«بدايات» معرض عن بواكير الحركة الفنية السعودية ورواد تجربتها الحداثية

تنظمه هيئة الفنون البصرية بالمتحف الوطني في الرياض

توثيق لمرحلة تأسيس بدايات الحركة الفنية السعودية (الشرق الأوسط)
توثيق لمرحلة تأسيس بدايات الحركة الفنية السعودية (الشرق الأوسط)
TT

«بدايات» معرض عن بواكير الحركة الفنية السعودية ورواد تجربتها الحداثية

توثيق لمرحلة تأسيس بدايات الحركة الفنية السعودية (الشرق الأوسط)
توثيق لمرحلة تأسيس بدايات الحركة الفنية السعودية (الشرق الأوسط)

فترة تأسيسية في تاريخ السعودية تمتدّ من ستينات وحتى ثمانينات القرن العشرين، شهدت تشكيل معالم التوجهات الفنية الحديثة للسعودية، في أثناء فترة من التحولات الواسعة النطاق في البلاد، مثّلت نقطة انعطاف، وأتاحت فرصاً جديدة للتعبير والابتكار الإبداعي، وفتحت المجال أمام ظهور جيل من فنانين سعوديين كانوا روّاداً في آفاقهم الفكرية الرائدة، وتبنّوا مقارَبة تقوم على التجريب وروح الفضول والاضطلاع بزمام المبادرة.

ويقوم معرض افتتح أبوابه الثلاثاء في المتحف الوطني بالرياض، وتنظمه هيئة الفنون البصرية، تحت اسم «بدايات» بتوثيق مرحلة تأسيس بدايات الحركة الفنية السعودية، ويحتفي بشخصيات محورية في عالم الحداثة السعودية، وبمساهماتهم في التيار الفني للمملكة، وبما كرّسوه من جهود متفانية في سبيل إرساء أسس أول مشهد فني ينطلق في رؤاه من عمق المجتمع المحلي، وأظهرت أعمالهم عناصر من تيارات الواقعية الاجتماعية والرمزية والانطباعية والتجريدية من خلال أساليب متنوعة مبنية على قراءات شخصية بحسب الموقع الجغرافي.

ورغم الأسلوب المتميز لكل فنان، فإن اللغة التشكيلية لهذا الجيل من الفنانين تحمل قاسماً مشتركاً يتمثل في احترام القيم الجمالية للتراث الثقافي السعودي، وتعكس في الوقت نفسه رؤى مجتمع متغيّر.

المعرض تنظمه هيئة الفنون البصرية تحت إسم بدايات (الشرق الأوسط)

أسس حركة الفن الحديث في السعودية

تبلور مشهد الفن الحديث في بداياته بفضل استثمارات حكومية في سبيل التنمية الثقافية إلى جانب مبادرات ذاتية للفنانين مدفوعة برغبة فردية وجماعية لسبر التحولات المجتمعية الحاصلة، بينما سارت الجهود العامة والخاصة بدءاً من الخمسينات وصولاً إلى الثمانينات، بالتوازي، وخلقت في مجموعها ظروفاً ملائمة لنهضة حركة تشكيلية.

وعلى صعيد التعليم الفني، فقد تأسس من خلال سلسلة إصلاحات للمناهج الدراسية تزامناً مع توسيع نطاق المؤسسات الحكومية في أرجاء المملكة، إذ شهد عام 1945 إدراج الرسم مادةً في المدارس الثانوية من قبل مديرية المعارف، وفي أواخر الخمسينات، ومع تحوّل المديرية إلى وزارة التربية والتعليم، تم إدخال التربية الفنية في المناهج الدراسية وتعميمها رسمياً في كل مراحل التعليم، وخلال هذه الفترة، نُظّمت معارض ومسابقات مدرسية، عُقد أولها في المعهد العلمي السعودي في مكة عام 1952، ثم في الرياض عام 1959، كما نَظّمت وزارة المعارف سلسلة ورشات عمل بين أواسط الخمسينات وأواسط الستينات لإعداد دفعة جديدة من مدرسي الفنون، وأشرفت على تلك الجهود كوكبة من الفنانين السعوديين الرواد الذين كانوا قد أتمّوا دراستهم خارج البلاد، ويأتي في طليعتهم عبد الحليم رضوي.

المعرض افتتح أبوابه الثلاثاء في المتحف الوطني بالرياض (الشرق الأوسط)

ورغبة منها في مضاعفة أثر هذه الجهود في المدارس بمختلف مراحلها، تم توفير الرعاية عبر منح دراسية خارج البلاد، سواء في جامعات بارزة في عواصم فنية في المنطقة كالقاهرة، أو في العالم، مثل إيطاليا.

وسرعان ما افتتحت مؤسسات حكومية تستكمل الدور الذي تقوم به هذه المبادرات، فشهد عام 1965 تأسيس معهد التربية الفنية، الذي أوكلت إلى الملتحقين به من فنانين سعوديين، وبالتعاون مع فنانين ومدرّسين عرب، مهمة توحيد المناهج الفنية وصياغة السياسة الوطنية لتدريس الفنون.

وبحلول سبعينات القرن العشرين، توسّع نطاق ممارسة الفن ليشمل النسيج الحضري نفسه حيث شهد عام 1972 إطلاق أمانة جدة مشروعاً للفنون العامة يمتد على مستوى المدينة، بمشاركة الفنانين الروّاد، لتحويل جدة إلى متحف مفتوح.

أما معارض الرئاسة العامة لرعاية الشباب، التي انطلقت عام 1976، فقد وسَّعت نمط المعارض الشبابية في أرجاء المملكة، ونسقت المشاركة السعودية في معرض الشباب العربي في ليبيا، وفي حقبة سبقت ظهور الصالات الفنية التجارية وتأسيس المتاحف، افتُتحت في الرياض عام 1973 الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون، التي شكّلت منصة مؤسسية للفنانين كي يعرضوا أعمالهم للعامة.

احتفاء بشخصيات محورية في عالم الحداثة الفنية السعودية (الشرق الأوسط)

ومنذ أربعينات القرن العشرين عندما أقام محمد أحمد راسم أول معرض عام معروف في المملكة، في بهو البنك السعودي الهولندي بجدة، بدأ الفنانون بعدها في ابتكار بيئات مختلفة للعرض ضمن سياقات غير رسمية، ورغم أن مكانة وجهود المؤسسات الحكومية لم تكن قد ترسَّخت بعد، لكن الفنانين كانوا توّاقين للتشارُك بنتاجهم الإبداعي، وبادروا بتنظيم فعاليات استضافتها أندية وفنادق ومدارس وشركات خاصة.

واستضافت هذه الفضاءات العديد من المعارض الأولى البارزة بتاريخ المملكة، بدءاً من أول معرض احترافي في السعودية (للفنان عبد الحليم رضوي في نادي البحر الأحمر بجدّة عام 1965) وصولاً إلى أول معرض عام لسيدتين سعوديتين (للفنانتين صفية بن زقر ومنيرة موصلي في مدرسة دار التربية بجدّة عام 1968). والانطلاقة الفعلية لمسيرة محمد السليم في معرض استضافه نادي النصر لكرة القدم في الرياض عام 1967.

رغم الأسلوب المتمايز لكل فنان إلا أن اللغة التشكيلية لهذا الجيل من الفنانين تحمل قاسماً مشتركاً (الشرق الأوسط)

وشكل حجم ووتيرة التنمية الحضرية خلال هذه العقود المتتالية عاملاً محفّزاً، بحيث تركَّزت المواهب والموارد في هذه المدن الحديثة التي تحوَّلت إلى وجهات لاحتكاك الفنانين، بعضهم مع بعض، وللتفاعل مع شريحة أوسع من الجمهور، وبفضل هذا التقارب المكاني، استهلت الشخصيات الرائدة في الحركة التشكيلية السعودية بنسج أواصر شبكاتها غير الرسمية، وبدأت التجمعات الفنية والفضاءات التي يديرها الفنانون أنفسهم بالظهور والتبلور.

وفي هذا الإطار، كان عبدالحليم رضوي مشرفاً على مركز جدة للفنون الجميلة منذ تأسيسه عام 1967، حيث كان المركز ينظّم ورشات ومعارض فنية، وفي هذه الأثناء، أسس السليم دار الفنون السعودية في الرياض عام 1979، التي تحوّلت إلى فضاء متعدد الاستخدامات يستضيف معارض، ووجهة يلتقي فيها الفنانون وتتيح لهم المعدات والخامات التي لم تكن متوافرة على نطاق واسع آنذاك.

عكست أعمال الفنانين احترام القيم الجمالية للتراث الثقافي السعودي ورؤى مجتمع متغيّر (الشرق الأوسط)

مسارات تلخص التجربة الإبداعية السعودية

ينقسم المعرض إلى ثلاثة أقسام رئيسية، تجمع بين التوثيق وأعمال مختارة، حيث يتناول القسم الافتتاحي أسس حركة الفن الحديث في المملكة، وجذور الحركة الفنية الحديثة، مستعرضاً إسهامات الفنانين في بناء الأطر المؤسسية والمبادرات المستقلة منذ أربعينات القرن العشرين وحتى الثمانينات، ويتتبع هذا القسم تاريخ إدخال تعليم الفنون في المدارس كما يسلّط الضوء على ممارسين أوائل أسهموا في رسم ملامح الممارسة الحديثة.

ويتمحور القسم الثاني للمعرض حول تيارات الحداثة والقضايا الموضوعية والتأويلية التي شكلت الإنتاج الفني وينظّم عبر أربعة محاور مترابطة تعكس واقع تلك المرحلة: الطبيعة والمشهد، الحياة الاجتماعية، وجوه وملامح، وأحلام ورموز، وقد شكلت هذه الموضوعات فضاءات عبّر من خلالها الفنانون عن الاستمرارية والتحول، جامِعين بين الإرث الثقافي المتوارث وواقع متغيّر.

ويركز القسم الأخير من المعرض على رواد الحداثة، وعلى شخصيات محورية أسهمت بدورها في تطور المشهد الفني المبكر، من ضمنهم أربعة فنانين شكلت إسهاماتهم ولغاتهم البصرية عناصر محورية في تطور المشهد الفني المبكر: صفية بن زقر، عبد الحليم رضوي، محمد السليم، منيرة موصلي، ومنطلقات ممارساتهم الفنية التي بدأت من سياقات محلية متنّوعة في مختلف مناطق المملكة، وطوروا مقاربات متباينة في الشكل والخامة والموضوع، مع التزام مشترك بالتجريب والخصوصية الثقافية، وقد أسهمت تجاربهم في ترسيخ حركة فنية حديثة ما زال أثرها حاضراً في الإنتاج الفني المعاصر.


مقالات ذات صلة

«القاهرة للكتاب» يراهن على قُراء «جيل زد» بمنصات جديدة

يوميات الشرق جانب من ندوات جيل يكتب العالم بطريقته (الشرق الأوسط)

«القاهرة للكتاب» يراهن على قُراء «جيل زد» بمنصات جديدة

لجأت أجنحة النشر في معرض «القاهرة الدولي للكتاب» هذا العام إلى أدوات مبتكرة مثل «صندوق الدنيا» لجذب الزوار بصرياً وتراثياً.

منى أبو النصر (القاهرة )
يوميات الشرق اللواء وليد السيسي في معرض القاهرة الدولي للكتاب (الشرق الأوسط)

قصص مثيرة من عالم «تجارة المخدرات» تلفت الاهتمام بـ«القاهرة للكتاب»

في مشهد لافت تكرر أكثر من مرة ضمن فعاليات الدورة الـ57 من معرض القاهرة الدولي للكتاب يصطف القراء في طابور طويل ليحصلوا على نسخة موقعة من المؤلف

رشا أحمد (القاهرة)
يوميات الشرق الأسعار الزهيدة اجتذبت رواد معرض الكتاب (هيئة قصور الثقافة المصرية)

روائع الأدب العالمي تجتذب روَّاد «القاهرة للكتاب»

اجتذبت إصدارات روائع الأدب العالمي ذات الأسعار الزهيدة رواد معروض القاهرة الدولي للكتاب.

رشا أحمد (القاهرة)
يوميات الشرق أنشطة المعرض الفنية تجتذب الجمهور (الشرق الأوسط)

«القاهرة الدولي للكتاب»... تظاهرة ثقافية ترسّخ حضورها كـ«فسحة أسرية»

جاء إعلان وزارة الثقافة المصرية عن وصول عدد زوار معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57 إلى ما يقارب ربع مليون زائر في يومه الأول ليعكس أهميته.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق مدن مصر بتأثيرات الأشعة تحت الحمراء للفنان فادي قدسي (الشرق الأوسط)

«الطيف المخفي»... مدن مصرية تُعاد رؤيتها بعدسة غير مألوفة

تتحوَّل الأسطح العاكسة للمباني إلى أشكال غامضة في مقابل الأشجار المتوهّجة.

نادية عبد الحليم (القاهرة )

بين النقد الذاتي والقلق الاجتماعي... لماذا نظن أننا غير محبوبين؟

النقد الذاتي يلقي بظلاله على نظرتنا إلى أنفسنا وكذلك على الطريقة التي نعتقد أن الآخرين يروننا بها (بيكسلز)
النقد الذاتي يلقي بظلاله على نظرتنا إلى أنفسنا وكذلك على الطريقة التي نعتقد أن الآخرين يروننا بها (بيكسلز)
TT

بين النقد الذاتي والقلق الاجتماعي... لماذا نظن أننا غير محبوبين؟

النقد الذاتي يلقي بظلاله على نظرتنا إلى أنفسنا وكذلك على الطريقة التي نعتقد أن الآخرين يروننا بها (بيكسلز)
النقد الذاتي يلقي بظلاله على نظرتنا إلى أنفسنا وكذلك على الطريقة التي نعتقد أن الآخرين يروننا بها (بيكسلز)

هل سبق لك أن اعتقدت أن شخصاً ما لا يحبك، ثم فوجئت لاحقاً بدعوة منه لحضور حفلة، أو سمعت من مصادر غير رسمية أنه تحدّث عنك بإيجابية؟ هذا النوع من سوء تقدير نظرة الآخرين إلينا، وافتراض أنهم لا يحبوننا، بينما هم في الواقع يشعرون بالعكس، هو ما يطلِق عليه علماء النفس مصطلح «فجوة الإعجاب»، وفقاً لموقع «فيري ويل هيلث».

كيف يقنعك عقلك بأن الآخرين لا يحبونك؟

تقول ديبورا سيراني، الحاصلة على دكتوراه في علم النفس والأستاذة بجامعة أديلفي الأميركية، إن الدراسات تشير إلى أنه عندما نكون مع الآخرين، يميل عقلنا الاجتماعي إلى التركيز المفرط على تحليلِ ما نعتقد أننا أخطأنا فيه، بدلاً من الالتفات إلى ما قد نكون أحسنّا فعله. وتوضح أن هذا التركيز المُبالغ فيه على الأخطاء يمكن أن يؤدي إلى نقد ذاتي غير واقعي.

وفي دراسةٍ أُجريت عام 2018، لاحظ الباحثون وجود فجوة الإعجاب بين الغرباء أثناء تعارفهم في المختبر، وبين طلاب السنة الأولى الجامعية خلال تعرفهم على زملائهم في السكن، وكذلك بين مشاركين غرباء التقَوا ضمن ورشة عمل للتطوير الشخصي.

ووجد الباحثون أنه بعد هذه التفاعلات، كان المشاركون يقللون من تقدير مدى إعجاب شركائهم في الحديث بهم، ومدى استمتاعهم بصحبتهم. والأهم من ذلك أن فجوة الإعجاب استمرت لعدة أشهر مع تطور علاقات جديدة بين المشاركين. وخلص الباحثون إلى أن الناس، بعد المحادثات الاجتماعية، يكونون في الواقع محبوبين أكثر مما يعتقدون.

وقد تبدأ تجربة فجوة الإعجاب في سن مبكرة من الطفولة. فقد أظهرت دراسة، أُجريت عام 2021 على أطفال تتراوح أعمارهم بين 4 و11 عاماً، أن الأطفال في سن الخامسة يعتقدون أن أقرانهم يحبونهم أقل مما يحبون غيرهم. ومع تقدم الأطفال في العمر، أصبحت فجوة الإعجاب أكثر وضوحاً.

وتوضح سيراني أن مسار الحياة في الطفولة غالباً ما يؤثر في نظرة الإنسان إلى نفسه، وفي الطريقة التي يدرك بها مشاعر الآخرين تجاهه.

ما أسباب فجوة الإعجاب؟

تشرح سيراني أنه عندما يتعامل الإنسان مع أشخاص لا يُظهرون ردود فعل واضحة أو مباشرة حول مشاعرهم، يصبح من السهل تفسير هذا الغموض على أنه إشارة سلبية. وتشير سيراني إلى وجود عدة أسباب محتملة لذلك:

المعتقدات المتجذرة منذ الطفولة

بالنسبة لبعض الأشخاص، وخصوصاً أولئك الذين نشأوا في بيوت كانت تعاني اضطرابات نفسية تؤثر في الحياة اليومية، فإن الخوف من عدم القبول لا يرتبط بقلة التواصل بقدر ما يرتبط بفكرة البقاء.

هذا ما عاشته باولينا ميلانا، التي نشأت مع أم وأخت مصابتين بالفصام البارانوي. وتقول: «من أجل البقاء، كنت أُظهر نسخة من نفسي تبدو متماسكة وواثقة، وكأنني أملك كل شيء، حتى لا أفضح الفوضى التي كنت أعيشها في المنزل. انجذب الناس إلى تلك النسخة البراقة مني، لكن في داخلي كنت أعتقد أنهم لو رأوا حقيقتي، تلك التي ليست متماسكة، لَما أحبوا ما سيجدونه».

وعندما بلغت ميلانا سن الرشد، اكتشفت، من خلال العلاج النفسي، أن هذا النوع من الخوف شائع بين البالغين الذين نشأوا في بيئات يسودها المرض النفسي.

وتضيف: «هذا الخوف لا ينبع من نظرة الآخرين الحقيقية إلينا، بل من اعتقاد متجذر بأن جوهرنا الحقيقي يجب أن يظل مخفياً، وأن الظهور على حقيقتنا أمر محفوف بالمخاطر وقد يؤدي إلى الرفض».

إسقاط أفكارنا السلبية

قد يسهم استخدام الإسقاط بوصفه آلية دفاعية في تعميق فجوة الإعجاب. وتوضح سيراني: «عندما نأخذ سمة نمتلكها ولا نحبها في أنفسنا، ثم نُسقطها على الآخرين، قد نبدأ اعتقاد أنهم لا يحبوننا. في الواقع، قد يكون ما يحدث هو أننا لا نتقبل هذه السمة في أنفسنا، فنشعر وكأن الآخرين يرفضوننا بسببها».

وتتفق معها ناتالي داتيلو-ريان، الحاصلة على دكتوراه في علم النفس السريري والمحاضِرة في كلية الطب بجامعة هارفارد. وتقول: «إذا راودتني فكرة أن الآخرين لا يحبونني حقاً، أو لا يحبونني بالقدر الذي يُبدونه، فقد يكون السبب أنني لا أحب نفسي في بعض الأحيان، وهذا يجعل من الصعب عليّ تصديق حب الآخرين لي، حتى عندما يعبّرون عنه».

تدني تقدير الذات

يُلقي النقد الذاتي بظلاله على نظرتنا إلى أنفسنا، وكذلك على الطريقة التي نعتقد أن الآخرين يروننا بها. وتشير سيراني إلى وجود أبحاث طويلة الأمد تُظهر كيف يمكن لتدني تقدير الذات أن يزيد من مشاعر انعدام الأمان. وتوضح أن الدراسات المبنية على الأدلة تشير إلى أن النظرة السلبية للذات غالباً ما تؤثر في كيفية تفسيرنا للإشارات الاجتماعية.

وتضيف أن هذه التجارب، سواء حدثت بشكل منفرد أم مجتمعة، قد تدفع الناس إلى اعتقاد أنهم أقل قبولاً مما هم عليه في الواقع.

وغالباً ما يكون الإنسان أشد قسوة في نقده لنفسه مقارنةً بتعامله مع الآخرين، وأقل تسامحاً معها فيما يتعلق باللطف والتفهم والتعاطف. وتقول داتيلو-ريان: «نميل إلى وضع معايير أعلى لأنفسنا، وهو ما يُعرَف أحياناً بالمعايير المزدوجة، فنغضّ الطرف عن أخطاء الآخرين أو فوضويتهم، بينما لا نفعل الشيء نفسه مع أنفسنا».

وتضيف أن هذا الأسلوب قد يؤدي إلى جَلد الذات، بل حتى إلى كرهها، موضحة أن تقدير الذات يتأثر بدرجة كبيرة بالطريقة التي نعتقد أن الآخرين ينظرون بها إلينا.

القلق الاجتماعي

تتفاقم فجوة الإعجاب نتيجة القلق الاجتماعي، وهي حالة يشعر فيها الشخص بخوف مفرط من تقييم الآخرين له، ما يدفعه إلى تجنب التفاعلات الاجتماعية أو المواقف والأماكن التي قد يتعرض فيها للحكم أو التقييم.

وتوضح داتيلو-ريان أن هذا القلق قد يؤدي إلى اجترار الأفكار والقلق الزائد، من خلال إعادة تكرار المواقف الاجتماعية في الذهن لساعات أو حتى أيام بعد انتهائها. كما قد ينتج عنه نوع من البحث القهري عن الطمأنينة، حيث يطلب الشخص من أصدقائه أو أحبائه مراراً تأكيد أنهم ما زالوا يحبونه، أو أنه تصرّف بشكل مناسب خلال تلك المواقف.


العثور على جمجمة أحد سكان أستراليا الأصليين في جامعة كولونيا الألمانية

جمجمة بشرية معروضة خلال حفل في برلين بألمانيا 29 أغسطس 2018 (رويترز)
جمجمة بشرية معروضة خلال حفل في برلين بألمانيا 29 أغسطس 2018 (رويترز)
TT

العثور على جمجمة أحد سكان أستراليا الأصليين في جامعة كولونيا الألمانية

جمجمة بشرية معروضة خلال حفل في برلين بألمانيا 29 أغسطس 2018 (رويترز)
جمجمة بشرية معروضة خلال حفل في برلين بألمانيا 29 أغسطس 2018 (رويترز)

قالت الشرطة الألمانية، الثلاثاء، إن جمجمة لأحد السكان الأصليين من أستراليا كانت مفقودة في جامعة كولونيا الألمانية العام الماضي تم العثور عليها.

وعثر أحد موظفي الجامعة على حقيبة بها الجمجمة في قبو أحد مباني الجامعة صباح أمس الاثنين، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وكان المقرر أن تتم إعادة الجمجمة إلى جانب جمجمتين أخريين إلى ممثلي مجتمعات السكان الأصليين بأستراليا في مراسم في ديسمبر (كانون الأول)، لكن أعضاء هيئة التدريس ارتبكوا بسبب عدم القدرة على تحديد موقع الجمجمة.

وتم الإبلاغ عن الواقعة باعتبارها سرقة، بينما تم حفظ الجمجمة في خزانة في غرفة مغلقة. وتم تسليم الجمجمتين الأخريين كما كان مخططاً.

وتُجري الجامعة مشروعاً منذ 2021 لإجراء بحث عن منشأ الرفات البشري المحفوظ ضمن مجموعة مركز علم التشريح.


«خبيئة» المتحف المصري تبرز مقتنيات «ساحرة» للملوك والكهنة

توابيت نادرة في المتحف المصري (المتحف المصري بالتحرير)
توابيت نادرة في المتحف المصري (المتحف المصري بالتحرير)
TT

«خبيئة» المتحف المصري تبرز مقتنيات «ساحرة» للملوك والكهنة

توابيت نادرة في المتحف المصري (المتحف المصري بالتحرير)
توابيت نادرة في المتحف المصري (المتحف المصري بالتحرير)

كل حين يبرز المتحف المصري بميدان التحرير (وسط القاهرة) مقتنياته الثمينة من الآثار المصرية في عروض متحفية استثنائية تجتذب الجمهور، وفي إحدى القاعات العلوية للمتحف (القاعة 52) يعرض المتحف كنوزاً مصرية قديمة، وتوابيت، ومقتنيات «ساحرة» تحكي تاريخ الملوك والكهنة في فترات مختلفة تحت عنوان: «الخبيئة: كنوز خفية». ​ووفق بيان للمتحف فإن هذه الكنوز تأتي «ضمن تجربة عرض استثنائية تسلط الضوء على أسرار الدفن في مصر القديمة، وتضم مجموعة مختارة من التوابيت المبهرة، من بينها 15 تابوتاً تُعرض لأول مرة أمام الجمهور، ويضم العرض مقتنيات ساحرة من ثلاث خبيئات ملكية وكهنوتية تم اكتشافها في القرن التاسع عشر».

​ويركز العرض الاستثنائي على مفهوم «الخبيئة»، وكيف حافظت هذه الكنوز على تاريخ الملوك والكهنة المصريين القدماء من الضياع.

التوابيت التي تعرض للمرة الأولى بالمتحف المصري (المتحف المصري بالتحرير )

ويرى عالم الآثار المصرية، الدكتور حسين عبد البصير، أن هذا العرض الاستثنائي «يبرز الجهد المهم الذي يقوم به المتحف المصري بالتحرير، والذي يعكس الوعي المتزايد بدور المتاحف الحديثة بوصفها مؤسسات ثقافية حيّة، لا تكتفي بالحفظ والصون، بل تسعى إلى التواصل مع الجمهور وإعادة تقديم التراث المصري القديم بصورة متجددة».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «عرض 15 تابوتاً للمرة الأولى أمام الجمهور يُعد خطوة بالغة الأهمية، تؤكد أن المتحف المصري لا يزال يحمل في طياته كنوزاً كثيرة قادرة على الإضافة، والإبهار، مهما تغيّرت خريطة المتاحف في مصر».

ويشير عالم الآثار إلى الدلالات الدينية والفنية للتوابيت، موضحاً أنها «ليست مجرد أوعية جنائزية، بل هي نصوص بصرية وعقائدية متكاملة، تعبّر عن تصورات المصري القديم للحياة الأخرى، وعن علاقته بالآلهة، وعن مكانة الملوك والكهنة داخل البنية الاجتماعية والدينية للدولة المصرية القديمة. ومن هنا تأتي أهمية إتاحة هذه القطع للجمهور، لأنها تفتح نافذة حقيقية على عالم فكري وروحي شديد العمق».

الخبيئة من العروض المتحفية النادرة (المتحف المصري بالتحرير)

ويضم المتحف المصري بالتحرير الذي افتتحه الخديو عباس حلمي عام 1902 مجموعات نادرة من الآثار المصرية من حقب زمنية مختلفة من عصر ما قبل الأسرات إلى العصرين اليوناني، والروماني، ومن مجموعته النادرة المجموعة الجنائزية ليويا وتويا، وبسوسينيس الأول، وكنوز تانيس، ولوحة نارمر التي تخلد توحيد مصر العليا والسفلى تحت ملك واحد، وتماثيل للملوك العظماء (خوفو، وخفرع، ومنكاورع) بناة الأهرام في هضبة الجيزة.

وبينما يرى عبد البصير أن هذه المبادرات بتقديم عروض استثنائية للمجموعات الأثرية النادرة تُسهم في تنشيط الحركة الثقافية، والسياحية، يلفت أيضاً إلى أن المخازن المتحفية ليست نهاية حياة القطعة الأثرية، بل مرحلة انتقالية قبل أن تعود إلى أداء دورها الأساسي، متمنياً أن تتبع العرض مبادرات أخرى تكشف عن المزيد من الكنوز غير المعروضة، مصحوبة بسرد علمي مبسّط يوازن بين الدقة الأكاديمية والجاذبية البصرية.

وشهد المعرض حضوراً، وتعليقات من الجمهور، حيث جاء في تعليق على المعرض الجديد بصفحة المتحف على «فيسبوك» من إحدى الزائرات: «زورنا المتحف اليوم وفعلاً توابيت غاية في الجمال... لكن ليست جميعها معروضة بشكل واضح»، مناشدة، ومتمنية أن يتم عرض كل تابوت بشكل منفصل، وواضح، لمعرفة كل تفاصيله.

توابيت الملوك وأسرار الكهنة في المتحف المصري (المتحف المصري بالتحرير)

ويرى الآثاري المتخصص في المصريات، أحمد عامر، أن «عرض مقتنيات أثرية و15 تابوتاً جديداً للجماهير، بمثابة خطوة مهمة في الفترات الحالية، بوصف أنها عامل جذب سياحي بالمتحف المصري بالتحرير، وذلك عقب نقل مقتنيات الملك توت عنخ آمون إلى المتحف المصري الكبير، فيأتي ذلك العرض الاستثنائي للخبيئة في إطار التحفيز على زيارة المتحف المصري بالتحرير».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «المتحف المصري بالتحرير به الكثير من الكنوز الأثرية التي يستوجب عرضها للجمهور، خصوصاً بعد نقل بعض مقتنياته التي اعتاد عليها الزائرون إلى المتحف الكبير»، وأشار عامر إلى أن «المتحف المصري بالتحرير من أقدم المتاحف على مستوى العالم، ولا بد من دعمه وتطويره بما يتماشى مع التقدم التكنولوجي الذي نعيش فيه، مع عرض قطع أثرية، ومقتنيات جديدة لأول مرة، كل ذلك سوف يساعد على استمراره في أداء دوره على أنه مركز جذب للسائحين، ومحبي الآثار المصرية».