السعودية تتقدم بثبات في صناعة تُعيد تشكيل الخيال البصري

بعد احتفاء عالمي بالرسوم المتحركة

برامج سعودية لصناعة مبدعي الرسوم المتحركة وتأهيلهم للسوق العالمية (جامعة عفت)
برامج سعودية لصناعة مبدعي الرسوم المتحركة وتأهيلهم للسوق العالمية (جامعة عفت)
TT

السعودية تتقدم بثبات في صناعة تُعيد تشكيل الخيال البصري

برامج سعودية لصناعة مبدعي الرسوم المتحركة وتأهيلهم للسوق العالمية (جامعة عفت)
برامج سعودية لصناعة مبدعي الرسوم المتحركة وتأهيلهم للسوق العالمية (جامعة عفت)

في الأيام القليلة الماضية، احتفى العالم بفن الرسوم المتحركة، هذا القطاع الذي خرج من إطار الترفيه البسيط إلى صناعة متكاملة تُقدَّر قيمتها اليوم بأكثر من 100 مليار دولار عالمياً، وذلك وفق تقديرات أسواق المحتوى البصري.

ويأتي هذا الاحتفاء في ظل توسع غير مسبوق في استثمارات الأنيميشن عالمياً، وتحوله إلى ركيزة أساسية في صناعة السينما والألعاب والمنصات الرقمية، بينما تواصل السعودية خطواتها المتسارعة لترسيخ حضورها في هذه الصناعة، ضمن التحولات الثقافية والاقتصادية لـ«رؤية 2030».

هذا التحول يصفه الدكتور محمد غزالة، رئيس مدرسة الفنون السينمائية بجامعة عفت ونائب رئيس الاتحاد الدولي للرسوم المتحركة «أسيفا»، بأنه يمثل «عصراً ذهبياً جديداً للرسوم المتحركة»، مؤكداً أن العقدين الأخيرين شهدا «قفزات تقنية غير مسبوقة أعادت تعريف الصورة السينمائية، ووسعت حدود الخيال البصري، وفتحت آفاقاً جديدة للسرد العالمي».

فيلم «أفاتار» (فوكس سينما)

ويشير غزالة إلى أن التحولات المفصلية في الصناعة بدأت مع دخول تقنيات التصوير والتحريك ثلاثي الأبعاد والتحريك الرقمي CGI والتقاط الحركة Motion Capture، وصولاً إلى الدمج المتزايد لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في مسارات الصناعة، من تصميم الشخصيات، إلى بناء العوالم الافتراضية والمؤثرات والتلوين ومعالجة اللقطات. ويضيف: «هذه الأدوات لم تعد مساندة، بل أصبحت جزءاً من لغة الصناعة، ومكوّناً رئيسياً في ابتكار محتوى بصري قادر على منافسة الإنتاج الحي».

جذور تقدير الأنيميشن في المملكة

يلفت غزالة إلى أن تقدير فنون التحريك في المملكة بدأ مبكراً، قبل أن تتشكل بيئة الإنتاج السينمائي الحديثة، مشيراً إلى تجربة الرائد السعودي عبد الله المحيسن في فيلمه «اغتيال مدينة» عام 1977، حيث ظهرت مشاهد الرسوم المتحركة في افتتاح الفيلم قبل الانتقال إلى اللقطات الوثائقية الحية. ويصف غزالة هذا الاستخدام بأنه «تقدير مبكر يعلي من شأن الرسوم المتحركة بوصفها وسيلة طيّعة في صياغة الخيال وتقديم الأفكار المعقدة بصرياً بصورة أكثر قبولاً لدى الجمهور».

ورشة تدريبية عن الرسوم المتحركة (مسك)

تحولات كبرى في الذائقة والأدوات

يؤكد غزالة أن الأنيميشن لم يعد «فناً للأطفال»، بل أصبح «لغة سردية متعددة الطبقات تتناول قضايا اجتماعية ونفسية وفلسفية عميقة»، مستشهداً بأعمال يابانية وأميركية اشتغلت على موضوعات الهوية، والذاكرة، والعلاقات الإنسانية، والفقد، ونجحت في بناء قاعدة جماهيرية واسعة ومتنوعة تُتابع وتقيّم وتقرأ الرسائل الفنية.

كما يشير إلى أن منصات البث وشركات الألعاب الرقمية أصبحت اليوم مستهلكاً رئيسياً لصناعة التحريك، ما رفع الطلب على الأعمال المصنوعة بجودة قصصية وتقنية عالية، وخلق في الوقت نفسه فرصاً واسعة للعاملين في مجالات المؤثرات البصرية والرسم والبرمجة وتطوير المحتوى.

ليلو وستيتش (فوكس سينما)

سوق سعودي يتوسع

في المملكة، يعكس شباك التذاكر ارتفاعاً ملحوظاً في الإقبال على أفلام الأنيميشن، وهو ما يعتبره غزالة مؤشراً على تغير المزاج السينمائي المحلي وعودة العائلات إلى ثقافة المشاهدة الجماعية.

ويوضح أن فيلم «Inside Out 2» حقق 29.2 مليون ريال سعودي، فيما حقق فيلم «Lilo & Stitch» إيرادات تجاوزت 31.8 مليون ريال، ليصبح بحسب غزالة أكثر فيلم رسوم متحركة تحقيقاً للإيرادات منذ بداية عام 2025 وحتى اليوم، متفوقاً على جميع الأفلام الحية في الفترة نفسها، ومتوقعاً استمرار تفوقه على المدى القريب. ويضيف أن «هذا التفاعل يعكس تزايد الوعي السينمائي وتوسع ثقافة المشاهدة لدى الأسر السعودية».

إنتاج محلي متقدم وشراكات دولية

على مستوى الإنتاج، برزت تجارب سعودية لافتة، يأتي في مقدمتها فيلم «بلال» الذي حقق في 2015 نجاحاً عالمياً، وفيلم «الرحلة» الذي أنتج بالشراكة بين السعودية واليابان، ليُشكّل محطة مهمة في نقل تقنيات التحريك وبناء خبرات محلية، كما مثّل فيلم «مسامير» تطوراً نوعياً بانتقاله من العمل الرقمي عبر المنصات الإلكترونية إلى قاعات السينما، ثم إلى منصة «Netflix»، ما يعكس نضجاً في بنية الإنتاج والتوزيع المحلي.

مجموعة من طلاب جامعة عفت أثناء التدريب على مشروع فيلم رسوم متحركة (جامعة عفت)

وتعزز المشهد السعودي أعمال قصيرة مؤثرة مثل «سليق» و«وحش من السماء» التي حضرت في مهرجان «أنسي» الفرنسي، إلى جانب أعمال طلابية لافتة من المؤسسات الأكاديمية السعودية. ومن بين هذه الأعمال فيلم «دليل القوالب البشرية» للخريجة رغد البارقي من جامعة عفت، الذي شارك في مهرجان «أنسي» 2019 ضمن مسابقة أفلام الخريجين في خطوة تمثل حضوراً سعودياً شبابياً في واحدة من أهم منصات الرسوم المتحركة عالمياً.

فيلم «مسامير»

ويشير غزالة إلى أن جامعات سعودية مثل جامعة عفت وجامعة الأميرة نورة تسهم اليوم في «تخريج جيل جديد يفكر سينمائياً ويرسم بإحساس بصري عالمي»، مع توسع البرامج الأكاديمية وورش التدريب والشراكات الدولية.

طالبة في مدرسة الفنون السينمائية بجامعة عفت تتدرب على صناعة الرسوم المتحركة (جامعة عفت)

ويرى غزالة أن المملكة تبني صناعة التحريك عبر 3 ركائز رئيسية: تطوير تعليم متخصص وبرامج أكاديمية ترفد السوق بالمواهب، إنشاء استوديوهات إنتاج وتحالفات محلية وعالمية قادرة على التوسع، توظيف الثقافة المحلية والهوية الوطنية في إنتاج بصري عالمي الخطاب.

وتابع: «نحن أمام انتقال واضح من الاجتهاد الفردي إلى البناء المؤسسي»، معتبراً أن صناعة التحريك «لم تعد مشروعاً تجريبياً، بل مكوّناً محورياً داخل (رؤية 2030) التي تستثمر في المعرفة والخيال».

نائب رئيس الاتحاد الدولي للرسوم المتحركة الدكتور محمد غزالة (الشرق الأوسط)

تحديات قائمة... ومستقبل واعد

رغم التقدم، يشير غزالة إلى تحديات تشمل التمويل طويل الأمد، وتطوير بنى تحتية متخصصة، وتوسيع منظومة التوزيع الإقليمية والدولية، واستقطاب الكفاءات التقنية عالية التخصص. لكنه يضيف أن البيئة الرقمية السعودية، ودعم المؤسسات الثقافية، وحضور المواهب الشابة المتمرسة على أدوات الإنتاج الحديثة، تشكل قاعدة قوية للانطلاق نحو مرحلة صناعية أكثر نضجاً.

وختم حديثه قائلاً: «الخيال يتحول اليوم إلى اقتصاد، والمواهب السعودية قادرة على أن تكون جزءاً فاعلاً في صناعة بصرية عالمية خلال السنوات القريبة».


مقالات ذات صلة

السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

يوميات الشرق تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)

السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

حقَّقت السعودية تقدماً لافتاً في تقرير السعادة العالمي لعام 2026، إذ جاءت في المرتبة الـ22 عالمياً من بين 147 دولة، بتقدم 10 مراتب عن ترتيبها العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق احتفالات وفعاليات ممتعة ضمن فعاليات العيد في «بوليفارد وورلد» (موسم الرياض)

العيد في السعودية: فعاليات متنوعة وعروض فنية تُغطي مختلف المناطق

عزَّزت «الهيئة العامة للترفيه» الأجواء الاحتفالية، من خلال باقة من الفعاليات والتجارب، مع الحرص على تحقيق الشمولية والتنوع خلال أيام العيد.

إبراهيم القرشي (جدة)
يوميات الشرق جانب من توقيع العقد المشترك برعاية المستشار تركي آل الشيخ في القاهرة الخميس (هيئة الترفيه)

«الترفيه» السعودية و«إم بي سي مصر» لإنتاج محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور

أبرمت هيئة الترفيه السعودية عقد إنتاج مشترك مع قناة «إم بي سي مصر»، في خطوة تعزز مسارات التعاون الهادف إلى تقديم محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور المصري.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق صورة نشرها المستشار تركي آل الشيخ على «إكس» للقائه مع الوزيرة جيهان زكي

آل الشيخ: مفاجآت ثقافية سعودية - مصرية مرتقبة

كشف المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة هيئة الترفيه السعودية، عن مفاجآت مرتقبة في إطار التعاون الثقافي بين المملكة ومصر، وذلك خلال زيارته للقاهرة.

«الشرق الأوسط» (الرياض) «الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق يتميّز تصميم المركز بطابع معماري معاصر يستند إلى مفهوم «الكتل الضخمة» (واس)

بدء الأعمال الإنشائية لمركز الفنون الأدائية في القدية

بدأت الأعمال الإنشائية لمركز الفنون الأدائية بمدينة القدية (جنوب غرب الرياض)، في خطوة مهمة ضمن مسيرة تطوير المدينة بوصفها وجهة للترفيه والرياضة والثقافة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«درنة» يتناولها الملايين منذ قرون تُعدّ الآن «غذاء خارقاً»

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
TT

«درنة» يتناولها الملايين منذ قرون تُعدّ الآن «غذاء خارقاً»

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد «يخنات» الكاريبي، وكذلك طبق «الفوفو» في غرب أفريقيا، وتنتشر بشكل متزايد في متاجر البقالة الأميركية. المثير أنها بدأت تظهر في الأبحاث العلمية لسبب بسيط: يكتشف الباحثون باستمرار مركبات في «اليام» ربما تؤثر على كيفية تعامل الجسم مع السكر، وكيفية حماية الدماغ وإعادة بنائها، حسب موقع «إي سي أو نيوز».

يُذكر أن الادعاء الرئيسي، هنا، ليس أن «اليام غذاء خارق»، بل في أن الأبحاث الأولية، بما في ذلك تجربة سريرية صغيرة على البشر، تشير إلى أن بعض مستخلصات «اليام» قد تُحسّن، بشكل طفيف، بعض جوانب التفكير والذاكرة، بينما تشير دراسات أخرى إلى تحسين التحكم في مستوى السكر في الدم في ظروف محددة.

والآن: ما الصحيح؟ وما هو مجرد احتمال؟ وما الذي يجب تجاهله؟ في الولايات المتحدة، يُستخدم مصطلح «يام» غالباً للإشارة إلى البطاطا الحلوة ذات اللب البرتقالي ـ نبات مختلف تماماً. في المقابل، ينتمي «اليام» الحقيقي إلى مجموعة الديوسكوريا، ويتميز بقشرة أكثر خشونة، ولب أكثر نشوية من معظم أنواع البطاطا الحلوة.

لنبدأ إذن بالمعلومات الأساسية: بحسب مركز بيانات الغذاء التابع لوزارة الزراعة الأميركية، تحتوي حصة 3.5 أونصة من «اليام» النيئ على 118 سعرة حرارية، ونحو 28 غراماً من الكربوهيدرات، و4.1 غرام من الألياف، و1.5 غرام من البروتين.

وأوضح المصدر نفسه أن «اليام» غني، على نحو خاص، بالبوتاسيوم. ويحتوي على 816 ملليغراماً لكل 3.5 أونصة، بالإضافة إلى فيتامين «سي» وفيتامين «ب6». ويرتبط البوتاسيوم بتنظيم ضغط الدم، ويدعم فيتامين «سي» وظائف المناعة. وعليه، يمكن اعتبار «اليام» أكثر من مجرد مصدر «كربوهيدرات رخيصة» في النظام الغذائي.


دواء فعّال لحماية مرضى السكري من النوبات القلبية

خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
TT

دواء فعّال لحماية مرضى السكري من النوبات القلبية

خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)

أظهرت دراسة سريرية أميركية أن إضافة دواء يخفض الكوليسترول بشكل مكثف إلى العلاج القياسي يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر حدوث أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية لدى مرضى السكري المعرضين للخطر.

وأوضح الباحثون في مستشفى ماس جنرال بريغهام بالولايات المتحدة، أن النتائج تظهر فائدة خفض الكوليسترول بشكل مبكر في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية، ونُشرت النتائج، السبت، بدورية «JAMA».

ويمكن لمرض السكري أن يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض القلب والنوبات القلبية، إذ يؤدي ارتفاع مستويات السكر في الدم لفترات طويلة إلى تلف الأوعية الدموية والقلب، ويسهم في تراكم الدهون والكوليسترول داخل الشرايين. كما أن مرضى السكري غالباً ما يعانون من ارتفاع ضغط الدم أو اختلال الدهون في الدم، ما يزيد من احتمالية انسداد الشرايين وحدوث أزمات قلبية. ومن أهم خطوات الحد من هذه المخاطر، التحكم بمستويات السكر، واتباع نظام غذائي صحي، وممارسة النشاط البدني بانتظام.

وشملت التجربة السريرية 3655 مريضاً يعانون من سكري عالي الخطورة، مثل المرضى الذين يعانون من السكري لأكثر من 10 سنوات، أو يحتاجون إلى الأنسولين يومياً، أو لديهم أمراض الأوعية الدقيقة. وتلقى المشاركون إما حقن «إيفولوكوما» الخافضة للكوليسترول كل أسبوعين وإما دواء وهمي، مع استمرار جميع المشاركين على العلاج القياسي للكوليسترول، بما في ذلك «الستاتينات» و«إزيتيميب».

دواء «إيفولوكوما»

وبعد 48 أسبوعاً، تبين أن دواء «إيفولوكوما» خفّض مستويات الكوليسترول الضار بنسبة تقارب 60 في المائة، ما أسهم في تقليل خطر حدوث أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية أو الوفاة بسبب أمراض القلب بنسبة 31 في المائة مقارنة بالعلاج القياسي وحده.

وعلى مدى متابعة استمرت نحو خمس سنوات، سجلت مجموعة «إيفولوكوما» معدل حدوث أحداث قلبية وعائية أولى بنسبة 5 في المائة مقابل 7.1 في المائة في مجموعة الدواء الوهمي.

وأظهرت الدراسة أن معدلات الآثار الجانبية كانت متقاربة بين المجموعتين، ما يشير إلى أن العلاج كان جيد التحمل لدى هذه الفئة من المرضى.

وأشار الباحثون إلى أنه على مدار أكثر من عقد، كان استخدام العلاجات المكثفة لخفض الكوليسترول يقتصر على المرضى الذين لديهم أمراض قلبية معروفة.

وأضافوا أن هذه النتائج تظهر أن خفض الكوليسترول المبكر يمكن أن يمنع أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية لدى مرضى السكري المعرضين للخطر، حتى قبل ظهور تصلب الشرايين الكبير. وقد يؤدي استخدام «إيفولوكوما» أو علاجات مكثفة مشابهة إلى تعديل التوصيات الطبية للوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية في الفئات عالية المخاطر.

ونوه الفريق بأن تطبيق هذا العلاج على نطاق أوسع يمكن أن يقلل معدلات الوفاة والأمراض القلبية الخطيرة لدى ملايين مرضى السكري حول العالم.


لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
TT

لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
«الفهد» (تاتيوس فيلمز)

من الأخطاء الشائعة، قصداً أو عن جهل، أن أول فيلم ضمن السينما الإيطالية الواقعية في الأربعينات كان «سارقو الدراجات» لڤيتوريو دي سيكا سنة 1948. والحال أن هذا الفيلم هو من الأعمال التي أسست فعلاً لما يُعرف بالسينما الواقعية الجديدة، لا بدايتها؛ إذ إن السينما الإيطالية، على وجه الخصوص، وكذلك سينمات أخرى عديدة، لم تعرف الواقعية بوصفها منهجاً مستقراً، بل تجلت في أفلام متباعدة وقليلة؛ ما يدفع الناقد إلى إعادة طرح السؤال عن سبب تسميتها «جديدة» إذا لم يكن هناك «قديمة».

البداية الفعلية للواقعية الجديدة

من «هاجس» أول أفلام المخرج (أجاي فيلم)

لكن، بعيداً عن هذه النقطة التي قد تُثير جدلاً يستحضر أعمال السينما الإيطالية الاجتماعية في الفترة الصامتة وما بعدها، هناك فيلم يسبق «سارقو الدرّاجات»، أنجزه لوكينو ڤيسكونتي عام 1943 بعنوان «هاجس» (Obsession). وهو فيلم درامي اجتماعي تدور أحداثه في أتون الحياة في القاع، حول رجل وزوجته ودخيلٍ يقتحم حياتهما، بما يترتب على ذلك من عواطف متشابكة، وما يعقبه من شعور بالذنب والضعف.

بعد انتهاء لوكينو ڤيسكونتي (توفي قبل نحو 50 عاماً) من تصوير بعض مشاهد «هاجس» (بالأبيض والأسود)، أرسل ما صوّره إلى المونتير ماريو سيراندراي، الذي كتب له بعد مشاهدتها: «أحببت هذه المشاهد. لا أعرف كيف أعرّف هذا النوع الجديد من السينما، إلا بأنه واقعية جديدة».

ورد ذلك في كتاب لغايا سرڤاديو الصادر سنة 1983 بعنوان «لوكينو ڤيسكونتي: سيرة»، وعزّزه المؤلف هنري باكون في كتابه الصادر سنة 1998 «ڤيسكونتي: استكشاف الجمال والانحلال» (Visconti: Explorations of Beauty and Decay).

المخرج لوكينو ڤيسكونتي (IMDB)

وسرد ڤيسكونتي هذه الواقعة بنفسه في بعض مقابلاته، مؤكداً أن هذا النعت («واقعية جديدة») لم يكن قد استُخدم من قبل.

والفيلم نفسه ينطق بذلك من خلال واقعية الشخصيات ومشاعرها، وإبقاء الدراما كامنةً غير مُعلنة أو مباشرة. كما يتجلى ذلك في مواقع التصوير ضمن البيئات الفقيرة في المدينة.

أثار الفيلم استياء بعض مشاهديه من أوساط الحكومة الفاشية في عهد بنيتو موسوليني، فغادر بعضهم القاعة قبل انتهاء العرض، واصفين الفيلم بأنه معادٍ لإيطاليا. وأعقب ذلك صدور قرار بمنع عرضه، والحجز على ما أمكن من نسخه.

ثلاثي مختلف

كان لوكينو ڤيسكونتي يساريَّ التوجّه ومعادياً للفاشية، علماً بأنه وُلد عام 1906 في كنف عائلة أرستقراطية مرفّهة وذات تأثير سياسي. خدم في الجيش الإيطالي لمدة عامين (1926-1928)، ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية ودخول إيطاليا فيها، اختار أن يتخذ موقفاً معادياً للفاشية.

لكن قبل اندلاع تلك الحرب، قصد ڤيسكونتي فرنسا، حيث تعرّف إلى المخرج جان رينوار، الذي استعان به مساعداً في بعض أفلامه، أولها «يوم في الريف» (A Day in the Country) سنة 1935. واستمر التعاون بينهما حتى مطلع الحرب العالمية الثانية، وهي فترة كانت كافية ليتشرّب خلالها المخرج الإيطالي تأثير أحد أبرز صناع السينما الفرنسية آنذاك.

قد يلاحظ بعض من يشاهد النسخة المتوفرة من «هاجس» تأثيراً آخر؛ فمن قرأ رواية جيمس م. كاين «ساعي البريد يرن مرتين دائماً» (The Postman Always Rings Twice) فسيجد تشابهاً بين العملين. وكان رينوار هو من أعطى الرواية لڤيسكونتي لقراءتها. وتدور أحداثها حول شاب يصل، في خضم أزمة اقتصادية في الولايات المتحدة، إلى محطة بنزين ريفية يملكها رجل متقدّم في السن وزوجته الشابة. يعمل الشاب في المحطة، وسرعان ما تنشأ علاقة بينه وبين الزوجة وتنتهي بقتل الزوج.

غير أن ڤيسكونتي لم ينقل أحداث الرواية كما هي في فيلمه «هاجس»، بل اكتفى بثلاثية الشخصيات مع اختلاف في الوقائع وتوجهاتها العاطفية. ويكفي هنا التأكيد على أن رواية كاين كانت ذات طابع عاطفي - جنائي، في حين جاء فيلم ڤيسكونتي عاطفياً - اجتماعياً.

من الأرض إلى القصر

«موت في ڤينيسيا» مع ديرك بوغارد (ألفا سينماتوغرافيكا)

بعد هذا الفيلم، واصل المخرج مسيرته السينمائية محققاً نجاحاً فنياً كبيراً. وقد برع منذ البداية في معالجة شخصياته وفي إحكام سيطرته على كل تفاصيل العمل، كما يتضح في «الأرض تهتز» (La Terra Trema) سنة 1948. ومع ذلك، فإن هذه الصرامة الإخراجية تبلورت لاحقاً، حين ابتعد عن إنجاز الأفلام ذات التوجهات اليسارية المباشرة، من دون أن يتخلى عن خلفيته الفكرية.

يتناول «الأرض تهتز» حياة صيادين في قرية يواجهون هيمنة التجّار على أرزاقهم، وكيف يستجيب بعضهم بالخضوع، فيما يختار آخرون المقاومة. ورغم أن ڤيسكونتي لم يتخلَّ عن الواقعية التي أرساها منذ أفلامه الأولى، فقد بدأ ينسج أسلوباً فنياً أكثر تركيباً لطرح موضوعاته. ويُعدّ روبرتو روسيلليني الأقرب إليه في هذا المجال؛ إذ انطلق بدوره ضمن تيار الواقعية الجديدة، في حين بدأ ڤيتوريو دي سيكا في هذا المنهج ثم ابتعد عنه لاحقاً، من دون أن يقدّم عملاً يتجاوز أهمية «سارقو الدراجات».

في الستينات، اتجهت أفلام ڤيسكونتي نحو عناية جمالية أعلى، مع نقل الأحداث إلى عوالم القصور والبُنى الطبقية، كما في «الفهد» (The Leopard) عام 1963، و«ساندرا» (1965)، و«الغريب» (عن رواية ألبير كامو، 1967)، ثم «الملعونون» (The Damned) 1969.

وليس من الدقة القول إن هذه الأفلام (وسواها) على مستوى واحد من الجودة، غير أن السمة الأبرز في هذا التحول من حكايات الشوارع والبلدات الصغيرة إلى العالم الأرستقراطي تتجلى بوضوح في «الفهد» و«الملعونون»، ولاحقاً في «موت في ڤينيسيا» (Death in Venice) سنة 1971، المأخوذ عن رواية توماس مان، ثم «لودڤيغ» (1973)، الذي يتناول سيرة ملك باڤاريا في أحداث تمتد بين عامي 1864 و1886.