جنون الذهب يؤرق الحالمين بالزواج في مصر

سجل أعلى مستوياته محلياً على الإطلاق

ارتفاعات قياسية جديدة سجَّلها المعدن الأصفر في مصر (أرشيفية - رويترز)
ارتفاعات قياسية جديدة سجَّلها المعدن الأصفر في مصر (أرشيفية - رويترز)
TT

جنون الذهب يؤرق الحالمين بالزواج في مصر

ارتفاعات قياسية جديدة سجَّلها المعدن الأصفر في مصر (أرشيفية - رويترز)
ارتفاعات قياسية جديدة سجَّلها المعدن الأصفر في مصر (أرشيفية - رويترز)

على وقع الارتفاع الحاد في أسعار الذهب بمصر، قال الثلاثيني علاء محمد (اسم مستعار)، وهو شاب مقبل على الزواج، إن الارتفاعات القياسية في أسعار الذهب جعلته يعيش حالة من القلق المستمر، إذ يخشى أن يرفض أهل خطيبته تأجيل الزفاف المحدد في عيد الفطر المقبل، أو تقليص وزن «الشبكة» أو الاستغناء عن بعض قطعها.

ويضيف علاء، الذي يقطن إحدى قرى محافظة المنوفية (دلتا النيل)، لـ«الشرق الأوسط»: «أحب خطيبتي ومستعد أتحمل أي شيء، لكن المشكلة أن أهلها مصرّون على شبكة ذهبية تقدر بـ10 غرامات، والاتفاق بيننا تم الصيف الماضي على ذلك الأساس، لكن ثمن تلك الغرامات أصبح الآن فوق قدرتي بعد الأسعار الأخيرة، أخاف أن يظنوا أنني مُقصر أو غير جاد، بينما الحقيقة أن الأسعار هي التي تعطلني».

وجاءت تلك الكلمات «القلِقة» تحت ضغط ارتفاع أسعار الذهب في مصر بشكل جنوني خلال الأيام الأخيرة، والتي بلغت ذروتها، الخميس، في السوق المحلية، حيث سجل عيار 24 قيمة 8428 جنيهاً (الدولار يساوي 46.84 جنيه)، وعيار 21 قيمة 7375 جنيهاً، وعيار 18 قيمة 6321 جنيهاً، خلال التعاملات الخميس بحسب شعبة الذهب والمجوهرات، وهي أعلى مستويات يسجلها على الإطلاق.

وشهدت أسعار الذهب في مصر خلال الأربع سنوات الماضية قفزات جنونية، فبينما سجل سعر غرام الذهب عيار 21، الأكثر شيوعاً في المناسبات، في أول أيام 2022 قيمة (799 جنيهاً)، ارتفعت القيمة لتسجل مع أول أيام 2025 قيمة (3740 جنيهاً)، ومع مطلع عام 2026، دخل الذهب مرحلة صعود غير مسبوقة، إذ افتتح العام بقيمة (5830) جنيهاً، قبل أن تشهد السوق تسارعاً حاداً خلال الأيام الأخيرة.

وتحوّل الارتفاع القياسي لأسعار الذهب إلى كابوس يلاحق أحلام الشباب والفتيات المصريين بالزواج، حيث يعد اقتناء شبكة ذهبية جزءاً أصيلاً من مراسم الزواج في البلاد، لكن في الآونة الأخيرة، بات هذا العرف يواجه تحدياً غير مسبوق مع تلك الارتفاعات المتتالية، التي أربكت خطط الزواج في مصر.

ووفقاً للدكتور أشرف غراب، الخبير الاقتصادي، فإن اختراق الذهب عيار 21 حاجز الـ7 آلاف جنيه يمثل صدمة اقتصادية ذات أبعاد اجتماعية حادة، متوقعاً انكماشاً في الإقبال على الزواج نتيجة الارتباط العضوي بين إتمام الخطبة وشراء الذهب، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الأزمة تظهر بوضوح في الأقاليم والصعيد، حيث يمثل الذهب ركيزة أساسية في الزواج، مما يدفع بقطاع عريض من الشباب نحو تأجيل قسري لمشاريع الزواج حتى تتضح ملامح هذه الموجة التضخمية التي أصابت المعدن النفيس».

الارتفاع القياسي لأسعار الذهب كابوس يلاحق أحلام الزواج (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب والمجوهرات المصرية)

ويتابع «غراب»: «بعض قرى الريف والصعيد قامت بمبادرات اجتماعية بإلغاء الذهب في الزواج والاقتصار على كتابته في قائمة المنقولات الزوجية فقط، وآخرون طرحوا مبادرات بحيث يصبح الذهب هدية بسيطة وليس بكميات كبيرة، وهو اتجاه عام بدأ ينتشر بعدّه آليات مرنة للتحايل على هذا العبء الاجتماعي، وتوجهاً اقتصادياً عقلانياً كإجراء لخفض تكلفة بناء الأسرة، بما يتناسب مع القدرات الشرائية الحقيقية للشباب في الوقت الراهن».

عمرو أحمد، 28 عاماً، الذي يعمل كهربائيا، قال لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أخطط للخطبة هذا العام، لكن أسعار الذهب تجعلني أقوم بتأجيل الفكرة، الشبكة التي كانت في حدود 30 ألف جنيه أصبحت اليوم تتجاوز 100 ألف، وهذا رقم خارج قدرتي تماماً».

وتابع: «على (السوشيال ميديا) الناس تسخر قائلة: (اللي يلاقي عريس اليومين دول يصلي ركعتين شكر)، لكن في الواقع هي دي الحقيقة المُرة».

https://x.com/HassanA55863/status/2016611970506465523

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنه «في ظل الارتفاع غير المسبوق في أسعار الذهب، نجد أثراً اجتماعياً موازياً، فهذه المستويات الفلكية تؤثر نفسياً بشكل سلبي على الشباب، حيث تولد لديهم شعوراً بالعجز والإحباط، وقد يتطور الأمر إلى الإحساس بالفشل وعدم الكفاءة»، لافتة إلى أن «تأثير هذه الضغوط لا يتوقف عند الجانب النفسي فقط، بل يمتد ليؤدي في كثير من الحالات إلى عزوف الشباب عن الزواج أو تأجيله لفترات طويلة، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار المجتمعي»، وفق قولها.

بتصفح منصات التواصل الاجتماعي في مصر، يمكن بسهولة قراءة تعليق «مش هنعرف نتجوز»، بصيغ مختلفة، وبمشاعر تتراوح بين الغضب والسخرية في آن واحد، كرد فعل لأسعار الذهب.

وبالتجول بين التعليقات المتفاعلة مع أسعار الذهب، التي قفزت إلى صدارة محركات البحث في مصر منذ الأمس، يمكن قراءة مئات المنشورات التي تعكس واقعاً مرتبكاً بتبخر أحلام الزواج، على غرار «مبروك يا رجالة جرام الدهب بقى أكبر من مرتبنا»، «الذهب طلع القمر وشكلها كده مفيش جواز».

وهي التعليقات التي ترى الخبيرة الاجتماعية والأسرية أنها تعبر عن «شريحة كبيرة من الشباب في الوقت الحالي تعاني من الارتفاع المتزايد في تكاليف الزواج، وفي ظل إصرار بعض الأسر على المغالاة في قيمة الشبكة، بل وتشترط أحياناً عدداً معيناً من غرامات الذهب، دون مراعاة للظروف الاقتصادية الراهنة».

وتؤكد «الحزاوي» ضرورة الانفكاك من أسر الموروثات التي باتت تعوق الاستقرار المجتمعي، والتي لم تعد تتناسب مع الأوضاع الاقتصادية الحالية ولا مع مستويات الدخول، داعية إلى إطلاق حملة مجتمعية شاملة تستهدف الحد من المغالاة في تكاليف الزواج، ونشر الوعي بأن الزواج الناجح يقوم على التفاهم والاحترام المتبادل، لا على قيمة الشبكة أو قائمة المنقولات، بما يخفف الأعباء ويساعد الشباب على الإقدام على الزواج دون ضغوط نفسية أو مادية.


مقالات ذات صلة

أسعار الذهب تتراجع وسط قوة الدولار وصعود النفط

الاقتصاد سبيكة ذهبية داخل متجر للمجوهرات في سوق الذهب بشارع المعز بالقاهرة القديمة (رويترز)

أسعار الذهب تتراجع وسط قوة الدولار وصعود النفط

تراجعت أسعار الذهب بشكل طفيف يوم الجمعة، متأثرة بارتفاع الدولار الأميركي وصعود أسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أساور ذهبية معروضة بمتجر مجوهرات في فاراناسين الهند (أ.ف.ب)

الذهب مستقر وسط ترقب لاتفاق أميركي-إيراني

استقرت أسعار الذهب خلال تعاملات يوم الخميس، مع تزايد الآمال في التوصل إلى اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (شيكاغو)
الاقتصاد أساور وقلائد ذهبية معروضة للبيع في متجر ذهب بالسوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)

عوائد السندات وقوة الدولار يضغطان على الذهب ويدفعانه نحو أدنى مستوياته بشهرين

تراجعت أسعار الذهب خلال التعاملات الآسيوية يوم الأربعاء، مع صعود عوائد سندات الخزانة الأميركية وقوة الدولار.

«الشرق الأوسط» (شيكاغو)
الاقتصاد سبائك وعملات ذهب بريطانية تُعرض في متجر بلندن (رويترز)

هدوء مؤقت في الشرق الأوسط يقود الذهب إلى الاستقرار

استقرت أسعار الذهب إلى حد كبير، الثلاثاء، حيث أخذ المستثمرون قسطاً من الراحة بعد التقلبات الأخيرة، بينما ركزوا على التطورات المتعلقة بالصراع في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سبائك ذهبية بمدينة كراسنويارسك في روسيا (رويترز)

روسيا تخفق في بيع حصة بشركة تعدين ذهب لعدم وجود عروض

أظهر موقع مزادات حكومي، الاثنين، أن روسيا أخفقت في بيع حصة بشركة إنتاج الذهب «أوزهورالزولوتو (Uzhuralzoloto)»، التي كانت استولت عليها؛ وذلك لعدم وجود عروض...

«الشرق الأوسط» (موسكو)

في كواليس «ذا فويس كيدز» مع رفيق المواهب ومدرّبها وديع أبي رعد

وديع أبي رعد مدرّب الصوت والمشرف الموسيقي في برنامج «ذا فويس» (صور أبي رعد)
وديع أبي رعد مدرّب الصوت والمشرف الموسيقي في برنامج «ذا فويس» (صور أبي رعد)
TT

في كواليس «ذا فويس كيدز» مع رفيق المواهب ومدرّبها وديع أبي رعد

وديع أبي رعد مدرّب الصوت والمشرف الموسيقي في برنامج «ذا فويس» (صور أبي رعد)
وديع أبي رعد مدرّب الصوت والمشرف الموسيقي في برنامج «ذا فويس» (صور أبي رعد)

في كل مرةٍ يتجدّد فيها الموعد مع «ذا فويس كيدز»، يحلُّ موسمٌ جديد من الدهشة. ليست مواهب الأطفال العابرين على الشاشة اعتيادية. بعضُها خارق وقادرٌ على اصطحاب الجمهور في رحلةٍ قصيرة إلى الحلم والإحساس، والأخير قيمةٌ مُفتَقدة حالياً في المحتوى الإعلامي والترفيهي.

في مرحلة «الصوت وبسّ»، تُرافق لهفةُ المُشاهدين المشتركينَ الصغار، وتخفق القلوب انتظاراً لكرسيٍ يلتفّ لهم. أما في المرحلة الثانية أي المواجهة، فتتضاعف الدهشة أمام الأداء المحترف شكلاً ومضموناً.

صحيح أنّ مجهوداً كبيراً يُبذَل من أجل إنجاز تلك اللوحات الموسيقية، إلّا أنّ الجزء الأكبر من السحر سببُه الأطفال أنفسهم، وفق ما يرى مدرّب الصوت والمشرف الموسيقي في برنامج «ذا فويس»، وديع أبي رعد. ففي حديثه مع «الشرق الأوسط»، يقول أبي رعد إنّ «سرّ جاذبيّة البرنامج يكمن في براءة الطفولة وعفويّتها، وقبل أي شيء في المواهب الحقيقية لدى المشتركين».

سرّ «ذا فويس كيدز» براءة الأطفال ومواهبهم الحقيقية (وديع أبي رعد)

يرافق أبي رعد «ذا فويس» بنُسَخ الكبار والصغار منذ عام 2012 أي منذ انطلاقة البرنامج، وهو بذلك يكون قد واكب جيلاً كاملاً من المواهب المتلاحقة. غير أنّ هذا الموسم من نسخة الصغار يستوقفُه بشكلٍ خاص نظراً لِما يسمّيه «النضج اللافت لدى الجيل الحالي»، وهو نضجٌ نفسيّ وعاطفيّ وموسيقي في آنٍ معاً. يضيف أبي رعد: «وَعيُهم وثقتُهم يذهلانني. هم أصحاب رأي وموقف، ويعبّرون عن أنفسهم وعن مشاعرهم من دون خجل. حتى إنهم يتدخّلون في تفاصيل الأغنية والأداء ويعطونني الملاحظات»، يخبر ضاحكاً.

جيلٌ كامل عبر ما بين الموسم الأول من «ذا فويس كيدز» وموسمه الرابع. تبدّلت شخصيات الأطفال وتطوّر وعيُهم مع مرور الزمن وتأثير التكنولوجيا والإنترنت. أما أبرز ما تغيّر لدى وديع أبي رعد، فهو أنه بات يستمتع أكثر بالعمل مع الأطفال منبهراً بـ«انضباطهم، وقدراتهم الاستيعابيّة ومعرفتهم الواسعة بالأغاني، على اختلاف أنواعها ولهجاتها وحِقَبِها الزمنيّة».

تضع إدارة البرنامج الصحة النفسية للأطفال في المرتبة الأولى. ويشير أبي رعد إلى أنّ كل شخصٍ يعمل مباشرةً مع المواهب الصغيرة يشارك في جلساتٍ مع المتخصصة النفسية المواكِبة للأطفال للاستماع إلى نصائحها. «منها تعلّمتُ مثلاً أنه يجب الانخفاض جسدياً إلى مستوى الولد عند مُحادثتِه، إذ يجب أن يشعر بأننا متساويان». ويتابع المدرّب الموسيقي أنّ هذه الطريقة قرّبته كثيراً من الأطفال، فباتوا يفاتحونه بكل ما يُقلقُهم أو يُحزنُهم.

«في كل مرةٍ لم يلتفّ فيها كرسيٌّ للمواهب كنت أحزن، لكن هذه شروط اللعبة»، يشارك أبي رعد المتبارين حزنهم. مع العلم بأنهم هذه المرة أكثر تعبيراً وأقلّ كبتاً لمشاعرهم، وهذا الأمر من علامات النضج، ومن آثار المتابعة النفسية التي يحظون بها طيلة فترة مشاركتهم في البرنامج.

وكما أنه يحزن أمام كل دمعةٍ يذرفونها، فهو يفرح «بكل لمعةٍ في عيونهم» تختصر أحلامهم الصغيرة المتّقدة وتحكي عن شغفهم بالغناء والموسيقى. مع ذلك، فإنّ المدرّب المتمرّس في برامج المواهب، منذ «ستار أكاديمي» مروراً بـ«أراب أيدول» وليس انتهاءً بـ«ذا فويس» وغيرها الكثير، لا يشجّع على أن يتحوّل «ذا فويس كيدز» إلى هاجسٍ لدى الأطفال وأهاليهم. «أنصح بالتعامل مع هذه المحطة بوصفها مرحلة جميلةً ومنصةً لإبراز موهبة الطفل، لكن لا يجب أن تتحوّل إلى محور حياته، وأن يرتبط بها مصيره ومستقبله»، يوضح أبي رعد. ويتابع: «في هذه السن، المكان الطبيعي للولد هو مدرسته وألعابه، ولا يجب بالتالي أن يفكّر جدياً باحتراف الغناء ودخول المجال قبل إنهاء دراسته وعَيش طفولته».

إلى جانب المتابعة النفسية، يلعب المدرّبون النجوم دوراً محورياً في مشوار الأطفال داخل البرنامج، مهما طالت مدّته أو قصرت. «هم بمثابة عرّابي الأطفال، ونصائحهم أساسية، ولكلٍ منهم بصمتُه وأثرُه»، يقول أبي رعد. ويضيف: «رامي صبري ملحّن وعازف، إضافةً إلى كونه مطرباً، وهذا مهم في صقل أصوات فريقه. خصوصيّة داليا مبارك، إضافةً إلى حسّ الأمومة لديها، فهي تضخّ الثقة والطاقة في نفوس المشتركين. أما الشامي فميزتُه أنه الأقرب إلى عُمرهم وهو صبور في التعامل معهم، كما أنّ للونه الغنائي الخاص أثراً على أدائهم».

وديع أبي رعد مع نجوم لجنتَي «ذا فويس»: رامي صبري ورحمة رياض وداليا مبارك وناصيف زيتون (إنستغرام)

وصل «ذا فويس كيدز» إلى مرحلته الثانية، أي المواجهات وأولى التصفيات. لكنّ الرحلة لم تبلغ هذه المحطة من دون عناء. بدءاً بجَمع المواهب من مختلف أنحاء العالم العربي، وصولاً إلى مشاهدة وديع أبي رعد 3 آلاف فيديو لأداء الأطفال، وقيامه بالتصفيات على مراحل لبلوغ العدد النهائي المطلوب.

«عندما أختار المواهب المنتقلة إلى مرحلة (الصوت وبسّ)، أتجرّد من رأيي وذوقي، وأنتقي مَن يجيدون الغناء فعلاً». في الأداء الأول أمام اللجنة، يُترك خيار الأغنية للأطفال، مع تقديم النصائح لهم. أما في مرحلة المواجهة فيلفت أبي رعد إلى أنَّه حرصَ هذا الموسم على «إدخال الأغاني الرائجة والتي يغنّيها فنانون شباب، إلى جانب الأغاني الكلاسيكية والطربية». يبرّر قراره هذا بالقول: «التنويع ضروري لأنّ المحتوى يجب أن يشبه الأطفال ويحاكي الجيل».

حرصت على إدخال الأغاني الرائجة هذا الموسم لأنها تحاكي الجيل (وديع أبي رعد)

كلّما تقدّم البرنامج في مراحله، تكثّفت التمارين. لكن مهما بلغَ العمل جدّيّةً واحترافاً، يبقى المرح هو الأساس. «لا يجب أن يشعر الأطفال وكأنهم في امتحان»، يشدِّد أبي رعد. «كلما ازداد القلق لديهم أحاول طمأنتهم. إذا كانوا خائفين من أغنيةٍ مثلاً، أطلب منهم أن يسردوها لي كما لو أنها حكاية؛ هو الغناء بأسلوب الـ(storytelling). أدرّبهم أيضاً على تحرير أجسادهم على المسرح، أن يركضوا ويقفزوا ويرقصوا خلال التمارين».

لا يريد أبي رعد أن يتحوَّل لحظةً إلى الأستاذ الصارم في عيون الأطفال، بل أن يبقى في ذاكرتهم صورةً حلوة كما هو برنامج «ذا فويس كيدز» في عيون المشاهدين العرب.


«إسعاف» زياد عيتاني... كوميديا تصل إلى الخشبة ولا ترسَخ بعدها

الضحك يطرق باب مرحلة أثقل من أن تُفتَح بهذه السهولة (الجهة المنظّمة)
الضحك يطرق باب مرحلة أثقل من أن تُفتَح بهذه السهولة (الجهة المنظّمة)
TT

«إسعاف» زياد عيتاني... كوميديا تصل إلى الخشبة ولا ترسَخ بعدها

الضحك يطرق باب مرحلة أثقل من أن تُفتَح بهذه السهولة (الجهة المنظّمة)
الضحك يطرق باب مرحلة أثقل من أن تُفتَح بهذه السهولة (الجهة المنظّمة)

عاد زياد عيتاني إلى المسرح عبر الكوميديا، في مرحلة لبنانية تركت الجمهور داخل حالة من الإنهاك الجماعي. في مسرحيته «إسعاف» (مسرح المونو) بمشاركة نور سعد، حاول الممثل والمخرج أن يُقدّم عملاً يستدعي الضحك داخل أيام فقدت كثيراً من طَعْمها. هذه النيّة تستحق أن تُقرأ بإنصاف، لأنّ الحرب تدفع كثيرين إلى العجز، في حين اختار عيتاني أن يبقى داخل فعل الكتابة والعمل. وإنما الإنصاف لا يمنح المسرحية حصانة نقدية، ولا يجعل المحاولة إنجازاً فنّياً تلقائياً.

«إسعاف» واعية إلى أنها لا تطمح إلى طَرْح مسرحيّ كبير، ولا تسعى إلى تغيير نظرة المُشاهد إلى الحياة أو دفعه نحو تساؤلات وجودية. لكنَّ البساطة في المسرح لا تعني انخفاض الصُّنعة. هذه معضلة شائكة. تحت شعار العمل الخفيف والضحك المطلوب لجمهور خرج من حرب قاسية، يمكن أن تمرَّ مواد كثيرة متوسّطة الجودة، تستند إلى حُسن النيّة أكثر ممّا تستند إلى بناء مسرحي مُتماسك. الترفيه ليس ضحكة تنتهي عند باب المسرح. الحقيقي منه يحتاج إلى ذكاء وتوقيت ورؤية وإحساس عميق بالجمهور الذي يضحك كي لا يختنق، لا كي ينسى كلّ شيء بعد دقائق.

بين الترفيه وأثره... مسافة لا يقطعها الضحك فقط (الجهة المنظّمة)

في العرض لحظات مُضحكة حقاً. يعرف زياد عيتاني كيف يستخدم جسده ونبرته ولهجته ليصنع ألفة فورية مع الجمهور. يملك خبرة في اللعب الكوميدي وتحويل المفارقات إلى مادة قابلة للضحك. لكنَّ هذا وَصَل على قَدَم واحدة. النصّ والإخراج لم يمنحا الضحك تُربة لتنمو داخلها كوميديا ساخرة ولاذعة. ظلَّت النكات أقرب إلى مقاطع متفرّقة تشتعل سريعاً وتخبو سريعاً، مثل دعابة صالحة لمنصات التواصل أكثر من خشبة تحتاج إلى تراكُم وتصعيد وأثر يبقى بعد انتهاء العرض.

يدعم هذا الانطباع تركيز المسرحية على البُعد الجنسي بطريقة بدت أحياناً أثقل من حاجتها الدرامية. تحقُّ للمسرح مقاربة الرغبة والعلاقات من زوايا مختلفة، وإنما الإشكالية تظهر حين يصبح هذا العنصر مركز الجذب الأبرز ويتقدَّم على عناصر أخرى كان يمكن أن تمنح النصّ عمقاً أو مفارقة. بذلك يصبح أداة لاستدعاء انتباه المُشاهد وطُعْماً مسرحياً لتعويض نقص الثقة ببقية المكوّنات. عندها تضيق الدلالة ويبدأ هذا العنصر بابتلاع مساحات أخرى تمنح العمل تلقّياً أكثر تنوُّعاً.

يطلّ عيتاني على المسرح قريباً جداً من عيتاني المعروف خارج الخشبة. لهجته وخلفيته وإيقاعه الاجتماعي، وانتماؤه إلى ذاكرة منطقة «طريق الجديدة» البيروتية... تحضر في الشخصية. ليس عيباً تمثلياً الالتصاق بين الفنان والدور. تجارب فنّية كبرى بُنيت على حضور شخصي متكرّر وعلى فنانين يوسّعون ذواتهم عوض أن يختفوا تماماً داخل شخصيات غريبة عنهم. لكنَّ هذا الخيار يحتاج إلى نصّ أقوى كي لا يتحوّل حضور الممثل إلى بديل من الشخصية المكتوبة. في «إسعاف»، بدا عيتاني قادراً على حَمْل لحظات كثيرة بكاريزمته، لكنَّ العرض لم يُقدّم له دائماً مادة تفتح منطقة جديدة في أدائه أو تُفاجئ المُشاهد بصورة غير مألوفة عنه.

إلى جانبه، جاءت نور سعد بإطلالة أنثوية لطيفة وطاقة حاولت أن تضيف إلى المشهد حيوية، فاستطاعت أن تقتطع مساحة ضوء إلى جانب ممثل مُتمكّن من الخشبة، وهذا يُحسَب لها، خصوصاً أنها في بدايات اكتساب الخبرة. لكنَّ الأداء يحتاج إلى صَقْل وتدريب أكبر على الثبات داخل المشهد. كانت موجودة حيناً، ثم تراجع وجودها حيناً آخر حتى غابت عن إيقاع المشهد المسرحي. هذه ليست مسؤولية الممثلة وحدها، فالإخراج كان مُطالَباً بحمايتها أكثر وبصناعة توازن أدق بين ممثّل يمتلك أدواته وآخر لا يزال يبحث.

الخشبة تضحك... والإنهاك الجماعي يجلس بين المقاعد (الجهة المنظّمة)

الأغنيات والموسيقى أدّتا وظيفة مناخية لا يمكن إنكارها. أضافتا جوّاً، وخفّفتا من جفاف بعض الانتقالات، ومنحتا العرض نَفَسَاً أكثر حيوية. ومع ذلك، ظهرت أحياناً مثل وسيلة لملء فراغ لم يسدّه النصّ. الموسيقى في المسرح تشتغل بقوة حين تنبع من صُلب البناء وحين تُكمل المشهد لا حين تسنده كي لا يقع. في «إسعاف»، نجحت الأغنيات جزئياً في إنعاش الإيقاع، لكنها حملت أحياناً عبئاً أكبر من وظيفتها.

أما الإخراج فبقي ضمن مساحة آمنة. لا يحتاج العرض إلى استعراض بصري ولا إلى حلول شكليّة مُتكلّفة، لكنه كان يحتاج إلى إدارة أكثر ابتكاراً للمساحة والإيقاع. الجوارب الطفولية التي ارتداها البطل تفصيلة لها دلالة، وإنما لا تكفي كي تكون أبرز ما يُذكَر إخراجياً. أمكن للإخراج مَنْح المادة الخفيفة كثافة أكبر والحدّ من الإحساس بأنها مكتفية بكونها للترفيه السريع.

حملت مسرحية «إسعاف» نية مفهومة ومحاولة حقيقية في توقيت صعب، وكشفت في الوقت نفسه عن حاجة المسرح الترفيهي إلى احترام أكبر لصُنعته. الجمهور المُتعب من الحرب يستحق الضحك، لكنه يستحق ضحكاً يترك داخله أثراً يستمرّ بعد العودة إلى البيت.

Your Premium trial has ended


قناة مصرية تحذف حلقة عن الكلاب الشاردة بعد إثارتها الجدل

الكلاب الشاردة في شوارع القاهرة (فيسبوك)
الكلاب الشاردة في شوارع القاهرة (فيسبوك)
TT

قناة مصرية تحذف حلقة عن الكلاب الشاردة بعد إثارتها الجدل

الكلاب الشاردة في شوارع القاهرة (فيسبوك)
الكلاب الشاردة في شوارع القاهرة (فيسبوك)

حذفت قناة «النهار» المصرية حلقة «الكلاب الشاردة»، التي عُرضت ضمن برنامج «صبايا الخير»، من تقديم ريهام سعيد، من على جميع منصاتها الرقمية، بهدف احتواء الأزمة بعد إثارة الحلقة للجدل.

وأوضحت إدارة القناة في بيان نشرته عبر حسابها على موقع «فيسبوك» السبت، أن الحذف جاء بسبب حالة الجدل، وردود الفعل الواسعة التي أثارتها حلقة «الكلاب الشاردة»، وأن القرار يعود لرغبة القناة في تهدئة الأجواء، ومنع تفاقم الخلاف بين الأطراف المتنازعة، لافتةً إلى أن هدف الحلقة الأساسي كان فتح مساحة للحوار بين الجميع، واستعراض الحلول والمقترحات الحكومية لمعالجة هذا الملف وليس إثارة الاشتباك».

وعقب عرض الحلقة، طالبت آراء «سوشيالية» عدة بمقاطعة القناة المصرية، بعدما ناقشت أزمة انتشار «كلاب الشوارع»، بمصر، واستضافت المذيعة إحدى السيدات التي ظهرت في فيديو بأحد المجمعات السكينة الشهيرة، وهي تقوم برش «الماء المخلوط بالجاز»، على أطعمة «الكلاب الشاردة»، بهدف إبعادها عن منزلها وخوفها على الأطفال، وتشاجرت حينها مع سيدة أخرى بسبب اعتراضها على ما تفعله.

وبينما دافع البعض عن «الكلاب الشاردة»، ووصفوا ما يحدث بأنه «جريمة»، وطالبوا بحلول إنسانية مثل، التعقيم، وإنشاء ملاجئ، دافع البعض الآخر عن وجهة نظر السيدة صاحبة واقعة رش «الماء بالجاز»، والتي تم اتخاذ إجراءات قانونية حيالها وفقاً لبيان وزارة الداخلية المصرية عقب انتشار الفيديو بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي أخيراً.

وشهدت الحلقة المحذوفة، مشادة كلامية حادة، حيث قامت السيدة المشار إليها التي استضافها البرنامج، بالانسحاب من الحلقة في أثناء مواصلة المذيعة حديثها، وانقسمت الآراء حول جدية المشكلة وواقعيتها ومعاناة الناس منها، وبين طريقة عرضها على الشاشة، وأحقية السيدة فيما فعلت.

واتهمت منشورات «سوشيالية»، مذيعة البرنامج بالانحياز لحقوق الكلاب، وعدم الحيادية والمهنية في عرض الموضوع، والخلط بين الإنسان والحيوان، والمساواة بينهما، وتجاهل ضرر الكلاب الضالة، وتغليب العاطفة على المنطق.

من جانبه أكد أستاذ الإعلام الدكتور محمود خليل، أن «ما فعلته مذيعة الحلقة لا يصح أن نصفه بأنه إعلام بنّاء، لكنه جلسة عادية تتم في الحياة اليومية»، لافتاً إلى أن «هذا اللون أصبح سائداً، وانتشر في الآونة الأخيرة بصورة كبيرة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن «هذا النوع من الطرح المتباين، يتطلب حضور وجهات نظر عدة، وأرقاماً واقعية للحالات، ومعلومات دقيقة حول المخاطر، وتكلفة اللقاح، وإيجاد حلول، بعيداً عن الآراء الشخصية العاطفية والتحيز، وذلك بهدف معالجة الظاهرة»، مشدداً على أنه «لا يجب على المحاور فرض رأيه، بل إدارة الحوار بحيادية ومهنية».

وتفاقمت أزمة «كلاب الشوارع» بمصر، خلال الفترة الأخيرة بشكل مكثف على مواقع التواصل بين مؤيد ومعارض، ودخل على خط الأزمة بعض الفنانين من بينهم الفنان محمد غنيم، الذي تعرض للوقف من «نقابة الممثلين»، قبل أيام على خلفية منشور دعا خلاله بعمل «شلاتر» للسيدات اللاتي يطعمن كلاب الشارع، مع الكلاب.

من جانبها أعلنت الدكتورة شيرين علي زكي، من مديرية الطب البيطري بمحافظة الجيزة، مقاطعتها القناة المصرية على خلفية حلقة «الكلاب الشاردة»، وذلك عبر منشور عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، ودعت الناس في منشورها، إلى المقاطعة أيضاً لحين اتخاذ إدارة القناة إجراءات ضد ما تم في الحلقة، من تجاوز وهجوم واتهام ومخالفة للأكواد الإعلامية، ومراعاة حيادية المذيع، واحترام الضيوف، وفق قولها.

وأكدت الدكتورة شيرين رفضها أسلوب طرح الموضوع الذي استهان بمشاعر الغضب في الشارع، وبدماء الأطفال ضحية هجوم الكلاب، وبالتصريحات الرسمية التي أكدت أن عقر الكلاب الضالة أصبح ظاهرة ترهق مخصصات وزارة الصحة، وبمليون ونصف حالة عقر سجلتها سجلات الدولة 90 في المائة منها بسبب الكلاب الضالة، وكذلك برأي المتخصصين من الأطباء البيطريين عن الأمراض التي تنتقل عبر هذه الحيوانات ومخلفاتها وتغيير سلوكها بالإطعام العشوائي، وباتجاه الدولة لتخصيص أراضٍ وملاجئ لتلك الحيوانات لحمايتها وحماية الناس منها.

في السياق، أعلنت محافظة القاهرة قبل أكثر من شهرين بدء تنفيذ مشروع «شلتر» للكلاب الضالة، بالتعاون مع الهيئة العامة للخدمات البيطرية، بهدف توفير مكان لإيوائهم، وضمان السلامة العامة للمواطنين.