صدمة في الأعماق... حيتان الأوركا تقلب القرش وتقتات على كبده

دراسة ترصد سلوكاً يُبدّل توازن الحياة البحريّة

تُعيد كتابة قواعد الصيد تحت السطح (شاترستوك)
تُعيد كتابة قواعد الصيد تحت السطح (شاترستوك)
TT

صدمة في الأعماق... حيتان الأوركا تقلب القرش وتقتات على كبده

تُعيد كتابة قواعد الصيد تحت السطح (شاترستوك)
تُعيد كتابة قواعد الصيد تحت السطح (شاترستوك)

رصد علماء للمرة الأولى حيتان أوركا تصطاد مجموعة من أسماك القرش اليافعة، وتقلبها على ظهورها وتأكل أكبادها الغنيّة بالطاقة، في اكتشاف يشير إلى تغيُّر الأنظمة الغذائية الموسمية للحيتان القاتلة. وكان من الملاحظ سابقاً أنّ هذه الحيتان تفترس أسماك القرش الأبيض البالغة فقط في جنوب أفريقيا، وكانت سمكة قرش واحدة كافية لإطعام مجموعة بأكملها.

وذكرت «الإندبندنت» أنّ باحثين وثّقوا مجموعة من حيتان الأوركا في خليج كاليفورنيا تتبع طريقة صيد خاصة لاستهداف أسماك قرش أبيض يافعة بشكل متكرّر، إذ تقلبها على ظهورها وتستخرج أكبادها وتتشاركها فيما بينها. ويُرجّح العلماء أنّ هذه الحيتان تستغلّ قلة خبرة صغار القرش، مما يجعل من السهل اصطيادها والسيطرة عليها. كما يظنّ الباحثون أن «مجموعة موكتيزوما» تستفيد من ارتفاع حرارة المياه في الخليج الذي غيَّر مناطق تجمُّع صغار القرش.

تشير الدراسة أيضاً إلى أنّ حيتان الأوركا قد تصطاد أسماك القرش الأبيض أكثر مما كان يُعتقد سابقاً. وقال عالم الأحياء المائية ومؤلّف الدراسة المنشورة في دورية «فرونتيرز إن مارين ساينس»، إيريك هيغيرا ريفاس: «أعتقد أنّ حيتان الأوركا التي تأكل الأسماك صفيحية الخياشم، ومنها أسماك القرش وأسماك الراي، قادرة على أكل سمكة قرش أبيض إذا أرادت، في أي مكان تذهب إليه بحثاً عن واحدة. وهذا السلوك شهادة على توارث الذكاء الشديد الذي تتمتَّع به حيتان الأوركا، إضافة إلى تفكيرها الاستراتيجي وقدرتها العالية على التعلم الاجتماعي وطرق الصيد من جيل إلى آخر داخل مجموعتها».

ويصف الباحثون تنفيذ المجموعة لعمليتَي صيد قُتلت خلالهما 3 أسماك قرش. ففي أغسطس (آب) 2020، لاحظ العلماء 5 حيتان أوركا تطارد سمكة قرش أبيض يافعة، وتدفعها نحو السطح وتتعاون لقلبها على ظهرها. ثم أخذت المجموعة السمكة تحت الماء وعادت إلى السطح وكبدها في أفواه أفرادها. وتبيَّن لاحقاً أنها اصطادت سمكة قرش يافعة أخرى بالطريقة نفسها.

وفي أغسطس 2022، شاهد الباحثون الحيتان تتبع الأسلوب نفسه في دفع سمكة قرش على ظهرها ثم إلى السطح، قبل أن تتناول كبدها. ومن المعروف أنّ قلب سمكة القرش رأساً على عقب يُسبّب حالة تسمى «الشلل التوتري»، تجعلها عاجزة عبر تعطيل إدراكها لمحيطها. وقال دكتور ريفاس: «تجعل هذه الحالة المؤقتة سمكة القرش عاجزة، ما يتيح لحيتان الأوركا استخراج كبدها الغنيّ بالمواد المغذّية، ومن المرجح أنها تأكل أعضاء أخرى أيضاً قبل التخلّي عن باقي الجثة».

وتشير النتائج إلى أنّ حيتان الأوركا ربما طوَّرت طريقة خاصة لإثارة هذه الحالة من العجز، مما يقلّل خطر تعرُّضها للعضّ خلال الصيد. وقال مؤلّف دراسة أخرى من جامعة ولاية كاليفورنيا، سلفادور يورغينسين: «استجابة أسماك القرش الأبيض البالغة للحيتان القاتلة الصيَّادة سريعة، إذ تُغادر مناطق تجمّعها الموسمية تماماً ولا تعود قبل أشهر». وأضاف: «لكن أسماك القرش الأبيض اليافعة قد تكون ساذجة تجاه حيتان الأوركا. ولا نعلم ما إذا كانت استجابة الهرب غريزية أم تتطلَّب التعلُّم».

ويشتبه الباحثون أيضاً في أن ظواهر مناخية مثل «إل نينيو»، التي تؤدّي إلى ارتفاع حرارة سطح المحيط الهادئ الاستوائي، قد غيَّرت مناطق تجمع صغار القرش الأبيض ورعايتها، وزادت وجودها في خليج كاليفورنيا، مما يعرّضها لخطر هجمات هذه المجموعة من الحيتان. وخلصت الدراسة إلى أنّ «كلّ جيل جديد من اليافعين قد يصبح هدفاً موسمياً سهلاً»، داعيةً إلى مواصلة مراقبة تحركات صغار القرش الأبيض في ظلّ ارتفاع حرارة المحيطات.


مقالات ذات صلة

عملية إنقاذ غير مسبوقة... حوت أحدب يعود إلى المياه العميقة

يوميات الشرق البحر ينتظر عودته (أ.ف.ب)

عملية إنقاذ غير مسبوقة... حوت أحدب يعود إلى المياه العميقة

تمكَّن حوت أحدب كان عالقاً على ضفة رملية قبالة منطقة تيميندورفر شتراند الألمانية المطلَّة على بحر البلطيق من تحرير نفسه ليلة الخميس - الجمعة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صوت الحوت الأحدب ينساب في العتمة الزرقاء (أ.ف.ب)

«أغنية» حوت عمرها 75 عاماً تكشف عن أسرار أصوات المحيطات

تسجيل لحوت أحدب يعود إلى عام 1949 قد يُقدّم فهماً جديداً لكيفية تواصل هذه الحيوانات الضخمة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق يسبح حيث تكثر المراوح كأنَّ الطمأنينة خيارٌ شخصي (رويترز)

«ميمو» يسبح مطمئناً في فنيسيا... وعلى البشر الحذر!

هناك حاجة إلى إقرار ضوابط أشدّ صرامة على حركة القوارب وسلوك البشر...

«الشرق الأوسط» (فنيسيا )
يوميات الشرق صوفي كالكوفسكي بوب ووالدتها جان بوب تغوصان لاستكشاف المستعمرة (منظمة «مواطنو الشعاب المرجانية»)

أم وابنتها تكتشفان أكبر مستعمرة مرجانية في العالم

اكتشف فريق بحث علمي، مؤلف من أم وابنتها، أكبر مستعمرة مرجانية معروفة في العالم، التي تقع في الحاجز المرجاني العظيم قبالة سواحل أستراليا.

«الشرق الأوسط» (كانبرا)
يوميات الشرق سيرة امرأة كتبتها الأمواج (أ.ب)

البحر يُودّع ابنته... رحيل «سيدة الاستاكوزا»

غيَّب الموت فيرجينيا أوليفر، التي تُعدّ إحدى أكبر صيّادات الاستاكوزا (جراد البحر) سنّاً في العالم، بعد رحلة عطاء استمرّت نحو قرن.

«الشرق الأوسط» (مين (الولايات المتحدة))

«الجينوم المصري» يحدد معدلات الطفرات المسببة لـ13 مرضاً بالبلاد

نتائج الدراسة كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان المنطقة العربية (تصوير: عبد الفتاح فرج)
نتائج الدراسة كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان المنطقة العربية (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

«الجينوم المصري» يحدد معدلات الطفرات المسببة لـ13 مرضاً بالبلاد

نتائج الدراسة كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان المنطقة العربية (تصوير: عبد الفتاح فرج)
نتائج الدراسة كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان المنطقة العربية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي المصري، الدكتور عبد العزيز قنصوة، عن نتائج أضخم دراسة للتسلسل الجيني الكامل ضمن مشروع «الجينوم المرجعي للمصريين وقدماء المصريين»، تضمنت 1024 مواطناً مصرياً يمثلون 21 محافظة.

وأضاف قنصوة في بيان الثلاثاء أن هذه النتائج نجحت في رصد قرابة 17 مليون تباين جيني فريد لم تكن مسجلة في قواعد البيانات العالمية من قبل، مما يمنح الدولة المصرية لأول مرة «مرجعية جينية وطنية» تنهي عقوداً من غياب التمثيل الجيني المصري في الأبحاث الدولية.

وكشفت الدراسة عن وجود مكون جيني مميز للمصريين بنسبة 18.5 في المائة، وهو ما يساعد المتخصصين على فهم الطبيعة الوراثية للشعب المصري، كما يوضح لغير المتخصصين سبب اختلاف استجابة أجسادنا للأمراض أو الأدوية عن الشعوب الأخرى، مما يمهد الطريق لعصر «الطب الشخصي» الذي يصمم العلاج وفقاً للشفرة الوراثية لكل مواطن.

الطب الشخصي

وفتحت نتائج الثورة العلمية التي حدثت في علوم البيولوجيا منتصف القرن الماضي، الباب واسعاً للولوج إلى عصر آخر جديد يعتمد على تشخيص المرض ووصف العلاج المناسب، وفق التركيب الجيني للإنسان، لتتحول استراتيجيات التشخيص الطبي وإنتاج الدواء في العالم من إنتاج دواء واحد يناسب الجميع، إلى دواء يتناسب مع الظروف الصحية لكل شخص على حدة، وهو ما يعرف علمياً بعصر «الطب الدقيق» أو «الطب الشخصي».

رصدت النتائج قرابة 17 مليون تباين جيني فريد (بكسباي)

وقال الدكتور خالد عامر، الباحث الرئيسي للمشروع، إن هذه الدراسة تمثل نقطة تحول تنهي تهميش البصمة الجينية المصرية عالمياً، وتضع بين أيدينا المرجع الوطني الذي سيعيد رسم خريطة الطب الوقائي في مصر وفق أسس علمية دقيقة تضمن دقة الفحص والتشخيص.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الدراسة حددت معدلات انتشار الطفرات المسببة لـ13 مرضاً وراثياً، وفي مقدمتها «حمى البحر الأبيض المتوسط العائلية»، حيث يحمل طفرة المرض 1 من كل 11 مصرياً.

وأوضح عامر أن الدراسة المنشورة بصفتها نسخة أولية على منصة «بايو أركييف» (bioRxiv)، أكدت على أن الاعتماد الكلي على المقاييس الأوروبية في التنبؤ بالأمراض قد يؤدي إلى نتائج غير دقيقة للمصريين في أمراض، مثل: السكتة الدماغية، والكلى، مشدداً على أهمية «المعايرة الوطنية» لنماذج المخاطر الجينية العالمية.

من جانبه، أكد الدكتور أحمد مصطفى، رئيس قسم المعلوماتية الحيوية بالمركز وأستاذ علوم بيانات الجينوم بالجامعة الأميركية بالقاهرة، أن الفريق البحثي أثبت عملياً أن المعايير العالمية في هذا المجال لا تكفي وحدها لضمان الدقة الطبية، مشدداً على ضرورة وجود البصمة الجينية المصرية داخل قواعد البيانات لضمان دقة الفحوصات وتعزيز الصحة العامة للمصريين.

نتائج واعدة حققها مشروع «الجينوم المصري» (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن النتائج كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان منطقة الشرق الأوسط بنسبة 71.8 في المائة، خصوصاً المجموعات الجينية للبدو واليمنيين والسعوديين، مشدداً على أن هذه النتيجة تعني أن من بين المجموعات السكانية المتاحة في قواعد البيانات الجينية الدولية، يعتبر المصريون أقرب جينياً للبدو (منطقة النقب في فلسطين) واليمنيين والسعوديين.

واستطرد بقوله إنه من الضروري فهم أن قواعد البيانات الحالية فيها تمثيل محدود لشعوب منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعليه فالمقارنة الآن على قدر البيانات المتاحة، وبالتالي فإن هذه النتائج قابلة للتعديل في ضوء نتائج الدراسات المقبلة، موضحاً أن هذا مجرد توصيف علمي مرجعي، ولا يعكس وصفاً لطبيعة حياة أو ثقافة متفردة من أي نوع.

وكانت عمليات التسلسل والتحليلات الجينية قد تمت بإشراف وتنفيذ عقول مصرية من كبار العلماء وشباب الباحثين داخل مركز البحوث والطب التجديدي التابع للقوات المسلحة وهو الجهة المنفذة للمشروع الذي يعد مبادرة رئاسية من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبتمويل كامل من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ممثلة في أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا ويشارك فيها عدد كبير من الجامعات المصرية والمراكز البحثية ومنظمات المجتمع المدني بالإضافة لوزارات الصحة والسكان، والسياحة والآثار والشباب والرياضة.


حل لغز «جيلجو بيتش»... مهندس أميركي يقر بقتل 8 نساء

مشهد من أمام المحكمة التي تنظر في قضية ريكس هورمان في نيويورك (أ.ف.ب)
مشهد من أمام المحكمة التي تنظر في قضية ريكس هورمان في نيويورك (أ.ف.ب)
TT

حل لغز «جيلجو بيتش»... مهندس أميركي يقر بقتل 8 نساء

مشهد من أمام المحكمة التي تنظر في قضية ريكس هورمان في نيويورك (أ.ف.ب)
مشهد من أمام المحكمة التي تنظر في قضية ريكس هورمان في نيويورك (أ.ف.ب)

أقر مهندس معماري من لونغ آيلاند بولاية نيويورك الأميركية، كان يعيش حياة سرية كقاتل عتيد، اليوم الأربعاء، بقتل سبع نساء، واعترف بأنه قتل امرأة ثامنة في سلسلة من الجرائم التي لم يتم فك طلاسمها لفترة طويلة، والمعروفة باسم جرائم قتل «جيلجو بيتش».

وأدلى ريكس هورمان، البالغ من العمر 62 عاماً، باعترافاته في قاعة محكمة مكتظة بالصحافيين وأقارب الضحايا، حيث أجهش بعضهم بالبكاء في أثناء سرد هورمان تفاصيل جرائمه أمام المحكمة، وفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس».

وتشكّل اعترافات هورمان بالذنب ختاماً لقضية أرهقت المحققين، وأصابت أقارب الضحايا بالألم، وأثارت فضول جمهور شغوف بجرائم القتل الحقيقية على مدى سنوات.

وقالت السلطات إن هورمان خنق النساء، وغالبيتهن من العاملات في الدعارة، على مدى 17 عاماً، وكان يدفن رفاتهن في أماكن نائية، منها على طول طريق سريع ساحلي معزول على الخليج مقابل منزله.

ويواجه هورمان حكماً بالسجن المؤبد، ومن المقرر أن يصدر حكمٌ ضده في موعد لاحق.


لاعبون وشعراء في الأعمال السعودية... اختبار جديد للنجومية

دخول قوي للشاعر مانع بن شلحاط في أولى تجاربه التمثيلية (نتفليكس)
دخول قوي للشاعر مانع بن شلحاط في أولى تجاربه التمثيلية (نتفليكس)
TT

لاعبون وشعراء في الأعمال السعودية... اختبار جديد للنجومية

دخول قوي للشاعر مانع بن شلحاط في أولى تجاربه التمثيلية (نتفليكس)
دخول قوي للشاعر مانع بن شلحاط في أولى تجاربه التمثيلية (نتفليكس)

في مشهد أصبح يتكرر مؤخراً في الأعمال السعودية، يشارك لاعب كرة قدم في فيلم سينمائي، ويظهر شاعر في عمل درامي، ويتصدر مغنٍّ بطولة سينمائية في أول حضور له أمام الكاميرا... لينقل هذا العبور بين المجالات هذه الشخصيات من خارج الدراما إلى داخلها، في تحوّل أوسع لمفهوم النجومية، حيث تتقاطع المسارات، بين الحضور الجماهيري والدور الفني.

وتعد هذه الظاهرة شائعة في العالم وتعطي العمل جاذبية لفئة جديدة قد لا تكون مهتمة بالسينما والدراما، وربما من أبكر النماذج مشاركة أسطورة كرة القدم البرازيلية بيليه عام 1981 في فيلم Escape to Victory «الهروب إلى النصر». ومن النماذج القادمة من عالم الغناء؛ مشاركة النجمة ليدي غاغا في مجموعة أعمال، من بينها بطولة فيلم House of Gucci «بيت غوتشي» عام 2021، و Joker: Folie à Deux «الجوكر2» عام 2024.

الكابتن سعيد العويران قدم دور «أبو عاتق» في فيلم «رهين» (نتفليكس)

اللاعب داخل الفيلم

امتداداً لهذا الحضور، تظهر تجارب سعودية حديثة، حيث جسّد لاعب كرة القدم الدولي المعتزل الكابتن سعيد العويران في فيلم «رهين» (2025)، شخصية «أبو عاتق»، زعيم عصابة يلاحق بطل الفيلم (محمد الدوخي) ليتحصل على الأموال، وهي شخصية تبتعد بالكامل عن صورته الذهنية كلاعب كرة قدم، وتفتح أمامه مساحة مختلفة من الأداء.

وحظيت مشاركة العويران باستحسان جماهيري، بدأ من حضوره العرض العالمي الأول للفيلم في النسخة الماضية من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي بجدة، حيث صفق له الجمهور بحرارة، مروراً إلى التفاعل على شبكات التواصل الاجتماعي مع ظهوره بالفيلم الذي عدَّه كثيرون بمنزلة المفاجأة، خصوصاً أن «رهين» تصدّر قائمة الأعمال الأكثر مشاهدة على منصة «نتفليكس» فور عرضه.

ورغم أن «رهين» ينتمي إلى الكوميديا الممزوجة بالحركة، وهو نوع يعتمد على توازن دقيق بين التوتر والمرح، فإن العويران قدم الشخصية من خلال الحضور الجسدي، ونبرة الصوت، وطبيعة التفاعل مع بقية الشخصيات، دون اللجوء إلى المبالغة، كما وظّف الكوميديا عبر الإيماءات والتعبيرات، في لقطات انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي، ومقاطع قصيرة حصدت تفاعلاً كبيراً على «تيك توك» و«إنستغرام».

الشاعر أمام الكاميرا

وفي أحدث التجارب، يشارك الشاعر الشعبي مانع بن شلحاط في حلقة «لسان معقود» من مسلسل «الخلاط+» الذي يُعرض حالياً على منصة «نتفليكس» ويحظى بأصداء واسعة. وخلاله يرى الجمهور الشاعر القادم من عالم اللغة، يدخل إلى فضاء بصري يعتمد على الجسد، والنظرة، والإيقاع الداخلي، وهي عناصر تتطلب حساً مختلفاً في التعبير، إلا أن بن شلحاط قدم دوراً يقترب من شخصيته، بوصفه رجلاً يهوى الشعر بشدة، يحل ضيفاً على شاعر آخر يواجه تعثراً في التعبير (تأتأة)، ليقوم بتوجيهه لحل لمشكلته المستعصية، ويأخذه معه في رحلة عجيبة ومخيفة في الوقت نفسه.

وتميّز أداء ابن شلحاط بالعفوية المطلقة، حيث استخدم لغة الجسد ونبرة الصوت التي يشتهر بها في أمسياته الشعرية، مما أعطى الشخصية مصداقية عالية لدى الجمهور. كما أن الحلقة ذاتها سلطت الضوء بشكل ساخر على قيمة «الكلمة» في المجتمع، وكيف يمكن لقصيدة أو تصريح أن يغيّر مجرى الأمور، وذلك ضمن إطار «الخلاط» الذي يعتمد على المواقف الصادمة وغير المتوقعة.

المغني في دور البطولة

وفي تجربة ثالثة تحمل دلالة مختلفة، يأتي فيلم «هجير» ليقدم مغنياً سعودياً في دور البطولة، في أول تجربة تمثيلية له، وهو فيلم بدأ عرضه مؤخراً في صالات السينما المحلية. وتتجاوز فكرة المشاركة الجزئية، لتضع الاسم القادم من عالم الغناء في موقع المواجهة الكاملة مع الكاميرا، ومع متطلبات الدور، ومع توقعات الجمهور.

إذ يجسد المغني عبد العزيز فيصل شخصية شاب يعيش علاقة عميقة مع الموسيقى، ويسعى لأن يصبح مايسترو رغم إعاقته. ويفتح «هجير» باباً مختلفاً في توظيف النجومية، حيث يرتبط حضور المغني بدور يحمل تحدياً مركزياً، يقوم على المفارقة، وعلى القدرة على الانفصال عن أدواته المعتادة، وتقديم أداء يقوم على التحول، وعلى خلق توازن بين الهوية السابقة ومتطلبات الدور، بما يجعل هذه التجربة تتخذ بعداً مختلفاً عن حضور الأسماء القادمة من خارج التمثيل، حيث يرتبط الدور بالموسيقى من جهة، وينفصل عنها من جهة أخرى.

إعادة تعريف النجومية

وتجمع هذه التجارب 3 مجالات مختلفة: الرياضة، والشعر، والغناء، غير أن حضورها داخل الدراما والسينما يكشف عن نقطة مشتركة تتعلق بكيفية إعادة توظيف النجومية، لتسلك كل تجربة مساراً خاصاً، يتحدد بطبيعة الدور، وبمساحة الحضور، وبطريقة الكتابة. كما تعكس هذه الظاهرة تحوّلاً في مفهوم النجومية، حيث لم تعد مرتبطة بمجال واحد، بل أصبحت قابلة للانتقال بين الحقول، والأصداء التي رافقت هذه المشاركات تكشف عن تحول في طريقة التلقي، حيث يبدأ الجمهور من موقع الفضول، ثم ينتقل إلى التقييم بناءً على الأداء.

ويمكن القول إن حضور لاعب وشاعر ومغنٍّ في الأعمال الدرامية والسينمائية يفتح باباً لقراءة أوسع، تتعلق بكيفية تطور الصناعات الإبداعية، وبقدرتها على استيعاب أشكال متعددة من التعبير، وكذلك يعكس رغبة في التجديد، وفي البحث عن وجوه تحمل قصصاً وتجارب مختلفة، يمكن أن تضيف إلى العمل بعداً إضافياً.