مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

تكريم رموز الأدب… وسيدات الطائف يحيين الموروث الثقافي

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
TT

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

مثّلت النسخة الثالثة لمهرجان الكُتّاب والقُرَّاء، الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة، التابعة لوزارة الثقافة السعودية في متنزه «الردف» بمدينة الطائف، مساراً جديداً في صناعة الأدب والثقافة.

وأقيم المهرجان خلال الفترة من 9 إلى 15 يناير (كانون الثاني) الحالي، وفيه قدمت الهيئة للزائر مشهداً ثقافياً متحركاً في الهواء الطلق ما بين الأدب، والفن والمورث، بالإضافة إلى الحكايات والقصص التي شارك فيها الزوار، واحتضن متنزه «الردف» 270 فعالية المهرجان، بحضور نخبة من رواد الأدب في العالم العربي.

الفنون الشعبية التي تشتهر بها مدينة الطائف وعموم منطقة مكة كانت حاضرة بقوة (الشرق الأوسط)

سيرة مدينة وذاكرة المرأة

في أحد ممرات المهرجان جلست سيدات الطائف إلى جوار عملهن من المشغولات اليدوية والملابس التقليدية التي تبرز تنوع ثقافة اللبس لدى المرأة في الطائف واختلافه من موقع إلى آخر، حيث عرضن منتجاتهن التي تحكي سيرة مدينة وذاكرة المرأة، من خلال 20 منصة أعادت الاعتبار للحرفة بوصفها ثقافة ملموسة، لا تقل أثراً عن النص المكتوب.

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

الكتب المعلقة

بينما يرسل ممر «الكتب المعلقة» رسائل تؤكد على أن القراءة والكتاب ينطلقان في فضاء مفتوح دون قيد أو شرط عبر مجسمات تُرى من بعيد، لكنها تُقرأ من الداخل، فتذكّر الزائر بلغة شاعرية أن المعرفة ليست رفوفاً مغلقة، بل حضور يومي في المكان العام.

ومن خلال الجداريات نقرأ جانباً من سيرة الطائف الأولى، تستعرض من خلالها المدينة الجبلية أجمل مصائفها؛ جبل الهدا، وبساتين الورد، وسوق عكاظ، لا بوصفها معالم جامدة، بل مشاهد حية يشارك الزائر في تشكيلها، في تجربة تمحو المسافة بين الفن والمتلقي، وتمنح المدينة فرصة في أن تُروى بأيدي أهلها.

الفن والموسيقى

من مزايا مهرجان الكتّاب والقرّاء بالطائف التنوع في مسارات الأدب والفنون؛ إذ أقيمت كثير من الحفلات الغنائية على المسرح الرئيسي، ومنها حفل فرقة «هارموني عربي» المصرية التي قدمت أمسية غنائية استقطبت جمهوراً واسعاً، وقدمت خلالها مزيجاً متناغماً من الألحان العربية بصيغة معاصرة، عززت حضور الموسيقى بوصفها لغة مشتركة، ومكوناً أصيلاً في الفعل الثقافي الذي يقدّمه المهرجان.

كما شكلت تفعيلة «منصة الفن» في منطقة «الدرب» مساحة لالتقاء الأدب بالموسيقى، عبر 3 منصات قدمت عروضاً غنائية لفنانين سعوديين صاعدين، في تجربة تفاعلية تعكس تنوع المواهب، وتفتح المجال أمام الأصوات المحلية للظهور ضمن مشهد ثقافي جامع.

الشعر والمحاورة

وفي خطوة فريدة لم يأتِ الشعر على هيئة منصة تقليدية، بل تسلل «بين الطرق»، حيث استمع الزائر لصوت موسيقي، ونصٍ يُقرأ، وشاهد ذاكرة تُحفظ قصائد فصيحة ونبطية، لأسماء معروفة، قُدّمت في أداء حي، مدعومة بالتقنية، لتستعيد القصيدة مكانها الطبيعي بين الناس بشكل جميل يلفت الزائر ويدفعه للإنصات.

وحضر شعر المحاورات بقوة؛ إذ شهدت أمسياته تفاعلاً جماهيرياً لافتاً، شارك فيها شعراء سعوديون قدموا نصوصاً ارتجالية تنوعت موضوعاتها بين الاجتماعي والوطني والتراثي، في تجربة أعادت للشعر حضوره الحي بوصفه مساحة للحوار والمنافسة الذهنية، وقربته من المتلقي بعيداً عن الإلقاء التقليدي.

«الحكواتي» فكرة استقطبت الصغار لمعرفة الكثير من الحكايات التاريخية والأدبية (الشرق الأوسط)

المسرح

تنوّعت العروض المسرحية، بين التفاعلي والكوميدي، في حين خُصص للأطفال عالمهم الخاص، عبر مسرح «الحكواتي»، حيث تعلّم الصغار أن القصة ليست سماعاً فقط، بل مشاركة وخيال وبدايات وعي.

وفي المسار المسرحي، قدم المهرجان برنامجاً متنوعاً عبر 5 مسارح، شملت عروضاً تفاعلية وفكرية واجتماعية، من بينها مسرحية «سيف ودلة وطين» التي استحضرت رمزية الأدوات التراثية في تشكيل الهوية الوطنية، كذلك «الكتاب المسروق» التي قدمت رسالة عن قيمة المعرفة وحماية القراءة، إلى جانب أعمال فلسفية وكوميدية لامست تحولات الإنسان والعلاقات عبر الأزمنة، مؤكدة قدرة المسرح على الجمع بين المتعة والتأمل.

تنوع الفعاليات كان أحد العوامل في استقطاب الزوار للمهرجان (الشرق الأوسط)

رموز الأدب

وربطت هيئة الأدب الماضي بالحاضر في مسارات مختلفة، ومنها مسار الذاكرة؛ إذ شكلت فعالية «أدباء عبر التاريخ» في مسارات المتنزه حالة فريدة بوصفها جولة سردية تستحضر رموز الأدب السعودي الذين أسهموا في تشكيل الوعي الثقافي الوطني، من الشعر والصحافة إلى الفكر والمسرح.

وقدّمت الفعالية سيراً مختصرة لأسماء راسخة، أعادت للزائر صورة جيلٍ مهّد للحركة الأدبية الحديثة، وربط الحاضر بجذوره الثقافية.

ومن الأسماء الأمير الشاعر عبد الله الفيصل، والكاتب عبد الله نور، والأديب محمد حسين زيدان، وأحمد السباعي رائد الصحافة والمسرح الحديث، وحسين سراج أحد روّاد المسرح السعودي، وعصام خوقير الطبيب الأديب، وسعد البواردي صاحب زاوية «استراحة داخل صومعة الفكر»، وإبراهيم خفاجي الشاعر الذي ارتبط اسمه بالنشيد الوطني السعودي، وطاهر زمخشري رائد أدب الطفل، ومحمد حسن عواد أحد روّاد التجديد الأدبي، ومحمد سعيد خوجة الرائد في طباعة كتب التراث.

ومع ختام مهرجان «الكتاب والقراء»، أكدت مدينة الطائف مكانتها الثقافية، حيث تُعدّ أول مدينة سعودية تنال عضوية منظمة «يونيسكو» للمدن الإبداعية في مجال الأدب، فلم يكن المهرجان مجرد «روزنامة» فعاليات تضاف إلى التقويم الثقافي، بل كان امتداداً لصوت قديم ما زال يتردد في فضاء الطائف، منذ كانت الأسواق تُقام للشعر والأدب، وقد أعادت هيئة الأدب والنشر لمتنزه «الردف» بريق الحكايات للتاريخ والمستقبل.

سيدات من الطائف يشاركن من خلال مشغولاتهم اليدوية للتعريف بالكثير من الملبوسات (الشرق الأوسط)


مقالات ذات صلة

السعودية تحصد 3 جوائز دولية في «أولمبياد مندليف للكيمياء 2026»

يوميات الشرق الطلاب علي باوزير ومجتبى التاروتي وعبد العزيز الجعيد يحتفلون بتحقيق الميداليات في الأولمبياد (موهبة)

السعودية تحصد 3 جوائز دولية في «أولمبياد مندليف للكيمياء 2026»

حقق المنتخب السعودي للكيمياء 3 ميداليات برونزية دولية في أولمبياد مندليف الدولي للكيمياء 2026، الذي استضافته العاصمة الروسية موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
عالم الاعمال مجموعة «stc» تسهم في تسهيل رحلة ضيوف الرحمن لموسم الحج

مجموعة «stc» تسهم في تسهيل رحلة ضيوف الرحمن لموسم الحج

دعمت مجموعة «stc»، ممكن التحول الرقمي، مشاركتها شريكاً رقمياً في مبادرة «طريق مكة»، إحدى مبادرات وزارة الداخلية ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق يستثمر الفيلم في مرافق البوليفارد ليحولها إلى بيئة درامية جديدة (لقطة من الفيديو الدعائي للفيلم)

«عوو»... أول فيلم سعودي يُصوَّر بالكامل في «بوليفارد وورلد»

بدأ في الرياض، مطلع الأسبوع الحالي، تصوير الفيلم السعودي «عوو»، المعروف سابقاً باسم «البوليفارد»، في خطوة تعكس توسّع الإنتاج السينمائي المحلي

«الشرق الأوسط» ( الدمام)
شمال افريقيا لقاء مصطفى مدبولي الأربعاء مع سفير السعودية لدى مصر في القاهرة (مجلس الوزراء المصري)

مصر تشدد على عمق ومتانة العلاقات مع السعودية

شددت مصر على عمق ومتانة العلاقات التاريخية والاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
عالم الاعمال استطلاع لـ«كلاوديرا»: ثقة مرتفعة بالبيانات في السعودية رغم تحديات الحوكمة

استطلاع لـ«كلاوديرا»: ثقة مرتفعة بالبيانات في السعودية رغم تحديات الحوكمة

أظهر استطلاع حديث أجرته شركة «Cloudera» أن المؤسسات في السعودية تبدي مستويات مرتفعة من الثقة ببياناتها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

67 ألف بائع وهمي... كيف تسببت كعكة في اكتشاف أزمة خطيرة في توصيل الطعام بالصين؟

أحد العاملين في خدمة توصيل الطعام بالصين (رويترز)
أحد العاملين في خدمة توصيل الطعام بالصين (رويترز)
TT

67 ألف بائع وهمي... كيف تسببت كعكة في اكتشاف أزمة خطيرة في توصيل الطعام بالصين؟

أحد العاملين في خدمة توصيل الطعام بالصين (رويترز)
أحد العاملين في خدمة توصيل الطعام بالصين (رويترز)

أدت شكوى أحد الزبائن بشأن «كعكة مخيبة للآمال» إلى إطلاق تحقيق واسع النطاق كشف عن الآلاف من «بائعي الطعام الوهميين» في الصين، ما أسفر عن غرامات باهظة لبعض أكبر الشركات في البلاد، وسلّط الضوء على مخاطر المنافسة السعرية الشرسة، وفق ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.

وبدأ التحقيق - الذي شهد مناوشات بين المحققين وموظفي خدمة التوصيل - الصيف الماضي عندما تلقى رجل في بكين، يُدعى ليو، كعكة عيد ميلاد مزينة بزهرة غير صالحة للأكل، وفقاً لتقارير إعلامية رسمية متعددة. وطلب ليو الكعكة عبر منصة توصيل إلكترونية، ولعدم رضاه عن طلبه، أبلغ السلطات المحلية عن البائع.

وكشفت السلطات الرقابية عن سلسلة متاجر حلويات وهمية، تضمّ ما يقارب الـ400 فرع، تعمل بتراخيص مزوّرة لمتاجر الأغذية، دون وجود أيّ فروع فعلية لها.

وأدى هذا الحادث إلى تحقيق شامل على مستوى البلاد، وكشف عن شبكة توريد أغذية غير رسمية، حيث يقوم أحد التجار بتحصيل ثمن الطلب من الزبون، ثم يعرضه على منصة وسيطة ليتنافس عليه منتجون آخرون، ويتم اختيار صاحب أقل سعر لتنفيذ الطلب، مما يُعرّض جودة وسلامة الغذاء للخطر.

وذكرت وكالة أنباء «شينخوا» الرسمية أنه تم اكتشاف أكثر من 67 ألف بائع وهمي من هذا النوع، باعوا ما يزيد على 3.6 مليون قطعة كعك.

وفي مثال كشفت عنه الوكالة الصينية، دفع أحد المستهلكين 252 يواناً (35 دولاراً أميركياً) مقابل كعكة قطرها ست بوصات، لكن الطلب أُعيد بيعه سراً عبر منصة وسيطة، حيث تنافس البائعون (الخبازون) على تنفيذه بأسعار 100 و90 و80 يواناً، وفاز صاحب أقل سعر. ونتيجة لذلك، حصل البائع الوهمي على المنصة الإلكترونية على ما يقارب نصف السعر الذي دفعه المستهلك، بينما حصلت منصة التوصيل على رسوم خدمة بنسبة 20 في المائة، تاركةً للخباز الحقيقي 30 في المائة من المبلغ وهامش ربح ضئيل.

وخلصت الهيئة الصينية لتنظيم السوق في تحقيقها الأسبوع الماضي، إلى أن سبع منصات توصيل رئيسية، من بينها «PDD» المالكة لمنصة «Temu»، و«علي بابا»، و«Douyin» التابعة لشركة «ByteDance»، و«Meituan»، و«JD.com»، قد أخفقت في توفير الحماية الكافية للمستهلكين والتحقق من تراخيص بائعي المواد الغذائية بشكل صحيح.

وفرضت الهيئة غرامة قياسية بلغت 3.6 مليار يوان (نحو 530 مليون دولار أميركي) إجمالاً، وهي أكبر غرامة منذ تعديل قانون الأمن الغذائي في البلاد عام 2015، وفقاً لوكالة أنباء «شينخوا».

ووفق «سي إن إن»، يُسلّط التحقيق الذي استمر عشرة أشهر الضوء على جهود بكين الرامية إلى الحدّ من المنافسة السعرية الشديدة التي دفعت الشركات إلى حلقة مفرغة لا يمكن تحمّلها، حيث تمثّلت هذه المنافسة في خفض الأسعار على منصات التوصيل على حساب سلامة الغذاء.


السعودية تحصد 3 جوائز دولية في «أولمبياد مندليف للكيمياء 2026»

الطلاب علي باوزير ومجتبى التاروتي وعبد العزيز الجعيد يحتفلون بتحقيق الميداليات في الأولمبياد (موهبة)
الطلاب علي باوزير ومجتبى التاروتي وعبد العزيز الجعيد يحتفلون بتحقيق الميداليات في الأولمبياد (موهبة)
TT

السعودية تحصد 3 جوائز دولية في «أولمبياد مندليف للكيمياء 2026»

الطلاب علي باوزير ومجتبى التاروتي وعبد العزيز الجعيد يحتفلون بتحقيق الميداليات في الأولمبياد (موهبة)
الطلاب علي باوزير ومجتبى التاروتي وعبد العزيز الجعيد يحتفلون بتحقيق الميداليات في الأولمبياد (موهبة)

حقق المنتخب السعودي للكيمياء 3 ميداليات برونزية دولية في أولمبياد مندليف الدولي للكيمياء 2026، الذي استضافته العاصمة الروسية موسكو خلال الفترة من 15 إلى 23 أبريل (نيسان) الحالي، بمشاركة 161 طالباً وطالبة يمثلون 40 دولة.

ونال الميداليات البرونزية الثلاث الطلاب علي باوزير من إدارة تعليم منطقة الرياض، ومجتبى التاروتي من «تعليم المنطقة الشرقية»، وعبد العزيز الجعيد من «تعليم المدينة المنورة».

ورفع هذا الإنجاز رصيد السعودية، ممثلة بـ«مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع - موهبة» في هذا الأولمبياد إلى 29 جائزة دولية، منها 3 ميداليات فضية و26 ميدالية برونزية، تحققت عبر 14 نسخة منذ بدء مشاركتها فيه عام 2013.

ويُعد «أولمبياد مندليف الدولي» من أعرق وأقوى المسابقات العلمية عالمياً في مجال الكيمياء؛ نظراً لمستوى أسئلته المتقدم وآلية التنافس الدقيقة، إذ انطلقت أول نسخة عام 1967 في مدينة دنيبروبتروفسك بوصفه منافسة سوفياتية، ويُقام باللغة الروسية، وسُمّي باسم ديميتري مندليف صاحب الجدول الدوري للعناصر.

وتأتي هذه المشاركة ضمن برنامج موهبة للأولمبياد الدولي، الذي تنفذه المؤسسة بالشراكة الاستراتيجية مع وزارة التعليم؛ حيث يمر الطلبة برحلة تأهيل متكاملة تشمل منافسات وطنية وبرامج تدريبية نوعية يشرف عليها خبراء محليون ودوليون.

ويخضع الطلبة المشاركون لبرامج تدريبية مكثفة على مدار العام، تتضمن مراحل متعددة من التأهيل العلمي النظري والعملي، ومعسكرات تدريبية داخلية وخارجية؛ تهدف إلى تنمية مهاراتهم في حل المسائل الكيميائية المتقدمة، وتعزيز جاهزيتهم للمنافسة دولياً، بما يسهم في تمثيل السعودية بصورة مشرّفة في المحافل العلمية العالمية.

وتُعد «موهبة» مؤسسة رائدة عالمياً في مجال اكتشاف ورعاية وتمكين الموهوبين، إذ تعمل على تبني استراتيجية وطنية لاكتشاف الموهبة وتنميتها في المجالات العلمية ذات الأولوية الوطنية، بما يسهم في بناء مجتمع معرفي وتعزيز ثقافة الابتكار.


رينوار يلقي أشعته على ربيع باريس

في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)
في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)
TT

رينوار يلقي أشعته على ربيع باريس

في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)
في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)

لطالما اقترن اسم رسامي الثورة الانطباعية بالطبيعة، وبموسم الربيع بالتحديد، نظراً لما في أسلوبهم من ضربات بالفرشاة كأنها تعيد وضع شعاع الشمس على صفحة النهر أو تنقل مداعبة النسمات لأوراق الشجر.

ويبدو الرسام الانطباعي متمرداً على المدرسة الكلاسيكية في نقل المنظور بحذافيره إلى اللوحة. فإذا كان الفنان في عصر النهضة يقوم بدور المصور الفوتوغرافي الذي جاء فيما بعد، فإن موجة فناني المدرسة الانطباعية جرفت تلك الفكرة، وقرر روادها أن ينقلوا المنظور الذي تهجس به مشاعرهم، حتى لو لم يطابق الأصل.

أبرز رواد تلك المدرسة هو الفرنسي أوغست رينوار، وهو الذي يقيم له متحف «أورساي» للفن الحديث في باريس معرضاً كبيراً يستمر حتى 19 يوليو (تموز) المقبل. وتأتي أهميته من أن هذا العدد من لوحات رينوار لم يجتمع في مكان واحد منذ ثمانينات القرن الماضي، فقد تم تنظيم المعرض بالتعاون مع المعرض الوطني في لندن ومتحف الفنون الجميلة في بوسطن الأميركية. إنه التفاهم الجميل الذي يجعل من اللوحات الفنية بضاعة تسافر وتستعار في زمن باتت فيه أسلحة الدمار في صدارة البضائع العابرة للقارات.

من معرض «رينوار والحب... الحداثة الممتعة» في متحف «أورساي» بباريس (المتحف)

موضوع المعرض هو الحب بأشكاله المتعددة، وهو محاولة لإلقاء نظرة جديدة على الرسام الذي عُرف عنه عشقه للطبيعة قبل البشر. ويكشف لنا دليل المعرض عن أن رينوار طوّر بين عامي 1865 و1885 أسلوباً ينحرف عن المألوف الأكاديمي. جاءت لوحاته، الزاخرة بالألوان الغنية بالضوء، لتستكشف العلاقات الإنسانية في البيئات الاجتماعية الحديثة: المقاهي المفتوحة، والشرفات، والحدائق، وقاعات الرقص، بعيداً عن التصوير المثالي أو الدرامي للحب. قدّم الفنان تصويراً للتقارب والتواصل. رسم البسمة والنظرة، والإيماءة، من زاوية المتفرج لا المتلصص.

قدّم الفنان تصويراً للتقارب والتواصل ورسم البسمة والنظرة والإيماءة من زاوية المتفرج لا المتلصص (المتحف)

ففي لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق، يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش والرغبة في الحرية الجديدة لأجساد في مجتمع متغير. تابع الحفلات، واستلهم موضوعاته في واقع فرنسا في القرن التاسع عشر. تبدو لوحاته احتفاء بفرنسا اللاهية والمستريحة. وتصويراً لعلاقات رجال ونساء سعداء، أو هكذا يبدو عليهم. وجاء في دليل المعرض أن القائمين على متحف «أورساي» يرون أن هذه الأعمال تعكس طريقة مبهجة للعلاقات بين الجنسين، لكنها لا تهمل قضية التوافق بينهما، وبالتحديد نظرة الرجل للمرأة.

مرة أخرى، يعاد طرح موضوع تغيّر النظرة للفنون في ضوء المفاهيم العصرية؛ أي محاولة تطبيق مسطرة «الصواب السياسي» على نتاج عصور سابقة ومجتمعات كانت أقل تزمتاً في التعامل مع هذه المفاهيم الجديدة التي ترفض أي انتقاص لمكانة المرأة. إن رينوار لا يتوقف عند المشاهد الرومانسية، فحسب، بل يجتهد لأنْ يضع شخصياته في شبكات من التفاعلات العاطفية. نرى في لوحاته العائلات في اجتماعها، والأطفال في لهوهم، والأصدقاء في نواديهم. ليس في لوحاته مشاهد عن البؤس والتناقضات الطبقية، فهو لا يقسّم المجتمع الفرنسي إلى نبلاء وفلاحين، بل يقدم التناغم الاجتماعي، غير عابئ بشعارات المصلحين.

تبدو لوحاته احتفاء بفرنسا اللاهية والمستريحة (المتحف)

ولد بيير أوغست رينوار في مدينة ليموج، وسط فرنسا، عام 1841، وفارق الحياة في جنوب البلاد عام 1918. وسواء كان محايداً أو ثائراً، فإن لوحاته تبقى متعة للروح وللعينين في كل عصر، ومن مختلف وجهات النظر.