«المدّ البشري»... فيلم يُوثّق رحلة الحج عبر حكايات 6 عائلات من العالم

يرصد تحوّلات الحجاج وتحدّيات التصوير وسط ذروة الموسم في مكة

6 حكايات متنوّعة من قلب المشاعر المقدَّسة (لقطة من الفيلم)
6 حكايات متنوّعة من قلب المشاعر المقدَّسة (لقطة من الفيلم)
TT

«المدّ البشري»... فيلم يُوثّق رحلة الحج عبر حكايات 6 عائلات من العالم

6 حكايات متنوّعة من قلب المشاعر المقدَّسة (لقطة من الفيلم)
6 حكايات متنوّعة من قلب المشاعر المقدَّسة (لقطة من الفيلم)

يفتح فيلم «المد البشري» نافذة سينمائية نادرة على الرحلة الإنسانية وراء الحج، بعيداً عن الصور الجوّية المهيبة والحشود البيضاء، عبر تفاصيل 6 عائلات من السويد، ولندن، وكينيا، وبرمنغهام، وأوغندا. عبرها، تتكشَّف قصص ممزوجة بالخوف، والشوق، والأمل، والفقد، ليظهر مفهوم الحج بأبعاد جديدة، في رحلة تتحرّك بالروح قبل القدم.

الفيلم يضع المُشاهد داخل تجربة الحج الذي يعيد تعريفه مثل سيمفونية من الإيمان والشجاعة والصمود البشري، وفق مُنتج الفيلم البريطاني جون هاي، الذي قال إنّ الفيلم «منظور إنساني شخصي، بعيداً عن الصور التقليدية للحشود والحركة الجماعية».

بوستر الفيلم الرسمي

وأضاف هاي، وهو المنتج في شركة «أتيكوس للإنتاج التلفزيوني والسينمائي»، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أنّ المُشاركين في الفيلم يجلبون إيمانهم وتحدّياتهم الفريدة وآمالهم وأحلامهم، من تجاوز الحزن، إلى محاولة إعادة الاتصال بالإيمان، فالرغبة في إنجاب طفل. هذه التجارب الإنسانية تشكّل القلب النابض للفيلم.

وأشار إلى أنّ الفيلم لا يبدأ مباشرة في مكة، بل في درجة حرارة 20 تحت الصفر مع قصة يوسف من السويد، وهو ما يميّزه عن أي عمل آخر عن الحج، إذ يبدأ في ظروف قاسية جداً، ويُقدّم رحلة عاطفية وشخصية من الصفر.

منتج الفيلم جون هاي (حسابه الشخصي)

وسرد هاي قصة زوجين من أوغندا هما «كوتومبا» و«جميرة»، سعياً إلى إنجاب طفل لمدة 9 سنوات، وفي نهاية الفيلم يكشف عن أنهما رُزقا بالطفل الذي دعَوَا الله به خلال الحج. وقال إن هذا النوع من القصص الإنسانية العميقة كان سبب اختيارها بعناية.

أما عن الحجاج الآخرين، فأشار إلى قصة «ناس» و«سافير» من لندن، إذ كان «ناس» يعمل في مجال الموسيقى، وابتعد عن الإيمان، قبل أن يستعيد علاقته بدينه بعد تجربة الطلاق. وهو اليوم متزوّج من ضابطة شرطة في العاصمة البريطانية.

هذه القصص المختلفة تتقاطع عند الحج، والرسالة التي أراد الفيلم إيصالها هي أنّ الحج «ليس مجرّد رحلة جسدية، بل رحلة عاطفية وروحية عميقة».

مشهد يحكي رحلة يوسف من الصقيع إلى دفء مكة (لقطة من الفيلم)

وعن التحدّيات الإنتاجية والمالية، أوضح هاي أنهم واجهوا صعوبات كبيرة في تصوير المَشاهد في الثلج وداخل البيوت، وأضاف أنّ لديهم فريقاً عالمياً متخصّصاً لضمان أن يعكس كل مشهد التجربة الإنسانية بدقة.

المواهب السعودية

وقال إن الفيلم صُوّر على مدار 18 شهراً عبر 3 قارات، بفريق مكوَّن من 80 شخصاً، نحو ثلثهم من السعوديين، بينهم 3 منتجين تنفيذيين.

وأكد أن الهدف لم يكن فرض وجهة نظر بريطانية، بل السماح للقصص بأن تتطوَّر طبيعياً، مع إشراك منتجين سعوديين لضمان نقل التجربة بروحها الحقيقية، مشيراً إلى أنّ دعم المواهب السعودية كان أساسياً، وهذا يعكس التطور الكبير في الصناعة السينمائية في السعودية.

وأضاف أنهم كانوا ملتزمين بدعم المواهب المحلّية، ما يجعل الفيلم «إنتاجاً سعودياً - بريطانياً كاملاً»، بهدف خلق تعاون حقيقي بين الثقافات.

وعن طموح الفيلم، تابع هاي أنهم فخورون بأن يكون العرض العالمي الأول في مهرجان «البحر الأحمر السينمائي»، وأنهم يسعون إلى وصوله لأكبر عدد ممكن من الجمهور في السعودية والعالم، سواء في دور السينما أو المنصات، لأنه «فيلم يمكن للعائلات مشاهدته معاً».

وختم أنّ الفيلم «رحلة إنسانية وروحية عميقة»، ومَن يشاهده يتأثر به أياماً بعد ذلك. وأكد أنه «عمل استثنائي» يأمل أن يلمس الجمهور قيمته.

مخرج الفيلم ديفيد وارد (حسابه الشخصي)

تجربة المخرج ديفيد وارد

من جهته، قال المخرج السينمائي ديفيد وارد، من شركة «أتيكوس»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «إدارة 6 عائلات وسط مليونَي حاج كانت أكبر تحدٍّ»، مؤكداً أنّ إنتاج الفيلم كان تجربة غير مسبوقة بسبب حجم المشروع وتعقيداته، مقارنة بأعماله الوثائقية السابقة.

وكشف عن أنّ الفريق اضطر لإدارة 5 إلى 6 فرق تصوير في وقت واحد داخل مكة خلال ذروة الحج، وهو ما وصفه بأنه «تحدٍ عملي غير مسبوق».

وأوضح ديفيد أن كونه غير مسلم منعه من الوجود داخل مكة طوال مدّة التصوير، ما استلزم إدارة العمل عن بُعد بالتعاون مع فرق متعدّدة اللغات والثقافات. وقال إنّ هذا «جعل الجوانب العملية من أصعب التحديات».

وأشار إلى أن امتداد العمل لـ18 شهراً منح الفريق القدرة على متابعة الشخصيات قبل الحج وفي أثنائه وبعده، ما سمح بتوثيق التحولات الشخصية والعاطفية والفكرية. وأضاف أنهم حاولوا «فهم جذور قصصهم وكيف تغيّروا بعد التجربة»، وأن هذه المدة الطويلة «لا تتكرّر كثيراً» في صناعة الأفلام.

وقال إنّ التجربة منحته فهماً أعمق لمعنى الحج، رغم أنه ليس متخصّصاً في الدين، مضيفاً: «تعلّمتُ كثيراً عن معنى أن تكون مسلماً، وفهمت أن الحج ليس مجرد طقس، بل رحلة إيمان وصبر».

6 حكايات متنوّعة من قلب المشاعر المقدَّسة

وعن اختيار العنوان، قال ديفيد إنّ الفريق ناقش عشرات الخيارات قبل اعتماد «المدّ البشري». وأوضح أنّ فكرة «المد» تُمثل قوة طبيعية تتحرّك بلا توقُّف، تشبه حركة ملايين الحجاج نحو هدف واحد.

وأضاف: «رأيتُ في الحج حركة إنسانية لا يمكن إيقافها، أشبه بقوة المحيط. لكل حاج قصته، لكنهم جميعاً يتحرّكون مثل جسد واحد، لذا بدا لنا أن (مد بشري) هو العنوان الأقرب».

وأعرب ديفيد عن أمله أن يُسهم الفيلم في تصحيح المفاهيم الخاطئة في الغرب عن المسلمين، مشيراً إلى الضجيج والمعلومات المغلوطة المنتشرة، ومؤكداً أن الفيلم يُعرّف الجمهور بأن الحجاج «أشخاص عاديون جداً، لديهم أحلام ومخاوف وآمال». وقال إنه يعتقد أنه «من المستحيل مشاهدة الفيلم من دون الشعور بارتباط حقيقي مع الشخصيات».

يحاكي القصص الإنسانية (لقطة من الفيلم)

وتابع أنّ اختيار المشاركين كان من أصعب مراحل العمل، نظراً إلى العدد الكبير للمسلمين حول العالم، مضيفاً أنّ فرق بحث عملت في نيوزيلندا، وأفريقيا، والهند، وأوروبا، وأميركا الشمالية، وأنهم بدأوا بشبكة واسعة ثم ضيّقوا الدائرة تدريجياً.

وأشار إلى أنهم أجروا أشهراً من مقابلات «زوم» مع عشرات الأشخاص، لبناء علاقة أولية معهم واختبار مدى جاهزيتهم لتوثيق رحلتهم، قائلاً إنّ كل قرار كان «يحمل جزءاً من القفزة الإيمانية».

وفي سياق حديثه، اعترف بأنّ الفريق لم يتمكّن من تصوير بعض المَشاهد بسبب طبيعة الحج المُتغيّرة، قبل أن يتحدَّث بإعجاب كبير عن الفريق السعودي، قائلاً إنّ طاقاتهم العالية كانت حاسمة في نجاح العمل، وما لفت انتباهه هو «شغف الشباب السعودي» في صناعة تتطوَّر بسرعة. وأكد أن الفريق السعودي «كان شريكاً حقيقياً»، وأن المشروع «جهد جماعي بالكامل».


مقالات ذات صلة

السعودية: بدء حجز الباقات لحجاج الداخل

الخليج إتاحة استعراض الباقات واختيار الأنسب منها لحجاج الداخل (تصوير: بشير صالح)

السعودية: بدء حجز الباقات لحجاج الداخل

أعلنت السعودية، الأربعاء، بدء مرحلة حجز باقات الحج للراغبين في أداء الفريضة من المواطنين والمقيمين ممن لديهم إقامة سارية، لموسم هذا العام، إلكترونياً.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج وزارة الحج والعمرة السعودية أكدت أن حقوق ضيوف الرحمن أولوية قصوى وأن جودة الخدمات المقدمة تمثل خطاً أحمر لا يُسمح بتجاوزه (واس)

السعودية: إيقاف «شركتَي عمرة» لمخالفة التزامات السكن للمعتمرين

أعلنت وزارة الحج والعمرة السعودية، السبت، إيقاف شركتَي عمرة، بعد رصد مخالفة تمثلت في عدم الالتزام بتوفير خدمات السكن للمعتمرين وفق البرامج التعاقدية المعتمدة.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج مكة المكرمة (الشرق الأوسط)

السعودية: «الحج والعمرة» توقف التعاقد مع 1800 وكالة سفر خارجية لقصور الأداء

أعلنت وزارة الحج والعمرة السعودية إيقاف التعاقدات القائمة مع 1800 وكالة سفر خارجية تعمل في مجال العمرة، من أصل نحو 5800 وكالة، لقصور الأداء.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
رياضة سعودية يتضمن برنامج رحلة المشاعر المقدسة زيارات ميدانية إلى المشاعر المقدسة (الشرق الأوسط)

«رحلة المشاعر المقدسة»... مبادرة سعودية لتعريف الشباب بمنظومة خدمة ضيوف الرحمن

انطلق الثلاثاء برنامج «رحلة المشاعر المقدسة» في مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة الذي تنظمه وزارة الرياضة ويستمر حتى 29 يناير الجاري

عبد الله الزهراني (جدة)
شمال افريقيا معتمرون مصريون يتأهبون لرحلة جوية لأداء المناسك (وزارة السياحة المصرية)

ملاحقة مصرية مستمرة لـ«شركات الحج الوهمية»

تلاحق الداخلية المصرية «شركات الحج والعمرة الوهمية» في حين أكدت وزارة السياحة على أهمية الالتزام الكامل بحصول حجاج السياحة على «شهادة الاستطاعة الصحية»

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

دواء فعّال لحماية مرضى السكري من النوبات القلبية

خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
TT

دواء فعّال لحماية مرضى السكري من النوبات القلبية

خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)

أظهرت دراسة سريرية أميركية أن إضافة دواء يخفض الكوليسترول بشكل مكثف إلى العلاج القياسي يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر حدوث أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية لدى مرضى السكري المعرضين للخطر.

وأوضح الباحثون في مستشفى ماس جنرال بريغهام بالولايات المتحدة، أن النتائج تظهر فائدة خفض الكوليسترول بشكل مبكر في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية، ونُشرت النتائج، السبت، بدورية «JAMA».

ويمكن لمرض السكري أن يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض القلب والنوبات القلبية، إذ يؤدي ارتفاع مستويات السكر في الدم لفترات طويلة إلى تلف الأوعية الدموية والقلب، ويسهم في تراكم الدهون والكوليسترول داخل الشرايين. كما أن مرضى السكري غالباً ما يعانون من ارتفاع ضغط الدم أو اختلال الدهون في الدم، ما يزيد من احتمالية انسداد الشرايين وحدوث أزمات قلبية. ومن أهم خطوات الحد من هذه المخاطر، التحكم بمستويات السكر، واتباع نظام غذائي صحي، وممارسة النشاط البدني بانتظام.

وشملت التجربة السريرية 3655 مريضاً يعانون من سكري عالي الخطورة، مثل المرضى الذين يعانون من السكري لأكثر من 10 سنوات، أو يحتاجون إلى الأنسولين يومياً، أو لديهم أمراض الأوعية الدقيقة. وتلقى المشاركون إما حقن «إيفولوكوما» الخافضة للكوليسترول كل أسبوعين وإما دواء وهمي، مع استمرار جميع المشاركين على العلاج القياسي للكوليسترول، بما في ذلك «الستاتينات» و«إزيتيميب».

دواء «إيفولوكوما»

وبعد 48 أسبوعاً، تبين أن دواء «إيفولوكوما» خفّض مستويات الكوليسترول الضار بنسبة تقارب 60 في المائة، ما أسهم في تقليل خطر حدوث أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية أو الوفاة بسبب أمراض القلب بنسبة 31 في المائة مقارنة بالعلاج القياسي وحده.

وعلى مدى متابعة استمرت نحو خمس سنوات، سجلت مجموعة «إيفولوكوما» معدل حدوث أحداث قلبية وعائية أولى بنسبة 5 في المائة مقابل 7.1 في المائة في مجموعة الدواء الوهمي.

وأظهرت الدراسة أن معدلات الآثار الجانبية كانت متقاربة بين المجموعتين، ما يشير إلى أن العلاج كان جيد التحمل لدى هذه الفئة من المرضى.

وأشار الباحثون إلى أنه على مدار أكثر من عقد، كان استخدام العلاجات المكثفة لخفض الكوليسترول يقتصر على المرضى الذين لديهم أمراض قلبية معروفة.

وأضافوا أن هذه النتائج تظهر أن خفض الكوليسترول المبكر يمكن أن يمنع أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية لدى مرضى السكري المعرضين للخطر، حتى قبل ظهور تصلب الشرايين الكبير. وقد يؤدي استخدام «إيفولوكوما» أو علاجات مكثفة مشابهة إلى تعديل التوصيات الطبية للوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية في الفئات عالية المخاطر.

ونوه الفريق بأن تطبيق هذا العلاج على نطاق أوسع يمكن أن يقلل معدلات الوفاة والأمراض القلبية الخطيرة لدى ملايين مرضى السكري حول العالم.


لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
TT

لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
«الفهد» (تاتيوس فيلمز)

من الأخطاء الشائعة، قصداً أو عن جهل، أن أول فيلم ضمن السينما الإيطالية الواقعية في الأربعينات كان «سارقو الدراجات» لڤيتوريو دي سيكا سنة 1948. والحال أن هذا الفيلم هو من الأعمال التي أسست فعلاً لما يُعرف بالسينما الواقعية الجديدة، لا بدايتها؛ إذ إن السينما الإيطالية، على وجه الخصوص، وكذلك سينمات أخرى عديدة، لم تعرف الواقعية بوصفها منهجاً مستقراً، بل تجلت في أفلام متباعدة وقليلة؛ ما يدفع الناقد إلى إعادة طرح السؤال عن سبب تسميتها «جديدة» إذا لم يكن هناك «قديمة».

البداية الفعلية للواقعية الجديدة

من «هاجس» أول أفلام المخرج (أجاي فيلم)

لكن، بعيداً عن هذه النقطة التي قد تُثير جدلاً يستحضر أعمال السينما الإيطالية الاجتماعية في الفترة الصامتة وما بعدها، هناك فيلم يسبق «سارقو الدرّاجات»، أنجزه لوكينو ڤيسكونتي عام 1943 بعنوان «هاجس» (Obsession). وهو فيلم درامي اجتماعي تدور أحداثه في أتون الحياة في القاع، حول رجل وزوجته ودخيلٍ يقتحم حياتهما، بما يترتب على ذلك من عواطف متشابكة، وما يعقبه من شعور بالذنب والضعف.

بعد انتهاء لوكينو ڤيسكونتي (توفي قبل نحو 50 عاماً) من تصوير بعض مشاهد «هاجس» (بالأبيض والأسود)، أرسل ما صوّره إلى المونتير ماريو سيراندراي، الذي كتب له بعد مشاهدتها: «أحببت هذه المشاهد. لا أعرف كيف أعرّف هذا النوع الجديد من السينما، إلا بأنه واقعية جديدة».

ورد ذلك في كتاب لغايا سرڤاديو الصادر سنة 1983 بعنوان «لوكينو ڤيسكونتي: سيرة»، وعزّزه المؤلف هنري باكون في كتابه الصادر سنة 1998 «ڤيسكونتي: استكشاف الجمال والانحلال» (Visconti: Explorations of Beauty and Decay).

المخرج لوكينو ڤيسكونتي (IMDB)

وسرد ڤيسكونتي هذه الواقعة بنفسه في بعض مقابلاته، مؤكداً أن هذا النعت («واقعية جديدة») لم يكن قد استُخدم من قبل.

والفيلم نفسه ينطق بذلك من خلال واقعية الشخصيات ومشاعرها، وإبقاء الدراما كامنةً غير مُعلنة أو مباشرة. كما يتجلى ذلك في مواقع التصوير ضمن البيئات الفقيرة في المدينة.

أثار الفيلم استياء بعض مشاهديه من أوساط الحكومة الفاشية في عهد بنيتو موسوليني، فغادر بعضهم القاعة قبل انتهاء العرض، واصفين الفيلم بأنه معادٍ لإيطاليا. وأعقب ذلك صدور قرار بمنع عرضه، والحجز على ما أمكن من نسخه.

ثلاثي مختلف

كان لوكينو ڤيسكونتي يساريَّ التوجّه ومعادياً للفاشية، علماً بأنه وُلد عام 1906 في كنف عائلة أرستقراطية مرفّهة وذات تأثير سياسي. خدم في الجيش الإيطالي لمدة عامين (1926-1928)، ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية ودخول إيطاليا فيها، اختار أن يتخذ موقفاً معادياً للفاشية.

لكن قبل اندلاع تلك الحرب، قصد ڤيسكونتي فرنسا، حيث تعرّف إلى المخرج جان رينوار، الذي استعان به مساعداً في بعض أفلامه، أولها «يوم في الريف» (A Day in the Country) سنة 1935. واستمر التعاون بينهما حتى مطلع الحرب العالمية الثانية، وهي فترة كانت كافية ليتشرّب خلالها المخرج الإيطالي تأثير أحد أبرز صناع السينما الفرنسية آنذاك.

قد يلاحظ بعض من يشاهد النسخة المتوفرة من «هاجس» تأثيراً آخر؛ فمن قرأ رواية جيمس م. كاين «ساعي البريد يرن مرتين دائماً» (The Postman Always Rings Twice) فسيجد تشابهاً بين العملين. وكان رينوار هو من أعطى الرواية لڤيسكونتي لقراءتها. وتدور أحداثها حول شاب يصل، في خضم أزمة اقتصادية في الولايات المتحدة، إلى محطة بنزين ريفية يملكها رجل متقدّم في السن وزوجته الشابة. يعمل الشاب في المحطة، وسرعان ما تنشأ علاقة بينه وبين الزوجة وتنتهي بقتل الزوج.

غير أن ڤيسكونتي لم ينقل أحداث الرواية كما هي في فيلمه «هاجس»، بل اكتفى بثلاثية الشخصيات مع اختلاف في الوقائع وتوجهاتها العاطفية. ويكفي هنا التأكيد على أن رواية كاين كانت ذات طابع عاطفي - جنائي، في حين جاء فيلم ڤيسكونتي عاطفياً - اجتماعياً.

من الأرض إلى القصر

«موت في ڤينيسيا» مع ديرك بوغارد (ألفا سينماتوغرافيكا)

بعد هذا الفيلم، واصل المخرج مسيرته السينمائية محققاً نجاحاً فنياً كبيراً. وقد برع منذ البداية في معالجة شخصياته وفي إحكام سيطرته على كل تفاصيل العمل، كما يتضح في «الأرض تهتز» (La Terra Trema) سنة 1948. ومع ذلك، فإن هذه الصرامة الإخراجية تبلورت لاحقاً، حين ابتعد عن إنجاز الأفلام ذات التوجهات اليسارية المباشرة، من دون أن يتخلى عن خلفيته الفكرية.

يتناول «الأرض تهتز» حياة صيادين في قرية يواجهون هيمنة التجّار على أرزاقهم، وكيف يستجيب بعضهم بالخضوع، فيما يختار آخرون المقاومة. ورغم أن ڤيسكونتي لم يتخلَّ عن الواقعية التي أرساها منذ أفلامه الأولى، فقد بدأ ينسج أسلوباً فنياً أكثر تركيباً لطرح موضوعاته. ويُعدّ روبرتو روسيلليني الأقرب إليه في هذا المجال؛ إذ انطلق بدوره ضمن تيار الواقعية الجديدة، في حين بدأ ڤيتوريو دي سيكا في هذا المنهج ثم ابتعد عنه لاحقاً، من دون أن يقدّم عملاً يتجاوز أهمية «سارقو الدراجات».

في الستينات، اتجهت أفلام ڤيسكونتي نحو عناية جمالية أعلى، مع نقل الأحداث إلى عوالم القصور والبُنى الطبقية، كما في «الفهد» (The Leopard) عام 1963، و«ساندرا» (1965)، و«الغريب» (عن رواية ألبير كامو، 1967)، ثم «الملعونون» (The Damned) 1969.

وليس من الدقة القول إن هذه الأفلام (وسواها) على مستوى واحد من الجودة، غير أن السمة الأبرز في هذا التحول من حكايات الشوارع والبلدات الصغيرة إلى العالم الأرستقراطي تتجلى بوضوح في «الفهد» و«الملعونون»، ولاحقاً في «موت في ڤينيسيا» (Death in Venice) سنة 1971، المأخوذ عن رواية توماس مان، ثم «لودڤيغ» (1973)، الذي يتناول سيرة ملك باڤاريا في أحداث تمتد بين عامي 1864 و1886.


تعاون سعودي - بريطاني لتعزيز الأبحاث الثقافية عن الجزيرة العربية وتراثها الحضاري

في سبتمبر الماضي أعلنت السعودية عن اكتشاف أقدم مستوطنة معمارية في الجزيرة العربية في موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك (واس)
في سبتمبر الماضي أعلنت السعودية عن اكتشاف أقدم مستوطنة معمارية في الجزيرة العربية في موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك (واس)
TT

تعاون سعودي - بريطاني لتعزيز الأبحاث الثقافية عن الجزيرة العربية وتراثها الحضاري

في سبتمبر الماضي أعلنت السعودية عن اكتشاف أقدم مستوطنة معمارية في الجزيرة العربية في موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك (واس)
في سبتمبر الماضي أعلنت السعودية عن اكتشاف أقدم مستوطنة معمارية في الجزيرة العربية في موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك (واس)

أطلقت وزارة الثقافة في السعودية، الزمالات السعودية - البريطانية للأبحاث الثقافية في شبه الجزيرة العربية، بالشراكة مع جامعة عفّت والأرشيف الوطني للمملكة المتحدة، وهو برنامج يدعم البحوث المستندة إلى المقتنيات الأرشيفية، ويُحفز على البحث الثقافي حول الجزيرة العربية، ويُعزز التعاون بين الباحثين والمؤسسات في السعودية والمملكة المتحدة.

ويشمل البرنامج إقامة بحثية على مدار 10 أسابيع في مقر الأرشيف الوطني للمملكة المتحدة، يحظى خلالها الزملاء الباحثون بالتدريب العملي على المهارات الأرشيفية، وزيارة المقتنيات الأرشيفية والمؤسسات الثقافية الأخرى في المملكة المتحدة، كما تدعم الزمالة نطاقاً واسعاً من الأبحاث الثقافية عن الجزيرة العربية.

وتأتي الزمالات السعودية - البريطانية للأبحاث الثقافية في شبه الجزيرة العربية ضمن توجّه وزارة الثقافة الاستراتيجي للبحوث الثقافية، ويُجسّد اهتمامها بتحفيز البحث الثقافي، وتعزيز التعاون على الصعيدين المحلي والعالمي، كما يعكس حرص الوزارة على تعزيز التبادل الثقافي الدولي بوصفه أحد أهداف الاستراتيجية الوطنية للثقافة، تحت مظلة «رؤية المملكة 2030».

وتعتمد وزارة الثقافة على نتائج البحث أساساً للابتكار والتطوير الثقافي، وعلى دوره في فهم الثقافة والتراث الوطني، ويتيح برنامج المنح الفرصة لإثراء القطاع الثقافي؛ وتمكين الباحثين السعوديين وتحفيز المجتمع البحثي الأوسع لإنتاج معرفة رصينة عن الثقافة والتراث وتقديم رؤى جديدة مبنية على الأدلة لتطوير القطاع الثقافي.

وتُتاح الزمالة للباحثين والمختصين في التراث الثقافي القادرين على إجراء بحث باللغة الإنجليزية وباستقلالية، بغض النظر عن مرحلتهم العملية، ويمكن للباحثين والمختصين الراغبين في الالتحاق بالبرنامج الاطلاع على تفاصيله، والتقديم عبر منصة إلكترونية مخصصة للبرنامج، على أن يلتزم المتقدمون بتكريس نسبة كبيرة من وقتهم للزمالة التي تمتد فترتها من 1 أغسطس (آب) 2026 حتى 31 يوليو (تموز) 2027.

يأتي برنامج الزمالات للأبحاث الثقافية في شبه الجزيرة العربية ضمن توجّه وزارة الثقافة الاستراتيجي للبحوث الثقافية (واس)

اهتمام استثنائي لتاريخ وتراث الجزيرة العربية

ويشهد تاريخ وتراث الجزيرة العربية اهتماماً غير مسبوق، من خلال جهود وزارة الثقافة السعودية التي تسعى إلى إعادة اكتشاف الجذور التاريخية للمنطقة، وتوثيقها بأسلوب علمي رصين، وتحويل خزائن الأرض من التراث الصامت، إلى مادة خصبة للبحث والدراسة والإنتاج البحثي الرصين.

وقامت الوزارة بإنشاء هيئات متخصصة، على رأسها هيئة التراث، التي وضعت البحث العلمي في قلب استراتيجيتها، من خلال صياغة سياسات واضحة لدعم الدراسات الميدانية، وتوفير التمويل اللازم للبعثات الأثرية المحلية والدولية، وبناء قواعد بيانات رقمية شاملة للمواقع التراثية لتسهيل وصول الباحثين إليها.

وبناءً على ما يتطلبه فهم تراث الجزيرة العربية من تضافر للجهود العالمية، اعتمدت الوزارة التعاون مع كبرى الجامعات والمراكز البحثية العالمية، لدعم الدراسات التي تستخدم تقنيات حديثة، مثل النمذجة ثلاثية الأبعاد وتحليل الحمض النووي القديم (Archaeogenetics) لفهم الهجرات البشرية الأولى، إضافة إلى تمكين الباحثين السعوديين من العمل جنباً إلى جنب مع خبراء دوليين لنقل المعرفة وتوطين الخبرات.

ولم يقتصر الاهتمام على فحص ما تحتفظ به الآثار من سردية تاريخية عريقه، بل امتد ليشمل الإنسان وحكايته على أرض الجزيرة العربية، وشملت دائرة الاهتمام بتراث المنطقة دعم الدراسات اللغوية والأنثروبولوجية للهجات واللغات القديمة في الجزيرة العربية، وتوثيق الفنون الأدائية والموسيقى التقليدية والحرف اليدوية عبر بحوث استقصائية ميدانية، وإطلاق مبادرات لتدوين التاريخ الشفهي، ما يحفظ الذاكرة الوطنية من الاندثار.