«بين ضفّتين» من الأزرق: فاديا أحمد تُحوّل المتوسّط إلى جغرافيا نفسية

معرض بيروتي يُحاكي الانتماء والذاكرة عبر البحر واللون

طبقات من الأزرق تترك للعين أن تُكمل الحكاية (فاديا أحمد)
طبقات من الأزرق تترك للعين أن تُكمل الحكاية (فاديا أحمد)
TT

«بين ضفّتين» من الأزرق: فاديا أحمد تُحوّل المتوسّط إلى جغرافيا نفسية

طبقات من الأزرق تترك للعين أن تُكمل الحكاية (فاديا أحمد)
طبقات من الأزرق تترك للعين أن تُكمل الحكاية (فاديا أحمد)

بين ضفّتين، لا يقف الإنسان دائماً على اليابسة. أحياناً يقف في الماء وفي المسافة التي لا تُعرَّف، حيث لا يكون الانتماء قراراً واضحاً. في هذا الوقوف المُراوغ، يتحوَّل الانتماء إلى حالة مُتقلّبة تتبدَّل مع الضوء والذاكرة ومع تغيُّر الأزرق نفسه. في معرضها الجديد، تفتح الرسّامة فاديا أحمد هذا الفضاء الأزرق، وتدع الزائر يعبُره بهدوء من دون أن تفرض عليه اتجاهاً أو تفسيراً جاهزاً.

الأزرق مسافة تُقطع بالنظر قبل أن تُقطع بالذاكرة (فاديا أحمد)

في الأعمال المعروضة، لا يظهر الأزرق لوناً جمالياً أو خياراً شكلياً. إنه حيّز نفسي يتكرَّر لأنه يعود، وذاكرة لا تتوقَّف عن إعادة طرح نفسها. تقول فاديا أحمد لـ«الشرق الأوسط» إنّ الأزرق، بالنسبة إليها، «أكثر من لون. هو مساحة للتنفُّس وذاكرة لا تخبو، ومجال بين ما عشتُه وما لا أزال أبحث عنه». تكراره في الأعمال عودة دائمة إلى نغمة قديمة تظهر في لحظة جديدة، كأنّ اللون نفسه يتحرّك مع الزمن وليس خارجه.

هذا الأزرق لا يسعى إلى ابتكار لغة بصرية جديدة، بقدر ما يكشف عن لغة كامنة فيه لا تظهر إلا حين يتوقَّف المُتلقّي عن البحث عن المعنى المباشر، ويترك للصورة أن تتكلَّم بإيقاعها الخاص. في اللوحات التي تُحاكي البحر والسماء والماء المفتوح، لا حدود واضحة ولا خطوط فاصلة حادّة. كلّ شيء في حالة عبور. فالضوء ينساب والظلال تتداخل والمسافة بين الأعلى والأسفل تصبح سؤالاً بصرياً أكثر منها تركيباً هندسياً.

بحر بلا ضفاف واضحة كأنّ المكان يتردَّد في أن يكون وطناً (فاديا أحمد)

عبارة «بين ضفّتين» التي تحضر في عنوان المعرض، توصيف لحياة معيشة بين أماكن متعدّدة، بين لبنان وإسبانيا وأفريقيا، وبين الذاكرة والمنفى، وما تُرك خلفاً وما لا يزال يُحمَل في الروح. هذا العبور اليومي، كما تقول الفنانة، جعل نظرتها إلى العالم أقل يقيناً وأكثر إنسانية. فالانتماء، في تجربتها، حركة دائمة لردم المسافات، في الصورة كما في الذات.

من هنا، يمكن قراءة المعرض على أنه محاولة لإعادة التفكير في معنى الانتماء. هو عند فاديا أحمد ليس مفهوماً فكرياً أو تعريفاً نظرياً. إنه تجربة حسّية تصعب تسميتها. الانتماء، كما تراه، يتجاوز كونه مكاناً وشعوراً واضح الحدود، ليغدو توقاً واهتزازاً داخلياً. المعرض يدعو إلى الغوص في هذا الإحساس من دون وصاية.

هنا يتحوَّل المتوسّط من جغرافيا إلى حالة نفسية. البحر في الصور سكون وعمق، خوف وانفتاح، احتواء وقلق. هو، كما تصفه الفنانة، جغرافيا روحية ترى فيها حالات وجود. في بعض الأعمال، يبدو البحر أشبه برحم كونية، تحتضن أكثر مما تفصل وتجمع ما يبدو متناقضاً في الظاهر.

المتوسّط حالة نفسية أكثر منه جغرافيا (فاديا أحمد)

السؤال عن العودة حاضر بقوة. العودة هنا إلى مكان وعودة إلى الذات. وتكاد الفنانة ترى أنّ المحاولتين متداخلتان إلى حدّ يصعب فصلهما. فكلّ محاولة للعودة إلى الوطن تقود إلى مواجهة الذات، وكلّ محاولة لفهم الذات تُعيد طرح سؤال المكان. غير أن استعادة الذات في نظرها هي الأصعب، لأنها تتطلَّب شجاعة يومية وعملاً داخلياً لا ينتهي.

حين يغيب البشر تظلّ آثارهم عالقة في الضوء والفراغ (فاديا أحمد)

على مستوى الزمن، لا تتعامل فاديا أحمد مع الصورة على أنها أداة لتجميد اللحظة. تراها وسيلة لتفكيكها وإعادة ترتيبها. التصوير، بالنسبة إليها إعادة بناء الوقت. اللحظة المُصوَّرة شظايا زمنية يُعاد جمعها بطريقة تتيح رؤيتها بوضوح أكبر. من هنا، تحمل الصور إحساساً بالزمن المُعلَّق، كأنها لا تنتمي إلى لحظة واحدة، وإنما إلى سلسلة من اللحظات المُتشابكة.

صورة تُعيد ترتيب زمن اللحظة (فاديا أحمد)

ورغم غياب الأشخاص عن معظم الأعمال، لا يبدو المعرض خالياً من الحضور الإنساني. على العكس، تكمن إنسانيته في الأثر والفراغ، وفي المساحات التي تركها البشر خلفهم. فالصورة، كما ترى الفنانة، تصبح إنسانية حين تحمل نَفَساً، حتى وإن غاب الجسد. وأحياناً، يكون الغياب أكثر كثافة من الحضور وأكثر قدرة على استدعاء التجربة الإنسانية العميقة.

لا بداية واضحة ولا نهاية مؤكدة (فاديا أحمد)

معرض «بين ضفّتين» مساحة تتيح التأمُّل في العبور والانقسام والشعور الغامض بأنّ الإنسان يعيش دائماً بين مكانَيْن ويحمل كليهما في قلبه. يُقام في «نو شيف إنْ ذا كتشن» بمنطقة الصيفي البيروتية، ويقترح على زائره أن يتوقّف قليلاً وينظر، فيسمح للأزرق بأن يقوده إلى داخله.


مقالات ذات صلة

معرض فني يحاكي ثورات مصر في ذكرى «30 يونيو»

يوميات الشرق أحد الأعمال الفنية المشاركة في المعرض (وزارة الثقافة)

معرض فني يحاكي ثورات مصر في ذكرى «30 يونيو»

عبر رصد ملامح الشخصية المصرية في بيئات مختلفة، جاء معرض «30 يونيو... رؤى تشكيلية»، ليجسد معاني متنوعة تشير إلى تلاحم وتكاتف المصريين في وقت الأزمات والثورات.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق مقتنيات قديمة بمعرض «مصر الجديدة زمان» (الشرق الأوسط)

معرض بقصر البارون يوثق بدايات حي «مصر الجديدة»

بمناسبة مرور 121 عاماً على إنشاء حي مصر الجديدة (شرق القاهرة)، استضاف قصر البارون معرضين يوثّقان لتراث الحي العريق.

محمد الكفراوي (القاهرة )
لمسات الموضة من عرض «دولتشي آند غابانا» (إ.ب.أ)

عودة «الكلاسيكية» بنفحة استعراضية

أدرك المصممون ودور الأزياء أن الأزمات السياسية والاقتصادية المتتالية تجعل سوق الرفاهية لا يستحمل المبالغات والجرأة الفنية

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق رحلة من التجارب الشخصية تضعها نتالي معيكي في أعمالها (الشرق الأوسط)

«شيء يشبه العيش» لنتالي معيكي... رحلة البحث عن الحب

تنفرج أساريرك وأنت تتجوّل في معرض «شيء يشبه العيش» لنتالي معيكي في غاليري «غاليريست» ببيروت...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق يستمر المعرض لغاية 4 يوليو (الشرق الأوسط)

«المعرض الفني الجماعي»... حكايات بصرية معلّقة بين الحلم واليقظة

بتقنيات تتراوح بين الأكريليك والزيت والنحت و«الميكسد ميديا»، يأخذ المعرض زواره في رحلة بصرية تتنقل بين الواقع والخيال.

فيفيان حداد (بيروت)

ابتكار يمنح بطاريات السيارات المُستهلكة حياة جديدة

الابتكار يرى قيمةً حيث يرى الآخرون نفايات (جامعة كاليفورنيا في سان دييغو)
الابتكار يرى قيمةً حيث يرى الآخرون نفايات (جامعة كاليفورنيا في سان دييغو)
TT

ابتكار يمنح بطاريات السيارات المُستهلكة حياة جديدة

الابتكار يرى قيمةً حيث يرى الآخرون نفايات (جامعة كاليفورنيا في سان دييغو)
الابتكار يرى قيمةً حيث يرى الآخرون نفايات (جامعة كاليفورنيا في سان دييغو)

طوَّر باحثون في جامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة تقنية جديدة وصديقة للبيئة لإعادة تدوير بطاريات السيارات الكهربائية المستهلكة.

وأوضحوا أنّ التقنية لا تقتصر على استعادة مكوّناتها، بل تحوّلها إلى مادة أكثر كفاءة يمكن استخدامها في إنتاج بطاريات ذات أداء أعلى وسعة تخزين أكبر. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «جول».

وتمثّل بطاريات السيارات الكهربائية المستهلكة تحدّياً بيئياً متزايداً مع التوسُّع السريع في استخدام المركبات الكهربائية حول العالم؛ إذ يؤدّي انتهاء عمرها التشغيلي إلى تراكم كميات كبيرة من النفايات التي تتطلّب حلولاً فعالة ومستدامة لإعادة التدوير.

وأوضح الباحثون أنّ التقنية الجديدة تحول مادة الكاثود (القطب الموجب)، المستخرجة من بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم المنتهية الصلاحية، إلى مادة وسيطة تُعرف باسم فوسفات الليثيوم والمنغنيز والحديد، التي تتميّز بكثافة طاقة أعلى، ممّا يتيح تخزين كمية أكبر من الطاقة، مع الحفاظ على مستويات الأمان والمتانة التي تشتهر بها بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم.

وعلى خلاف أساليب إعادة التدوير التقليدية، التي تعتمد على تفكيك الكاثود إلى مواد خام ثم إعادة تصنيعه بالكامل، تتيح التقنية الجديدة ترقية مادة الكاثود المستهلكة مباشرة، ممّا يجعل العملية أكثر كفاءة وأقل استهلاكاً للموارد، وفق الباحثين.

وتعتمد معظم تقنيات إعادة تدوير البطاريات الحالية على درجات حرارة مرتفعة أو مواد كيميائية قاسية لاستخلاص المواد الخام، وهي عمليات تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، وتُخلّف انبعاثات ومخلفات بيئية. لكن الباحثين يؤكدون أنّ النهج الجديد يُقلّل استهلاك الطاقة، ويحدّ من الانبعاثات والمخلفات، مع إنتاج مادة ذات قيمة مضافة وأداء أفضل.

وتبدأ العملية بتفكيك حزمة البطارية واستخراج البنية الداخلية الملفوفة، ثم تقطيعها إلى شرائح ونقعها في الماء. ويساعد التحريك الميكانيكي على فصل طبقة الكاثود عن رقائق الألمنيوم التي يمكن إعادة تدويرها بصورة مستقلّة.

بعد ذلك، تُزال المياه من المادة المتبقية، وهي خليط يحتوي على الكاثود المستهلك، ثم تُجفف وتُطحن للحصول على مسحوق أسود يُستخدم أساساً في عملية التحويل إلى المادة الجديدة.

وفي المرحلة التالية، يضيف الباحثون أملاحاً تحتوي على الليثيوم والمنغنيز والفوسفات، لكنها لا تمتزج مباشرة مع مادة الكاثود بسبب اختلاف تركيبهما البلوري.

وللتغلُّب على هذه المشكلة، ابتكر الفريق مادة فوسفات الليثيوم والمنغنيز التي تمتلك بنية بلورية متوافقة مع المادة الأصلية، ممّا يسمح بامتزاج المكوّنات بصورة متجانسة.

ويُطحن الخليط للحصول على جسيمات دقيقة ومتجانسة، ثم يُسخّن داخل فرن، حيث تتفاعل الأملاح لتكوين المادة الوسيطة أولاً، قبل أن تنتشر ذرات المنغنيز تدريجياً داخل البنية البلورية لتحلَّ محل جزء من ذرات الحديد، لينتج في النهاية مركب فوسفات الليثيوم والمنغنيز والحديد، الأعلى في كثافة الطاقة.

وخلال عملية التسخين، تتكوّن أيضاً طبقة رقيقة من الكربون حول جسيمات المادة الجديدة، ممّا يحسّن التوصيل الكهربائي ويحميها من التدهور خلال دورات الشحن والتفريغ، وهو ما يعزّز أداء البطارية ويُطيل عمرها التشغيلي.

وأظهرت الاختبارات أنّ المادة الجديدة قادرة على تخزين طاقة أكبر مقارنة ببطاريات فوسفات الحديد والليثيوم التقليدية، مع الحفاظ على مستوى الأمان المرتفع والعمر التشغيلي الطويل اللذَيْن تتميّز بهما هذه البطاريات.

كما أثبت الباحثون نجاح التقنية على بطاريات مستهلكة من شركات تصنيع مختلفة، وتمكّنوا من توسيع نطاق العملية لإنتاج كميات تصل إلى مستوى الكيلوغرامات.


أول رحلة لفكّ أسرار آخر سفينتَيْن في تاريخ الاستكشاف القطبي

هناك في القاع لا يزال الزمن راسياً (غيتي)
هناك في القاع لا يزال الزمن راسياً (غيتي)
TT

أول رحلة لفكّ أسرار آخر سفينتَيْن في تاريخ الاستكشاف القطبي

هناك في القاع لا يزال الزمن راسياً (غيتي)
هناك في القاع لا يزال الزمن راسياً (غيتي)

تنطلق خلال الشهر الحالي بعثة وُصفت بأنها «تُتاح مرة كلّ جيل» لإجراء مسح شامل لآخر سفينتين استخدمهما رائدا الاستكشاف القطبي، السير إرنست شاكلتون والكابتن روبرت فالكون سكوت.

تُعد السفينتان «كويست» و«تيرا نوفا» آخر ما تبقّى من إرث شاكلتون وسكوت، اللذين تنافسا على بلوغ القطب الجنوبي في مطلع القرن العشرين، قبل أن يلقى كلّ منهما حتفه خلال إحدى بعثاته الاستكشافية، وفق «الإندبندنت».

وستتولّى مؤسّسة «وودز هول» لعلوم المحيطات، بالتعاون مع الجمعية الجغرافية الملكية الكندية، تنفيذ أول مسح بصري شامل لحطامي السفينتين الغارقتين، بهدف إنتاج نسختين رقميتين مطابقـتين لهما.

وستنطلق البعثة على سفينة البحوث «أتلانتس»، مستخدمةً مزيجاً من كاميرات فيديو عالية الدقة بدقة 5.2K، إلى جانب تقنية التصوير المجسَّم الكندية المتطوّرة «فوييس»، لرسم خرائط لحطام السفينتين وما تناثر حول هيكلهما.

وكانت «كويست» السفينة الخاصة بالمستكشف البريطاني المولود في آيرلندا إرنست شاكلتون، الذي توفي على متنها عام 1922.

وعُثر على حطام السفينة عام 2024 مستقراً على عارضتها في قاع البحر، تحت مياه شديدة البرودة على عمق 390 متراً (1280 قدماً)، قبالة سواحل لابرادور في كندا، وذلك بعد 62 عاماً من اختفائها.

وشكلت وفاة شاكلتون على متن السفينة عام 1922 نهاية ما يصفه المؤرّخون بـ«العصر البطولي» لاستكشاف القارة القطبية الجنوبية.

وقال قائد البعثة ورئيس الجمعية الجغرافية الملكية الكندية، جون غايغر: «كان اكتشاف كويست عام 2024 مجرّد البداية».

أما «تيرا نوفا»، آخر سفن سكوت، فقد اكتشفها معهد شميدت لعلوم المحيطات للمرة الأولى عام 2012. وكان سكوت وجميع أفراد بعثته قد لقوا حتفهم متجمّدين خلال رحلة العودة.

وغرقت السفينة قبالة سواحل غرينلاند عام 1943، قبل أن يُحدّد موقعها باستخدام أجهزة حديثة لقياس الأعماق بالموجات الصوتية.

ولم تخضع أيّ من السفينتين سابقاً لعمليات مسح باستخدام تقنية «فوييس»، التي ستنتج نموذجَيْن رقميَيْن مطابقَيْن للحطامَيْن.

وقال غايغر: «من خلال الجمع بين التقنيات الكندية والأميركية، والاستعانة بفريق دولي من الخبراء، سنوثق كويست وتيرا نوفا بتفاصيل غير مسبوقة، لننشئ سجلاً استثنائياً لحطامين تاريخيين، ونشارك هاتين القصتين المهمتين مع العالم».

وأضاف كبير العلماء المشاركين في قيادة البعثة، دوايت كولمان: «باستخدام أدوات التصوير المتقدّمة، والمركبات الآلية التي تُدار عن بُعد، والغواصة الشهيرة (ألفين)، سنتمكّن من مشاهدة وإعادة إنشاء حطامين يتمتّعان بأهمية تاريخية كبيرة، وإحياء قصتي اثنين من أعظم المستكشفين».

وتُعد المركبة المأهولة للغوص «ألفين» أول غواصة أعماق تُجري مسحاً لحطام السفينة الشهيرة «تيتانيك».

وقال خبير حطام السفن ديفيد ميرنز، الذي وصف البعثة بأنها فرصة «تُتاح مرة كلّ جيل»: «لقد ألهمت الشجاعة والقيادة اللتان تحلّى بهما هذان الرائدان في الاستكشاف القطبي أجيالاً من المستكشفين، ونأمل أن يسهم توثيق آخر سفينتين لهما في إلهام الجيل المقبل من المستكشفين حول العالم».


«أفلام السعودية»... «النخلة الذهبية» تُضيء الرحلة

لقطة جماعية للمكرَّمين والفائزين بجوائز «النخلة الذهبية» (المهرجان)
لقطة جماعية للمكرَّمين والفائزين بجوائز «النخلة الذهبية» (المهرجان)
TT

«أفلام السعودية»... «النخلة الذهبية» تُضيء الرحلة

لقطة جماعية للمكرَّمين والفائزين بجوائز «النخلة الذهبية» (المهرجان)
لقطة جماعية للمكرَّمين والفائزين بجوائز «النخلة الذهبية» (المهرجان)

إلى أين تمضي الحكاية بعد نهاية الرحلة؟ سؤال حملته الدورة الثانية عشرة من «مهرجان أفلام السعودية» منذ اختارت شعارها «كلّ حكاية رحلة». وفي ليلة الختام، بدت الحكاية أوسع من منصة الجوائز؛ فالأفلام التي أنهت عروضها، والمشروعات التي حصدت دعماً، والقرارات التي رُسمت للدورة المقبلة، فتحت جميعها مسارات جديدة تبدأ من حيث انتهى المهرجان.

وجسَّدت هذه الفكرة كلمة مدير المهرجان الشاعر أحمد الملا، خلال الحفل الختامي الذي احتضنه، الخميس، مسرح مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي «إثراء» في الظهران، مسدلاً الستار على دورة أُقيمت بتنظيم «جمعية السينما»، وبالشراكة مع مركز «إثراء»، وبدعم من هيئة الأفلام. ووصف الملا الأفلام بأنها لم تعبر شاشات العرض فحسب، بل حملت معها «هواجس صنّاعها، وأسئلةً لم تهدأ عند نهاية العرض». وأضاف: «تنتهي الدورة في الجداول، وفي القاعات، وفي مواعيد السفر، وفي المقاعد التي تُطوى بعد آخر تصفيق... وإنما الطريق لا يفرغ من عابريه؛ هناك دائماً مَن يعود إليه، وفي قلبه رغبة لا تهدأ في أن يلمس الدهشة الأولى من جديد».

ولم تقتصر كلمة الملا على استعادة رحلة الدورة الثانية عشرة، بل حملت أيضاً أول ملامح المرحلة المقبلة للمهرجان، إذ أعلن تشكيل اللجنة الاستشارية العليا، على أن يُكشف عن أعضائها لاحقاً، كما أعلن اختيار المخرج والناقد عبد المحسن الضبعان مديراً فنياً للدورة الثالثة عشرة، في خطوة تعكس توجّه المهرجان نحو تطوير مساره الفنّي وتعزيز حضوره منصةً تجمع بين عرض الأفلام، ودعم المشروعات، وصناعة الفرص أمام السينمائيين.

مدير المهرجان أحمد الملا في كلمته خلال حفل الختام (المهرجان)

«النخلة الذهبية»... تتويج الرحلة

ومع بدء إعلان الجوائز تحوّلت القاعة إلى حالة من الترقُّب، وتعالت التصفيقات مع تتابُع أسماء الفائزين، في حين حظيت بعض النتائج بتفاعل لافت من صنّاع الأفلام والجمهور. وكانت البداية مع تتويج فيلم «هجرة» للمخرجة السعودية شهد أمين بـ«النخلة الذهبية» لأفضل فيلم روائي طويل، بعد رحلة مهرجانية لافتة شهدت فوزه بجوائز سابقة؛ في حين ذهبت جائزة أفضل فيلم خليجي روائي طويل إلى «إركالا... حلم كلكامش» للمخرج العراقي محمد الدراجي، وهو عمل عابر لحدود الإنتاج الواحد، تشارك في إنتاجه جهات من السعودية، والعراق، والمملكة المتحدة، وفرنسا، والإمارات، وقطر.

وكان «مسألة حياة أو موت» من أكثر الأفلام حضوراً في ليلة الختام، بعدما جمع بين جائزة أفضل تمثيل، التي ذهبت إلى سارة طيبة، والتنويه الخاص من لجنة التحكيم. ويواصل الفيلم، المعروض حالياً في دور السينما السعودية، رحلته مع الجمهور، وهو من إخراج أنس باطهف، وكتابة سارة طيبة وبطولتها، إلى جانب يعقوب الفرحان.

سارة طيبة تحصد جائزة التمثيل (المهرجان)

وحملت نتائج مسابقة الأفلام القصيرة حضوراً واضحاً للتجارب الجديدة، إذ حصد فيلم «مجهول» للمخرج إبراهيم البكيري «النخلة الذهبية» لأفضل فيلم قصير، وفاز فيلم «صرخة نملة» للمخرجة لجين سلام بـ«جائزة عبد الله المحيسن للفيلم الأول»، فيما ذهبت «النخلة الذهبية» لأفضل فيلم خليجي روائي قصير إلى الفيلم البحريني «بذرة» للمخرج سلمان يوسف، ومنحت لجنة التحكيم تنويهاً خاصاً لفيلم «الستر» لرولان حسن وسارة مصري.

وحافظ مسار الأفلام الوثائقية على صلته بالذاكرة والسير الشخصية، إذ فاز فيلم «ضباب البارود» للمخرج سعد طحيطح بـ«النخلة الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي، في عمل يستعيد أحد الطقوس التراثية في منطقة عسير بعد غياب طويل؛ في حين ذهبت جائزة لجنة التحكيم إلى فيلم «مرجوج هزازي» للمخرج مشعل الثبيتي، الذي يعود إلى سيرة أحد أبرز الأسماء في بدايات المشهد الرقمي السعودي. أما «النخلة الذهبية» لأفضل فيلم خليجي وثائقي، فذهبت إلى الفيلم اليمني «فريحة» للمخرج بدر الريمي، في حين نال فيلم «بقشة سعد» للمخرج مجبل سعد الفرج تنويهاً خاصّاً، وسط تصفيق حارّ للفنان الكويتي سعد الفرج، الذي صعد إلى المسرح لتحية الحضور.

تتويج «هجرة» بجائزة أفضل فيلم روائي طويل (المهرجان)

ما بعد منصّة الجوائز

وشهدت الدورة الثانية عشرة حضوراً مهنياً لافتاً عبر سوق الإنتاج، التي اختتمت أعمالها بمنح 51 جائزة مالية وخدمية تجاوزت قيمتها 4 ملايين و93 ألف ريال، مقارنة بنحو مليونين ونصف المليون ريال في الدورة الحادية عشرة، بنمو تجاوز 60 في المائة في قيمة الدعم المقدَّم للمشروعات السينمائية خلال دورة واحدة. وتنافس في السوق 13 مشروعاً سينمائياً، وحظيت بدعم من جهات مانحة في مجالات التطوير، والإنتاج، وما بعد الإنتاج، والخدمات الفنية والتقنية.

كما قدَّم المهرجان، في دورته الحالية، برنامج «أضواء على السينما الكورية»، بالتعاون مع «مهرجان بوسان الدولي للأفلام القصيرة»، امتداداً لمسار البرنامج الذي يفتح نافذة على تجارب سينمائية عالمية، ويُعزز التبادل الثقافي والمعرفي بين صناع الأفلام والجمهور. وشهدت الدورة أيضاً محور «سينما الرحلة»، الذي تناول الطريق بوصفه فضاءً للتحول، والنجاة، والذاكرة، والهوية، إلى جانب برنامج «لقاء الخبراء»، والدروس المتقدَّمة، والندوات المتخصصة، وجلسات توقيع إصدارات «الموسوعة السعودية للسينما»، في حضور مهني وثقافي رافق العروض السينمائية على امتداد أسبوع كامل.

جانب من حضور حفل الختام في مركز «إثراء» (المهرجان)

وبينما أُطفئت شاشات العرض، وطُويت مقاعد المسرح بعد آخر تصفيق، بقيت الحكايات التي حملها شعار الدورة «كلّ حكاية رحلة» مفتوحة على محطات جديدة؛ بعضها يبدأ بعرض أول، وبعضها بجائزة، وأخرى بمشروع وجد طريقه إلى الإنتاج. أما «مهرجان أفلام السعودية»، فاكتفى بإسدال الستار على دورته الثانية عشرة، تاركاً الباب مفتوحاً أمام رحلة جديدة تبدأ العام المقبل مع الدورة الثالثة عشرة.