مع انتشار الطائرات المسيّرة... طيارو الجيش الأميركي قلقون بشأن مستقبلهم

إحلال جنود مدربين لإدارتها بدلاً منهم

طائرة «إيه دبليو 119 تي» من بوينغ للتدريب
طائرة «إيه دبليو 119 تي» من بوينغ للتدريب
TT

مع انتشار الطائرات المسيّرة... طيارو الجيش الأميركي قلقون بشأن مستقبلهم

طائرة «إيه دبليو 119 تي» من بوينغ للتدريب
طائرة «إيه دبليو 119 تي» من بوينغ للتدريب

يشهد قطاع الطيران في الجيش الأميركي أحد أهم تحولاته منذ عقود، حيث تُعيد الأتمتة وضغوط التكلفة والتقنيات الجديدة، صياغة كيفية تدريب الطيارين والأدوار التي سيلعبونها في الحروب المستقبلية، كما كتب توماس نوفلي (*).

قلق الطيارين

يشعر العديد من الطيارين الحاليين بالقلق بشأن مستقبلهم، مع تبني الجيش للأنظمة غير المأهولة واستعداده لتقليص قوة طائرات الهليكوبتر، بينما يأمل آخرون أن يُؤدي نظام تدريب مُجدد - يُطلق عليه اسم «مدرسة الطيران التالية» Flight School Next- إلى جيل من الطيارين أقل عدداً ولكنه أكثر كفاءة من الطيارين الحاليين.

خفض أعداد الأفراد والنفقات

يأتي هذا التحول في ظل تخفيضات تنظيمية شاملة. إذ يخطط الجيش للتخلص من 6500 من أصل 30 ألف جندي طيران بحلول عام 2027، وذلك إلى حد كبير من خلال إزالة سرب واحد من سلاح الفرسان الجوي لكل لواء طيران قتالي يعمل في الخدمة الفعلية.

ويجادل القادة بأن هذه الخطوة ستُنشئ «قوةً أكثر كفاءةً وفتكاً» من خلال التخلص من المنصات القديمة والاستثمار في التكنولوجيا. ومع ذلك، بالنسبة للعديد من الطيارين، فإنها تُشير إلى احتمال تآكل أدوار الطيران التقليدية وعقود من الخبرة المكتسبة بشق الأنفس.

جنود لطائرات «درون» لـ«قوة أكثر فتكاً»

يُؤكد التقدم السريع للطائرات ذاتية القيادة هذه المخاوف، إذ قامت شركة سيكورسكي أخيراً بتدريب جندي مُجنّد - بدلاً من طيار - على قيادة إحدى طائرات بلاك هوك الذاتية القيادة في رحلة بطول 70 ميلاً بحرياً باستخدام واجهة جهاز لوحي فقط.

تهميش الطيارين

وأوضحت هذه التجربة كيف يُمكن تهميش الطيارين البشريين بشكل متزايد مع توسع الجيش في أسطوله من الطائرات دون طيار. يُقر بعض الطيارين بأن الأتمتة ستقلل حتماً من المخاطر والتكلفة، لكنهم يُحذرون من تجاهل الخبرة المكتسبة عبر الأجيال اللازمة لإدارة المهام المعقدة في ظل ظروف القتال. في الوقت نفسه، لا يريد الجيش عدداً أقل من الطيارين فحسب، بل يريد أيضاً طيارين أفضل.

«مدرسة الطيران التالية»

ستُحوّل مبادرة «مدرسة الطيران التالية» تدريب المروحيات الأساسي من نموذج تديره الحكومة إلى نموذج تملكه وتُشغّله شركات المقاولات، ما قد يوفر المال ويُحسّن النتائج. وتتنافس شركات الدفاع مثل بوينغ وليوناردو وبيل وإم دي هليكوبترز وروبنسون وإنستروم وإيرباص على توفير الطائرات والمدربين.

وتَعِد كلٌّ منها ببرنامج أكثر كفاءةً وفاعليةً من حيث التكلفة باستخدام طائرات هليكوبتر أحادية المحرك، وهي أرخص وأكثر ملاءمةً لممارسة المناورات الرئيسية - مثل الدوران التلقائي والتحكم المضاد لعزم الدوران - من طائرة إيرباص يو إتش-72 لاكوتا الثنائية المحرك الحالية.

تراجع كفاءة الطيارين... بسبب التكنولوجيا

أقرّ اللواء كلير جيل، رئيس مدرسة الطيران التابعة للجيش، بتراجع كفاءة الطيارين في السنوات الأخيرة. ففي السنة المالية 2024، سجّل الجيش 17 حادثاً من الفئة إيه، وهو أسوأ سجل سلامة له منذ عام 2007. ويُرجع جيل هذا الاتجاه جزئياً إلى عدم كفاية منصات التدريب والاعتماد المفرط على الأنظمة الآلية، ما يجعل الطيارين الجدد «جيدين جداً في عمليات الأنظمة» ولكنهم «ليسوا جيدين جداً في أساسيات الطيران».

ويأمل جيل، من خلال العودة إلى الطائرات أحادية المحرك، استعادة مهارات الطيران اليدوي الأساسية مع خفض التكاليف التشغيلية.

تكنولوجيا لمعارك المستقبل

وتُقدّم الشركات مقترحاتها بقوة. على سبيل المثال، تُسلّط شركة بيل الضوء على تاريخها الطويل في تدريب طياري الجيش منذ عام 1946، وعلى سهولة استخدام مروحيتها 505 وسعرها المناسب. وقد تعاونت بوينغ وليوناردو لتقديم «حل جاهز مبتكر» يجمع بين طائرة التدريب«إيه دبليو 119 تي» AW119T من ليوناردو وخبرة بوينغ في طائرات أباتشي. وتُصرّ إيرباص، مُدافعةً عن طائرتها UH-72 لاكوتا، على إمكانية تعطيل ميزات الأتمتة فيها لإجراء تدريب أكثر صرامة، مُستشهدةً بسجلّ السلامة القوي للطائرة.

يبدأ شركاء الجيش الصناعيون بالفعل في التكيف مع هذا المستقبل. فقد كشفت بوينغ أخيراً عن مفهوم لطائرة دون طيار مُجهزة بمراوح قابلة للتعديل، مصممة للعمل جنباً إلى جنب مع طائرات الهليكوبتر المأهولة، ما يعكس كيف ستمزج ساحات القتال المستقبلية على الأرجح بين الموارد البشرية والأنظمة الذاتية التشغيل.

لحظة محورية

في الوقت الحالي، يجد طيارو الجيش أنفسهم عالقين بين حقبتين، مصممين على الحفاظ على أهميتهم حتى مع تحول التكنولوجيا في مهنتهم. وكما قال أحد طلاب الطيران: «سننظر إلى هذا العام على أنه لحظة محورية... بينما نركز على الأنظمة غير المأهولة، ما زلنا نحاول توفير تدريب جيد ومكثف للطيارين لدينا». في جوهره، فإن التحول في مجال الطيران في الجيش هو بمثابة عمل متوازن: احتضان الأتمتة والكفاءة من حيث التكلفة دون فقدان المهارات البشرية وحكمة الإنسان.

* مجلة «ديفينس وان»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

مونديال أكثر تفاعلاً... كيف تعيد التكنولوجيا تشكيل تجربة الجماهير؟

تكنولوجيا يوسّع مونديال 2026 دور المشجع من متابع للمباريات إلى مشارك في تجربة رقمية مستمرة (شاترستوك)

مونديال أكثر تفاعلاً... كيف تعيد التكنولوجيا تشكيل تجربة الجماهير؟

يوسّع مونديال 2026 دور المشجع عبر التصويت والتوقع و«الفانتازي» والخدمات الرقمية لتصبح المتابعة تجربة تفاعلية تتجاوز زمن المباراة.

نسيم رمضان (لندن)
علوم الغطاء الذكي يوع فوق فراش السرير وبقربه الخزان

غطاء بالذكاء الاصطناعي لفراش السرير... يساعد على النوم

يضخ هواء مبرداً عند ازدياد التململ... ويرفع الرأس عند الشخير

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا يوجه النظام الصوتيات نحو المستخدم وإلى السقف ليُشعر بقبة صوتية مبهرة تزيد من مستويات الانغماس

شريط «إل جي إس 95 تي آر» الصوتي: السينما المنزلية كما لم «تسمعها» من قبل

يتوافق مع أجهزة الألعاب الحديثة وتكامل مع سماعات التلفزيونات الذكية

خلدون غسان سعيد (جدة)
الاقتصاد ملتقى الحكومة الرقمية في نسخته الماضية بالرياض (هيئة الحكومة الرقمية)

السعودية تنفق أكثر من 8.5 مليار دولار لتطوير الخدمات الحكومية الرقمية

أنفقت السعودية أكثر من 31.9 مليار ريال (8.5 مليار دولار) خلال العام المنصرم على خدمات الاتصالات وتقنية المعلومات.

تكنولوجيا يهدف نظام «كلايماكول سيستم» لمساعدة اللاعبين على مواجهة الحرارة والرطوبة في مونديال 2026 (أديداس)

«أديداس» تكشف عن تقنية لتبريد ملابس وأحذية اللاعبين في مونديال 2026

تطرح «أديداس» نظام تبريد بثلاث قطع لمساعدة لاعبي مونديال 2026 على مواجهة الحرارة والرطوبة وتحسين تحملهم أثناء المباريات والاستراحات الصعبة.

نسيم رمضان (لندن)

إقرار «اتفاقية مزايا المشاركين الدوليين» في «إكسبو 2030 الرياض»

تمثل الموافقة الدولية على الاتفاقية خطوة رئيسية في استعدادات السعودية لاستضافة المعرض (إكسبو 2030 الرياض)
تمثل الموافقة الدولية على الاتفاقية خطوة رئيسية في استعدادات السعودية لاستضافة المعرض (إكسبو 2030 الرياض)
TT

إقرار «اتفاقية مزايا المشاركين الدوليين» في «إكسبو 2030 الرياض»

تمثل الموافقة الدولية على الاتفاقية خطوة رئيسية في استعدادات السعودية لاستضافة المعرض (إكسبو 2030 الرياض)
تمثل الموافقة الدولية على الاتفاقية خطوة رئيسية في استعدادات السعودية لاستضافة المعرض (إكسبو 2030 الرياض)

وافقت الجمعية العامة للمكتب الدولي للمعارض على «اتفاقية الامتيازات والمزايا الممنوحة للمشاركين الدوليين» في «إكسبو 2030 الرياض»، في خطوة تعدّ محطة رئيسية بمسيرة التحضير للحدث العالمي، وتُعزِّز الإطار المؤسسي والتنظيمي لاستضافته.

وتُرسِّخ الاتفاقية الإطار القانوني المنظّم للمشاركة في «إكسبو 2030 الرياض»، بما يضمن الحقوق والامتيازات والشروط الممنوحة للمشاركين الرسميين وفقاً لإطار المكتب الدولي.

وتعكس موافقة الجمعية العامة تنامي الثقة الدولية برؤية السعودية وقدراتها التنظيمية والتنفيذية، وتُمثِّل خطوة رئيسية في استعدادات البلاد لاستضافة الحدث، وتُعزِّز التعاون مع المكتب والدول المشاركة، بما يسهم في تقديم نسخة استثنائية من معارض «إكسبو» الدولية.

وجاء هذا الإنجاز خلال مشاركة وفد السعودية في أعمال الاجتماع الـ178 للجمعية العامة في باريس، برئاسة عادل الجبير، وزير الدولة للشؤون الخارجية عضو مجلس الوزراء ومبعوث شؤون المناخ، والمفوّض العام لـ«إكسبو 2030 الرياض».

وقدَّر الجبير، خلال الاجتماع، للمكتب والدول الأعضاء على ثقتهم المستمرة وشراكتهم البنَّاءة، مؤكداً أن «إكسبو 2030 الرياض» سيكون منصة عالمية تجمع الدول والشعوب والأفكار لتعزيز الحوار وإلهام التعاون، وتشجيع العمل الجماعي نحو مستقبل أفضل.

وجدَّد الوزير السعودي التزام بلاده بمواصلة العمل الوثيق مع المكتب وجميع المشاركين لضمان تقديم معرض عالمي شامل وذي أثر مستدام يترك إرثاً للأجيال القادمة.

واستعرض الوفد السعودي في الاجتماع، آخر مستجدات «إكسبو 2030 الرياض»، بما في ذلك تطورات موضوع المعرض، والتقدم المحرز في المخطط الرئيسي، وأعمال تطوير الموقع، بما يؤكد التقدم المتواصل عبر مختلف مسارات التخطيط والتصميم والبنية التحتية والاستعدادات التشغيلية.

من جانبه، أكد طلال المري، الرئيس التنفيذي لشركة «إكسبو 2030 الرياض»، أن المشروع يواصل إحراز تقدم متسارع في أعمال الإنشاءات والبنية التحتية والاستعدادات التشغيلية، مدعوماً بشراكات قوية وتكامل في التنفيذ بين مختلف الجهات المعنية.

وأشار المري إلى أن «إكسبو 2030 الرياض» دخل مرحلة التنفيذ المتكامل، مع التركيز على تقديم تجربة عالمية المستوى للمشاركين والزوار، وترسيخ إرث مستدام لمدينة الرياض والعالم.

وسيقام معرض «إكسبو 2030 الرياض» خلال الفترة من 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2030 حتى 31 مارس (آذار) 2031، ليجمع العالم في احتفال عالمي بالثقافة والابتكار والطموح الإنساني.

وعلى مدى ستة أشهر، ستقدم السعودية برنامجاً ثرياً من التجارب الثقافية والترفيهية والتفاعلية، فيما يستعرض المشاركون من مختلف أنحاء العالم أفكارهم وابتكاراتهم ورؤاهم لمستقبل أكثر ازدهاراً واستدامة.


بريشة سعودية... «الملك سلمان» بين الإنسان والإنجاز في جائزة ضياء عزيز

اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)
اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)
TT

بريشة سعودية... «الملك سلمان» بين الإنسان والإنجاز في جائزة ضياء عزيز

اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)
اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)

لم يكن رسم الملك سلمان في لوحات البورتريه مجرد اختبار للمهارة الفنية، بل بدا أقرب إلى محاولة لالتقاط شخصية تختزن في ملامحها تاريخ دولة كاملة. في جدة، وقف الفنانون أمام صور الملك سلمان كما لو أنهم يقرأون سيرة وطن؛ شاباً في بدايات الرياض القديمة، وقائداً يحتضن العلم السعودي بعينين يملؤهما الاعتزاز، وإنساناً ارتبط اسمه بمشروعات التحول الكبرى التي غيّرت ملامح المملكة.

النسخة التاسعة من «جائزة ضياء عزيز للبورتريه» تحولت إلى معرض بصري يروي الحكاية السعودية من وجهة نظر الفن. واحتضن مسرح جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة الحفل الذي نظّمته جمعية الثقافة والفنون لإعلان أسماء الفائزين بالجائزة التي جاءت هذا العام تحت عنوان «الملك سلمان... الإنسان والإنجاز»، بحضور الأمير فيصل بن عبد الله بن محمد آل سعود، إلى جانب فنانين ومثقفين ومهتمين بالفنون البصرية.

وتضمن الحفل تقديم أوبريت «وطن الثقافة»، في أمسية جمعت بين الفن التشكيلي والموسيقى والعرض المسرحي، وعكست الحراك الثقافي الذي تعيشه السعودية، والدعم المتزايد للفنون بوصفها جزءاً من المشهد الوطني الجديد.

وتأتي الجائزة امتداداً لمبادرة أطلقها الفنان التشكيلي ضياء عزيز بهدف تعزيز حضور فن البورتريه، أحد أكثر الفنون ارتباطاً بالإنسان وقدرته على توثيق الملامح والحكايات والتفاصيل الشخصية من خلال رؤية الفنان وأسلوبه التعبيري.

وفي حديث له مع لـ«الشرق الأوسط»، قال ضياء إن استمرار الجائزة للعام التاسع يعود إلى جودة الأعمال الفنية المطروحة واختيار موضوعات ترتبط بالوطن والإنسان السعودي، موضحاً أن الجائزة منذ انطلاقها تناولت موضوعات متنوعة مثل الأمن السعودي والخليج العربي حتى جائحة «كورونا».

وأضاف أن اختيار الملك سلمان محوراً للنسخة الحالية جاء لما تمثله شخصيته من حضور إنساني ووطني، إلى جانب ما شهدته المملكة من تحولات وإنجازات خلال مسيرته، مؤكداً أن الأعمال المشاركة هذا العام عكست مستوى فنياً عالياً وتنافساً واضحاً بين الفنانين.

واستقبلت الجائزة مشاركات من مختلف مناطق المملكة، في مساحة إبداعية أتاحت للفنانين تقديم قراءاتهم البصرية لشخصية الملك سلمان، عبر مدارس وأساليب تشكيلية متعددة.

ومن بين الأعمال التي لفتت الأنظار وحصدت المركز الأول، برزت لوحة الفنانة التشكيلية إيمان اللويمي، التي استعادت صورة الملك سلمان في شبابه خلال بدايات توليه إمارة الرياض في خمسينات القرن الماضي، واضعة خلفه ملامح الرياض القديمة بالأبيض والأسود، فيما حضرت الألوان الزيتية والزهور في بقية اللوحة بوصفها رمزاً لازدهار الحاضر.

وقالت اللويمي لـ«الشرق الأوسط» إن تنفيذ العمل سبقه بحث ودراسة لمسيرة الملك سلمان، موضحة أنها تنظر إلى الفن بوصفه عملاً معرفياً يبدأ بالفهم قبل الرسم. وأضافت أنها اعتمدت على الدمج بين الفحم الذي يرمز للماضي، والألوان الزيتية التي تعبر عن المستقبل والإنجاز، في محاولة لتجسيد العلاقة بين الإنسان والتحول الذي شهدته المملكة.

وأكدت أن اللوحة استغرقت ما بين 3 إلى 4 أسابيع من العمل المتواصل، مشيرة إلى أن أكثر ما كانت تسعى إليه هو تقديم عمل يحمل قيمة فنية وشخصية تفخر بها.


«يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات

«يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات
TT

«يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات

«يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات

قبل نحو خمسين عاماً، وقف المخرج الأميركي ستيفن سبيلبرغ خلف كاميرا فيلم Close Encounters of the Third Kind (لقاءات قريبة من النوع الثالث) متأملاً السماء، باحثاً عن إجابة لسؤال لطالما شغل الخيال الإنساني طويلاً: هل توجد حياة أخرى في هذا الكون؟ ليعود إلى السؤال نفسه في فيلمه الجديد Disclosure Day أو «يوم الكشف»، الذي بدأ عرضه في صالات السينما الأسبوع الماضي، لكن من زاوية مختلفة تماماً. فبدلاً من البحث عن الكائنات القادمة من الفضاء، ينشغل هذه المرة بالبشر أنفسهم، ليطرح أسئلة جديدة من شاكلة: ماذا يحدث حين تصبح الحقيقة معروفة؟ وكيف يتعامل العالم مع معلومة قادرة على تغيير كل ما اعتاد تصديقه؟

الفيلم، الذي كتبه ديفيد كوب عن فكرة أصلية لسبيلبرغ، يجمع إيميلي بلانت وجوش أوكونور وكولين فيرث وكولمان دومينغو في حكاية تبدأ مع خبير أمن سيبراني يعثر على معلومات شديدة الحساسية، بالتوازي مع مقدمة طقس تقودها ظواهر غامضة نحو المسار نفسه. ومع تقدم الأحداث، تتشابك الخيوط داخل عالم تمتلئ أركانه بالأسرار والمصالح والملفات المغلقة.

السبعينات تلتقي 2026

منذ لحظة صدور الإعلان التشويقي للفيلم مع عبارة «قصة من ستيفن سبيلبرغ»، بدا للكثيرين أن المخرج البالغ 79 عاماً يستعد لتقديم عمل يكون تتويجاً لمسيرته، وخلاصة أفكاره حول سؤال شغله لعقود طويلة. بيد أنه حاول قراءة الحاضر بأدوات صاغها في سبعينات القرن الماضي، وكأن نصف قرن من التحولات التقنية والثقافية مرّ خارج حدود الفيلم، فبدت الهواتف الذكية، التي صارت امتداداً للذاكرة البشرية، حاضرة على الهامش أكثر من حضورها في قلب الحكاية.

يضاف لذلك طريقة تعامل الفيلم مع الإعلام والتلفزيون هي أيضاً تبدو قادمة من زمن آخر... ففي عالم يتحرك عبر المنصات الرقمية والبث المباشر والخوارزميات، يضع الفيلم جزءاً مهماً من رهانه على التلفزيون المحلي بوصفه بوابة الحقيقة الكبرى، بما يُظهر التباعد بين العالم الذي نعيشه والعالم الذي يتخيله الفيلم.

ورغم ذلك، دخل الفيلم شباك التذاكر العالمي بقوة، محققاً افتتاحية بلغت 92.8 مليون دولار، ومتصدراً الإيرادات العالمية خلال عطلة نهاية الأسبوع الأولى. لكن الأرقام نفسها تكشف جانباً آخر من الحكاية، ففي حين احتل الفيلم إيرادات شباك السينما في بريطانيا بإيرادات تجاوزت 7.5 مليون دولار وهي الأعلى عالمياً، حقق في المكسيك نحو 4 ملايين دولار، وسجل في فرنسا وأستراليا والبرازيل أرقاماً قوية، فيما كان الأداء أكثر تواضعاً في عدد من الأسواق الأخرى، وخاصة الآسيوية منها.

وفي السعودية تحديداً اكتفى الفيلم بإيرادات بلغت نحو 416 ألف دولار خلال أسبوعه الأول، محتلاً المركز الخامس في شباك التذاكر المحلي، بنحو عشرين ألف تذكرة مبيعة.

مطاردة السر الأكبر

خلال الفيلم يلعب جوش أوكونور دور دانيال، خبير الأمن السيبراني العامل لدى منظمة نافذة تدعى «واردكس»، ومهمة المنظمة هي إخفاء المعلومات المتعلقة بالكائنات الفضائية عن العالم. يقرر دانيال كشف هذه الأسرار، إلا أن السيناريو يرسله في رحلة طويلة مع صديقته جاين (إيف هيوسن) بانتظار إشارة من زميله هوغو (كولمان دومينغو).

في خط درامي آخر تظهر إيميلي بلانت بدور مقدمة نشرة الطقس مارغريت، التي تكتشف فجأة أنها قادرة على التحدث بجميع لغات الأرض، إضافة إلى لغات أخرى غريبة، وتقدم بلانت أفضل أداء في الفيلم، فيما تشكل مشاهد تطور قدراتها النفسية أكثر لحظاته حيوية، لما تجمعه من قوة وهشاشة، وربطها بين حاضر الشخصية وطفولتها.

العالم الذي يتخيله سبيلبرغ

يبدو Disclosure Day من الخارج فيلماً عن الفضائيين والمؤامرات الحكومية، لكن يطرح الكثير من الأسئلة من الداخل... كيف تتصرف الحكومات تجاه الحقائق المفزعة؟ كيف يتفاعل الإعلام؟ ماذا يحدث للمسلمات الراسخة حين تهتز فجأة؟ وكيف يعيد الإنسان تعريف موقعه داخل الكون؟

كما تظهر خبرة سبيلبرغ الطويلة في بناء هذا الإحساس بالترقب، فحتى في المشاهد الهادئة، ينجح في خلق شعور دائم بأن حدثاً هائلاً يقترب من الأفق. وطيلة الفيلم، تتحرك الكاميرا بثقة، أما الموسيقى التي صاغها جون ويليامز، فأضافت طبقة من الرهبة والحنين تذكر بأعماله الكلاسيكية.

وربما تكمن المعضلة الأساسية في Disclosure Day في الفجوة بين نظرة ستيفن سبيلبرغ المتفائلة للعالم ومزاج الجمهور المعاصر. فالمخرج الذي بنى جزءاً كبيراً من إرثه على الإيمان بالإنسان وقدرته على التعاطف والتوحد أمام المجهول، يقدم هنا فيلماً يرى أن كشف وجود حياة خارج الأرض قد يصبح لحظة تتوحد فيها البشرية، بيد أن هذا التفاؤل يبدو منفصلاً عن عالم يعيش وسط تدفق يومي من الأخبار والأزمات والانقسامات، ومن هنا تنشأ المسافة بين الفيلم وجمهوره؛ فبينما ما زال سبيلبرغ يؤمن بقدرة الحقيقة على جمع البشر حول معنى مشترك، يعيش العالم اليوم وسط ضجيج متواصل يجعل الدهشة أكثر صعوبة مما كانت عليه قبل نصف قرن.