ريتا خلف تركت الموصل طفلةً وعادت لتُوثّق ذاكرة مدينة مدمَّرة

المهندسة العراقية في باريس تبحث بإرث مسقطها بين الخراب وإعادة الإعمار

المهندسة ريتا خلف ترى الدمار خسارة لإرث إنساني (الشرق الأوسط)
المهندسة ريتا خلف ترى الدمار خسارة لإرث إنساني (الشرق الأوسط)
TT

ريتا خلف تركت الموصل طفلةً وعادت لتُوثّق ذاكرة مدينة مدمَّرة

المهندسة ريتا خلف ترى الدمار خسارة لإرث إنساني (الشرق الأوسط)
المهندسة ريتا خلف ترى الدمار خسارة لإرث إنساني (الشرق الأوسط)

ما بين قاعات دراستها في باريس، ومسقطها في الموصل، تعيش المهندسة العراقية ريتا خلف حالة شدّ وجذب بين عالمَين متباينَين. كانت في الـ14 من عمرها حين غادرت أسرتها المدينة التي تُلقَّب بـ«أم الربيعين» لتستقر في العاصمة الفرنسية، من دون محطة وسيطة بين مدينتَين تتقاطعان في العراقة وثقل التاريخ، وتفترقان في مستوى الخدمات وصيانة التراث العمراني.

درست ريتا خلف الهندسة المعمارية في «المدرسة الوطنية العليا للهندسة المعمارية - فال دو سين» في باريس، وتعمل حالياً على أطروحتها للدكتوراه التي تتناول التراثَين المعماري والاجتماعي في الموصل بعد اجتياح «داعش»، والمخاطر التي تهدّده في سياق إعادة الإعمار. وقبل أيام، شاركت في ندوة بعنوان «ذاكرة المكان»، نظّمتها جمعية «إرث»، عرضت خلالها تجربتها الميدانية المستندة إلى زيارات متكرّرة إلى المدينة، وثّقت خلالها حجم الخراب، إلى جانب متابعة المبادرات الدولية لترميم معالمها.

ريتا خلف على شاطئ دجلة في الموصل (الشرق الأوسط)

وتُعدّ جمعية «إرث» مبادرة شبابية تأسست في باريس بمبادرة من الباحث شاذل نواف طاقة، بهدف التعريف بما يزخر به العراق من كنوز معرفية، والعمل على حمايتها في مواجهة ما تتعرَّض له من إهمال وعبث.

خلال الندوة التي حضرها جمهور خليط من فرنسيين وعرب، أوضحت ريتا خلف أنّ نهر دجلة يقسم الموصل الحديثة إلى قسمَين: في الشرق، تمتدّ بقايا نينوى، عاصمة الإمبراطورية الآشورية، وفي الغرب يقع المركز التاريخي المعروف بـ«العوجات»، وهو نسيج عمراني كثيف يتميَّز بأزقته الضيّقة والمتعرّجة المخصّصة للمشاة. وحول هذَين القسمَين، بدأت منذ عشرينات القرن الماضي ملامح المدينة الحديثة بالتشكُّل، عبر شبكة من الشوارع الواسعة والمساحات المنتظمة.

ركّزت الباحثة على تحوّل المركز التاريخي من حيّ مهمل إلى موقع يحظى باهتمام عالمي بعد تدميره. ولفتت إلى أنّ مفهوم «التراث» في العربية والفرنسية يرتبط بفكرة الإرث وانتقاله بين الأجيال، وإنما القانون العراقي يحدّده زمنياً؛ إذ يشمل ما يقلّ عمره عن 200 عام وله قيمة تاريخية أو دينية أو فنية، فيما يُصنَّف ما يتجاوز هذا العمر ضمن «الآثار». وترى ريتا خلف أنّ هذا التمييز، رغم أهميته القانونية، يبقى ملتبساً في التطبيق، ويؤدّي إلى إشكالات في فهم سياسات الحفظ والصيانة.

وفي هذا السياق، تُفضّل استخدام مصطلح «إرث» لما يحمله من شمولية تتجاوز التصنيفات الزمنية. وتعود في بحثها إلى تحوّلات القرن العشرين، حيث أدّى توسّع المدينة الحديثة إلى شقّ طرق داخل النسيج القديم، وهجرة السكان الأصليين إلى أحياء جديدة، ممّا أسفر عن تغيّرات معمارية واجتماعية أضعفت هوية المركز التاريخي.

عين الكاميرا وعين الخبيرة (الشرق الأوسط)

ولا تقتصر أهمية هذا المركز على معالمه الدينية من مساجد وكنائس، وإنما تمتد إلى نظامه العمراني المحلّي الذي تطوّر عبر قرون. لكنّ هذا النظام عُومل طويلاً على أنه مجموعة عناصر منفصلة، فاقتصر الاهتمام على المباني الدينية، من دون خطط شاملة للحفاظ على النسيج الحضري أو دعم السكان. وكانت النتيجة تراجع مكانة المدينة القديمة وازدياد إهمالها.

تستعيد ريتا خلف ذكرياتها في طفولتها، حين كانت تزور منزل جدّيها في المدينة القديمة، من دون أن يُنظر إليه على أنه بيت «تراثي». أما اليوم، فقد تحوّل المكان إلى فضاء مُهمَل، بعدما غادره سكّانه وتدهورت حاله. ولم يبدأ الالتفات إلى هذا الإرث إلا في السنوات الأخيرة، قبل أن يتفاقم الدمار مع دخول «داعش» إلى الموصل عام 2014، وما رافقه من تدمير واسع للمعالم الدينية والتاريخية، ثم العمليات العسكرية التي أدَّت بدورها إلى مزيد من الخراب، بما في ذلك هدم أجزاء من أحياء تاريخية مثل القليعات.

هذا الدمار، وفق ريتا خلف، لا يمثّل خسارة محلية فحسب، وإنما خسارة لإرث إنساني. وقد دفع ذلك إلى تحرّكات دولية، أُدرجت على أثرها المدينة القديمة على القائمة المؤقتة لـ«اليونيسكو» عام 2018، وأُطلقت مبادرات لإعادة الإعمار، أبرزها «إحياء روح الموصل». وأسهم هذا الاهتمام في رفع الوعي، خصوصاً بين الشباب الذين يرون في هذا الإرث أملاً لمستقبل مدينتهم، ومحرّكاً لهويتها المشتركة.

أما اليوم، وبعد نحو 9 سنوات على التحرير، فتشير ريتا خلف إلى أنّ العمل مستمر، لكن أجزاء واسعة من المدينة لا تزال مدمّرة. وتؤكد الحاجة إلى خطّة متكاملة تمنع تحوّل مشروعات الترميم إلى جزر منفصلة. وبين جهود المنظّمات الدولية، والمبادرات المحلّية، ومحاولات السكان لإعادة البناء بإمكانات محدودة، يبقى الطريق طويلاً. وقد أُعيد بناء نحو 270 منزلاً تراثياً في بعض الأحياء، وُظِّفت لأغراض سكنية وسياحية.

فوق السطوح المتداعية (الشرق الأوسط)

عادت ريتا خلف إلى الموصل للمرة الأولى عام 2021 بعد غياب دام 10 سنوات، وتكرّرت زياراتها منذ ذلك الحين. تقول إنها تشعر بالفخر لانتمائها إلى مدينة عريقة، لكنها في الوقت عينه ترى أن الموصل التي تعرفها تغيّرت.

وفي حديثها عن مسيرتها، تستحضر اسم المهندسة العراقية زها حديد، وتقول إنها مصدر إلهام بكونها امرأة عراقية نجحت عالمياً، لكنها تؤكد في المقابل تبنّيها مقاربة مختلفة في العمارة، تقوم على البساطة والاقتراب من حاجات الناس. وتختصر رؤيتها بعبارة: «أميل إلى ما نُسمّيه الاهتمام بالموجود».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

رحيل علي عبد الله خليفة... شاعر القصيدة الحديثة وسادن التراث البحريني

ثقافة وفنون الشاعر والكاتب البحريني علي عبد الله خليفة (1944 - 2026)

رحيل علي عبد الله خليفة... شاعر القصيدة الحديثة وسادن التراث البحريني

فقدت الساحة الثقافية في البحرين والخليج عموماً، الشاعر والكاتب البحريني علي عبد الله خليفة (1944 - 2026) أحد أبرز الأصوات في حركة الشعر البحريني الحديث.

ميرزا الخويلدي (المنامة)
خاص عبد الله المحيسن خلال حضوره «مهرجان مالمو» (موقعه الرسمي)

خاص عبد الله المحيسن: «رؤية 2030» صنعت بيئة جديدة للسينما السعودية

السينما السعودية اليوم بدأت تتّخذ أشكالاً متعددة، ولم تعد محصورة في نوع واحد من الموضوعات...

أحمد عدلي (مالمو - السويد)
بروفايل الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)

بروفايل رحيل «جدّ المثقفين»... إدغار موران يغلق قوس قرنٍ من الفكر المعقد

غيّب الموت في باريس الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران عن 104 أعوام، مخلفاً إرثاً فكرياً ضخماً ارتبط بنظرية الفكر المركب ومواقف أخلاقية شجاعة.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق آخر المرتجلين الكبار يغيب (غيتي)

وداعاً «عملاق الساكسفون»

رحل عازف الجاز الأسطوري سوني رولينز، الذي عُرف بـ«عملاق الساكسفون»، عن 95 عاماً.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق صلاح أبو سيف أحد أبرز رواد الواقعية في السينما المصرية (وزارة الثقافة المصرية)

مقتنيات صلاح أبو سيف النادرة تخرج إلى العلن للمرّة الأولى في القاهرة

يأتي المعرض مواكباً للذكرى الـ30 لرحيل أبو سيف، التي تحلّ الشهر المقبل...

انتصار دردير (القاهرة )

نجوم «الفراعنة» ينعشون أغاني المهرجانات بعد تألقهم في المونديال

صورة جماعية لمنتخب مصر في المونديال (اتحاد الكرة المصري)
صورة جماعية لمنتخب مصر في المونديال (اتحاد الكرة المصري)
TT

نجوم «الفراعنة» ينعشون أغاني المهرجانات بعد تألقهم في المونديال

صورة جماعية لمنتخب مصر في المونديال (اتحاد الكرة المصري)
صورة جماعية لمنتخب مصر في المونديال (اتحاد الكرة المصري)

لفت احتفال نجوم منتخب «الفراعنة» بالصعود للأدوار الإقصائية بالمونديال والفوز على أستراليا على وقع ألحان أغاني المهرجانات الأنظار في مصر.

وتصدر النجم محمد صلاح المشهد بترديد كلمات هذه الأغنيات والرقص على ألحانها الصاخبة رفقة بقية زملائه أمام فنادق الإقامة التي باتوا فيها بأميركا وكندا خلال مباريات المونديال.

وشملت قائمة الأغاني ديو «أنا بطل السوق»، لعمر كمال ومحمود الليثي، و«مش شايفك»، لعنبة، و«إحنا الجيل»، لأوكا، و«شبح شبح»، لأوكا وأورتيجا، و«سنيورة» لسانت ليفانت، وفارس سكر، و«الفلوس» لعصام صاصا، و«أنا بابا»، لمسلم وبوسي، ومهرجان «أسود الأرض»، هذا بالإضافة إلى أغنيات شهيرة أقدم من بينها «أنا مصر حبيبتي» لمحمد حماقي، وديو «هنا مصر»، لبهاء سلطان والعسيلي، و«وسع وسع»، لأحمد سعد، و«غالية بلدنا علينا»، لشيرين؛ ما أدى إلى انتعاش وكثرة تداول هذه الأغاني بشكل بارز خلال الأيام الماضية، كما توالت التعليقات الحديثة على فيديوهات الأغاني الرئيسية على «يوتيوب»، حيث أكد بعضهم الحضور للاستماع للأغنية كاملة عقب مشاهدة مقاطع المنتخب.

وعن رأيه في اعتماد نجوم منتخب مصر خلال احتفالاتهم على أغاني المهرجانات وإيقاعاتها السريعة، قال الناقد الفني المصري أمجد مصطفى إن ما يحدث ظاهرة ايجابية ومبهجة لكنها مؤقتة، لافتاً إلى أن «البحث عن الأغاني التي يرقص عليها المنتخب في وقت فراغه أو في أثناء الاحتفال عقب الفوز، نابعة من متابعة الناس لهم بنهم شديد؛ ما أدى لانتعاش هذه الأغاني مجدداً رغم مرور سنوات على إصدار عدد كبير منها، وذلك بهدف مجاراة نجوم المنتخب وتقليدهم».

وأضاف أمجد مصطفى لـ«الشرق الأوسط» أن «جيل الشباب يتابع المباريات باهتمام، وهو من جمهور أغنيات المهرجانات أيضاً، وعندما يشاهد نجوم المنتخب يستمعون لها فإنه ينجذب إليها تلقائياً بشكل أوسع».

النجم المصري محمد صلاح (اتحاد الكرة المصري)

وأوضح أمجد مصطفى أن «الحالة التي عليها المنتخب فرضت الاستماع لهذه الأغاني لكنها ربما لا تعبر بالضرورة عن الذائقة الشخصية لهم، فهي مناسبة لحالة السعادة والبهجة التي يشعرون بها؛ لأن هذا النوع من الموسيقى وإيقاعه الصاخب يليق بالاحتفالات».

ويرى أمجد مصطفى أن «أغاني المهرجانات جاذبة لمراحل عمرية مختلفة، رغم ركودها منذ سنوات، فلم يعد نجومها بنفس وهج البدايات، ولم تعد متصدرة مثل السابق، لكنها حالياً مصاحبة ومرتبطة بالحالة الكروية الحالية، وستنتهي مجدداً» على حد تعبيره.

وظهرت أغنيات «المهرجانات» في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة ووصفها البعض بـ«الثورة الموسيقية»، وعدوها تحولاً حتمياً للأغنية الشعبية التي اشتهر بها نجوم عدة مثل، محمد عبد المطلب، ورمضان البرنس، وأحمد عدوية، وحسن الأسمر، وشعبان عبد الرحيم، وعبد الباسط حمودة، وحكيم، وسعد الصغير، ورضا البحراوي.

وشهدت نقابة الموسيقيين، في أثناء تولي الفنان المصري الراحل هاني شاكر النقابة جدلاً واسعاً بعد قرار منع عدد كبير من مطربي المهرجانات من الغناء، واتهامهم بـ«التسبب في تدني مستوى الذوق العام»؛ ما أدى لانقسام الآراء حول أحقيتهم في الغناء تحت مظلة رسمية، لكن النقيب الحالي مصطفى كامل قام بتدشين شعبة «الأداء الصوتي» لاحتواء الأزمة.

محمود تريزيجيه وإمام عاشور يحتفلان بالفوز على أستراليا (أ.ب)

واشتهر عدد من نجوم المهرجانات بأسماء غير مألوفة، وربما مستعارة للانتشار، ولم تقتصر على الأسماء الفردية مثل حمو بيكا، وحسن شاكوش، وسمارة، وشواحة، وعصام صاصا، وغيرهم، بل شملت أسماء الفرق مثل «أبناء سليم اللبانين»، و«الدخلاوية»، و«المدفعجية»، و«صواريخ»، وغير ذلك.

ويؤكد الدكتور محمد عبد الله الأستاذ بكلية «التربية الموسيقية» جامعة العاصمة (حلوان سابقاً)، أن «الأغاني التي اعتمدها نجوم المنتخب خلال احتفالاتهم تنوعت بين المهرجانات وغيرها من الأغاني الوطنية، لذلك يمكننا القول إن (المهرجانات) استحوذت على جزء بارز وصاخب من الاحتفالات، مع وجود نوعيات أخرى مختلفة».

وأضاف عبد الله لـ«الشرق الأوسط» أن أغاني المهرجانات بالفعل أصبحت قليلة الانتشار، وتراجعت نوعاً ما خلال الفترة الماضية بعد تشبع الأذن الموسيقية بها، والتي جعلتها عادية بعدما كان الإقبال عليها مبالغاً فيه، وهذا الأمر نتيجة طرح ألبومات فنية لنجوم كبار ولهم جمهور عريض».


مخاض الولادة يباغت طالبة «ثانوية عامة» بمصر داخل لجنة الامتحان

امتحانات الثانوية العامة بمصر يشارك بها نحو 922 ألف طالب وطالبة هذا العام (صفحة وزارة التربية والتعليم المصرية على فيسبوك)
امتحانات الثانوية العامة بمصر يشارك بها نحو 922 ألف طالب وطالبة هذا العام (صفحة وزارة التربية والتعليم المصرية على فيسبوك)
TT

مخاض الولادة يباغت طالبة «ثانوية عامة» بمصر داخل لجنة الامتحان

امتحانات الثانوية العامة بمصر يشارك بها نحو 922 ألف طالب وطالبة هذا العام (صفحة وزارة التربية والتعليم المصرية على فيسبوك)
امتحانات الثانوية العامة بمصر يشارك بها نحو 922 ألف طالب وطالبة هذا العام (صفحة وزارة التربية والتعليم المصرية على فيسبوك)

على هامش امتحانات الثانوية العامة في مصر لا تزال لجانها تشهد حالات ومفارقات لافتة، لعل أحدثها نقل طالبة، الأحد، للمستشفى بعدما فاجأها مخاض الولادة أثناء أدائها امتحان الثانوية العامة في مادة اللغة الأجنبية الأولى داخل لجنة الامتحان.

ووفقاً لوسائل إعلام محلية، تعرّضت طالبة لآلام ولادة مفاجئة أثناء أدائها للامتحان داخل لجنة امتحانات بإدارة (الدقي) التعليمية (محافظة الجيزة)، ما استدعى نقلها داخل سيارة إسعاف إلى المستشفى، لتلقي الرعاية الطبية اللازمة.

وتعيد هذه الواقعة إلى الأذهان حادثة مشابهة شهدتها امتحانات الثانوية الأزهرية في يونيو (حزيران) الماضي، حين تعرضت طالبة داخل لجنة معهد «فتيات أولاد صقر» (بمحافظة الشرقية) - بدلتا مصر - لآلام ولادة مبكرة أثناء أداء الامتحان، قبل أن تُنقل إلى مستشفى مركزي لتلقي الرعاية الطبية، بعد تقديم الإسعافات الأولية لها داخل اللجنة.

ولم تكن وقائع الولادة وحدها هي الحاضرة على هامش لجان الامتحانات، إذ شهد موسم الثانوية هذا العام عدداً من الحالات الصحية المفاجئة، بينها حالات إغماء وإعياء وتشنجات عصبية داخل لجان في عدد من المحافظات، إلى جانب وفاة طالبة تبلغ من العمر 18 عاماً، في إحدى لجان محافظة الشرقية (دلتا مصر) إثر أزمة صحية مفاجئة أثناء أداء امتحان اللغة العربية.

حالات مفاجئة وغريبة تشهدها لجان الامتحانات في مصر (صفحة وزارة التربية والتعليم المصرية على فيسبوك)

كما امتدت حالات الطوارئ إلى القائمين على الإشراف على الامتحانات، مع تسجيل إصابة إحدى المراقبات بأزمة قلبية داخل إحدى اللجان، بما يسلط الضوء على الاستعدادات الطبية داخل مقار الامتحانات وسرعة التعامل مع الحالات الطارئة. وتتكرر خلال موسم امتحانات الثانوية كل عام حالات تستدعي تدخلاً طبياً عاجلاً، نتيجة الإجهاد أو التوتر أو ظروف صحية طارئة، ما يجعل وجود الفرق الطبية وسيارات الإسعاف بالقرب من اللجان جزءاً أساسياً من خطة تأمين الامتحانات، إلى جانب الإجراءات التنظيمية والأمنية التي ترافق سيرها.

ويعد الخبير التربوي جمال عبد الحميد أن «مثل تلك الوقائع رغم ندرتها تعكس أهمية جاهزية لجان الامتحانات للتعامل مع الظروف الصحية الطارئة، من خلال توفير فرق طبية وخطط استجابة سريعة تضمن سلامة الطلاب». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أنه من المهم «التشديد على الاستفادة من نظام تأجيل امتحانات الثانوية العامة في الحالات الإنسانية الحرجة، وعلى رأسها حالات الحمل، ولا سيما في ظل صغر سن بعض الطالبات»، ويقول: «بعض الأسر تفضل عدم تأجيل الامتحانات خوفاً من تأثير الدور الثاني على إجراءات التنسيق أو مستقبل الطالبة، رغم أن هناك ظروفاً استثنائية تستوجب تغليب سلامة الطالبة على أي اعتبارات أخرى».

وأشار عبد الحميد إلى أن «وزارة التربية والتعليم تتيح بالفعل تأجيل امتحانات الدور الأول إلى الدور الثاني في عدد من الحالات القهرية، من بينها الأعذار المرضية المفاجئة، والوفاة لأحد الأقارب من الدرجة الأولى، والوجود خارج البلاد لظروف قهرية، وكذلك الإصابة أو الوعكة الصحية المفاجئة داخل لجنة الامتحان».

وزير التربية والتعليم يتابع سير الامتحانات (صفحة وزارة التربية والتعليم المصرية على فيسبوك)

وتتواصل امتحانات الثانوية العامة هذا العام، بالنظامين الجديد والقديم، بالشعبتين الأدبية والعلمية، حتى 16 يوليو (تموز) الحالي، ويشارك بها نحو 922 ألف طالب وطالبة على مستوى الجمهورية، وسط متابعة يومية من وزارة التربية والتعليم. كما تتلقى غرف العمليات المركزية والفرعية بالمحافظات، التابعة للوزارة، تقارير على مدار اليوم بشأن سير الامتحانات، وما قد تشهده اللجان من ملاحظات أو حالات صحية تستلزم التدخل الفوري.


مصرية تحصل على الدكتوراه في عمر الـ83

 الباحثة آمال إسماعيل (جامعة المنصورة)
الباحثة آمال إسماعيل (جامعة المنصورة)
TT

مصرية تحصل على الدكتوراه في عمر الـ83

 الباحثة آمال إسماعيل (جامعة المنصورة)
الباحثة آمال إسماعيل (جامعة المنصورة)

في قاعة المناقشات بكلية الآداب، جامعة المنصورة (دلتا مصر)، جلست المصرية آمال إسماعيل تناقش أطروحتها لنيل درجة الدكتوراه. ولم تكن تلك مناقشة أكاديمية عادية، بل كانت تتويجاً لرحلة إنسانية امتدت لأكثر من ستة عقود، تحدّت خلالها سنوات الانقطاع عن الدراسة، وحاربت المرض والسرطان، وتجاوزت مرارة الفقد، لتنال في نهاية المطاف لقب «دكتورة» في عُمر 83 عاماً، وتؤكد أن الأحلام لا تسقط بمرور الزمن.

واللافت أن عنوان رسالتها جاء معبّراً عن تجربتها الشخصية، إذ حملت عنوان: «الشيخوخة النشطة وعلاقتها ببعض المتغيرات السوسيولوجية... دراسة لبعض الحالات المختارة بجامعة المنصورة»؛ فالباحثة التي درست قضايا الشيخوخة النشطة كانت هي نفسها نموذجاً حياً لما تناولته في رسالتها.

وكشفت أن اختيار موضوع الرسالة لم يكن عشوائياً، إذ أجرت دراستها على عينة من 20 سيدة من قرى مختلفة بمحافظة الدقهلية (دلتا مصر)، بهدف الوصول إلى نتائج تسهم في خدمة المجتمع، وتسلط الضوء على قضايا كبار السن، وفقاً لوسائل إعلام مصرية.

الباحثة المصرية مع رئيس جامعة المنصورة (إدارة الجامعة)

وفي ختام المناقشة، قررت لجنة الحكم منحها درجة الدكتوراه بتقدير امتياز، مع التوصية بطباعة الرسالة وتبادلها مع الجامعات، تقديراً لقيمتها العلمية.

وتعود بداية حكاية آمال إسماعيل إلى إحدى قرى محافظة الدقهلية، حيث كان والدها عمدة القرية. وأقنعه أحد الضباط الذين كانوا يترددون عليه بحكم عمله بضرورة إلحاق ابنته بمدرسة فرنسية في مدينة المنصورة، في وقت لم يكن تعليم الفتيات أمراً شائعاً.

لكن هذه البداية الواعدة لم تدم طويلاً؛ ففي سن الرابعة عشرة أصيبت آمال بمرض في الغدة الدرقية أجبرها على ترك المدرسة، وفي العام نفسه تزوجت، وانشغلت بتكوين أسرة وتربية أبناء.

لم يكن ذلك نهاية الحكاية، فبعد سنوات، وتحديداً وهي في الثامنة والثلاثين، قررت العودة إلى مقاعد الدراسة من جديد، ونجحت في الحصول على الشهادة الإعدادية.

لكن القدر كان يخبئ لها توقفاً آخر، أطول هذه المرة، 30 عاماً كاملة، استجابت خلالها لرغبة زوجها الذي فضّل أن تتفرغ للبيت والأبناء.

تلك السنوات لم تكن سهلة على أي حال، فقد جمعت فيها بين تربية أبنائها ومساعدة زوجها، وخاضت في خضمّها معركة أخرى مع مرض السرطان، خرجت منها، وقد تعلّمت الصبر والتمسك بالحياة، على حد قولها.

الباحثة مع أعضاء فريق مناقشة رسالة الدكتوراه (جامعة المنصورة)

جاء التحول الحقيقي عام 2011، حين شجعتها ابنتها وأحفادها على استكمال ما بدأته قبل عقود؛ فالتحقت آمال، وهي في السبعين من عمرها، بمرحلة الثانوية العامة، ونجحت بمجموع 83 في المائة، لتلتحق بعدها بكلية الآداب في جامعة المنصورة، ومن هناك بدأ الفصل الأخير من رحلتها.

لم يكن الطريق نحو الجامعة والدراسات العليا مفروشاً بالورود؛ فخلال دراستها للماجستير، تعرضت لكسر في الحوض، لكنها رفضت أن يوقفها ذلك، وتتذكر تلك الأيام قائلة: «كنت أصعد إلى الطابق الرابع بكلية الآداب، وأنا محمولة على كرسي متحرك بواسطة الطلبة وأبنائي وأحفادي». وفق ما ذكرته لـ«الشرق الأوسط» في حوار سابق، عقب حصولها على درجة الماجستير.

وفي عام 2018، تلقت صدمة كبيرة بوفاة حفيدها في ليلة خطوبته، وهي التي أصبحت تعيش وحيدة بعد رحيل زوجها عام 2015.

ورغم كل ذلك، واصلت طريقها، وحصلت على درجة الماجستير بتقدير امتياز من قسم علم الاجتماع عام 2023، لتشرع مباشرة بعدها في رحلة الدكتوراه.

الباحثة تتوسط أعضاء فريق المناقشة (جامعة المنصورة)

وتعيش آمال إسماعيل وحدها في منزلها بالمنصورة، لكن يومها لا يخلو من الكتب؛ فهي تقرأ لمدة ساعتين يومياً في مختلف المجالات، وتتابع القنوات الوثائقية لتتعرف على العالم من حولها.

وحين يسألها أحد عمّا حققته، لا تصف الأمر بـ«الإنجاز»، بل تراه حلماً بسيطاً استطاعت أخيراً أن تمسك به، بعدما تجاوزت الثمانين من عمرها، وتلخص فلسفتها في جملة واحدة: «لو بطّلنا نحلم نموت».

وأعربت الباحثة آمال إسماعيل عن سعادتها بوصولها إلى مناقشة رسالة الدكتوراه بعد رحلة طويلة من العمل والإصرار، مؤكدة وفق بيان لجامعة المنصورة، الأحد، أن «شغفها بالعلم كان دافعها لمواصلة مسيرتها العلمية رغم تقدمها في العمر»، وشدّدت على أن «العلم لا يرتبط بعمر، وأن الوصول إلى هذه المرحلة من مسيرتها العلمية يمثل بالنسبة إليها تحقيقاً لحلم تمسكت به، ورسالة بأن الإرادة والإصرار يفتحان الطريق أمام الإنسان لمواصلة التعلم والعطاء في مختلف مراحل الحياة».