البحث عن الحقيقة المتوارية في أفلام داود عبد السيد

انتقد الواقع من دون شعارات

المخرج داود عبد السيد (فيسبوك)
المخرج داود عبد السيد (فيسبوك)
TT

البحث عن الحقيقة المتوارية في أفلام داود عبد السيد

المخرج داود عبد السيد (فيسبوك)
المخرج داود عبد السيد (فيسبوك)

يلقي رحيل المخرج داود عبد السيد قبل يومين الضوء على موقف صناعة السينما المصرية غير المتوازن، ما بين التجارة والفن.

مقابل 10 أفلام من نوع «الدشاش»، و«استنساخ»، و«أحمد وأحمد»، و«روكي الغلابة»، و«السلم والثعبان: لعب عيال»، و«فيها إيه يعني»، توفر السينما المصرية في عصرها الحالي فيلماً واحداً من تلك التي يمكن القول إنها مختلفة، أو تسعى إلى طرح موضوعات مهمَّة بلُغة فنية واعية.

إنها نسبة لا تكشف فقط عن التفاوت الخطير؛ بل أيضاً عن دور المنتجين المصريين في تهميش الحياة الثقافية والفنية بلا أدنى اكتراث، حباً في الإيرادات. لا أحد يريد أن ينظر إلى حقيقة أن ربح الأفلام «التجارية» ليس مضموناً، ولا إلى أنه مُطالب -وطنياً- بأن يدفع إلى الأمام أفلاماً ذات قيمة، وأن يشترك في الدفاع عن فن السينما المصرية، عوض الاستثمار في إطلاق أفلام هابطة.

خط مختلف

في عام 2022، وجد عبد السيد الذي رحل وهو في عزلة شبه كاملة، نفسه عاجزاً عن تأمين تمويل لمشروع جديد. تنقَّل بين المنتجين، ناقش وشرح، ليكتشف اتساع الهوة بين رغبته ومكانته الفنية من جهة، ومنطق السوق ورؤى المنتجين من جهة أخرى. وسواء أعلن اعتزاله لاحقاً أو فُرض عليه الأمر، فالنتيجة واحدة.

مرَّت 10 سنوات على عرض آخر أفلامه «قدرات غير عادية»، وهو فيلمه الروائي التاسع. وبعد محاولات متكررة لإنجاز فيلم عاشر، اختار الاكتفاء بما قدَّمه، معلناً اعتزاله قبل 3 سنوات. قوبل القرار بمزيج من الأسف والإنكار، قبل أن يطويه زمن سريع الإيقاع، وعصر الاتصالات الذي نحياه.

كان داود عبد السيد من القِلَّة التي امتلكت موهبة حقيقية وفرادة أسلوب، مع مضامين نابعة من رؤيته الخاصة. أفلام تحترم الجمهور لكنها لا تهادنه. منذ «الصعاليك» (1985)، و«الكيت كات» (1991). شقَّ لنفسه موقعاً قريباً من الجمهور، مع إصرار واضح على تقديم أعمال أعمق وأكثر طموحاً من السائد.

بحث عن واقع بلد

لقطة من فيلم «الكيت كات» (الشركة العالمية للتلفزيون والسينما)

على الرغم من محدودية عدد أفلامه، رسَّخ عبد السيد مكانة مستحقَّة منذ عمله الأول «الصعاليك». ويعود ذلك إلى أسلوبه الخاص في معالجة الموضوعات: كاميرا تتتبَّع الحالات بصبر، وسرد هادئ الإيقاع، وتوتُّر محسوب يظهر عند الضرورة، كما في «أرض الخوف».

شخصياته مصرية بطبيعتها، ولكنها تتنفس هواءً مختلفاً. في معظم أفلامه، تتحول هذه الشخصيات إلى أدوات للبحث عن واقعها وواقع البلد، وإلى مفاتيح لأسئلة أوسع. أبطاله غرباء في أرض غير غريبة. وكما يقول «سيد مرزوق» (علي حسنين) لـ«يوسف كمال» (نور الشريف) في «البحث عن سيد مرزوق»: «إنت إنسان غريب... موجود وفي الوقت نفسه مش موجود».

الأعمى البصير

بعد «الصعاليك»، قدَّم «الكيت كات» و«البحث عن سيد مرزوق» (1991)، ثم «أرض الأحلام» (1993)، و«سارق الفرح» (1995)، و«أرض الخوف» (2000)، و«مواطن ومخبر وحرامي» (2001).

توقَّف 9 سنوات قبل أن يعود بـ«رسائل البحر» (2010)، ثم غاب 5 سنوات أخرى ليقدِّم «قدرات غير عادية» (2015).

كل فيلم من هذه الأعمال يتَّسم بأسلوب هادئ ينقِّب عمَّا وراء الموضوع، حتى حين يكون خيالياً، كحال «قدرات غير عادية».

أفلامه لا تدَّعي الواقعية، ولكنها تغوص في الواقع بعمق. في «أرض الخوف» كشف المخرج عن حالات ونماذج بشرية واجتماعية من دون وعظ أو خطابة. يبدأ كل شيء عندما يقبل «الضابط يحيى» (أحمد زكي) أن يخلع شخصيته تلك ويرتدي غيرها. و«غيرها» هذه ليست أي شخصية متوارية ولا كناية عن التخفي تحت قناع أو اسم جديد فقط. عليه أن يصبح شخصية بديلة بكاملها. لا محطات للتوقف، ولا رجوع، ولا حرية العودة إلى أصله، لا من حين لآخر، ولا في أي مستقبل منظور.

أحمد زكي في «أرض الخوف» (آي إم دي بي)‬

على «يحيى» (أحمد زكي) أن يصبح «أبو دبُّورة» جسداً وسلوكاً وقناعة. والمخرج حرص على تمييز فيلمه، على هذا الصعيد، بتفعيل كيفية هذا الانتقال من شخص بهوية مرموقة إلى شخص كلما مضى في تأدية المطلوب منه (الدخول في العالم السفلي لتجارة المخدرات) فقد هويَّته الأولى إلى حد الذوبان.

في «الكيت كات» (اسم الحي الذي تقع فيه الأحداث) جسَّد عبد السيد حالة من الذوبان الذاتي في البيئة المعبِّرة عن المجتمع التحتي. صحيح أن مشاهدة بطله «الشيخ حسني» (محمود عبد العزيز) يقود دراجة رغم عماه، ألهبت نقاداً وجمهوراً؛ لكن النفاذ من تصوير هذه الحالة الواردة في ذلك المشهد لما وراءه أمر ضروري. في صلبه هو مشهد يعكس رغبة الإنسان في التعايش مع واقعه بحرية، وقدرته على ذلك لو أراد. تحدٍّ كبير؛ لا ضد المعوِّق المتمثل في فقدان البصر؛ بل لعالم لا يرى «الشيخ حسني» إلا كأعمى.

لتقريب اختلاف «الشيخ حسني» عن الآخرين، فهو -حسب رواية الراحل إبراهيم أصلان- ليس شيخاً فعلياً. إنه يسمح لنفسه بالقيام بما لا يصح لشيخ آخر القيام به (جلسات نميمة ومخدرات)؛ لكن الطريقة التي يتعامل بها المخرج مع هذه الشخصية ليست طريقة «شعبية» لتهييج الناس وبيعهم شخصية من الحارة المصرية، بقدر ما هي تعليق على وضع وتوظيف الشيخ للكشف عن خطايا وفضائح رنَّانة.

مجهر غامض

«قدرات غير عادية»

يختار عبد السيد في آخر فيلم له (قدرات غير عادية)، منحى آخر للتعامل مع شؤون المجتمع المصري. موضوع كان قد تطرَّق إليه في «البحث عن السيد مرزوق» و«أرض الخوف» و«مواطن ومخبر وحرامي» و«رسائل البحر»، وهو موضوع البحث عن الذات وسط متاعب الفرد في مجتمعه، وتصوير ذلك المجتمع كعالم متعدد الظلمات.

ومع أن فيلمه الأخير منصَبٌّ على فكرة تناول موضوع أولئك المتميِّـزين بقدرات غير عادية، مثل توقع أن يحدث شيء فيحدث، أو مثل النظر إلى الشيء البعيد فيقترب، أو تحريك الأشياء في الهواء، وسواها، فإن السبب لا يزال بحث فرد عن هويته غير المستقرة.

المنطلق بدوره ما زال واحداً: مهمَّة تُسنَد إلى رجل لدخول عالم مغلق والبحث فيه، حتى وإن لم يكن من المحتمل العودة منه. خلال ذلك، تضيع هوية الباحث الأصلية، ولا يتمكَّن من البديلة. ينطلق الفيلم من فكرة قيام «الباحث يحيى» (خالد أبو النجا) بطرق باب لا يستطيع استيعاب ما وراءه، ومن ثم دخوله عالماً يتحوَّل فيه إلى مجرد أداة تحت مجهر غامض. في ذلك هو مثل شخصية «يحيى» في «أرض الخوف» مع اختلاف الحكاية التي تلج به إلى هذا الوضع.

تحمل بداية «قدرات غير عادية» رنَّة من بعض الأعمال الماضية. في الدقيقة الأولى يُطلب من «يحيى» أن يواصل العمل على بحثٍ كتَبه عن الأشخاص الذين يتمتعون بتلك القدرات الفائقة غير الطبيعية، ما يذكِّرك بمطلع «مواطن ومخبر وحرامي» (الذي مثَّله أيضاً أبو النجا) عندما يُمنح بطلُه وقتاً غير محدد للغياب عن العمل والنزول إلى الشارع، ليستكشف أمر الناس وينقل معلومات عنهم.

الطلب هنا هو نوع من منحه تذكرة ليذوب ويغيب. أول ما يفعله بعد أن أخبره مديره أن عليه أن يأخذ إجازة «وما تورنيش خلقتك لشهر» هو النزوح إلى بنسيون يقع على مقربة من مدينة الإسكندرية؛ حيث يستأجر غرفة ليعيش، (ونظرياً لكي يقرأ ويدرس). يكتشف أن صاحبة البنسيون الجميلة والجيدة (نجلاء بدر) وابنتها «فريدة» (مريم تامر) تملكان قدرات غير عادية بدوريهما. الأولى -مثلاً- تستطيع أن تتنبأ بقدومه إلى الإسكندرية وملاقاته فيها حتى من دون موعد متَّفق عليه. والثانية تستطيع أن تحرِّك الأشياء من مكانها. هذا ما يدخل في صميم بحثه، ولكن بحثه ليس علمياً. يترك «يحيى» نفسه ينساب إلى عالمهما من دون كوابح. يصبح جزءاً من حالة عامَّة، ويكتشف أنه تحت المرصاد، وأن هناك رجل أمن على قدر كبير من التأثير في مجريات الأمور، اسمه «عمر» (عباس أبو الحسن) كان يموِّل بحوثه ويدير الجهاز الذي يريد التعرُّف على من يمتلكون مثل تلك الطاقات العجيبة.

شرط المعرفة

لا يتطلب الأمر بحثاً طويلاً لإدراك أن نوعية الشخصيات التي أثارت اهتمام داود عبد السيد في معظم أفلامه، هي تلك التي ترضى التخلي عن واقع كشرط لمعرفة الحقيقة، فإذا بها لا تستطيع العودة إلى ذلك الواقع، ولا إلى معرفة الحقيقة.

أفلامه هي رحلات في النفس، حتى عندما يختار معالجة موضوع طبيب يقرر ترك المهنة التي درسها ومارسها لأخرى تتمتع بحرية أوسع، وهي الصيد؛ هذا ورد في فيلمه قبل الأخير «رسائل البحر» منضمّاً إلى تلك الشخصيات التي تنطلق من نقطة وتنتهي في نقطة أخرى.

سينما عبد السيد انطلقت في الفترة الصحيحة؛ حيث كان لا يزال في الجوار محمد خان (الذي تعرَّض بدوره إلى البطالة، بسبب عدم عزف أفلامه ألحان المنتجين) وخيري بشارة، ورضوان الكاشف، ومحمد ملص (في سوريا)، وبرهان علوية (في لبنان)، ونوري بوزيد (في تونس)، وعدد آخر توزَّع فوق الخريطة العربية. أمثاله -وتبعاً لقول الشاعر الأميركي روبرت فروست في «The Road Not Taken»- مشوا في الطريق الأقل سيراً.


مقالات ذات صلة

بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

يوميات الشرق تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

قالت المخرجة الماليزية - الأميركية بوه سي تنغ إن الدافع وراء فيلمها «أميركان دكتور» (American Doctor) كان استجابة شخصية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)

سوسن قاعود: النجاة من الحرب ليست نهاية القصة

يرصد فيلم «غزة غراد» تجربة الناجين من الحرب بعد مغادرتهم غزة، كاشفاً التحولات النفسية والإنسانية العميقة التي يعيشونها بين الفقد، وبناء حياة جديدة في المنفى.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)

6 أوسكارات لـ«معركة بعد أخرى»

لم تكن هناك مفاجآت كبيرة ليلة الأحد عندما أُعلن عن الفائزين بجوائز «الأوسكار» في الحفل الـ98، فمعظم الأفلام التي كان متوقعاً فوزها في وسائل التواصل والصحف فازت

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق صوَّرت المخرجة الإسبانية فيلمها في لبنان (الشركة المنتجة)

إرينه بارتولوميه: انفجار مرفأ بيروت دفعني لصناعة «حلم صيف آخر»

قالت المخرجة الإسبانية إرينه بارتولوميه إن فيلمها «حلم صيف آخر» جاء نتيجة تجربة شخصية عميقة عاشتها أثناء إقامتها في بيروت، متحدثة عن علاقتها بالمدينة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المخرج والمنتج السينمائي الأميركي رايان كوغلر (أ.ف.ب)

«معركة بعد أخرى» يحصد ستة أوسكارات

معظم الأفلام التي كان متوقعاً فوزها في وسائل التواصل والصحف فازت بالفعل، وكذلك معظم المرشحين من المخرجين والممثلين وأبناء المهن المختلفة.

محمد رُضا (لندن)

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)
ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)
TT

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)
ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

تعدّ «الحوامة» مشهداً اجتماعياً يعيد للأذهان دفء الأحياء القديمة، وبدأت فعالياتها التي انتشرت مؤخراً في أحياء عديدة بالعاصمة السعودية الرياض خلال العشر الأواخر من شهر رمضان، مع تنوع تشهده بين حي وآخر في الميزات المختلفة، والمظاهر الجاذبة.

وعلى الرغم من وجود إحدى فعاليات «الحوامة» في حي حطين (شمال الرياض) أثناء تصدِّي وزارة الدفاع السعودية لـ4 صواريخ باليستية أُطلقت باتجاه العاصمة، أُقيمت «الحوامة» في الحي ذاته بمشاركة العوائل، والأطفال الذين جابوا البيوت طلباً للحلوى وسط أجواء يغمرها الفرح والبساطة، ويسودها الأمن والاستقرار.

ونظّمت مؤسسة الحوامة هذه الفعالية، التي انطلقت عام 2015 كمبادرة بسيطة بين جيران الحي، وتحولت مع مرور السنوات إلى تجربة مجتمعية ينتظرها كثيرون كل عام.

ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

وترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد، وارتبطت هذه المناسبة بعادات الجيران وتقاربهم، قبل أن تتراجع ممارستها مع تغير أنماط الحياة، غير أن إحياءها في مدينة الرياض جاء بدافع من مجموعة من سكان المنطقة لإعادة هذه العادة إلى الواجهة، والحفاظ على هذا الموروث الشعبي من الاندثار، وتلقت توسعاً تدريجياً عاماً بعد آخر.

وقالت نجلاء المنقور، المديرة التنفيذية لـ«الحوامة»، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «الهدف من الفعالية لا يقتصر على الترفيه فقط، بل يمتد إلى إحياء الموروث الشعبي وتعريف الأجيال الجديدة به، إضافة إلى تعزيز روح الجيرة والتواصل الاجتماعي، خصوصاً في ظل تراجع هذه المظاهر في الحياة اليومية».

وأضافت المنقور أن «رسوم المشاركة، البالغة نحو 185 ريالاً (49 دولاراً)، تمثل مساهمة مجتمعية لدعم إقامة الفعالية، في غياب الرعايات الرسمية»، مشيرةً إلى أنها «تُستخدم لتغطية تكاليف التنظيم، بما في ذلك تجهيز الشوارع، وتركيب الإنارة والزينة، وإعداد أكياس الحلوى والأنشطة المصاحبة، بما يضمن تجربة آمنة ومنظمة للأطفال».

تحولت «الحوامة» من مبادرة محلية صغيرة إلى فعالية سنوية تستقطب العائلات (تصوير: تركي العقيلي)

وشهدت «الحوامة» منذ انطلاقتها إقبالاً متزايداً، إذ تحولت من مبادرة محلية صغيرة إلى فعالية سنوية تستقطب العائلات، ويتم خلالها توزيع الحلوى على الأطفال والعروض الترفيهية والثقافية المرتبطة بالتراث الشعبي، بالإضافة إلى الشوارع المزينة بالأنوار.

وبحسب المنقور، يحرص كثيرون على تكرار التجربة لما تحمله من أجواء تراثية واجتماعية مميزة، لكن تنظيم الفعالية لا يخلو من التحديات، حيث يحمل كثيراً من الجهد المطلوب لإقامتها سنوياً، ومع ذلك، يواصل فريق عمل المؤسسة الحفاظ على هذا التقليد وإحياءه بروح معاصرة.

وأكدت نجلاء حرصها على إقامة «الحوامة» في كل عام، واستيفاء التراخيص اللازمة من «أمانة الرياض»، إيماناً منها بأهمية استمرار هذا الموروث، مُنوِّهة أنه رغم التحديات، فإن الحماس الذي تبديه الأطفال والعائلات يدفعها إلى مواصلة العمل سنوياً بإصرار وشغف، وتسعى لتطوير الفعالية تدريجياً في السنوات المقبلة، مع الحفاظ على طابعها التراثي.


بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الماليزية - الأميركية بوه سي تنغ إن الدافع وراء فيلمها «أميركان دكتور» (American Doctor) لم يكن مشروعاً سينمائياً تقليدياً بقدر ما كان استجابة شخصية لما كانت تراه يحدث في غزة. فبصفتها أميركية من أصول ماليزية تعيش في الولايات المتحدة، تابعت مرور عام كامل من الحرب من دون أن يتغير شيء تقريباً، وهو ما ترك لديها شعوراً بالعجز، ودفعها إلى البحث عن طريقة لفعل شيء ما، حتى قبل أن تتضح ملامح الفيلم أو شكله النهائي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التفكير في القصة قادها في النهاية إلى عالم الأطباء، باعتبار أن هناك مبادئ إنسانية يمكن أن يلتقي حولها الجميع بغض النظر عن المواقف السياسية، مثل فكرة أن المستشفيات لا يجب أن تُقصف وأن العاملين في القطاع الصحي لا ينبغي أن يتحولوا أهدافاً، ومن هنا جاءت فكرة متابعة أطباء أميركيين يعملون في المجال الطبي الإنساني داخل غزة بوصفها مدخلاً مختلفاً لفهم ما يحدث.

اختارت المخرجة تسليط الضوء على التحديات التي تواجه الأطباء (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم الوثائقي «أميركان دكتور» الذي عُرض للمرة الأولى أوروبياً في مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» الحرب على غزة من داخل المستشفيات، متتبعاً رحلات ثلاثة أطباء أميركيين إلى القطاع يختلفون في الخلفية والانتماء، لكنهم يلتقون في مواجهة المأساة الإنسانية داخل غرف الطوارئ والعمليات، ومن خلال هذه الرحلات ينكشف حجم الدمار الذي أصاب النظام الصحي في غزة، والصعوبات التي يواجهها الأطباء في إيصال ما يرونه إلى العالم.

وأكدت أنها اختارت بناء الحكاية على 3 شخصيات رئيسية، الطبيب الفلسطيني - الأميركي ثائر أحمد، والطبيب اليهودي الأميركي مارك بيرلماتر، والطبيب الأميركي من أصول زرداشتية فيروز سيدوا، لرؤيتها أن اختلاف خلفياتهم الدينية والثقافية يمنح القصة بعداً أوسع؛ إذ يلتقون جميعاً حول فكرة الدفاع عن حقوق الإنسان والعمل الطبي الإنساني رغم تباين تجاربهم وهوياتهم.

وتشير المخرجة الأميركية إلى أن العمل على الفيلم لم يكن سهلاً في بداياته؛ إذ جاء في مناخ أميركي يتسم بالحذر الشديد فيما يتعلق بالتعبير العلني عن دعم حقوق الفلسطينيين؛ وهو ما أثار لديها تساؤلات حول معنى الإيمان العالمي بحقوق الإنسان، ولماذا يبدو أن هذا المبدأ لا يُطبَّق دائماً عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، لافتة إلى أنها لامست هذه المفارقة حتى في حياتها اليومية في نيويورك، حيث تعيش وتعمل وسط مجتمع متنوع الثقافات.

عُرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» (الشركة المنتجة)

وأوضحت أن التحدي الأول كان نفسياً أيضاً؛ إذ لم تكن تجد اللغة المناسبة للحديث عن هذه القضية، لكن اللقاء بالأطباء الثلاثة فتح أمامها طرقاً مختلفة لفهمها والتعبير عنها؛ لأن لكل واحد منهم أسلوبه الخاص، بين الصراحة المباشرة، والمقاربة السياسية الهادئة، والاعتماد على البحث والحقائق لإقناع الجمهور.

وأشارت إلى تشكّيل دعم فريق العمل عاملاً أساسياً في استمرار المشروع، خصوصاً من المنتجة الفلسطينية ريم حداد والمنتجة كريستينا بارفورد، اللتين حافظتا على زخم العمل حتى في اللحظات التي بدا فيها المشروع صعباً أو غير واضح المسار.

وأوضحت المخرجة الأميركية ذات الأصول الماليزية أن اختيار أطباء من خلفيات دينية مختلفة لم يكن مجرد رسالة رمزية حول رفض قتل الأبرياء، بل محاولة لفهم كيفية تفاعل أفراد من هويات متنوعة مع القضية الفلسطينية داخل المجتمع الأميركي، من تجربة الفلسطينيين الأميركيين الذين يدافعون عن شعبهم في غزة، إلى الأميركيين من أصول يهودية الذين يعارضون الحرب ويجدون أنفسهم أحياناً في موقع حساس، وصولاً إلى أشخاص لا ينتمون إلى أي من هاتين الخلفيتين، لكنهم يتبنون موقفاً إنسانياً واضحاً.

وأشارت إلى أن حضور الفريق الفلسطيني في الفيلم حظي بأهمية خاصة بالنسبة إليها؛ إذ لم يكن ممكناً إنجاز المشروع من دون مشاركة فلسطينية حقيقية. فعلى الرغم من متابعتها للقضية الفلسطينية منذ طفولتها في ماليزيا، حيث يحضر الوعي بها بقوة، فإنها كانت تدرك أن صناعة فيلم عن فلسطين من دون مشاركة فلسطينية قد تقود إلى أخطاء كبيرة.

ولفتت إلى أن العمل اعتمد بدرجة كبيرة على طاقم داخل غزة، من بينهم مدير التصوير إبراهيم العطلة والمنتج المشارك محمد صواف، اللذان عملا في ظروف شديدة الخطورة لتوثيق ما يجري على الأرض. وقد جاء إنجاز الفيلم نتيجة مباشرة لجهود هؤلاء الذين خاطروا بحياتهم من أجل نقل القصة إلى العالم.

المخرجة الماليزية (الشركة المنتجة)

وتطرقت إلى الصعوبات التي واجهتها في العمل، مشيرة إلى أنها توقعت في البداية صعوبة كبيرة في الحصول على دعم لمشروع يتناول فلسطين بهذه الزاوية داخل الولايات المتحدة؛ الأمر الذي دفعها إلى الاستقالة من عملها مديرةً إبداعية في أحد الاستوديوهات السينمائية والاعتماد على مدخراتها الشخصية لبدء العمل. لكن بعد أشهر عدة بدأت المنح والتبرعات تصل من جهات مختلفة في الولايات المتحدة وماليزيا وغيرها، في مؤشر بالنسبة إليها على رغبة كثيرين حول العالم في رؤية نهاية لما يحدث.

وأضافت أنها استغرقت في مرحلة المونتاج نحو 11 شهراً، وكان الهدف الأساسي إدخال المشاهدين إلى عالم الأطباء الثلاثة، خصوصاً الجمهور الأميركي الذي ربما لم يفكر كثيراً في القضية الفلسطينية من قبل، بعدما بدت شهادات الأطباء مدخلاً مهماً؛ لأن الناس عادة لا يشككون في صدقية الأطباء أو في حق المستشفيات في أن تكون أماكن آمنة.

وعدَّت أن التحدي الأكبر خلال العمل كان إنسانياً أكثر منه فنياً؛ لأن جزءاً من فريق الفيلم كان يعيش داخل غزة خلال الحرب. وحتى لحظة عرض الفيلم في مهرجانات سينمائية التي شكّلت محطة مهمة في مسيرته، ظل التفكير حاضراً في الزملاء الذين بقوا في غزة ولم يتمكنوا من حضور العرض؛ إذ كان التواصل معهم يجري أحياناً عبر الهاتف فقط.


محمد سيد بشير: «الست موناليزا» مستوحى من قصة حقيقية

المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)
المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)
TT

محمد سيد بشير: «الست موناليزا» مستوحى من قصة حقيقية

المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)
المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)

تحدث المؤلف محمد سيد بشير عن كواليس كتابته مسلسل «الست موناليزا»، الذي عُرض في موسم الدراما الرمضاني الحالي، وحقق جدلاً وحضوراً لافتاً، مؤكداً أن «الفكرة بدأت من رغبته في تقديم قضية لها علاقة بالمرأة، وأن هذا الشعور نتج من الحكايات التي تدور من حوله أو اطلع عليها عامة»، كما تحدث بشير عن علاقته بالمخرج محمد سامي، وتفاصيل الأيام الأخيرة من تصوير «الست موناليزا»، خصوصاً بعد وفاة والد الفنانة مي عمر بطلة العمل.

وقال محمد سيد بشير، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت حكاية (الست موناليزا) عندما تم التوافق بيني وبين الفنانة مي عمر على طرح قضية تخص المرأة، وشعرنا أن أحداث (الست موناليزا) هي هدفنا المشترك لتنفيذ الفكرة».

يذكر أن مسلسل «الست موناليزا»، مستوحى من قصة حقيقية، حسبما أكد الكاتب محمد سيد بشير، من بطولة مي عمر، وأحمد مجدي، وشيماء سيف، وسوسن بدر، ومحمد محمود، ومصطفى عماد، وإنجي المقدم، ومحمود عزب، ووفاء عامر، وإخراج محمد علي.

ويصف بشير الفنانة مي عمر بأنها «فنانة محترفة ومهنية جداً، ومن أمهر مَن عملت معهم في الدراما، فهي دؤوبة بشكل لا يوصف، وقبل بداية التصوير جمعتنا جلسات عمل مطولة فيما يتعلق بكل تفاصيل السيناريو، وهذا أفاد الشخصية التي خرجت للناس طبيعية على الشاشة ونالت إعجابهم».

الملصق الترويجي لمسلسل «الست موناليزا» (الشركة المنتجة)

وعن تعمده جذب الناس واستفزازهم عبر إظهار البطلة ساذجة وغبية أحياناً، أوضح بشير أنه عرض الشخصية بكل تفاصيلها، مضيفاً: «لدينا فئات بالمجتمع لا تملك الوعي الكافي، و(موناليزا) كانت طيبة، وليس لديها إدراك بالشخصيات السامة بالمجتمع، ولم تكن ساذجة كما يقال، لذلك كانت ضحية لهم».

ويستكمل بشير حديثه قائلاً: «(موناليزا) كانت تملك مشكلة فقد أسرتها منذ الصغر، ولذلك كانت متعلقة بكل مَن تحبهم وقلقة من فكرة ابتعادهم، وعندما أحبت (حسن) كان لديها هذه الأزمة ولم تكن ترغب في فقدانه، وبالتالي كانت تصدقه وتجد له مبررات طوال الوقت، وهذا الأمر استفز الجمهور الذي يرى المشكلة من منظوره ومدى وعيه وتربيته، ولا يعرفون أن هناك شخصيات بهذا الشكل فعلاً، ويملكون هذا الشعور»، مؤكداً أن الطيبة هي السبب في إيصال بعض الفتيات لمثل هذا المصير والتدمير المعنوي.

وعن استعانته أو تأثره أثناء الكتابة ببعض أبطال حوادث حقيقية شهيرة انتشرت أخيراً على «السوشيال ميديا» من بينها حادث «عروس المنوفية»، خصوصاً شخصيتي «الحماة والزوج»، نفى محمد سيد بشير هذا الأمر، مؤكداً أن «نهاية القصة الحقيقية التي استوحى منها (الست موناليزا) كانت أسوأ مما شاهده الناس، وأن هذا النوع من القصص كثير جداً، فقد عرض علينا بعد المسلسل أسوأ من ذلك وأتمنى ألا يخوض أحد مثل هذه التجربة مطلقاً».

كواليس مسلسل «الست موناليزا» (فيسبوك)

وكشف المؤلف المصري أن نهاية العمل كانت مكتوبة منذ البداية وقبل التصوير، ولم يحصل تعديلات أثناء العرض مثلما يعتقد البعض، مضيفاً: «عندما حدثت أزمة وفاة والد مي عمر، كان قد بقي 3 أيام تصوير ومروا بصعوبة بالغة، ولكن في حقيقة الأمر مي عمر كانت بطلة وقوية، وعلى قدر المسؤولية لاستكمالها التصوير في هذه الظروف، وعلى الرغم من قسوة الموقف لكنها عبرت بالعمل وفريقه لبر الأمان».

وعن حديث البعض عن وجود تدخلات مستمرة بالعمل من ناحية المخرج محمد سامي زوج الفنانة مي عمر، قال بشير إن «المخرج محمد سامي بالنسبة لي (الأب الروحي) وأول عمل لي ضمن ورشة كان من إخراجه، ولم أرَ منه أي تدخلات في (الست موناليزا) بل كان يعطينا رأيه ونتناقش معه ويدعمنا طوال الوقت، كما أنني حريص على التواصل معه دوماً للحديث عن أعمالي»، لافتاً إلى أن «السوشيال ميديا»، بالغت في هذا الجانب، خصوصاً أنه العمل الأول لمي عمر بعيداً عن محمد سامي سواء في الإخراج أو الكتابة.

ونفى محمد سيد بشير أن يكون المؤلف في أي عمل هو العامل الأساسي في تغيير جلد الفنان وتقديمه على الشاشة بشكل مختلف، مؤكداً أنه من أنصار العمل الجماعي، وأن جميع صناع العمل الدرامي يفضلون التغيير عادة، كما أن فريق (الست موناليزا)، كان يرغب في تقديم دراما مختلفة تنال رضا واستحسان الناس».