«الحياة المضيئة»... فيلم برتغالي مستوحى من رسالة فتاة فلسطينية

مخرجه قال لـ«الشرق الأوسط» إنه اعتمد على «الكوميديا السوداء»

استعرض الفيلم مدينة لشبونة والتغيرات التي طرأت عليها (الشركة المنتجة)
استعرض الفيلم مدينة لشبونة والتغيرات التي طرأت عليها (الشركة المنتجة)
TT

«الحياة المضيئة»... فيلم برتغالي مستوحى من رسالة فتاة فلسطينية

استعرض الفيلم مدينة لشبونة والتغيرات التي طرأت عليها (الشركة المنتجة)
استعرض الفيلم مدينة لشبونة والتغيرات التي طرأت عليها (الشركة المنتجة)

في ربيع لشبونة البرتغالية، حيث ينساب الضوء على جدران المدينة القديمة وتغمرها نسمات البحر الدافئة، تنطلق أحداث الفيلم البرتغالي «الحياة المضيئة». يتتبّع العمل مسار حياة «نيكولا»، الشاب البالغ من العمر 24 عاماً، ويعيش مرحلة من التعلّق بين الماضي والمستقبل.

الشاب الذي انفصل عن حبيبته قبل عام، ترك دراسته بلا هدف واضح، ويقضي أيامه متنقلاً بين وظائف مؤقتة لا تمنحه سوى الشعور باللاجدوى. يحلم بالموسيقى، لكنه بالكاد يعزف في فرقة لم تجد طريقها إلى أي جمهور. كل ما حوله يبدو في حركة مستمرة، فيما هو عالق في نقطة ساكنة، يراقب مرور الحياة كما لو أنها تخص آخرين.

في يوم عيد ميلاده، يجد نفسه محاطاً بأصدقاء يحاولون إخراجه من عزلته، فيلتقي فتاة فرنسية تُدعى «كلوي» جاءت إلى لشبونة لكتابة أطروحة عن «هندسة الموت». اللقاء الذي يبدو عابراً في البداية يوقظ داخله شيئاً من الفضول تجاه الحياة من جديد. ومع مرور الأيام، يبدأ «نيكولا» إعادة اكتشاف نفسه من خلال الأشخاص الذين يدخلون حياته بالصدفة: زملاء العمل، والجيران في السكن المشترك، والموسيقيون الذين يشاركونه البروفات الليلية.

طرح الفيلم قضايا شبابية عدة (الشركة المنتجة)

كل شخصية تضيف لوناً جديداً إلى عالمه الرمادي، حتى وإن كانت تظهر وتختفي بلا مقدمات. يتولّى في أحد المشاهد عملاً مؤقتاً يُعِد فيه الدراجات العابرة في شوارع لشبونة. وظيفة تبدو هامشية، لكنها تمنحه للمرة الأولى فرصة لمراقبة حركة المدينة من حوله، وفي لحظة سريعة يلمح فتاة تشبه حبيبته السابقة، ومعها يبدأ وعيه بالزمن يتبدّل، كأن الماضي يمد يده للحاضر فيدعوه إلى التقدم ولو بخطوة صغيرة.

تتطور الحكاية ببطء نحو انفتاح «نيكولا» على الآخرين، خصوصاً بعد اقترابه من الفتاة الفرنسية «كلوي»، التي تحمل حضوراً نقيضاً له بشكل كامل منفتحة، خفيفة، تعرف ما تريد، العلاقة بينهما لا تُقدَّم كقصة حبّ تقليدية، بل مرآة تعكس التفاوت بين شخص يبحث عن معنى للحياة وآخر يعيشها كما تأتي.

يقول المخرج البرتغالي جواو روزاس، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما أراده في فيلمه الذي عُرض في النسخة الثامنة من «مهرجان الجونة السينمائي» في مصر؛ تصوير لحظة التكوين الشخصي في العشرينات، عندما يبدأ المرء الخروج من بيت العائلة، ومواجهة العمل، وتكوين صداقات جديدة، والتصالح مع التناقض بين ما يريده الآخرون له وما يحلم به لنفسه.

وأشار إلى أن علاقته بمدينة لشبونة كانت نقطة الانطلاق الأولى في بناء الفيلم. فقد بدأ التحضير عبر جولات طويلة في شوارعها، في تحضيرات وصفها بأنها أشبه بعملية «رسم خريطة وجدانية» للمكان.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأضاف أن تلك المسارات قادته إلى تفاصيل صغيرة، وإلى أماكن ترتبط بذكرياته القديمة وحياته اليومية. ومن خلال تلك الجولات، كان يشعر وكأنّ المدينة نفسها تهمس له بالأفكار وتدعوه إلى كتابة مشاهدها، مؤكداً أنه أراد أن يصوّر لشبونة الحقيقية، بعيداً عن الواجهة السياحية التي يراها الآن «مصطنعة ومصنوعة من البلاستيك»، حسب وصفه.

وقال المخرج إن الإيقاع البطيء للفيلم كان مقصوداً منذ البداية؛ إذ أراد أن يعكس الحالة الداخلية لنيكولا، وأن يجعل المشاهد يعيش الزمن كما يعيشه البطل: متثاقلاً، ومتكرراً، ومليئاً بالتفاصيل الصغيرة التي تشكّل جوهر الحياة اليومية. وأشار إلى أنه استلهم عنوان الفيلم من رسالة كتبتها شابة فلسطينية من غزة في الأيام الأولى من الحرب، قالت فيها إن من يعيشون في الخارج لا يستطيعون إنقاذهم، لكن يمكنهم أن يعيشوا حياتهم بصدق، وأن يحبّوا ويضحكوا ويُمضوا وقتاً جميلاً مع أصدقائهم.

وأكد أن هذه الرسالة بلورت فكرة الفيلم، القائمة على أن دور الإنسان في الحياة يتجسّد من خلال علاقاته الإنسانية، ومن خلال محاولة العثور على ما يجعلنا نستمر رغم العتمة.

وأضاف أن «مزيج الكآبة والكوميديا الذي يلوّن الفيلم، فيما يُعرف بـ(الكوميديا السوداء)، جاء من التجارب المشتركة مع الممثلين في أثناء البروفات، ومن ملاحظاته للحياة اليومية؛ فالكوميديا جزء لا ينفصل عن الوجود الإنساني، تظهر في الحركات الصغيرة، وفي طريقة حديث الناس، وفي العثرات البسيطة التي تكسر الجدية».

استوحى المخرج اسم الفيلم من رسالة فتاة فلسطينية (الشركة المنتجة)

ويرى المخرج البرتغالي أن «السرد المفتوح الذي يبتعد عن ذروة الصراع يعكس نظرتي إلى الحياة، فهي تظل مفتوحة حتى يأتي الموت ليغلق الستار. ولذلك كان أقرب إلى السرد التأملي الذي يراكم المشاعر والأحداث الصغيرة، بدلاً من الحكايات التي تنفجر في منتصفها بصراع حاد؛ فالتغيّرات الكبرى تأتي من تراكم الأيام، لا من لحظة درامية واحدة»، على حد تعبيره.

وأضاف أن الحب في الفيلم ليس قصة واحدة، بل تجربة غير مكتملة، أشبه بـ«حب قبل النضج» أو «حب بعد الحب»، بمعنى أنه يعكس تلك العلاقات الأولى التي تترك فينا أثراً، لكنها لا تكتمل، مؤكداً أنه «من الطبيعي أن يعيش الإنسان أكثر من حبٍّ واحد في حياته؛ لأن العاطفة نفسها تتطور كما يتطور وعي الإنسان».

ولفت إلى أن «التفاصيل اليومية، مثل المقاهي والدراجات والشوارع، تحمل عنده القيمة السينمائية نفسها التي تحملها المشاهد الكبيرة؛ لأن الكاميرا عندما تلتقط البساطة تلتقط جوهر الإنسان. لذلك صوّرتها كثيراً، وجعلتها تملأ الفضاء البصري كأنها شرايين الحياة التي تسري في المدينة».

وأكد أن ترك بعض المشاهد «غير مكتملة» كان قراراً مقصوداً؛ لأنه «لا يريد أن يفرض معنى على المشاهد»، بل يتيح له أن يملأ الفراغ بتجربته الخاصة؛ فالفيلم، كما يرى، مجموعة من الطبقات: منها ما يظهر، ومنها ما يُكتشف بالمشاهدة والتأمل.


مقالات ذات صلة

اعتراض من أسرة نجيب محفوظ يُعقّد مشروع عمرو سعد لإعادة «اللص والكلاب»

يوميات الشرق شكري سرحان في لقطة من فيلم «اللص والكلاب» (الشركة المُنتجة)

اعتراض من أسرة نجيب محفوظ يُعقّد مشروع عمرو سعد لإعادة «اللص والكلاب»

اعترضت أم كلثوم، ابنة الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ، على إعلان الفنان عمرو سعد عزمه إعادة تقديم رواية «اللص والكلاب» سينمائياً.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق يهدف الفيلم لتعريف الأطفال بقضية اللجوء - (الشركة المنتجة)

«اللجوء إلى المدرسة» يتعاطف مع أوضاع اللاجئين في أوروبا

احتضنت الدورة الـ16 من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، عرض فيلم الرسوم المتحركة «اللجوء إلى المدرسة».

أحمد عدلي (مالمو (السويد))
يوميات الشرق رائد السينما السعودية عبد الله المحيسن (مهرجان مالمو للسينما العربية)

عبد الله المحيسن: والدي اعترف بي فنياً بعد «اغتيال مدينة»

اختار المخرج عبد الله المحيسن أن يكون محامياً للمجتمع، مدافعاً عن قضايا الإنسان من خلال السينما.

أحمد عدلي (مالمو (السويد) )
يوميات الشرق لقطة لأحد مشاهد فيلم «القصص» (الشركة المنتجة)

منتجون مصريون يتراجعون عن عرض أفلامهم في ظل «الإغلاق المبكر»

بفعل تداعيات قرار «الإغلاق المبكر»؛ تراجع منتجون مصريون عن عرض أفلامهم في صالات العرض في موسم «أعياد الربيع».

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق إبراهيم الحساوي يجسد دور الجد في لقطة من فيلم «هوبال» (الشركة المنتجة)

«الفيلم العربي ببرلين» يبرز معاناة مجتمعات عربية في دورته الـ17

تعكس الموضوعات المطروحة الواقع الراهن في المنطقة، بما في ذلك الحروب والتدخلات الإمبريالية، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، مع حضور قوي للقضية الفلسطينية.

أحمد عدلي (القاهرة)

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
TT

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)

تصدرت السعودية دول العالم في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) في إنجاز عالمي جديد يدون في سجل إنجازاتها.

جاء تصدُّر السعودية للمؤشر بعدما سجلت 94 نقطة من أصل 100 ضمن تصنيف «مرتفع جداً»، لتتقدم إلى المركز الأول عالمياً، مقارنة بـ90 نقطة والمركز الرابع عالمياً في العام الماضي.

وحققت فنلندا وألمانيا المركزين الثاني والثالث بـ93 نقطة لكل منهما، ثم المملكة المتحدة في المركز الرابع بـ92 نقطة، والنرويج في المركز الخامس بـ91 نقطة، فيما حلت فرنسا في المركز السادس بـ90 نقطة.

ويعكس إنجاز السعودية ما تشهده من تطور متسارع في بناء منظومة رقمية متقدمة، ترتكز على سياسات تنظيمية ناضجة، وأطر حوكمة فعّالة، وقدرات مؤسسية عالية، بما يعزز تنافسية الأسواق الرقمية، ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، ويواكب مستهدفات المملكة في الانتقال إلى العصر الذكي.

ويُعد هذا المؤشر أحد المؤشرات الدولية المتخصصة في قياس الجاهزية الوطنية للمنظومات الرقمية، من خلال تقييم أنظمة وسياسات الاتصالات والتقنية وأدوات الحوكمة، بالاستناد إلى مخرجات تحليلية تشمل النضج التنظيمي الرقمي وتطور تنظيمات القطاع، ويضم 117 مؤشراً موزعة على 9 محاور رئيسة.

وأكد تصدر السعودية لهذا المؤشر مكانتها العالمية بوصفها نموذجاً رائداً في بناء بيئة رقمية تمكينية، تتبنى أفضل الممارسات التنظيمية، وتعزز القرارات المبنية على البيانات، وتدعم تكامل الأدوار بين الجهات ذات العلاقة، بما يسهم في رفع مرونة المنظومة الرقمية وقدرتها على مواكبة المتغيرات التقنية والمتسارعة عالمياً.

كما يبرز هذا التقدم حجم الجهود الوطنية في تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وتمكين الأسواق الرقمية، وتعزيز كفاءة البنية المؤسسية، وهو ما أسهم في وصول السعودية إلى فئة «مرتفع جداً» التي تضم نسبة محدودة من دول العالم، بما يجسد ريادتها الدولية ومتانة مسيرتها التنموية في قطاع الاتصالات والتقنية.

ويأتي هذا الإنجاز ثمرةً لتكامل الجهود الوطنية بين عدة جهات حكومية وتنظيمية، ممثلة بوزارات «المالية، والتجارة، والإعلام، والصحة، والتعليم، والاقتصاد والتخطيط، والبيئة والمياه والزراعة» وهيئات «الاتصالات والفضاء والتقنية، والحكومة الرقمية، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني»، إضافة إلى «البنك المركزي»، وجهات شريكة، بينها، هيئات «تنظيم الإعلام، والنقل، والمياه، وتنظيم الكهرباء، والمنافسة»، و«مركز التنافسية»، وجمعية حماية المستهلك.

ويُرسخ هذا الإنجاز حضور السعودية في المؤشرات الدولية المتخصصة، ويُعزِّز موقعها مركزاً عالمياً رائداً في الاقتصاد الرقمي، ووجهة جاذبة للاستثمار والابتكار، مدعومة برؤية طموحة نحو مستقبل أكثر نمواً وازدهاراً.


«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو» مجدداً، بعد تقديمها لحلقات إذاعية تمثيلية أخيراً، في بعض الإذاعات المحلية، حيث اشتهرت الفنانة المصرية بأعمالها بالسينما والدراما التلفزيونية، وتقديم البرامج الحوارية الفنية، والغناء خصوصاً للأطفال.

وأعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام»، برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، في بيان صحافي، الثلاثاء، عن إطلاق برنامج «الملهمون»، الذي بدأت أولى حلقاته الأحد، وتناولت سيرة سيزا نبراوي، كما أكد الدكتور محمد لطفي رئيس الإذاعة بمصر، الانتهاء من تسجيل 12 حلقة مدة كل منها 30 دقيقة، تذاع على أثير «البرنامج العام»، مساء الأحد من كل أسبوع، وكذلك على جميع المحطات الإذاعية الإقليمية، إذ يتناول البرنامج شخصيات أثرت في تاريخ مصر في مجالات مختلفة.

وتتناول الحلقات المقبلة، شخصيات لها دور مؤثر، مثل الدكتور نجيب محفوظ ميخائيل، وسليم وبشارة تقلا، وأبلة نظيرة، وأنيس عبيد، وغيرهم من الشخصيات التي لم يتم تسليط الضوء عليها درامياً ووثائقياً، بحسب البيان الصحافي.

الفنانة صفاء أبو السعود (فيسبوك)

وفي السياق، بدأت حلقة سيزا نبراوي عبر برنامج «الملهمون»، بتعليق صوتي جاء فيه «في كل زمن يولد من يغيره، ومن بين الزحام تلمع أسماء لا تنسى، هؤلاء لم يعيشوا فقط بل ألهموا العالم»، ويشارك في بطولة الحلقات إلى جانب صفاء أبو السعود، نخبة من نجوم الإذاعة المصرية، تأليف أحمد القصبي، وإخراج تامر شحاتة، بينما شارك في الأداء الإذاعي لحلقة سيزا نبراوي، عادل شعبان، ومصطفى درويش، وأحمد خليل، وأماني البحطيطي، وقام بدور الراوي علي مراد.

وسلطت الحلقة الضوء على دور السيدة سيزا نبراوي، في الدعوة لحرية النساء والوطن، وعلاقتها بالسيدة هدى شعراوي، وخروجها في مظاهرات ثورة 1919، وتأسيسها لجريدة «الاتحاد النسائي»، باللغة الفرنسية، ومساهمتها في تحديد سن الزواج للفتيات، وحقهن في التعليم، وجمع التبرعات لمقاومة الاحتلال.

وأشاد وكيل وزارة الإعلام الأسبق، رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، الإذاعي المصري شريف عبد الوهاب، بدور الإذاعة المصرية في تسليط الضوء على الشخصيات البارزة بهدف «تعزيز الهوية»، مشيراً إلى أن الحديث عن «الشخصيات المهمة»، في كل المجالات لتكون قدوة حسنة للشباب، وللتأكيد على أهمية الماضي الذي يساعد على الانطلاق نحو المستقبل، أمر ضروري.

الفنانة صفاء أبو السعود اشتهرت بتقديم البرامج (فيسبوك )

وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن محتوى «الملهمون»، الهادف ليس جديداً على الإذاعة المصرية، التي اعتادت على المسلسلات التي تسلط الضوء على القضايا المجتمعية، والشخصيات البارزة، لافتاً إلى أن «الشق الدرامي» خصوصاً في هذا البرنامج له تأثير كبير على المستمع، لا سيما فئة الشباب.

وأشار إلى أن «تناول البرنامج، لشخصيات منوعة وعدم اقتصاره على العلماء والكتاب والفنانين فقط، مثل سيرة أبله نظيرة، يدلان على أهمية التوجه المختلف، لأنها جزء من تراث عالم المطبخ المصري، وجزء أصيل من الهوية والعادات المصرية التي يمكن أن تصل للعالمية».

ونوّه عبد الوهاب بأن «الإذاعة ستظل الصديق الحميم للمستمع، لأنها تعتمد على الخيال، وبناء الصورة بشكل منفرد»، مؤكداً أن «سر جمالها يكمن في التأثير والوصول للشباب وكأنها صديق مقرب».

وفنياً، شاركت صفاء أبو السعود في العديد من الأعمال السينمائية منذ ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، من بينها «بمبة كشر» و«المتعة والعذاب»، وقدمت برامج حوارية فنية من بينها «ساعة صفا»، و«سهراية»، واشتهرت صفاء أبو السعود بتقديم أوبريتات وأغنيات للأطفال، مثل «أهلا بالعيد»، و«يلا نقضي أجازة سعيدة»، و«يا أصحابي وصحباتي»، وغير ذلك.

كما قدمت صفاء أبو السعود في الإذاعة حلقات «يوميات صفصف»، و«أوضتين وصالة»، و«بهجة رمضان»، و«ألو في خدمتك»، إلى جانب مسلسلات تلفزيونية مثل «هي والمستحيل»، و«النهر والتماسيح»، و«ملكة من الجنوب»، ومسرحيات من بينها «موسيقى في الحي الشرقي» و«20 فرخة وديك»، و«فندق الأشغال الشاقة».


«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.