خيوط تحكي... النسيج كجسر بين التراث والفن الحديث

حوار مع أسماء الجهني وزينب أبو حسين عن ذاكرة المكان والفن المعاصر

تحضير عمل «عمتي والكرورو» للفنانة زينب أبو حسين (إنستغرام)
تحضير عمل «عمتي والكرورو» للفنانة زينب أبو حسين (إنستغرام)
TT

خيوط تحكي... النسيج كجسر بين التراث والفن الحديث

تحضير عمل «عمتي والكرورو» للفنانة زينب أبو حسين (إنستغرام)
تحضير عمل «عمتي والكرورو» للفنانة زينب أبو حسين (إنستغرام)

كل منسوجة يدوية تحمل حكاية، تحمل أصواتاً وروائح موروثة، كل منها تحمل بصمة خاصة، وأيضاً لمسة عن تاريخ وثقافة مجتمع.

مثلت المنسوجات جانباً مهماً في أعمال الفنانتين السعوديتين الدكتورة أسماء الجهني وزينب أبو حسين، ومعهما يجري حوارنا عن النسيج كوسيط رئيس في الأعمال الفنية. دار الحديث حول الذاكرة والحكايات، وعن دور البيئة في تكوين رؤيتهما الفنية، وسألنا: كيف يصبح التقليدي معاصراً؟

عن الذاكرة والإلهام

نشأت الفنانة زينب أبو حسين في جزيرة تاروت شرق السعودية، حيث تتعانق البساتين مع أمواج البحر، في بيئة ريفية بسيطة، اعتادت نساؤها صنع كل شيء بأيديهن. تستحضر زينب ذكريات جدتها التي كانت تجدل السلال، ووالدتها التي وصفتها بالخياطة الماهرة، وتقول: «عندما تكبرين في بيئة تعتمد على الصناعة اليدوية، يصبح العمل اليدوي قريباً من روحك».

الفنانة زينب أبو حسين (الفنانة)

كانت الفنانة الدكتورة أسماء الجهني في طفولتها منشغلة بمراقبة حركة الإبرة وأشكال التطريز؛ إذ تتميز نساء المدينة المنورة بحرفة التطريز والكروشيه. وأيضاً امتهن بعض أفراد عائلتها حرفة السدو، مما دعاها هي أيضاً لتجربة هذه الحرف منذ الطفولة. لكن، لماذا قررت أن تجعل النسيج جزءاً من ممارستها الفنية؟

تقول الجهني: «تبحرت في عالم النسيج أثناء دراستي لمرحلة الماجستير في الولايات المتحدة، وتعلمت تقنيات تقليدية وحديثة. وعند اطلاعي على تاريخ النسيج ودوره الجوهري في مجالات مثل الطب والهندسة، استشعرت أهميته، ولمست أيضاً مرونته وقدرته على خدمة أي فكرة، وخاصة في المجال الفني». وكذلك كان لبيئة المدينة المنورة أثر على رؤية أسماء الفنية؛ فهذه المدينة المقدسة تتمتع بمكانة خاصة جعلتها حاضنة للأعراق والحكايات المتعددة. تضيف قائلة: «تنوع المجتمع المديني علمني قيمة الانتماء المتعدد وتقدير الاختلاف». طوّعت أسماء هذا الأثر في النسيج ليصبح مساحتها الخاصة التي تتعانق فيها جميع الحوارات والأفكار والحكايات.

الفنانة والباحثة د. أسماء الجهني (الفنانة)

أما زينب أبو حسين فأرادت الاستعانة بكل ما ارتبطت به في طفولتها كأداة تعبير في أعمالها الفنية، فهي تستعين بالنسيج والتطريز، مستلهمة الزخارف من نباتات جزيرة تاروت، أو مما تتذكره من زخارف على ملابس جدتها ووالدتها. وهي أيضاً تستخلص الأصباغ من المواد الطبيعية. تقول: «هذه المواد والروائح هي بمثابة آلة زمن، تعيدني لذلك الزمن الحنون». حتى حكايات أعمالها الفنية تستقيها من نساء الجزيرة المنسيات، وتتخذهن رمزاً لكل النساء، وتضيف: «أعمالي حميمية جداً، أصنعها بيدي وأنا بين عائلتي».

«أصوات منسوجة»

عبّرت الفنانة أسماء الجهني في عملها «أصوات منسوجة» عن مفهوم «المجلس» في الثقافة السعودية؛ كونه الحيز الذي يستحوذ على أهم مساحة وأكبر عناية في المنزل كمصدر للتباهي. ومن ناحية أخرى يعكس العمل كيف أصبحت هذه المجالس مساحات شبه مهجورة في البيوت، نتيجة المتغيرات التي طرأت على المجتمع السعودي. يتكون «أصوات منسوجة» من ست قطع كل منها يمثل نوعاً من المجالس، مثل مجلس النساء ومجلس العائلة ومجلس الرجال ومجلس البادية، بالإضافة إلى منسوجتين تفاعليتين. كل مجلس أو منسوجة تتضمن أصواتاً خاصة، سُجلت من مجالس حقيقية. أما المنسوجتان الإضافيتان فتتفاعلان مع أصوات الزائرين مظهرتين إضاءات متنوعة بحسب تردد الصوت، في رمزية للمساحات الصامتة التي تُخلق فيها الحياة من جديد بوجود الزوار وتفاعل الأفراد فيما بينهم. وعن الأسئلة التي يطرحها العمل تجيب: «تساءلت عن الذاكرة التي نحتفظ بها من حوارات المجالس، وشعور الانتماء الذي يتشكل داخلنا ضمن هذه المساحات. ومن خلال البحث الذي أجريته عن الأصوات والمجالس توصلت إلى أن الذاكرة متغيرة وفقاً لتغيراتنا نحن؛ بمعنى أن أصوات المجالس ليست وثيقة ثابتة، ولكن فكرة تختلف من شخص لآخر وقابلة للتطور مع الوقت».

تفصيلة من عمل «المجلس» للفنانة أسماء الجهني (الفنانة)

«عمتي والكرورو»

ومن ناحيتها، تحكي لنا الفنانة زينب أبو حسين عن فكرة عملها «عمتي والكرورو ». الكرورو هو نوع من البهار خاص بجزيرة تاروت مصنوع من ثمر الرمان المجفف، ويستخدم فقط لطهو المأكولات البحرية. تقول الفنانة: «أشعر أن هذا البهار هو نقطة التقاء بين البستان والبحر وبين الفلاحين والصيادين؛ لذا أردت توثيقه، وأردت التعبير عن شوقي لمشهد عمتي وهي تصنعه بنفسها».

يتكون العمل من سجادة من قماش الكتان المصبوغ بالحنة والمطبوع بتقنية الطباعة الحريرية بأصباغ مستخلصة طبيعياً من ورد الرمان وقشوره والزعفران والنيلة، ومطرز بزخارف مستلهمة من النخيل والبساتين. وبسؤالنا عن العبارات التي ترافق أغلب أعمالها، توضح لنا أن النصوص تأتي لتكمل باقي أحداث قصتها، وهذه العبارات إما نثرية أو شعرية، وإما تكون من كتاباتها الشخصية أو من أبيات زوجها الشاعر.

«عمتي والكرورو»... مشروع إقامة «مسك الفنية» للفنانة زينب أبو حسين (الفنانة)

بين التقليدي والمعاصر

تمزج أسماء الجهني في ممارستها الفنية بين التقليدي ممثلاً في حرفة النسيج، وبين التكنولوجيا الحديثة؛ إذ ترى أن توظيف التقنيات المعاصرة يسهم في إيصال الفكرة، ويفتح آفاقاً أوسع للإبداع. وفي المقابل، ترى أن الاستعانة بعناصر تعكس الهوية الثقافية تسهم في تعزيز أصالة العمل الفني ليغدو نتاجاً صادقاً يجمع بين عراقة الماضي وروح الحداثة. أما عن استخدام النسيج ليصبح وسيطاً تفاعلياً فتوضح: «حينها يكون المتلقي جزءاً من المعنى والفكرة، وأرى أن هذا التوجه يشكل جانباً مهماً في الفن المعاصر؛ إذ لا يكتفي العمل الفني بتعزيز المشهد البصري فقط، وإنما يمتد ليوقظ الحواس الأخرى كالسمع واللمس».

«أصوات منسوجة» للفنانة أسماء الجهني (الفنانة)

وعلى الجانب الآخر، تتمسك زينب أبو حسين بالتقنيات التقليدية في التعامل مع النسيج واستخلاص الأصباغ، وهي أيضاً تستعين بأسلوب المنمنمات في زخرفة أعمالها، وتهتم بشكل خاص بمنمنمات العصر الإسلامي الذهبي، وهذا ما يثير تساؤلاً حول مقدرة الوسيط التقليدي على حمل خطاب معاصر وعالمي.

ترى أن ألوانها المستخلصة طبيعياً تحمل خصوصية؛ فالألوان تتأثر درجاتها بتوفر المواد واختلاف المواسم، وكذلك التطريز الذي يختلف أسلوبه من منطقة لأخرى، ومن فنان لآخر. هذه التفاصيل الخاصة بأعمالها تضفي عنصر إبهار، وهي أيضاً قادرة على إثارة فضول المتلقي المعاصر من وجهة نظرها، وتضيف: «الفنان الذي يعبر بصدق عن مشاعره ستصل أعماله إلى قلوب الجميع من دون حواجز حتى وإن اختلفت اللغات. وهذا ما يدفعني باستمرار للبحث والاستكشاف ومشاركة الحكايات المحلية التي تنجح دائماً في ملامسة وجدان الناس في كل مكان».


مقالات ذات صلة

«مواقف الرياض»... تحول ذكي يرفع القيمة الاقتصادية للعاصمة

خاص سيارة في أحد المواقف الذكية التابعة لمشروع «مواقف الرياض» (أمانة منطقة الرياض)

«مواقف الرياض»... تحول ذكي يرفع القيمة الاقتصادية للعاصمة

تواصل مدينة الرياض تطوير منظومة مواقف السيارات ضمن توجهات رفع كفاءة البنية التحتية الحضرية، وتحسين تجربة التنقل، في خطوة تهدف إلى تنظيم المواقف، وتقليل الازدحام

دانه الدريس (الرياض)
الاقتصاد 1.046.016 مسافراً خلال فترة تنفيذ خطة المناقلة عبر 7.650 رحلة في جميع الصالات (واس)

«مطار الرياض» يُنفِّذ أكبر عملية مناقلة لصالاته

نجح مطار الملك خالد الدولي بالعاصمة السعودية الرياض في تنفيذ مشروع مناقلة الصالات التشغيلية، الذي جرى خلال الفترة بين 16 و25 فبراير (شباط) الحالي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد إحدى طائرات «طيران الرياض» تحلق في سماء العاصمة السعودية (صندوق الاستثمارات العامة)

«طيران الرياض» تعلن القاهرة ثاني وجهاتها الإقليمية

تعلن «طيران الرياض» اختيار القاهرة ثاني وجهاتها الإقليمية وثالث وجهاتها الدولية بعد دبي ولندن، ضمن خطتها التوسعية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
صحتك يمرّ واحد من كل 4 أشخاص بمستوى سريري من القلق في مرحلة ما بحياته (بكسلز)

6 عادات يومية قد تزيد القلق

تُعدّ اضطرابات القلق أكثر شيوعاً مما يظن كثيرون، إذ يمرّ واحد من كل 4 أشخاص بمستوى سريري من القلق في مرحلة ما بحياته.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة سعودية الفحل كريم الخالد لحظة التتويج (الشرق الأوسط)

الفحل «كريم الخالد» يخطف ذهبية الإنتاج المحلي للخيل العربية

تُوِّج الفحل «كريم الخالد» العائد لمربط الأهلية للخيل العربية بذهبية بطولة الإنتاج المحلي للخيل العربية الأصيلة 2026.

«الشرق الأوسط» (ملهم)

اندلاع حريق في قلعة تاريخية وسط ألمانيا

منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
TT

اندلاع حريق في قلعة تاريخية وسط ألمانيا

منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)

قالت الشرطة الألمانية في ساعة مبكرة من صباح اليوم الخميس إن أجزاء من قلعة تعود إلى القرن الثاني عشر تضررت جرَّاء حريق في ولاية تورينغن وسط ألمانيا.

وبحسب «وكالة الأنباء الألمانية»، فقد أوضح متحدث باسم الشرطة أن فرق الإطفاء تمكنت من منع امتداد النيران إلى أجزاء أخرى من قلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه.

واندلع الحريق في وقت متأخر من مساء أمس الأربعاء في مبنى على ناصية ضمن القلعة، مباشرة بجوار برج مراقبة مرتفع.

وبحسب المعلومات الأولية، لم يصب أحد بأذى. وأضاف المتحدث أنه تم تطويق الموقع، ومن المقرر أن تبدأ التحقيقات في أسباب الحريق في وقت لاحق اليوم.

ولم يتضح في البداية حجم الأضرار التي لحقت بالقلعة، ولا يزال سبب الحريق مجهولاً.

وتعد القلعة، التي شيدت نحو عام 1170، واحدة من أهم نماذج العمارة الرومانسكية في ألمانيا، وفقاً لمؤسسة قصور وحدائق تورينغن، التي تشير إلى أن الموقع يحتفظ بقدر نادر من النسيج المعماري الأصلي من العصور الوسطى العليا.


قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
TT

قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)

كم مرة وجدت نفسك تؤجل مهمة ضرورية إلى وقت لاحق؟ مشروع عمل يتراكم، أو كومة من الملابس تنتظر الطي، أو فاتورة تؤجل سدادها يوماً بعد يوم. التسويف سلوك شائع يكاد لا يسلم منه أحد، وغالباً ما يبدأ بنية بسيطة للتأجيل، لكنه يتحول سريعاً إلى عادة مرهقة تعيق الإنجاز. لكن ماذا لو وُجدت طريقة سهلة وسريعة تساعدك على كسر هذه الحلقة، وتمنحك دفعة فورية للبدء؟ هنا تبرز «قاعدة الثواني الخمس» بوصفها إحدى أكثر الأساليب بساطة وانتشاراً لمواجهة التسويف.

وحسب موقع «فيري ويل هيلث»، تُعد هذه القاعدة أداة عملية يمكن تطبيقها فوراً لتحفيز النفس على اتخاذ الخطوة الأولى نحو إنجاز المهام.

ما هي قاعدة الثواني الخمس؟

اكتسبت «قاعدة الثواني الخمس» شهرة واسعة، لا سيما عبر منصات مثل «تيك توك»، بوصفها حلاً سريعاً ومباشراً لمشكلة المماطلة. وقد ابتكرتها المؤلفة ومقدمة البودكاست ميل روبنز، التي قدّمتها وشرحتها في كتابها «قاعدة الثواني الخمس» (The 5 Second Rule).

تقوم الفكرة على مبدأ بسيط: عندما تشعر بضرورة القيام بمهمة ما، أو حتى برغبة في إنجازها، تبدأ فوراً بالعد التنازلي من الرقم خمسة إلى الرقم واحد، ثم تتحرك مباشرة لتنفيذها دون تردد.

على سبيل المثال، إذا كنت مستلقياً صباحاً تتصفح هاتفك بلا هدف، وخطر ببالك أنه ينبغي عليك النهوض لتنظيف أسنانك أو تناول الإفطار، فإن هذه القاعدة تدفعك إلى التحرك فور انتهاء العدّ، بدلاً من الاستسلام للتفكير المطوّل أو التأجيل. فهي تُحفّز الجزء المسؤول عن اتخاذ القرار في الدماغ، مما يساعد على بدء التنفيذ قبل أن يتدخل التردد.

كيف تعمل هذه القاعدة؟

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير، أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق، ثم تمتد هذه الدقائق إلى ساعات أو حتى أيام. وهنا يأتي دور «قاعدة الثواني الخمس» التي تعيد تركيزك إلى اللحظة الراهنة، وتساعدك على كسر نمط المماطلة عبر اتخاذ إجراء فوري.

توضح راشيل إيسيب، مدربة الإنتاجية، أن هذه القاعدة «يمكن أن تعزز إنتاجيتك؛ لأنها تخلق شعوراً بالإلحاح والأهمية تجاه إنجاز مهمة معينة أو مجموعة من المهام».

من جانبه، يشرح كيفن كونور، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «Modern SBC»، الأساس النفسي لهذه القاعدة قائلاً: «صُممت أدمغتنا لحمايتنا من الشعور بعدم الارتياح، وهو ما يدفعنا غالباً إلى تجنب المهام الصعبة أو المرهقة أو التي تبدو كبيرة ومعقدة. إن العد التنازلي يُنشّط القشرة الجبهية الأمامية، وهي المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرارات. وهذا التحول الذهني البسيط قد يكون كافياً لتجاوز الشك والبدء في التحرك، قبل أن يضغط الدماغ على زر التوقف».

ما فوائد هذه القاعدة؟

تؤكد الدكتورة إيلينا توروني، اختصاصية علم النفس، أن «قاعدة الثواني الخمس» تمثل أداة فعالة لكسر حلقة الإفراط في التفكير والتسويف، إذ تمنح الأفراد وسيلة بسيطة لتجاوز التردد والبدء في العمل.

وتضيف أن هذه القاعدة، من خلال خلق نوع من الزخم والاندفاع، تساعد على بناء الثقة بالنفس، وتقليل الشك الذاتي، وتعزيز الدافع والتحفيز مع مرور الوقت.

ويرى كونور أن فوائد هذه القاعدة لا تقتصر على زيادة الإنتاجية فحسب، بل تمتد إلى تحسين الصحة النفسية بشكل عام. فالتسويف والإفراط في التفكير غالباً ما يرتبطان بمشاعر سلبية مثل التوتر، وتأنيب الضمير، والتشكيك في القدرات الذاتية.

ويختتم قائلاً: «إن كسر هذه الحلقة، حتى عبر خطوات صغيرة جداً، يمكن أن يعزز الثقة بالنفس، ويخفف القلق، ويمنح الإنسان شعوراً بالهدف. فالأمر لا يتعلق فقط بإنجاز المزيد من المهام، بل بالشعور بقدر أكبر من السيطرة على يومك وحياتك».


أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)

تشهد الدول العربية واحدة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع بالمنطقة، إذ يتقاطع فيها تأثير المنخفضات الجوية المقبلة من حوض البحر المتوسط مع الخصائص والسمات المتباينة للأجواء والجغرافيا العربية.

وتشير البيانات الجوية الصادرة حديثاً إلى أن الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط، تتأثر بعاصفة شتوية قوية نادرة نسبياً خلال هذا الوقت من العام، بسبب تشكل منخفض جوي عميق ناتج عن حدوث تفاعل معقد بين كتل هوائية باردة مقبلة من المنطقة القطبية وأخرى مدارية دافئة، مما يؤدي إلى اضطرابات جوية شديدة، تتمثل في انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة، وأمطار غزيرة، ونشاط قوي للرياح، مع احتمالية حدوث ظواهر جوية متطرفة.

ووفق الخبراء، فإن حالة الطقس الحالية ذات طابع إقليمي واسع النطاق، وتشمل تأثيراتها أجزاء كبيرة من الدول العربية جنوب البحر المتوسط ومناطق الخليج والشام والعراق، مع استمرار التحذيرات من أن هذه الظواهر الجوية قد تمتد كذلك إلى إيران وتركيا.

علماء أرجعوا التقلبات الحادة إلى تغير المناخ (الشرق الأوسط)

قال الدكتور مصطفى عصام، مدرس في قسم الفلك والأرصاد الجوية وعلوم الفضاء في كلية العلوم بجامعة القاهرة المصرية: «تتعرض منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام لآثار توزيع معين للكتل الهوائية، إذ تشهد المنطقة تحرك منخفض جوي اتجه من شمال أوروبا إلى حوض البحر المتوسط، خلال يومي، الثلاثاء والأربعاء، حيث يؤثر على دول شمال أفريقيا المطلة على البحر المتوسط، ويكمل مسيرته عبوراً للبحر الأحمر، ليمتد تأثيره إلى دول الخليج وبلاد الشام.

مرتفع الأورال

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن سبب تحرك هذا المنخفض الجوي من شمال أوروبا إلى الجنوب هو وجود مرتفع جوي معروف بمرتفع الأورال، من سماته إجبار أي منخفض يتكون على المحيط الأطلسي بالاتجاه جنوباً، وبالتالي ظهور تأثيره على الدول العربية.

ويأتي المنخفض الجوي قادماً من أوروبا عبر البحر المتوسط محملاً بكمية كبيرة من بخار الماء، ويعزز الإشعاع الشمسي في هذا الوقت من العام وجود كمية كافية من الطاقة الحرارية التي تؤدي إلى تكوُّن السحب الرعدية.

وأوضح عصام أن تأثير هذا المنخفض الجوي يستمر ليصل إلى السعودية مع احتمال كبير جداً لوجود السحب الرعدية وكميات من الأمطار على المناطق الغربية ووسط وشمال المملكة، والتي تتحرك باتجاه الشرق، وصولاً إلى المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية والكويت والعراق والإمارات والبحرين وقطر وعمان، فجر يوم الجمعة.

فيضانات بجزر الكناري الإسبانية (إ.ب.أ)

وكان المركز الوطني للأرصاد في السعودية قد أصدر تحذيراً بشأن احتمال تشكّل أعاصير قمعية وشواهق مائية في البحر الأحمر ومناطق أخرى متأثرة بحالة مطرية نشطة. كما توقع المركز استمرار هطول أمطار رعدية تتراوح بين متوسطة وغزيرة اليوم (الأربعاء)، قد تؤدي إلى جريان السيول، وتكون مصحوبة بزخات من البرد ورياح شديدة السرعة مثيرة للأتربة والغبار، ما قد يتسبب في تدنٍ أو شبه انعدام في مدى الرؤية الأفقية.

وكتب الدكتور محمد الألفي، أستاذ الهيدروجيولوجيا ونظم المعلومات والاستشعار عن بعد في كلية العلوم بجامعة المنصورة المصرية، على صفحته في منصة «فيسبوك»: «تعد هذه الحالة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع في مصر والمنطقة العربية».

عوامل متزامنة

وأضاف أن موجات عدم الاستقرار هذه تنشأ نتيجة لتضافر عدة عوامل متزامنة، وهي المنخفض الجوي المتوسطي، حيث تتسم موجات الربيع بتكون منخفضات جوية تنشأ فوق البحر المتوسط، تحمل معها هواءً رطباً وبارداً. ويحفز هذا الهواء الرطب تكون السحب الركامية والرعدية، خصوصاً حين يلتقي بالهواء الدافئ القادم من الجنوب.

وأضاف أن العامل الثاني هو التباين الحراري الحاد، إذ يأتي عدم الاستقرار بالتزامن مع ارتفاع مؤقت في درجات الحرارة على جنوب البلاد، مما يخلق حالة من التباين الحراري الحاد بين الشمال والجنوب، وهو ما يحفز تكون السحب الرعدية الممطرة.

من جانبه، وصف الدكتور عمر فكري، الحاصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء الفلكية، رئيس القبة السماوية بمكتبة الإسكندرية سابقاً، مثل هذه الظواهر بأنها «ظواهر مناخية متطرفة وغير متوقعة على كوكب الأرض، موضحاً أن مثل هذه الظواهر لا تقتصر على منطقتنا العربية فقط، إنما تحدث الآن لكن بتأثير معاكس على مناطق مقابلة في نصف الكرة الجنوبي أيضاً، ولكن في صورة ظواهر مناخية شديدة الحرارة والجفاف مصحوبة بوقوع حرائق في تلك المناطق.

تطور غير متوقع

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مثل هذه الظواهر هي تطور غير متوقع في الظروف الجوية على كوكب الأرض، إذ إن الله خلق كوكب الأرض ليكون متزناً حرارياً، ولكن مع ارتفاع مستويات الاحتباس الحراري ارتفع المحتوى الحراري لكوكب الأرض بشكل عام، وبالتالي ظهور مثل هذه الظواهر المناخية المتطرفة وغير المعتادة.

أحد شوارع الجيزة المصرية غارق في الأمطار (الشرق الأوسط)

من جانبه، قال عصام إن هذه الظواهر المناخية تعد من الأمور المعتادة، ولكن ليس من الضروري حدوثها في كل عام، لأن من خصائص الجو التباين السنوي وفق توزيعات الكتل الهوائية التي تتأثر بالكتلة الجليدية في القطب الشمالي، والكتلة الهوائية القطبية التي تسبب تغير مسار المنخفضات الجوية الطبيعية.

وفيما يتعلق بتعزيز التغير المناخي لمثل هذه الظواهر الجوية، أوضح أن الدراسات العلمية أثبتت أن المرتفعات الجوية التي تسبب تحرك تلك المنخفضات للجنوب تزيد في الشدة، كما تزيد في مدة بقائها بفعل التغير المناخي، وبالتالي تزيد من تأثير الأجواء الممطرة أو الأجواء الجافة، وفق مكان تكون المرتفع، كما حدث في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) من هذا العام، حيث كانت الأجواء دافئة وجافة لمدة زمنية طويلة.