«بدايات» معرض عن بواكير الحركة الفنية السعودية ورواد تجربتها الحداثية

تنظمه هيئة الفنون البصرية بالمتحف الوطني في الرياض

توثيق لمرحلة تأسيس بدايات الحركة الفنية السعودية (الشرق الأوسط)
توثيق لمرحلة تأسيس بدايات الحركة الفنية السعودية (الشرق الأوسط)
TT

«بدايات» معرض عن بواكير الحركة الفنية السعودية ورواد تجربتها الحداثية

توثيق لمرحلة تأسيس بدايات الحركة الفنية السعودية (الشرق الأوسط)
توثيق لمرحلة تأسيس بدايات الحركة الفنية السعودية (الشرق الأوسط)

فترة تأسيسية في تاريخ السعودية تمتدّ من ستينات وحتى ثمانينات القرن العشرين، شهدت تشكيل معالم التوجهات الفنية الحديثة للسعودية، في أثناء فترة من التحولات الواسعة النطاق في البلاد، مثّلت نقطة انعطاف، وأتاحت فرصاً جديدة للتعبير والابتكار الإبداعي، وفتحت المجال أمام ظهور جيل من فنانين سعوديين كانوا روّاداً في آفاقهم الفكرية الرائدة، وتبنّوا مقارَبة تقوم على التجريب وروح الفضول والاضطلاع بزمام المبادرة.

ويقوم معرض افتتح أبوابه الثلاثاء في المتحف الوطني بالرياض، وتنظمه هيئة الفنون البصرية، تحت اسم «بدايات» بتوثيق مرحلة تأسيس بدايات الحركة الفنية السعودية، ويحتفي بشخصيات محورية في عالم الحداثة السعودية، وبمساهماتهم في التيار الفني للمملكة، وبما كرّسوه من جهود متفانية في سبيل إرساء أسس أول مشهد فني ينطلق في رؤاه من عمق المجتمع المحلي، وأظهرت أعمالهم عناصر من تيارات الواقعية الاجتماعية والرمزية والانطباعية والتجريدية من خلال أساليب متنوعة مبنية على قراءات شخصية بحسب الموقع الجغرافي.

ورغم الأسلوب المتميز لكل فنان، فإن اللغة التشكيلية لهذا الجيل من الفنانين تحمل قاسماً مشتركاً يتمثل في احترام القيم الجمالية للتراث الثقافي السعودي، وتعكس في الوقت نفسه رؤى مجتمع متغيّر.

المعرض تنظمه هيئة الفنون البصرية تحت إسم بدايات (الشرق الأوسط)

أسس حركة الفن الحديث في السعودية

تبلور مشهد الفن الحديث في بداياته بفضل استثمارات حكومية في سبيل التنمية الثقافية إلى جانب مبادرات ذاتية للفنانين مدفوعة برغبة فردية وجماعية لسبر التحولات المجتمعية الحاصلة، بينما سارت الجهود العامة والخاصة بدءاً من الخمسينات وصولاً إلى الثمانينات، بالتوازي، وخلقت في مجموعها ظروفاً ملائمة لنهضة حركة تشكيلية.

وعلى صعيد التعليم الفني، فقد تأسس من خلال سلسلة إصلاحات للمناهج الدراسية تزامناً مع توسيع نطاق المؤسسات الحكومية في أرجاء المملكة، إذ شهد عام 1945 إدراج الرسم مادةً في المدارس الثانوية من قبل مديرية المعارف، وفي أواخر الخمسينات، ومع تحوّل المديرية إلى وزارة التربية والتعليم، تم إدخال التربية الفنية في المناهج الدراسية وتعميمها رسمياً في كل مراحل التعليم، وخلال هذه الفترة، نُظّمت معارض ومسابقات مدرسية، عُقد أولها في المعهد العلمي السعودي في مكة عام 1952، ثم في الرياض عام 1959، كما نَظّمت وزارة المعارف سلسلة ورشات عمل بين أواسط الخمسينات وأواسط الستينات لإعداد دفعة جديدة من مدرسي الفنون، وأشرفت على تلك الجهود كوكبة من الفنانين السعوديين الرواد الذين كانوا قد أتمّوا دراستهم خارج البلاد، ويأتي في طليعتهم عبد الحليم رضوي.

المعرض افتتح أبوابه الثلاثاء في المتحف الوطني بالرياض (الشرق الأوسط)

ورغبة منها في مضاعفة أثر هذه الجهود في المدارس بمختلف مراحلها، تم توفير الرعاية عبر منح دراسية خارج البلاد، سواء في جامعات بارزة في عواصم فنية في المنطقة كالقاهرة، أو في العالم، مثل إيطاليا.

وسرعان ما افتتحت مؤسسات حكومية تستكمل الدور الذي تقوم به هذه المبادرات، فشهد عام 1965 تأسيس معهد التربية الفنية، الذي أوكلت إلى الملتحقين به من فنانين سعوديين، وبالتعاون مع فنانين ومدرّسين عرب، مهمة توحيد المناهج الفنية وصياغة السياسة الوطنية لتدريس الفنون.

وبحلول سبعينات القرن العشرين، توسّع نطاق ممارسة الفن ليشمل النسيج الحضري نفسه حيث شهد عام 1972 إطلاق أمانة جدة مشروعاً للفنون العامة يمتد على مستوى المدينة، بمشاركة الفنانين الروّاد، لتحويل جدة إلى متحف مفتوح.

أما معارض الرئاسة العامة لرعاية الشباب، التي انطلقت عام 1976، فقد وسَّعت نمط المعارض الشبابية في أرجاء المملكة، ونسقت المشاركة السعودية في معرض الشباب العربي في ليبيا، وفي حقبة سبقت ظهور الصالات الفنية التجارية وتأسيس المتاحف، افتُتحت في الرياض عام 1973 الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون، التي شكّلت منصة مؤسسية للفنانين كي يعرضوا أعمالهم للعامة.

احتفاء بشخصيات محورية في عالم الحداثة الفنية السعودية (الشرق الأوسط)

ومنذ أربعينات القرن العشرين عندما أقام محمد أحمد راسم أول معرض عام معروف في المملكة، في بهو البنك السعودي الهولندي بجدة، بدأ الفنانون بعدها في ابتكار بيئات مختلفة للعرض ضمن سياقات غير رسمية، ورغم أن مكانة وجهود المؤسسات الحكومية لم تكن قد ترسَّخت بعد، لكن الفنانين كانوا توّاقين للتشارُك بنتاجهم الإبداعي، وبادروا بتنظيم فعاليات استضافتها أندية وفنادق ومدارس وشركات خاصة.

واستضافت هذه الفضاءات العديد من المعارض الأولى البارزة بتاريخ المملكة، بدءاً من أول معرض احترافي في السعودية (للفنان عبد الحليم رضوي في نادي البحر الأحمر بجدّة عام 1965) وصولاً إلى أول معرض عام لسيدتين سعوديتين (للفنانتين صفية بن زقر ومنيرة موصلي في مدرسة دار التربية بجدّة عام 1968). والانطلاقة الفعلية لمسيرة محمد السليم في معرض استضافه نادي النصر لكرة القدم في الرياض عام 1967.

رغم الأسلوب المتمايز لكل فنان إلا أن اللغة التشكيلية لهذا الجيل من الفنانين تحمل قاسماً مشتركاً (الشرق الأوسط)

وشكل حجم ووتيرة التنمية الحضرية خلال هذه العقود المتتالية عاملاً محفّزاً، بحيث تركَّزت المواهب والموارد في هذه المدن الحديثة التي تحوَّلت إلى وجهات لاحتكاك الفنانين، بعضهم مع بعض، وللتفاعل مع شريحة أوسع من الجمهور، وبفضل هذا التقارب المكاني، استهلت الشخصيات الرائدة في الحركة التشكيلية السعودية بنسج أواصر شبكاتها غير الرسمية، وبدأت التجمعات الفنية والفضاءات التي يديرها الفنانون أنفسهم بالظهور والتبلور.

وفي هذا الإطار، كان عبدالحليم رضوي مشرفاً على مركز جدة للفنون الجميلة منذ تأسيسه عام 1967، حيث كان المركز ينظّم ورشات ومعارض فنية، وفي هذه الأثناء، أسس السليم دار الفنون السعودية في الرياض عام 1979، التي تحوّلت إلى فضاء متعدد الاستخدامات يستضيف معارض، ووجهة يلتقي فيها الفنانون وتتيح لهم المعدات والخامات التي لم تكن متوافرة على نطاق واسع آنذاك.

عكست أعمال الفنانين احترام القيم الجمالية للتراث الثقافي السعودي ورؤى مجتمع متغيّر (الشرق الأوسط)

مسارات تلخص التجربة الإبداعية السعودية

ينقسم المعرض إلى ثلاثة أقسام رئيسية، تجمع بين التوثيق وأعمال مختارة، حيث يتناول القسم الافتتاحي أسس حركة الفن الحديث في المملكة، وجذور الحركة الفنية الحديثة، مستعرضاً إسهامات الفنانين في بناء الأطر المؤسسية والمبادرات المستقلة منذ أربعينات القرن العشرين وحتى الثمانينات، ويتتبع هذا القسم تاريخ إدخال تعليم الفنون في المدارس كما يسلّط الضوء على ممارسين أوائل أسهموا في رسم ملامح الممارسة الحديثة.

ويتمحور القسم الثاني للمعرض حول تيارات الحداثة والقضايا الموضوعية والتأويلية التي شكلت الإنتاج الفني وينظّم عبر أربعة محاور مترابطة تعكس واقع تلك المرحلة: الطبيعة والمشهد، الحياة الاجتماعية، وجوه وملامح، وأحلام ورموز، وقد شكلت هذه الموضوعات فضاءات عبّر من خلالها الفنانون عن الاستمرارية والتحول، جامِعين بين الإرث الثقافي المتوارث وواقع متغيّر.

ويركز القسم الأخير من المعرض على رواد الحداثة، وعلى شخصيات محورية أسهمت بدورها في تطور المشهد الفني المبكر، من ضمنهم أربعة فنانين شكلت إسهاماتهم ولغاتهم البصرية عناصر محورية في تطور المشهد الفني المبكر: صفية بن زقر، عبد الحليم رضوي، محمد السليم، منيرة موصلي، ومنطلقات ممارساتهم الفنية التي بدأت من سياقات محلية متنّوعة في مختلف مناطق المملكة، وطوروا مقاربات متباينة في الشكل والخامة والموضوع، مع التزام مشترك بالتجريب والخصوصية الثقافية، وقد أسهمت تجاربهم في ترسيخ حركة فنية حديثة ما زال أثرها حاضراً في الإنتاج الفني المعاصر.


مقالات ذات صلة

مصطفى الرزاز يستعيد عالمه الخاص في المرويات الشعبية والأسطورية

يوميات الشرق لوحات الرزاز تتجاور فيها الكائنات ومشاهد الطبيعة (إدارة الغاليري)

مصطفى الرزاز يستعيد عالمه الخاص في المرويات الشعبية والأسطورية

في معرضه الجديد «شذرات من الفن والروح»، يفتح الفنان التشكيلي المصري مصطفى الرزاز أبواب عالم بصري حافل بالبشر والأزهار، والكائنات الأليفة.

منى أبو النصر (القاهرة )
يوميات الشرق لوحات المعرض جسدت أداء أم كلثوم (الشرق الأوسط)

40 فناناً عربياً وأجنبياً يحتفون بأم كلثوم في متحفها

«الست»، «ثومة»، «كوكب الشرق»، و«سيدة الغناء العربي»، كلها ألقاب أطلقها عشاق أم كلثوم عليها للتدليل والعرفان بقيمتها الفنية وتأثيرها في أجيال متتالية.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق «غيرنيكا»... بكاء العالم على نفسه (صور المعرض)

الواقع الافتراضي يمنح «غيرنيكا» حياة جديدة في باريس

جاءت اللوحة بمثابة صرخة إدانة للقصف الذي تعرضت له بلدة غيرنيكا خلال الحرب الأهلية الإسبانية...

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق صلاح أبو سيف أحد أبرز رواد الواقعية في السينما المصرية (وزارة الثقافة المصرية)

مقتنيات صلاح أبو سيف النادرة تخرج إلى العلن للمرّة الأولى في القاهرة

يأتي المعرض مواكباً للذكرى الـ30 لرحيل أبو سيف، التي تحلّ الشهر المقبل...

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق خلف كل لوحة حكاية حياة تحطمت أو تبدلت إلى الأبد (متحف أورسي)

مَن يملك هذه الأعمال الفنية المنهوبة؟

خلف كل لوحة وكل قطعة فنية غالباً ما توجد حكايات لحيوات تحطمت أو انقلبت رأساً على عقب أو دُمّرت بالكامل

سيغولين لو ستراديك (باريس)

مصطفى الرزاز يستعيد عالمه الخاص في المرويات الشعبية والأسطورية

لوحات الرزاز تتجاور فيها الكائنات ومشاهد الطبيعة (إدارة الغاليري)
لوحات الرزاز تتجاور فيها الكائنات ومشاهد الطبيعة (إدارة الغاليري)
TT

مصطفى الرزاز يستعيد عالمه الخاص في المرويات الشعبية والأسطورية

لوحات الرزاز تتجاور فيها الكائنات ومشاهد الطبيعة (إدارة الغاليري)
لوحات الرزاز تتجاور فيها الكائنات ومشاهد الطبيعة (إدارة الغاليري)

في معرضه الجديد «شذرات من الفن والروح»، يفتح الفنان التشكيلي المصري مصطفى الرزاز أبواب عالم بصري حافل بالبشر والأزهار، والكائنات المألوفة والعجيبة في آن واحد. لتبدو الأعمال، التي تتجاوز مائة عملٍ فني، كأنها ومضات من حلم طويل مشبع بالروح الشعبية، تتجاور فيه الأسطورة مع الحياة البسيطة، تذوب فيه الحدود بين الإنسان والطبيعة والعناصر الزُخرفية.

في المعرض الذي يستضيفه غاليري «ببليوتك» (غرب القاهرة) حتى نهاية مايو (أيار) الحالي، يُعزز الدكتور مصطفى الرزاز عبر لغته التشكيلية حالة الحساسية البصرية الخاصة بالفن الشعبي؛ تلك البراءة المقصودة، والتبسيط، والمبالغة في الملامح، والزخارف المُكررة، بوصفها لغة جمالية تخاطب المتلقي، فلا تبدو أعماله وكأنها تستعيد التراث الشعبي بقدر ما تعيش وتتفاعل داخله.

من زوار المعرض (إدارة الغاليري)

تتفاوت مساحات اللوحات المعروضة بشكل كبير، ومن اللافت حضور أعمال بأحجام صغيرة تصل لحجم «المنمنمات» التي يقول الرزاز إنه استلهم فكرتها خلال إعداده للمعرض، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «وجدت نفسي أعود إلى حصيلة ستين عاماً من العمل الفني، فوجدت أعمالاً بمساحات صغيرة لم تكتمل، وظلّت أعمالاً مفتوحةً عبر سنوات طويلة، فعندما عدت إليها لإعداد المعرض، بدأت أنجزها بسعادة طفل دخل غرفة ألعابه». ولعل هذه الروح «الطفولية» قد وجدت صداها في أعمال المعرض، بما تحمله من فانتازيا، وتجاور حميم للكائنات، والعلاقة التلقائية بين اللون والزخرفة والأحلام.

يظهر بوضوحٍ المزج بين البراءة الكامنة في العناصر الشعبية والعوالم الأسطورية، فالوجوه هادئةٌ، واسعة العينين أو مغمضةٌ كأنها في حالة تأمل أو إنصات داخلي، فيما تبدو الكائنات المحيطة بها من طيور وخيول ونباتات وكأنها امتدادٌ لتلك الوجوه.

تكوينات النباتات والطيور في حوار بصري مع بطلة اللوحة المركزية (إدارة الغاليري)

وفي بعض الأعمال، خصوصاً تلك التي تحضر فيها الأسماك والنساء الريفيات، يبدو أن الرزاز يستدعي ذاكرةً مصريةً قديمةً مرتبطةً بالنهر والخصب والحياة اليومية، لتتجاور البيوت الطينية والخلفيات الريفية مع شخصيات أقرب إلى الأيقونات الشعبية.

من اللافت اعتماد الفنان على الموتيفات التي تمنح الأعمال روح الجداريات الشعبية ورسوم الحكايات القديمة، حتى الألوان نفسها تبدو حرارتها مشتقةً من فانتازيا الأساطير، مستدرجةً طاقات الطبيعة الحرة.

أيقونات شعبية ذات طابع فانتازي (إدارة الغاليري)

ولا تبدو العلاقات بين الكائنات والعناصر داخل اللوحات ناتجةً عن بناء صارم أو تخطيط مسبق، بقدر ما تتولد تدريجياً على سطح اللوحة، فكما يقول الرزاز: «أحياناً قد أبدأ برسم عصفور، أو نباتٍ يتسلّق عبر اللوحة، ثم تتداعى العناصر لاحقاً وفق حالة شعورية أريد أن أعكسها مثل التقابل أو التعاطف، فأرسم عبر ارتجالاتٍ تلتئم فيما بعد لتبني عناصر ومشاهد اللوحة»، وربما يفسر حديث الفنان ذلك الإحساس العضوي الذي تمنحه الأعمال، إذ تبدو العناصر وكأنها تنمو داخل اللوحة لا تُفرض عليها.

من أعمال الفنان التشكيلي مصطفى الرزاز (إدارة الغاليري)

كما يشير الفنان إلى انشغاله بتوجيه عين المتلقي داخل العمل، ليس من باب الإبهار البصري المباشر، بل عبر «خلق مسارٍ داخلي للحركة والتأمل، بحيث تتحرك العين وفق الفكرة الرمزية وراء اللوحة، لذلك تبدو نظرات البشر والكائنات الأخرى متشابكةً داخل شبكة من العلاقات، كأن الكائنات جميعها تتبادل النظر والإشارات، وتدعو المشاهد إلى الدخول في هذا النسيج البصري الهادئ، لا مجرد التطلع إليه من الخارج».

ففي إحدى اللوحات، على سبيل المثال، تبدو بطلة اللوحة وكأنها تخرج من قلب الطبيعة؛ فيتحوّل شعرها إلى خطوطٍ زخرفيةٍ، والطيور تكاد تحط على كتفيها أو تخرج من جسدها نفسه.

أعمال بحجم صغير تلفت الأنظار (إدارة الغاليري)

ينطلق الدكتور مصطفى الرزاز، الحائز على جائزة «النيل» الرفيعة في مصر عام 2017، في ممارسة الفن التشكيلي من الثقافة الموسوعية الواسعة، فقد تشكّل وعيه عبر قراءات ممتدة في التراث العربي القديم؛ عبر شغف مبكر بكتب مثل «الأغاني» للأصفهاني و«عجائب المخلوقات» للقزويني، كما يشير. وهي عوالم مشبعة بالحكايات والكائنات الغريبة والأساطير، بما جعل مخيلته البصرية تتكوّن بوصفها امتداداً لذاكرة سردية وشعبية طويلة.


«فلسطين 36»... الملحمة المنسية التي سبقت النكبة

الأطفال في الفيلم جزء من الحركة الثائرة (مؤسسة دلول للفنون)
الأطفال في الفيلم جزء من الحركة الثائرة (مؤسسة دلول للفنون)
TT

«فلسطين 36»... الملحمة المنسية التي سبقت النكبة

الأطفال في الفيلم جزء من الحركة الثائرة (مؤسسة دلول للفنون)
الأطفال في الفيلم جزء من الحركة الثائرة (مؤسسة دلول للفنون)

أياً تكن الانتقادات التي توجه إلى فيلم آن ماري جاسر «فلسطين 36» سيبقى لوقت طويل محطةً أساسيةً في مسار السينما الفلسطينية، لا بل يستشهد به لفهم تأثير الفن في تشكيل الوعي، وتحولات الإدراك الجماعي.

الفيلم وصل إلى القائمة القصيرة لجوائز الأوسكار، وصفق له جمهور «مهرجان تورنتو السينمائي» ربع ساعة وهم يهتفون «فلسطين حرّة». وقد بدأ عروضه في لبنان هذا الأسبوع بعد افتتاحٍ جامعٍ في سينما «متروبوليس». حضر العرض الأول وزراء ونواب، برعاية ودعم «مؤسسة دلّول للفنون» والدكتور باسل دلّول الذي قال بضرورة «الحفاظ على الإرث الثقافي العربي وتعزيزه عبر الفن والسينما»، وأن هذا الفيلم تحديداً «يشكّل إنجازاً فنياً مهماً يستحق أن يصل إلى الجمهور في لبنان وخارجه».

مشهد من الفيلم أثناء إطلاق إذاعة القدس (مؤسسة دلول للفنون)

«فلسطين 36» تاريخي روائي، تتأتى أهميته من الجانب التوثيقي. فقد عكفت كاتبة الفيلم ومخرجته على البحث لمدة ثماني سنوات، وهو ما أعفاها من تقديم عمل سريع، على طريقة الأفلام التأريخية التقريبية. ثمة حرص على أن تحكى القصة كما هي، مع تفاصيل تجعل الصورة أقرب ما تكون إلى الواقع. بالتالي فنحن أمام محاولة لإعادة تركيب حكاية فلسطين قبل النكبة بسنوات، لنكتشف أن اللحظة المفصلية لم تكن عام 1948 وإنما سابقة عليها، مع إحكام الاحتلال البريطاني سيطرته على البلاد.

تبدأ الحياة في الفيلم وادعة عام 1936، كل شيء يشي بأن الناس منشغلون بأرزاقهم، بمحاصيلهم، بقمحهم، بقطنهم، بقصصهم الصغيرة، لكنهم يشعرون أن ثمة حولهم ما يتغير. موجات اليهود تصل تباعاً، الأسلحة تهرّب عبر المرافئ. الإنجليز يستبدلون بالعمال الفلسطينيين اليهود الوافدين، البطالة تتفشى، ومصادرة الأراضي تتسع.

نكتشف قرية «البسمة»؛ اسم يحمل مفارقة مع قدرها المأساوي. يوسف ابن القرية يعمل في القدس، ويسمح لنا تنقله بأن نكتشف عالمين متباعدين. عالم المزارعين الكادحين المرتابين بسبب الاستيلاء على أراضيهم، والمستعمرات تزنرهم والعسكر يحاصرهم، ومجتمع النخبة المدنية الفلسطينية، وهي تتماهى مع النموذج الغربي وتتعايش معه، وتستقبل عسكر الإنجليز وضباطه في أمسياتها المترفة.

كاميرا بارعة واختيارات موفقة للممثلين والمواقع، رغم أن الفيلم باغتته أحداث السابع من أكتوبر، وحرمته من تصوير مشاهده في فلسطين، بعد أن شيدت له قرية متكاملة وجهزت سيارات، وآليات، إلا أن الانتقال إلى الأردن لإنجاز غالبية المشاهد كان اضطراراً.

الصحافية التي تكتب ما يدور في ضمير المعذبين والشريك المتخاذل (مؤسسة دلول للفنون)

طوال ما يقارب ساعتين تشاهد ملحمة لشعب يباد بأقسى الأدوات. الاحتلال الإنجليزي يمارس عنفاً لا يمكن تصديقه على المزارعين وأصحاب الأرض.

مع تصاعد الأحداث، تصير الصورة كأنها متلحفة بغلالة، لندخل في أجواء تؤلم حد النزف لكنها لا تسمح للمتفرج بالبكاء. إنها النسخة الأولى عما نشاهده في فلسطين هذه الأيام، لكن بإيدٍ إنجليزية. في مقابلة لها، تقول المخرجة: «لم أكن أعلم أن الإنجليز كانوا سبّاقين إلى ممارسة ما ترتكبه إسرائيل، وهم من مهدوا لها الطريق».

يركز الفيلم على يوسف وعائلته وهي تحاول أن تجد توازنها رغم الصعاب، كذلك شقيقه الصغير الذي يعتقله الانتداب ولا يخرج من السجن إلا شاباً، إلا أننا نجد أنفسنا أمام قصة كاهن القرية وابنه الصغير، ثم تتعدد الوجوه وتتكاثر القصص. إنها حكاية الجماعة الفلسطينية. وكلما حاولت المخرجة أن تركز كاميرتها على نواة صغيرة، تعود لتوسع المشهد. إنها إحدى ثغرات الفيلم، بحيث يبقى المشاهد مشتتاً بين التفاصيل الكثيرة، لأناس كلهم مأزومون. إنما في النهاية، يستسلم المتفرج أمام هول الأحداث المتلاحقة، ونبض الشعب المنتفض من أجل حرية تفوح من المشاهد.

لكن المخطط هائل ويصعب استيعابه. خمسة أحزاب فلسطينية تتكتل وتعلي الصوت ضد التقسم، مقابل الهيئة الإسلامية التي يتبين أن بريطانيا هي من صنعتها. صحافية فلسطينية تكتب مقالات ضد الإنجليز يرد عليها كاتب آخر، ويفند حججها، يتبين أنه اسم وهمي عربي من صناعة إنجليزية.

كاهن القرية الذي لن يرحمه الاحتلال (مؤسسة دلول للفنون)

الكلمات منتقاة، النص مكتوب بعناية، الأحداث محطات يجدر تأملها. فبعد وصول اللجنة الملكية من بريطانيا، تصدر تقريراً صادماً، نسمعه يتلى بصوت مرتفع في ما تمر الكاميرا على الوجوه الفلسطينية المذهولة وهي تدرك للمرة الأولى أن التقسيم واقع. التقرير يستحق أن يتمعن بكلماته، لشدة استفزازيتها: «إن التقسيم يفسح مجال الأمل للعرب واليهود معاً بنيل نعمة العيش في ظل السلام... العرب لم يكونوا طوال تاريخهم مجردين من كره اليهود فحسب، بل إنهم برهنوا على الدوام على أن روح التساهل متأصلة في عروقهم». وكأنما إنجلترا جلبت اليهود لعلمها المسبق بتسامح العرب وطيبتهم. فأي مكافأة، وأي مأساة! يضيف التقرير أن المشكلة اليهودية تعكر صفو العلاقات الدولية وتقف حائلاً في سبيل السلام، «فإذا كان في إمكان العرب أن يساعدوا على حل هذه المشكلة متحملين في سبيل ذلك بعض التضحية فإنهم لا يكسبون بذلك ثناء اليهود فحسب بل ثناء العالم الغربي بأسره».

بعض التضحية التي يتحدث عنها التقرير، تتحول جحيماً. وفي مواجهة عقاب جماعي غير مسبوق، كل يحاول أن يقاوم بما يملك. تهريب لأسلحة بدائية، طباعة مناشير، اختباء في الجبال والتلال والمغاور. القرية كلها بأطفالها ونسائها وشيوخها تسجن في العراء خلف أسلاك شائكة يمنع عنها الماء والطعام والظل. رغم بدائية أسلحتهم، يبدأ الفلاحون بتسجيل انتصارات واستعادة أراضٍ. حينها يدرك الإنجليز أن عليهم أن يستنفروا قواهم كلها. هي مناسبة لنشاهد الفرق بين جيش مدجج بأحدث المعدات من طائرات استطلاع، وآليات كبيرة، وسيارات مقابل مجموعة من القرويين العزّل.

حين يهاجم عساكر الإنجليز قرية «البسمة» بحثاً عن أسلحة، يبلغ العنف حداً مريعاً. تفتيش، توقيف، ضرب، إهانات، تخويف، تصاريح مرور عند كل نقطة، مداهمة منازل، سجن، نفي. يعترف الكاهن بمخبأ الأسلحة لينجو بنفسه وعائلته، لكن النتيجة أنه يوضع مع رجال القرية في حافلة، تفجّر بهم بمجرد أن تنطلق. مشهد فظيع آخر حين يعاقب مسن وزوجته بتلغيم منزلهما وتفجيره، وهما في داخله على مرأى من أهل القرية ليكون عبرة لهم.

مع تصاعد الأحداث الدموية، تصبح الكاميرا أسرع، وأكثر حيوية. نرى الناس يحرقون مع زرعهم وضرعهم، وكل مواطن مدفوع لأن يستخدم ما يتوفر ليدافع عن نفسه، أو ينتقم لحبيب فقده. هكذا ينتهي الفيلم بمشاهد تريك أن محاربة المحتل والدفاع عن الأرض والنفس لا تحتاج تنظيماً ولا حزباً. الطفل، ابن الكاهن يحمل مسدساً قديماً، يذهب به إلى القدس، ينادي جندياً بريطانياً، ويطلق عليه النار، ليثأر لوالده الذي فجّر أمام عينيه.

في لحظات تبدو تعابير الوجوه الصامتة الحزينة أبلغ من أي كلام، وصوت الريح الآتية من الجبال والوديان أفصح من الموسيقى. تبقى في الذاكرة مشاهد البيوت المحروقة والقرى المنتهكة، والوجوه المفجوعة، مقابل نظرات الشرّ والارتكابات الإجرامية للجنود الإنجليز.

جزء من تمويل الفيلم إنجليزي، وعرض في لندن، وسط استغراب متفرجين يجهلون تاريخهم الاستعماري الذي دفن في صمت، لكن الأغرب أن العرب أيضاً لا يعرفون الكثير عن تلك الفترة التي اشتعلت فيها ثورة كبرى، وإضراب هو الأطول في تاريخ فلسطين ضد المحتل، الذي انتصر لا بسلاحه بل بتقسيم الناس، تشتيتهم، وكسر وحدتهم بالحيلة والمكر والمؤامرة.

«فلسطين 36» فيه نخبة من الممثلين، بينهم هيام عباس، صالح بكري، ظافر العابدين، كامل الباشا، ياسمين المصري، يمنى مروان، بيلي هاول، روبرت أرامايو، جيريمي آيرونز، ليام كانينغهام، والراحل أحمد قعبور. القصد أن يكون فيلماً جامعاً يشارك فيه كثيرون، ليرووا حكاية لا تزال مستمرة.


برنامج فني حافل في مصر خلال إجازة الأضحى

فعاليات «شارع الفن» تحضر بكثافة في العيد (وزارة الثقافة المصرية)
فعاليات «شارع الفن» تحضر بكثافة في العيد (وزارة الثقافة المصرية)
TT

برنامج فني حافل في مصر خلال إجازة الأضحى

فعاليات «شارع الفن» تحضر بكثافة في العيد (وزارة الثقافة المصرية)
فعاليات «شارع الفن» تحضر بكثافة في العيد (وزارة الثقافة المصرية)

عبر برنامج فني حافل بالعروض المسرحية والاستعراضية والأنشطة الثقافية والفنية، وعروض «فن الشارع» و«سينما الشعب»، تنظم وزارة الثقافة المصرية العديد من الفعاليات في مختلف المحافظات خلال إجازة عيد الأضحى.

وأعلنت الوزارة في بيان، الثلاثاء، عن انطلاق برنامج فني شامل في مختلف محافظات مصر، عبر عشرات المواقع الثقافية، في إطار سعيها لنشر البهجة وإتاحة الفنون أمام الجمهور، وترسيخ دور الثقافة في تشكيل الوعي وتعزيز قيم الجمال في المجتمع.

وتسعى الفعاليات إلى تحقيق مبدأ «العدالة الثقافية» والوصول بالخدمة الثقافية إلى جميع ربوع مصر، عبر مبادرات متنوعة من بينها «مسرح التجوال» و«شارع الفن» و«المكتبات المتنقلة» و«سينما الشعب» والفعاليات الفنية في محطات المترو، إلى جانب العمل على إطلاق مبادرات جديدة، وفق تصريحات لوزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي.

وأعدت الهيئة العامة لقصور الثقافة، برنامجاً يتضمن أكثر من 65 عرضاً فنياً، و3 عروض مسرحية، و3 أفلام سينمائية جديدة، إلى جانب 40 نشاطاً ثقافياً وفنياً للأطفال والكبار، ويشهد برنامج الاحتفالات هذا العام مشاركة فرق الموسيقى العربية والفنون الشعبية والإنشاد الديني، فضلاً عن استمرار مشروع «سينما الشعب» في 21 موقعاً ثقافياً بـ17 محافظة، لعرض أحدث أفلام عيد الأضحى يومياً من العاشرة صباحاً حتى منتصف الليل، بسعر موحد 40 جنيهاً (الدولار يساوي نحو 52 جنيهاً مصرياً).

فعاليات فنية متنوعة تقيمها وزارة الثقافة في العيد (وزارة الثقافة المصرية)

ويشارك «البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية» في الاحتفالات من خلال باقة متنوعة من العروض الفنية والترفيهية التي تجمع بين فنون السيرك والعروض الشعبية والمسرحية على عدد من مسارحه بالقاهرة والمحافظات.

وأعلن قطاع المسرح عن برنامج عروضه وأنشطته لشهر يونيو (حزيران) 2026، الذي يضم مجموعة متنوعة من العروض المسرحية والاستعراضية على مسارح القاهرة والمحافظات، ضمن خطة وزارة الثقافة لتنشيط الحركة المسرحية وتقديم محتوى فني يجمع بين الترفيه والتنوير.

ويرى الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، أن «موسم عيد الأضحى يشهد تنوعاً في الاحتفاليات الفنية والثقافية»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أولاً لدينا احتفالات (شارع الفن) التي تقام في وسط البلد بالقاهرة، وتشهد تفاعلاً كبيراً من المارة الذين ينجذبون للفنون التي يتم تقديمها أمامهم مباشرة وفي أماكن تجوالهم ونزهتهم»، وأضاف: «من المعروف أن عيد الأضحى بالأساس موسم سينمائي، ولذلك عادة ما تكون أسعار التذاكر مرتفعة، لذلك من الجيد أن يزداد نشاط (سينما الشعب) في هذا الموسم لما تقدمه من تذاكر مخفضة».

فعاليات سابقة من «شارع الفن» في وسط القاهرة (وزارة الثقافة المصرية)

وينظم المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، احتفالية لإحياء ذكرى زكريا الحجاوي يوم 5 يونيو المقبل، على مسرح السامر، تتضمن توزيع جوائز مسابقة زكريا الحجاوي لدراسات الفنون الشعبية.

وأعلن المركز القومي للسينما، برئاسة الدكتور حسين بكر، عن برنامج للعروض السينمائية والأنشطة الثقافية، يتضمن عروضاً لأفلام محمد شعبان وسمير عوف وشادي عبد السلام، إلى جانب فعاليات نادي السينما المستقلة ونادي سينما المرأة.

وفي الحديقة الثقافية للأطفال بالسيدة زينب، يُنظم برنامج فني وترفيهي متنوع خلال الفترة من 29 إلى 31 مايو (أيار) الجاري، يتضمن ورشاً فنية للأطفال، وعروض الأراجوز والماريونت والمهرج، إلى جانب العرض المسرحي «سجين الهواء والورق»، وعروض فرق «بنات وبس» و«كنزنا»، وكورال «بنكمل بعض» لذوي الهمم.

وعَدّ سعد الدين الفعاليات التي تنظمها وزارة الثقافة «تعطي الفرصة للشباب ولفئات اجتماعية كثيرة للاحتفال والاستمتاع بالفن في وسط القاهرة وفي المواقع الثقافية المختلفة بالمحافظات، مجاناً أو بأسعار رمزية».