارها لموضوع تناوله الشاعر أبو نواس، فإن الفنانة تختلف معه في سخريته ممن يقفون على الأطلال، وتقول: «أعتقد أن هذه الحجارة تحمل تاريخها وتروي قصص الناس الذين عاشوا هنا لمئات السنين. وقد تبقى هذه الحجارة بعد رحيل الأحياء. لذا، لم أتفق مع تلك القصيدة، لكنني اقتبست تلك الجملة تحديداً خارج سياقها واستخدمتها لتوضيح وجهة نظري».

سجادة الفسيفساء

في فينيسيا، ينفرد عمل عورتاني على كامل مساحة الجناح السعودي مثل سجادة من الفسيفساء المصنوعة من قوالب الطوب الملونة. ينقسم العمل لثيمات بصرية مختلفة، كلها مستوحاة من الشرق الأوسط، بحسب ما ذكرت لنا في أثناء جولة خاصة لـ«الشرق الأوسط» في الاستديو، حيث نُفذ العمل خارج مدينة الرياض في يناير (كانون الثاني) الماضي: «كل الموتيفات التي أستخدمها هنا مأخوذة من أماكن مختلفة من منطقة الشرق الأوسط، وكلها تعرضت للدمار».

يستحضر عملها 23 موقعاً تاريخياً ذات أهمية تاريخية (الفنانة وهيئة الفنون البصرية)

في بحثها، سجلت تفاصيل المواقع المدمرة، وما حدث لها، ثم أخذت من كل موقع الأشكال والموتيفات الفنية المميزة التي تختلف في أصلها وتاريخها؛ فمنها الروماني والبيزنطي وغيرها: «الأشكال والتصاميم كثيرة، ولكني أحرص في كل تصميم أقدمه أن يكون هناك إشارة إلى مكان تم تدميره»، وفي موقع العرض بفينيسيا تعرض كل المعلومات على أحد الحوائط.

موقع أثري متخيل

موقع الجناح السعودي في بينالي فينيسيا يوفر للفنان فرصة هائلة لعرض عمله؛ فالمساحة واسعة ومجردة، وكان أمام عورتاني أكثر من طريقة لتقديم عملها، ولكنها لم تستجب لفكرة أن يكون العمل معروضاً بطريقة تقليدية. تتحدث عن أن طريقة العرض تحمل رسالة «لتحرير الآثار من النظرة الاستعمارية».

وتلجأ لأنْ يكون عرضها جاذباً للزائر ليغوص داخله، يمشي الزائر عبر ممرات محددة بين سجادات من الفسيفساء المتجاورة والمرفوعة على قواعد خشبية دون حدود مصطنعة أو مفروضة، تقول: «أردنا أن يشعر الجمهور وهو يسير بين هذه العناصر وكأنه جزء من العمل. إنه أشبه بموقع أثري متخيل.».

سجادة من الفسيفساء تعيد ذكرى الأماكن المهدمة (الفنانة وهيئة الفنون البصرية)

وتصف العمل بـ«التركيب الأرضي الغامر» الذي يضم مزيجاً من التصاميم المختلفة: «لم أرغب في وضع خريطة توضح مصدر كل نمط؛ لأن الكثير من هذه الأنماط موجود في مواقع متعددة. إنه تراث مشترك، ولا يمكن القول ببساطة: هذا نمط فلسطيني، وهذا نمط سوري، وهذا نمط لبناني. جميعها متشابهة إلى حد كبير؛ فتراثنا مشترك ومهم لنا جميعاً».

تصاميم هندسية ونباتية وحيوانية من مواقع عربية مهدمة (الفنانة وهيئة الفنون البصرية)

وتشرح لنا الأنماط البصرية والتصميمات الهندسية المستخدمة في العمل: «هناك نمطان من غزة؛ أحدهما فسيفساء البريج، والآخر من دير القديس بطرس. وهناك أيضاً مجموعة من الأشكال من قصر بيت الدين في لبنان. كما توجد شجرة نخيل من دير في سوريا. عند دخول المبنى، سيجد الزائر لوحة جدارية تفصل المفاهيم الرئيسية، وقائمة بجميع المواقع التي أشرت إليها. معظمها أماكن سكنية والكثير منها مواقع مسيحية: أديرة، كنائس، كنيسة المهد، كنيسة جميع الأمم، وبيت لحم والقدس، التي تعرضت لأضرار تاريخية؛ لأن الفسيفساء تُستخدم بكثرة في هذه الأماكن».

الجمال الهش

من مدخل القاعة، تنبسط القطع أمامنا في جمال هادئ وهش، نتبع النقشات المختلفة، نسجل بأعيننا أن هذا النقش أو ذاك ينتمي لمكان معين، بعضها تشقق وبدا كأنه قادم إلينا للتو من موقعه الجغرافي الحقيقي حيث الدمار والتكسر. ولكن تلك الحالة الهشة جاءت من حرص الفنانة على أن يعكس العمل حالة المواقع الأثرية المتضررة؛ ففي خلطة الطين المستخدمة استبعدت إضافة القش الذي يعمل على تماسك القطع، وتركت القطع الطينية لتأثير الطبيعة. ترى أن حدوث التشققات أمر طبيعي ويخدم الفكرة، كذلك فعلت عند استخدامها الألوان الطبيعية للرسم على قطع الطوب، فلم تحاول تثبيتها باستخدام مواد اصطناعية: «لن يبقى بهذا اللون الواضح؛ لأن الألوان طبيعية ويمتصها الطين، لكنني أيضاً لم أرغب في وضع طلاء مانع للتسرب أو أي شيء اصطناعي من هذا القبيل عليه».

تصاميم هندسية من الأماكن المدمرة (الفنانة وهيئة الفنون البصرية)

الفسيفساء من الشرق للغرب وبالعكس

اختارت الفنانة الفسيفساء لعملها، وترى فيها تجسيداً للصلات بين الشرق والغرب: «في قراءتي، وجدت أن أول فسيفساء ظهرت في بلاد ما بين النهرين، وتحديداً في العراق. ثم انتقلت إلى الإمبراطورية الرومانية، وازدهر فن الفسيفساء في إيطاليا، حيث استُخدم بكثرة في أماكن العبادة المسيحية. وعندما وصل البيزنطيون إلى فلسطين وسوريا ولبنان، أعادوا هذا الفن إلى المنطقة، لذا فإن معظم الأنماط التي أستخدمها هنا مستوحاة من الفسيفساء التقليدية التي تعود إلى تلك الحقبة». وربما لن يبدو استخدام الفسيفساء غريباً على فينيسيا التي تضم كنائسها نماذج فائقة الجمال منها.

تضافر الأيدي

استغرق العمل ما يزيد على 30 ألف ساعة عمل، شارك فيها اثنان وثلاثون حرفياً من الرياض وخارجها. دأبت الفنانة على التعاون مع الحرفيين المتخصصين في أعمالها، ولها فلسفة خلف ذلك، تتحدث عن التعاون مع الحرفيين بوصفه أمراً أساسياً بالنسبة لها: «أحاول أن أفكر في الأمر على النحو التالي: لن أذهب إلى مصنع وأطلب منهم نحت الأحجار آلياً. أفضّل العمل مع البشر بالطريقة التقليدية؛ لأنني أهتم أيضاً بالحفاظ على التقنية التقليدية. وينطبق الأمر نفسه على هذا المشروع؛ فقد تم إنجازه باستخدام الطين التقليدي، لكنني عدّلت التقنية بطريقة ما، فالطوب اللبن التقليدي يحتوي على الرمل والقش لجعله قوياً ولا يتشقق. لقد استبعدت ذلك عمداً لأجعله يتشقق. عادةً ما يُستخدم طوب اللبن في بناء الهياكل والمنازل، لكنني أستخدمه كأرضية. لذا، من الضروري فهم الحرفة التي نعمل بها. أحرص على إشراك الأشخاص المعنيين طوال العملية. سيرون صوراً للمشروع، وسيتم ذكر أسمائهم بوصفهم متعاونين معي».

* الجناح السعودي يقام بتكليف من هيئة الفنون البصرية التابعة لوزارة الثقافة بإشراف القيمة الفنية أنطونيا كارفر، وبمشاركة القيمة الفنية المساعدة حفصة الخضيري.


مقالات ذات صلة

خلف لوحات ويسلر الحالمة... صوتٌ مشحون بالعاطفة

يوميات الشرق اللوحة الشهيرة «ترتيب باللونين الرمادي والأسود (رقم 1 - صورة والدة الفنان) (متحف أورساي - باريس)

خلف لوحات ويسلر الحالمة... صوتٌ مشحون بالعاطفة

«القولُ إنّ الطبيعة على صواب دائماً ادعاءٌ، من الناحية الفنية، خاطئٌ تماماً، كما هي الحال مع حقيقةٍ يُسلّم بها الجميع»، هكذا صرّح الفنان جيمس ماكنيل ويسلر في…

إميلي لابارج (لندن)
يوميات الشرق يرسم جوزيف هيكل مشاعره بحلوها ومرّها (الشرق الأوسط)

«كما نحن» لجوزيف هيكل... كائنات غريبة تفيض بالمشاعر

تخاطبك شخصيات «كما نحن» عن قرب، فتلامس هشاشتك الإنسانية، كأنها تواسيك وتربّت على كتفك.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق لوحات الرزاز تتجاور فيها الكائنات ومشاهد الطبيعة (إدارة الغاليري)

مصطفى الرزاز يستعيد عالمه الخاص في المرويات الشعبية والأسطورية

في معرضه الجديد «شذرات من الفن والروح»، يفتح الفنان التشكيلي المصري مصطفى الرزاز أبواب عالم بصري حافل بالبشر والأزهار، والكائنات الأليفة.

منى أبو النصر (القاهرة )
يوميات الشرق لوحات المعرض جسدت أداء أم كلثوم (الشرق الأوسط)

40 فناناً عربياً وأجنبياً يحتفون بأم كلثوم في متحفها

«الست»، «ثومة»، «كوكب الشرق»، و«سيدة الغناء العربي»، كلها ألقاب أطلقها عشاق أم كلثوم عليها للتدليل والعرفان بقيمتها الفنية وتأثيرها في أجيال متتالية.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق «غيرنيكا»... بكاء العالم على نفسه (صور المعرض)

الواقع الافتراضي يمنح «غيرنيكا» حياة جديدة في باريس

جاءت اللوحة بمثابة صرخة إدانة للقصف الذي تعرضت له بلدة غيرنيكا خلال الحرب الأهلية الإسبانية...

«الشرق الأوسط» (باريس)

جولييت بينوش لـ«الشرق الأوسط»: ندعم السينما باختياراتنا

جولييت بينوش في مهرجان «برلين» (إ.ب.أ)
جولييت بينوش في مهرجان «برلين» (إ.ب.أ)
TT

جولييت بينوش لـ«الشرق الأوسط»: ندعم السينما باختياراتنا

جولييت بينوش في مهرجان «برلين» (إ.ب.أ)
جولييت بينوش في مهرجان «برلين» (إ.ب.أ)

النجمة الفرنسية جولييت بينوش نموذج للممثلة التي تختار أدوارها بعناية، منذ أدوارها الأولى وإلى أعمالها في السنوات الأخيرة، وأحدثها «ملكة عند البحر»، إذ حافظت على إبداع أنيق ومقنع.

«الشرق الأوسط» حاورت جولييت بينوش في «كان» وسألتها عن «ملكة عند البحر» الذي يتناول موضوع ألزهايمر أو الخرف، فأجابت: «هناك نقطة مثيرة لاهتمامي؛ هي تلك التي نرقب فيها أولادنا وهم ينتقلون من الطفولة إلى سنوات الشباب، بينما يبدأ أهلنا الذين ننتمي إليهم يشيخون (...) هي نقطة فاصلة نقف فيها في منتصف الطريق بين جيل يتقدّم وآخر يتراجع. هذا هو الموضوع الذي جذبني إلى العمل».

وعن أوضاع السينما الآن تقول بينوش: «ما زال موجوداً، لحسن الحظ، عدد كبير من المخرجين الذين يرغبون في تحقيق ذواتهم من خلال الأفلام التي ينجزونها، هذه هي الحصانة الرئيسية ضد عوامل تهدد فن السينما». وتضيف: «بالنسبة ليّ، ولكثيرين من الممثلين في فرنسا وأوروبا، نوالي دعم السينما باختياراتنا من الأفلام».


رحيل «جدّ المثقفين»... إدغار موران يغلق قوس قرنٍ من الفكر المعقد

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)
الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)
TT

رحيل «جدّ المثقفين»... إدغار موران يغلق قوس قرنٍ من الفكر المعقد

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)
الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)

غيّب الموت في العاصمة الفرنسية باريس، الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي البارز إدغار موران عن عمر ناهز 104 أعوام ليسدل الستار على حياة حافلة، وصفتها الأوساط الثقافية بـ«ذاكرة القرن العشرين المتنقلة».

ويُعدّ موران، الذي أكدت عائلته وفاته، أحد آخر العمالقة في مدرسة الفكر الإنساني المعاصر، تاركاً وراءه إرثاً فلسفياً وسوسيولوجياً ضخماً غيّر وجه النظر إلى العلوم والمعرفة الإنسانية عبر نظريته الشهيرة حول «الفكر المركب» (Pensée complexe).

ونعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المفكر الراحل، عبر منصة «إكس»، واصفاً إياه بـ«العقل العالمي والإنسانية المتجسدة»، بينما توالت برقيات العزاء من مختلف الأطياف السياسية والثقافية في أوروبا والعالم العربي، الذين رأوا في رحيله خسارة لواحد من أكثر الأصوات شجاعة ونزاهة في مقارعة الآيديولوجيات المغلقة والدفاع عن القضايا العادلة.

من مقاومة النازية إلى الانشقاق الآيديولوجي

ولد إدغار ناهوم (الذي اتخذ اسم موران لاحقاً) عام 1921 في باريس لعائلة يهودية من أصول سالونيكية يونانية. ولم تكن حياته مجرد تأملات هادئة بين جدران الجامعات، بل بدأت في أتون المواجهة، إذ انخرط شاباً في صفوف المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية. وفي تلك المرحلة، اختار اسم «موران» السري ليكون هويته الدائمة.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران في منزله بباريس 16 ديسمبر 1975 (أ.ف.ب)

قادته حماسته الفكرية بعد الحرب إلى الانضمام للحزب الشيوعي الفرنسي، مستبشراً بالعدالة الاجتماعية، غير أن روحه المتمردة وعقله الرافض للتدجين لم يصمدا طويلاً أمام القيود الستالينية. عارض موران التوجهات الديكتاتورية لـ«الرفاق»، فتم طرده من الحزب عام 1951. لم يتراجع، بل حول هذه الخيبة إلى مادة سوسيولوجية ملهمة، حيث أصدر كتابه الشهير «نقد ذاتي»، الذي أسّس فيه مبدأ المساءلة المستمرة للأفكار والذات، مبتعداً عن اليقينيات الزائفة.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران (أ.ف.ب)

هندسة «الفكر المركب» ومحاربة التبسيط

صنع موران مجده المعرفي الأصيل في أروقة المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS) ومن هناك، أطلق مشروعه الفلسفي الأضخم المتجسد في موسوعته «المنهج» (La Méthode) التي صدرت في 6 أجزاء.

كان موران يرى أن الخطيئة الكبرى للعلوم الحديثة هي «التبسيط والاختزال»، أي فصل العلوم بعضها عن بعض، ولذلك دعا إلى «الفكر المركب» الذي يربط بين علم الأحياء، والتاريخ، والسياسة، والأنثروبولوجيا، والسينما.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران مع زوجته الممثلة والعارضة والكاتبة الكندية جوهان هاريل في منزله بباريس 16 ديسمبر 1975 (أ.ف.ب)

في فلسفة موران، لا يمكن فهم الجزء دون الكل، ولا الكل دون الجزء. فكل إنسان يحمل الكوكب بأكمله في تفاصيله اليومية. ولم يتردد طوال حياته في التحذير من المخاطر الكونية التي تحدق بالبشرية، مثل التغير المناخي، والتقدم التكنولوجي غير المنضبط بأخلاقيات، والتوحش الرأسمالي، معتبراً أن العالم يسير نحو «هاوية» ما لم يقم بـ«أنسنة الحضارة».

نصير فلسطين... شجاعة المواقف في وجه العاصفة

تميز موران بمواقف أخلاقية صلبت مكانته كمثقف عضوي في الشأن العام. ولم تشفع له أصوله اليهودية لدى الدوائر الصهيونية عندما انتقد بجرأة شديدة السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. وفي عام 2002، نشر مقالاً مدوياً في صحيفة «لوموند» الفرنسية برفقة مثقفين آخرين، انتقد فيه حصار غزة وممارسات الاحتلال، معتبراً أن «ضحايا الأمس يتحولون إلى جلادي اليوم».

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران (أ.ف.ب)

جرّت عليه هذه المقالة ملاحقات قضائية بتهمة «معاداة السامية»، خاضها موران بشجاعة مدعوماً بتضامن واسع من مجتمع الأكاديميين العالمي، إلى أن برّأته محكمة التمييز الفرنسية العليا. وظل، حتى الشهور الأخيرة من حياته، يرفع صوته تنديداً بالعدوان على قطاع غزة والمجازر المستمرة بحق المدنيين.

ملهمات الفكر والحياة: الشريكات في مسيرة قرن

لم تنفصل حياة موران الفكرية عن تفاصيل حياته العاطفية والزوجية التي شكلت رافداً لروحه الإنسانية. ارتبط في السبعينات بالفنانة والكاتبة الكندية الراحلة جوهان هاريل، التي شاركته شغفه بالفن والسينما الإثنوغرافية.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران مع زوجته الممثلة والعارضة والكاتبة الكندية جوهان هاريل في منزله بباريس 16 ديسمبر 1975 (أ.ف.ب)

وفي العقود الأخيرة من عمره، عاش موران فصلاً معرفياً وإنسانياً استثنائياً برفقة زوجته عالمة الاجتماع المغربية صباح أبو السلام، التي تزوجها عام 2012. ولم تكن صباح شريكة حياة فحسب، بل كانت رفيقة فكرية صاغ معها مؤلفات مشتركة تدرس التحولات الاجتماعية والسياسية، ومثّلت جسراً ثقافياً عزز ارتباط الفيلسوف الراحل بالقضايا العربية وقيم الحوار الحضاري بين الضفتين.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (يسار) يرحب بالفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران (في الوسط) وزوجته صباح أبو السلام (يمين) خلال حفل أقيم في قصر الإليزيه بباريس بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده (أ.ف.ب)

تواصل حتى الرمق الأخير

حتى مع تجاوزه عتبة المائة عام، لم يتقاعد عقل موران. ظل حتى أيامه الأخيرة يكتب، وينشر المؤلفات، ويغرد لقرابة ربع مليون متابع على منصة «إكس»، معلقاً على الحروب المعاصرة والأزمات البيئية بكثير من الدهشة الطفولية والحكمة الإنسانية.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يلقي كلمة في مقر منظمة اليونيسكو بباريس خلال حفل بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده في 2 يوليو (تموز) 2021 (أ.ف.ب)

توفي الفيلسوف الأنيق، صاحب القبعات الشهيرة وربطات العنق الحريرية، تاركاً فراغاً لا يُعوّض في الفكر العالمي، ومثبتاً مقولته المفضلة في كتابه «دروس قرن من الحياة»: «الحياة لا تكون محتملة إلا إذا أدخلنا عليها شيئاً من الشعر، أي الكثافة، والفرح، والمحبة».


جولييت بينوش لـ«الشرق الأوسط»: يمنحني التمثيل حرية مطلقة لأن أكون الشخص الآخر

الممثلة الفرنسية جولييت بينوش (إ.ب.أ)
الممثلة الفرنسية جولييت بينوش (إ.ب.أ)
TT

جولييت بينوش لـ«الشرق الأوسط»: يمنحني التمثيل حرية مطلقة لأن أكون الشخص الآخر

الممثلة الفرنسية جولييت بينوش (إ.ب.أ)
الممثلة الفرنسية جولييت بينوش (إ.ب.أ)

في فيلم «ملكة عند البحر (Queen at the Sea)»، الذي عُرض في «مهرجان برلين السينمائي» الماضي، يتفرد مشهد رائع يجمع بين الممثلة الفرنسية جولييت بينوش وتوم كورتني، حيث يتحدث الممثل البريطاني المخضرم عن زوجته المصابة بألزهايمر... يعلم ما ستؤول زوجته إليه، ويعلم أيضاً ما سيحدث لحياته معها، «لكن عليّ أن أتجاهل كل ذلك؛ لأنني إذا لم أفعل، فسأسقط في فراغ لا أمل فيه». تستمع له ابنته بالتبني؛ جولييت بينوش، مترقرقة العينين. تفهم تماماً ما يقصد وتوافق عليه بصمت. ملامح وجهها تنطق بذلك. تستمع وتدرك. عندما تتحدث، فإن كلماتها موجزة وصادقة.

إنه مشهد يعكس القيمة الطبيعية التي تتحلى بها الممثلة الفرنسية بينوش في كثير من أدوارها. تعمد إلى التعامل مع شخصياتها بثقة وبعيداً عن الانفعال.

جولييت بينوش في «ملكة عند البحر» (ماتش فكتوري)

وُلدت قبل 62 سنة، لكنها ما زالت تبدو أصغر بـ20 عاماً. لديها في جعبتها أكثر من 60 فيلماً في رحلة بدأت وهي في الـ19 من عمرها سنة 1983، وسرعان ما استحقّت ثقة مخرجين أوروبيين كبار أمثال جان - لوك غودار، وجاك دويلون، وليوس كاراكس، وكريستوف كيوسلوفسكي، وآندريه تاشيني، وميشال هانيكَ، وجون بورمان، وأوليفر أوساياس.

في حديث سابق مع المخرج الآيرلندي جون بورمان، الذي استعان بها لفيلمه «في بلدي (In My Country)»، قال لي: «أعتقد أن جولييت تتميّز عن كثيرات من الممثلات بأن الثقة التي تشع منها عندما تؤدي دورها تنتشر سريعاً إلى باقي الممثلين، وتريح المخرج أيضاً. انفعالاتها صادقة، وتجاوبها مع المشهد طبيعي».

إلى جانب أعمالها المميّزة بحضور واثق وأداء لا يخطئ حساباته، هي صاحبة آراء في السياسة، ولطالما وقفت وراء دعوات احتجاج خلال السنوات الـ20 الأخيرة. في 2006 أبدت دعمها صحافيين احتُجزوا في العراق. وطالبت بحرية التعبير احتجاجاً على منع المخرج الإيراني جعفر بناهي من العمل. ومن مواقفها البارزة الكلمة التي ألقتها في حفل افتتاح الدورة الماضية من مهرجان «كان»، التي قدمت خلالها تحية للمصوّرة الصحافية فاطمة حسّونة التي قضت خلال أدائها عملها في غزّة.

كل ذلك وسواه يجعلها ممثلة مهتمّة بما هو خارج المهنة ذاتها... إنسانية الدوافع والتوجّه، وذات رؤية نجد أمثلة كثيرة لها بين أترابها من الممثلات، لكن ليس بمثل هذا التواصل والوضوح.

في السينما هي نموذج للممثلة التي تختار أدوارها بعناية. منذ أدوارها الأولى، مثل «حياة عائلية» (1986) و«مرتفعات وذرينغ» (1992)، إلى أعمالها في السنوات الأخيرة، ومنها «كاميل كلوديت» (أحد أبرز أعمالها في هذه الفترة)، و«ضباب سيلز ماريا»، وحتى «ملكة عند البحر»، حافظت على إبداع أنيق ومقنع، وعلى نجومية منذ مطلع التسعينات حتى اليوم.

التقت «الشرق الأوسط» جولييت بينوش في «كان»، وفي ما يلي نص الحوار:

بين الأجيال

* شاهدت «ملكة عند البحر» في «برلين»، كما شاهدت سابقاً أفلاماً كثيرة عن شخصيات أصيبت بألزهايمر أو الخرف. كلا المرضين نوع من نهاية لحياة سابقة وبداية أخرى. ما الذي جذبك إلى الدور الذي قمت به؟

- هناك نقطة مثيرة لاهتمامي؛ هي تلك التي نرقب فيها أولادنا وهم ينتقلون من الطفولة إلى سنوات الشباب، بينما يبدأ أهلنا الذين ننتمي إليهم يشيخون ويفقدون القدرة على ممارسة الحياة كما كانوا يفعلون سابقاً. هي نقطة فاصلة نقف فيها في منتصف الطريق بين جيل يتقدّم وآخر يتراجع. هذا هو الموضوع الذي جذبني إلى العمل.

* هل وجدتِ ما تبحثين عنه في السيناريو عندما عُرض عليك؟

- لم نبدأ؛ المخرج (لانس هامر) وأنا، العمل بسيناريو مكتوب. كانت عنده الفكرة والحكاية طبعاً، لكننا جلسنا وطوّرنا السيناريو معاً. ما شدّني إلى هذا الموضوع هذا الوضع المنتشر بين كثيرين من المتقدّمين في العمر، والمسؤولية التي تجد فيها الشخصية، التي قمت بها، حيال والدتها التي تخسر ذاكرتها وحضورها الطبيعي في المجتمع.

* الفيلم يتطرّق أيضاً إلى نظام الخدمات الصحية. نراه لا يعمل كما يجب...

- هذا النظام يتحوّل جزءاً من المعاناة؛ لأنه لا يحل المشكلات؛ بل يزيدها إذا ما حاول المرء الاعتماد عليه. لكن الجانب الآخر هو تلك المسؤولية التي تربطنا بالكبار سنّاً إذا ما تعرّضوا لهذه الأزمة، أو لما يشابهها من حالاتٍ عليهم الاتكال على أبنائهم لمساعدتهم بكل شيء فيها.

فن اختيار الأدوار

* أذكر أنني سألتك عندما التقينا قبل أكثر من 10 سنوات في مؤتمر صحافي بخصوص فيلم «شوكولا» عن كيف تختارين أدوارك، وماذا تطلبين منها قبل الموافقة عليها. هل لنا أن نتحدّث عن هذا الجانب الآن؟

- لا أذكر ماذا كان ردّي، لكنني لا أعتقد أنه تغيّر كثيراً منذ ذلك الحين. «شوكولا» كان من تلك الفرص التي تُتاح للممثل حباً في التغيير عن السائد في أدواره الأخرى. لا تتغير قواعد الاختيار، لكن الحافز أيضاً هو تجربة التمثيل في فيلم أميركي. ما أقوم به، في مطلق الأحوال، هو معرفة ما حسنات السيناريو الذي أقرأه؛ ليس حيال شخصيّتي فقط، بل أيضاً تجاه الموضوع المطروح. بالنسبة إلى شخصيّتي، يجب أن تكون مكتوبة بوضوح؛ لأن ذلك من صميم العمل. لا أؤمن بأن الوضوح قد يحدث خلال التصوير عبر الحوار مثلاً، بل على السيناريو أن يتضمن إجابات عن كل ما يريد طرحه.

بينوش كما بدت في «ثلاثة ألوان: أزرق» (إم كي2)

* بماذا تشعرين عندما يذكّرك أحد بأفلامك السابقة في التسعينات، ومن بينها الثلاثية التي أخرجها كريستوف كيوسلوفسكي: «3 ألوان: أزرق»... «3 ألوان: أبيض» و«3 ألوان: أحمر»؟

- طبعاً أشعر برضى كامل؛ لأن الممثل الذي يهتم بلعب دور مختلف في الحياة الفنية؛ فلا بد له من أن يبحث عن تلك الأعمال التي تؤيد رغبته في أن يكون ممثلاً جاداً يؤدي أعماله برغبة في منحها كل ما لديه من إقدام وموهبة. لكن أفلاماً، مثل تلك الثلاثية، لا تأتي من فراغ. هي تنتمي إلى مخرجيها، وبقدر ما يدرك مسؤوليّته بصفته فناناً ويحرص على تقديمها ممهورة بأسلوبه، ينعكس ذلك على أي ممثل في أفلامه. أنا محظوظة بأنني مثلت هذه الأفلام، وأفلاماً أخرى حققها مخرجون جيّدون آخرون.

عالم متغيّر

* ما الذي تغيّر في واقع السينما من ظروف بين الثمانينات والتسعينات واليوم؟

- عموماً أم بالنسبة إليّ؟

* بالنسبة إليك بصفتك ممثلة، لكنني أود أيضاً معرفة رأيك في عموم الوضع بين تلك الفترة والمرحلة الحالية...

- ما زال موجوداً، من حسن الحظ، عدد كبير من المخرجين الذين يرغبون تحقيق ذواتهم من خلال الأفلام التي ينجزونها. هذه هي الحصانة الرئيسية ضد عوامل تهدد فن السينما. نعيش عالماً متغيّراً، وآثار ذلك باتت حاضرة وتهدد بنية العمل بأسره. بالنسبة إليّ، وإلى كثيرين من الممثلين في فرنسا وأوروبا، نوالي دعم السينما باختياراتنا من الأفلام.

* كيف تجدين فعل الانتقال من شخصيّتك اليومية والخاصّة إلى شخصية هي أساساً خيالية؟

- أجده ممتعاً ومثيراً جداً. التمثيل هو قدرة الممثل على فعل الانتقال بنجاح، وهذا الفعل لا يمكن أن يتم إلا بالانعتاق من الواقع واستبدال واقع آخر به. الواقع الآخر ليس خيالاً، وبالتالي شخصياته ليست خيالاً إلا في التصنيف. التمثيل يمنحني حرية مطلقة لأن أكون الشخص الآخر.

* كنتِ رئيسَ لجنة التحكيم في دورة عام 2019 من مهرجان «برلين». ما الذي تبحثين عنه في الأفلام التي تتقدّم للتنافس في المهرجانات عموماً؟ ما دورك المحدد؟

- الحكم على الأفلام من خلال لجنة تحكيم في أي مهرجان مسألة صعبة أساساً، وهي أصعب عندما تجد اللجنة نفسها أمام أفلام عدة جيدة. لكن ما أعدّه مهمّاً هو البحث عمّا يمكن أن يمنحه الفيلم للعالم.

جولييت بينوش في مهرجان «برلين» (إ.ب.أ)

* مهرجان «برلين» معروف باختياره أفلاماً تطرح قضايا سياسية...

- هذا صحيح، ونحن بحاجة إلى مزيد منها من وجهات النظر كافة. كلما تعددت الاتجاهات، أدركنا أين يقف العالم اليوم.