«بين ضفّتين» من الأزرق: فاديا أحمد تُحوّل المتوسّط إلى جغرافيا نفسية

معرض بيروتي يُحاكي الانتماء والذاكرة عبر البحر واللون

طبقات من الأزرق تترك للعين أن تُكمل الحكاية (فاديا أحمد)
طبقات من الأزرق تترك للعين أن تُكمل الحكاية (فاديا أحمد)
TT

«بين ضفّتين» من الأزرق: فاديا أحمد تُحوّل المتوسّط إلى جغرافيا نفسية

طبقات من الأزرق تترك للعين أن تُكمل الحكاية (فاديا أحمد)
طبقات من الأزرق تترك للعين أن تُكمل الحكاية (فاديا أحمد)

بين ضفّتين، لا يقف الإنسان دائماً على اليابسة. أحياناً يقف في الماء وفي المسافة التي لا تُعرَّف، حيث لا يكون الانتماء قراراً واضحاً. في هذا الوقوف المُراوغ، يتحوَّل الانتماء إلى حالة مُتقلّبة تتبدَّل مع الضوء والذاكرة ومع تغيُّر الأزرق نفسه. في معرضها الجديد، تفتح الرسّامة فاديا أحمد هذا الفضاء الأزرق، وتدع الزائر يعبُره بهدوء من دون أن تفرض عليه اتجاهاً أو تفسيراً جاهزاً.

الأزرق مسافة تُقطع بالنظر قبل أن تُقطع بالذاكرة (فاديا أحمد)

في الأعمال المعروضة، لا يظهر الأزرق لوناً جمالياً أو خياراً شكلياً. إنه حيّز نفسي يتكرَّر لأنه يعود، وذاكرة لا تتوقَّف عن إعادة طرح نفسها. تقول فاديا أحمد لـ«الشرق الأوسط» إنّ الأزرق، بالنسبة إليها، «أكثر من لون. هو مساحة للتنفُّس وذاكرة لا تخبو، ومجال بين ما عشتُه وما لا أزال أبحث عنه». تكراره في الأعمال عودة دائمة إلى نغمة قديمة تظهر في لحظة جديدة، كأنّ اللون نفسه يتحرّك مع الزمن وليس خارجه.

هذا الأزرق لا يسعى إلى ابتكار لغة بصرية جديدة، بقدر ما يكشف عن لغة كامنة فيه لا تظهر إلا حين يتوقَّف المُتلقّي عن البحث عن المعنى المباشر، ويترك للصورة أن تتكلَّم بإيقاعها الخاص. في اللوحات التي تُحاكي البحر والسماء والماء المفتوح، لا حدود واضحة ولا خطوط فاصلة حادّة. كلّ شيء في حالة عبور. فالضوء ينساب والظلال تتداخل والمسافة بين الأعلى والأسفل تصبح سؤالاً بصرياً أكثر منها تركيباً هندسياً.

بحر بلا ضفاف واضحة كأنّ المكان يتردَّد في أن يكون وطناً (فاديا أحمد)

عبارة «بين ضفّتين» التي تحضر في عنوان المعرض، توصيف لحياة معيشة بين أماكن متعدّدة، بين لبنان وإسبانيا وأفريقيا، وبين الذاكرة والمنفى، وما تُرك خلفاً وما لا يزال يُحمَل في الروح. هذا العبور اليومي، كما تقول الفنانة، جعل نظرتها إلى العالم أقل يقيناً وأكثر إنسانية. فالانتماء، في تجربتها، حركة دائمة لردم المسافات، في الصورة كما في الذات.

من هنا، يمكن قراءة المعرض على أنه محاولة لإعادة التفكير في معنى الانتماء. هو عند فاديا أحمد ليس مفهوماً فكرياً أو تعريفاً نظرياً. إنه تجربة حسّية تصعب تسميتها. الانتماء، كما تراه، يتجاوز كونه مكاناً وشعوراً واضح الحدود، ليغدو توقاً واهتزازاً داخلياً. المعرض يدعو إلى الغوص في هذا الإحساس من دون وصاية.

هنا يتحوَّل المتوسّط من جغرافيا إلى حالة نفسية. البحر في الصور سكون وعمق، خوف وانفتاح، احتواء وقلق. هو، كما تصفه الفنانة، جغرافيا روحية ترى فيها حالات وجود. في بعض الأعمال، يبدو البحر أشبه برحم كونية، تحتضن أكثر مما تفصل وتجمع ما يبدو متناقضاً في الظاهر.

المتوسّط حالة نفسية أكثر منه جغرافيا (فاديا أحمد)

السؤال عن العودة حاضر بقوة. العودة هنا إلى مكان وعودة إلى الذات. وتكاد الفنانة ترى أنّ المحاولتين متداخلتان إلى حدّ يصعب فصلهما. فكلّ محاولة للعودة إلى الوطن تقود إلى مواجهة الذات، وكلّ محاولة لفهم الذات تُعيد طرح سؤال المكان. غير أن استعادة الذات في نظرها هي الأصعب، لأنها تتطلَّب شجاعة يومية وعملاً داخلياً لا ينتهي.

حين يغيب البشر تظلّ آثارهم عالقة في الضوء والفراغ (فاديا أحمد)

على مستوى الزمن، لا تتعامل فاديا أحمد مع الصورة على أنها أداة لتجميد اللحظة. تراها وسيلة لتفكيكها وإعادة ترتيبها. التصوير، بالنسبة إليها إعادة بناء الوقت. اللحظة المُصوَّرة شظايا زمنية يُعاد جمعها بطريقة تتيح رؤيتها بوضوح أكبر. من هنا، تحمل الصور إحساساً بالزمن المُعلَّق، كأنها لا تنتمي إلى لحظة واحدة، وإنما إلى سلسلة من اللحظات المُتشابكة.

صورة تُعيد ترتيب زمن اللحظة (فاديا أحمد)

ورغم غياب الأشخاص عن معظم الأعمال، لا يبدو المعرض خالياً من الحضور الإنساني. على العكس، تكمن إنسانيته في الأثر والفراغ، وفي المساحات التي تركها البشر خلفهم. فالصورة، كما ترى الفنانة، تصبح إنسانية حين تحمل نَفَساً، حتى وإن غاب الجسد. وأحياناً، يكون الغياب أكثر كثافة من الحضور وأكثر قدرة على استدعاء التجربة الإنسانية العميقة.

لا بداية واضحة ولا نهاية مؤكدة (فاديا أحمد)

معرض «بين ضفّتين» مساحة تتيح التأمُّل في العبور والانقسام والشعور الغامض بأنّ الإنسان يعيش دائماً بين مكانَيْن ويحمل كليهما في قلبه. يُقام في «نو شيف إنْ ذا كتشن» بمنطقة الصيفي البيروتية، ويقترح على زائره أن يتوقّف قليلاً وينظر، فيسمح للأزرق بأن يقوده إلى داخله.


مقالات ذات صلة

«ابن الوز عوّام» لاكتشاف مواهب أبناء الرسامين بمصر

يوميات الشرق من أعمال كرمة عمرو في المعرض (الشرق الأوسط)

«ابن الوز عوّام» لاكتشاف مواهب أبناء الرسامين بمصر

يُحيل عنوان المعرض القاهري «ابن الوز عوام» إلى المثل الشعبي الشهير، لكنه يوظفه هذه المرة في حقل الفن التشكيلي.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق هوانغ يولونغ حوّل الـ«Hoodi» إلى رمز فلسفي (الصور من موقع الفنان)

شخصيات تقف على خط تماس بين معبد قديم ومحطة مترو

هناك من المعارض ما يجعلك تشعر بأنك أمام فن مختلف. وبالأحرى أمام فن شبابيّ. هذا هو الحال مع النحات الصيني هوانغ يولونغ ومعرضه المقام في باريس حالياً.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق لا أحد يعرف متى يتحوَّل الأثر سيّداً على صانعه (مايا آرت سبيس)

ريّا متّى تُعيد كتابة سيرة القميص الأبيض

القميص كلّما كَبُر، انحسر الجسد. وكلّما تكرَّرت أشكاله وتراكمت، فَقَدَ الفرد موقعه في التكوين...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق الأرشيف البصري يبدأ من عين رأت لبنان ولم تنسه (متحف فيليب جبر)

متحف فيليب جبر... أرشيف بصري يروي تاريخ لبنان

في كلّ زاوية لوحة، وخلف كلّ لوحة حكاية سفر أو مزاد أو بحث طويل...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق يستعرض المعرض مجموعة نادرة من شواهد القبور المصنوعة من حجر البازلت الأسود البركاني (الشرق الأوسط)

معرض سعودي يستكشف أسرار الحضارات المكتوبة على الصخور

بين جبال طويق، ونقوش نجران الضاربة في التاريخ، تختزل الصخور حكاية الوجود البشري والجيولوجي على أرض الجزيرة العربية.

عمر البدوي (الرياض)