أصابت الممثلة هند صبري بيت القصيد عندما صرّحت مؤخراً بأن السينما العربية تخشى تقديم شخصيات نسائية في البطولة. في الواقع تدور معظم الأفلام المُنتجة حول موضوعات تشترك فيها المرأة وسط فريق الممثلين عوض أن يكون هناك عدد كافٍ من الأعمال السينمائية التي تتمحور حول مشكلات المرأة على الشاشة.
رحلة هند صبري
هذا صحيح في جانب وغير صحيح في جانب آخر. هند صبري ممثلة ممتازة كما برهنت في العديد من الأفلام التونسية والمصرية، لكن الحال هو أن ما مثّلته في مطلع سنوات مهنتها بصفتها ممثلة ليس مثل حال الأفلام اللاحقة.
بدأت التمثيل صغيرة في «صمت القصور» (1994)، وبعد فترة انقطاع عادت في «موسم الرجال» (2000)، وهما من أعمال المخرجة التونسية الراحلة مفيدة التلاتلي، وكلاهما يدور حول المرأة في المجتمع التونسي.
طموح هند صبري المشروع لتوظيف الانطلاقة صوب شهرة أكبر محيطاً من إطار السينما التونسية دفعها إلى الانتقال بعد ذلك للسينما المصرية منذ مطلع العشرية الأولى من هذا العقد. ظهرت في «عايز حقي» لأحمد نادر جلال، و«إزاي البنات تحبك» لأحمد عاطف، و«لعبة الحب» لمحمد علي، و«مذكرات مراهقة» لإيناس الدغيدي، وهي أفلام تقليدية، لكنها وجدت أيضاً أدواراً في أفلام لبعض المخرجين ذوي البصمات الفنية؛ مثل: داوود عبد السيد في «مواطن ومخبر وحرامي» (2001)، وسعد هنداوي «حالة حب» (2004)، وهالة خليل «أحلى الأوقات» (2004)، ومحمد خان «بنات وسط البلد»، وكاملة أبو ذكري «ملك وكتابة» (2006). التجربة كانت ناجحة على صعيد إثبات الحضور في السينما المصرية.
في ذلك الوقت كان الاتجاه بين المنتجين باتجاه المزيد من الأفلام الترفيهية، وهي من بطولة شخصيات رجالية حتى ولو شاركت المرأة في بعضها وبأحجام مختلفة (من مناصفة بطولة أحياناً إلى أدوار مساندة في غالب الأحيان).

بذلك، هند صبري مثال واضح لكيف تتجاهل اختيارات المنتجين العاملين في السينما المصرية طموحات الممثلين والممثلات الجادّين، وأيضاً طموحات المخرجين المختلفين في الجوهر والأسلوب وقضايا الاهتمام عن السائد.
المرأة
قليلة هي الأفلام التي دارت في الأساس حول شخصيات نسائية في السنوات القليلة الماضية. هي محدودة كثيراً بالنسبة إلى الأفلام الترفيهية للجمهور السائد، لكن الحال أفضل بالنسبة إلى الأفلام التي تقصد الجمهور البديل، وتنتمي إلى ما يُعرف، ولو على نحو عام، بـ«سينما المؤلّف».
من بينها، وعلى نحو إيجابي لافت، ثلاثة أفلام سعودية، هي حسب تواريخ إنتاجها: «نورة» لتوفيق زايدي (2024)، و«هجرة» لشهد أمين (2025)، وهما من أفضل ما أُنجز من أعمال سعودية في السنوات الخمس الأخيرة. يُضاف إليهما فيلم «مجهولة» لهيفاء المنصور (2025) الذي لا ينشد الاختلاف عن السائد، لكنه يسلّط الضوء على موقع المرأة في العمل الجنائي، وما تواجهه من عراقيل خلال عملها. لكن الفيلم ليس، في نهاية المطاف، غريباً عن اهتمامات المنصور، إذ انبرت منذ «وجدة» (2016)، ثم «المرشحة المثالية» (2019)، لتوجيه الدفّة صوب قضايا نسائية.
فيلم آخر عن المرأة -التي لديها قدرة على مساعدة الشرطة في تحقيقاتها، لكنها تجد نفسها مُبعدة عن هذا المنوال، كون المهنة رجالية بالوراثة- هو «جزائر» لشكيب طالب بن دياب.

نجد المرأة تقود بطولة الفيلم التونسي «عائشة» لمهدي البرصاوي. امرأة شابة تنشد التغيير والحرية من يوميات حياتها وتجد الفرصة لتحقيق ذلك عندما تنجو من حادثة تؤدي إلى انقلاب الحافلة التي كانت تستقلها.
الفيلم المصري «عائشة لا تستطيع الطيران» لمراد مصطفى يتمحور حول عاملة بيوت أفريقية تواجه مشكلات متعددة على جبهتي عملها وحياتها الخاصّة. يرصد متاعبها وقوّة شخصيّتها ضمن وضع مجتمعي يضرب جميع من فيه.
وهناك مشكلات من نوع آخر عندما تنبري بطلات فيلم «الفستان الأبيض» لجيليان عوف، للبحث عن فستان عروس قبل ساعات من موعد الزفاف.
ومؤخراً ظهر وسط ضجيج إعلامي فيلم مروان حامد الجديد «الست» عن حياة أم كلثوم كما أدّتها منى زكي. ينضم الفيلم إلى ما سبق من نماذج، لكن على نحو مختلف فهو في النهاية ليس عن مشكلات المرأة بل سيرة ذاتية لأحد نماذج النجاح الفردي.
رجال وراء المرأة
اللافت المشترك في كل هذه النماذج هو أن جديّة تناول حكايات نسوية لا تعرف جنس الكاتب أو المخرج.
البحث في ماضي السينما العربية يؤدي بنا إلى أمثلة كثيرة لأفلام تناولت هذا الموضوع، سواء ضمن التيار التقليدي («مراتي مدير عام» لفطين عبد الوهاب) أو المضاد له («أريد حلاً» لسعيد مرزوق، 1975).
السبعينات والثمانينات شهدت اهتمام المخرجين الذكور في تلك الفترة بالمرأة. نجد بمراجعة سريعة «عزيزة» لعبد اللطيف بن عمّار (تونس، 1980)، و«نهلة» لفاروق بلّوفة (الجزائر، 1979)، و«يسرا» لرشيد فرشيو (تونس، 1971)، و«عرائس من قصب» لجيلالي فرحاتي (المغرب، 1981).
المخرج السوري محمد ملص أحسن تقديم وضعها في سنوات الأمس غير البعيد منذ فيلمه الأول «أحلام المدينة» (1984).
في مصر أنجز محمد خان دوراً بارعاً في هذا المضمار عندما حقق «الرغبة» مع مديحة كامل (1980)، و«موعد على العشاء» مع سعاد حسني (1981)، خصوصاً في «زوجة رجل مهم» مع ميرفت أمين (1988)، و«أحلام هند وكاميليا» (1988).













