ليبيا تدور في متاهة «لجان المصالحة»... حلقة مفرغة يعمّقها الانقسام

البعثة الأممية تكشف عن وساطة لحل نزاع راهن حول القضاء الدستوري

اجتماع سابق للجنة «6 + 6» المشكلة من مجلسي النواب و«الدولة» في ليبيا واللجنة الاستشارية الأممية يوليو 2025 (البعثة الأممية)
اجتماع سابق للجنة «6 + 6» المشكلة من مجلسي النواب و«الدولة» في ليبيا واللجنة الاستشارية الأممية يوليو 2025 (البعثة الأممية)
TT

ليبيا تدور في متاهة «لجان المصالحة»... حلقة مفرغة يعمّقها الانقسام

اجتماع سابق للجنة «6 + 6» المشكلة من مجلسي النواب و«الدولة» في ليبيا واللجنة الاستشارية الأممية يوليو 2025 (البعثة الأممية)
اجتماع سابق للجنة «6 + 6» المشكلة من مجلسي النواب و«الدولة» في ليبيا واللجنة الاستشارية الأممية يوليو 2025 (البعثة الأممية)

تدور ليبيا في دوامة من اللجان المختلفة التي تهدف لرأب صدع الخلافات المتجذّرة في البلد المتشظي سياسياً منذ إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي.

وتتنوع هذه اللجان، ما بين واحدة تعمل على «المصالحة الوطنية» والعدالة الانتقالية، وثانية لرتق القوانين اللازمة للمسار الديمقراطي، وثالثة بإشراف أممي لـ«الحوار المهيكل» (...) وبات الأمر «اعتيادياً» لدى كثيرين، ما دفع أكرم النجار، رئيس تحرير منصة «علاش»، إلى القول تندراً إن «الليبي يعرف معنى جملة تم تشكيل لجنة أكثر من معرفته بملامح وجهه»، وبالتالي ينظر إلى هذه اللجان بأنها «حلقة مفرغة عمقها الانقسام السياسي».

جانب من اجتماعات «لجنة المتابعة الدولية» بشأن ليبيا 20 نوفمبر 2025 (البعثة الأممية)

وتنبثق في ليبيا، لجان فرعية من اللجنة العامة، بغرض سبر أغوار «قضايا عدة»، أو كشف ملابسات «الجرائم»، لكن ومع تعدد هذه اللجان، لا يزال كثير من الملفات مفتوحاً، بل إن حوادث كثيرة يطويها الزمن لعدم الوصول إلى الجناة أو جبر ضرر عائلات الضحايا.

وتحتل لجنة «المصالحة الوطنية» مكانة كبيرة في أولويات السلطة التنفيذية، فمنذ أن حلّ رئيس «المجلس الرئاسي» محمد المنفي في السلطة فبراير (شباط) 2021 وهذا الملف مفتوح، لكنه حتى الآن يراوح مكانه في ظل حالة من التشظي بين الأفرقاء.

وسبق أن افتتح المنفي، في 18 سبتمبر (أيلول) 2025 الاجتماع الـ7 للجنة التحضيرية لمشروع المصالحة، بحضور بعثة من الاتحاد الأفريقي وسفراء دول اللجنة رفيعة المستوى المعنية بليبيا، وممثلين عن البعثة الأممية، وقال إن «نجاح المصالحة يتطلب إرادة صادقة، وتنازلات شجاعة»... ومنذ ذاك التوقيت، لا جديد في هذا الملف.

ولكثرة اللجان التي «تتوالد» في ليبيا، وتُكلّف بالبحث في قضايا كثيرة حقوقية، وسياسية (...) يرى النجار في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن «الليبي يعيش بين اللجان، ويموت بين اللجان. وبين حياته ومماته لن يسمع نتائج أي لجنة من هذه اللجان المُشكَّلة لدرجة أن هناك لجاناً تُشكَّل في ليبيا لإيجاد تقارب بين لجنتين».

وفي 14 يوليو (تموز) 2025، عقدت لجنة «تقصّي الحقائق» المُشكّلة بقرار من رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح اجتماعاً في مدينة بنغازي، لاستعراض أبرز ملامح حالة حقوق الإنسان في ليبيا «خلال السنوات الماضية» بما في ذلك التحديات المرتبطة بالقانون الدولي الإنساني، والوضع المؤسسي المرتبط بأداء السلطات المختلفة في هذا المجال.

اجتماع سابق للجنة مكافحة الفساد بـ«المجلس الأعلى للدولة» في ليبيا (المجلس)

غير أنه أمام حالة «الإسراف في تشكيل اللجان، دون الوصول إلى نتائج»، يرى ضو المنصوري، عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن «الإفلاس السياسي هو الإطار المسيطر على إدارة الدولة في ليبيا، وتستخدم اللجان في تناول الأزمات بين الأطراف المتنازعة لتحقيق مكاسب».

وسبق للأفرقاء في ليبيا - وفق اتفاق رعته الأمم المتحدة - أن أعلنوا عن تشكيل اللجنة العسكرية المشتركة «5 + 5»، كما أن مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» شكلا لجنة «6 + 6» المعنية بمناقشة قانوني الانتخابات الرئاسية والنيابية.

وفيما كان الليبيون يترقبون حلحلة لأزمتهم، أعلنت البعثة الأممية في الرابع من فبراير 2025، عن تشكيل «لجنة استشارية» لتقديم مقترحات لحل القضايا الخلافية العالقة من أجل تمكين إجراء الانتخابات، وقبل أن يلملم العام أوراقه، شكلت البعثة لجنة من 124 شخصية لإدارة «الحوار المهيكل».

وهذا الحوار منصة وطنية جامعة، تتيح لشرائح واسعة من الليبيين الإسهام في صياغة برنامج العمل الوطني، ورسم ملامح المرحلة المقبلة.

وأمام دخول الأفرقاء في شرق ليبيا وغربها في أزمة جديدة تتعلق بالقضاء الدستوري، أبدت البعثة الأممية ترحيبها مساء الأحد «بجميع جهود الوساطة التي يبذلها عدد من الأطراف الليبية لحل النزاع القائم حول القضاء الدستوري، بما في ذلك تشكيل لجنة وساطة تضم نخبة من الخبراء القانونيين الليبيين البارزين».

وقالت البعثة إن «هذه اللجنة تسعى إلى تقديم خيارات تضمن استمرارية الرقابة الدستورية، وتصون الدور المحوري للقضاء بوصفه ركيزة أساسية للدولة الليبية». وتتألف اللجنة من القاضي المتقاعد حسين البوعيشي، والدكتور الكوني عبودة، والقاضي المتقاعد المبروك الفاخري، والمحامي عصام الماوي، وجميعهم يتمتعون بخبرة عقود طويلة في خدمة النظامين القضائي والقانوني الليبي.

وأضافت البعثة: «بناءً على طلب عدد من المؤسسات الوطنية الليبية، وإيماناً منها بضرورة الحفاظ على وحدة واستقلال ونزاهة النظام القضائي الليبي، تلتزم بدعم اللجنة في عملها وجهودها الرامية إلى حل هذا النزاع». وانتهت البعثة بالتأكيد «على أهمية هذه المبادرة في المساعدة على صون وحدة القضاء واستقلاله وضمان اتساق الممارسات والأحكام القضائية في جميع أنحاء ليبيا، وهو أمر بالغ الأهمية لجميع جوانب حياة المواطنين الليبيين»، داعية «الأطراف المعنية كافة إلى التعاون البنّاء مع لجنة الوساطة لضمان نجاح جهودها».

اجتماع سابق للجنة «المناصب السيادية» في «المجلس الأعلى للدولة» (المجلس)

غير أن المحكمة الدستورية العليا أبدت «رفضها القاطع» لتدخل البعثة الأممية في الشأن القضائي الدستوري، عبر تشكيل «جهود الوساطة» الذي وصفته بـ«التدخل غير المقبول في القضاء»، مطالبة بسحب العبارات التي تمس القضاء الليبي من إحاطة سابقة للبعثة أمام مجلس الأمن. ورفضت المحكمة، حديث البعثة بشأن وجود «نزاع قائم» حول القضاء الدستوري في ليبيا.

رئيس تحرير منصة «علاش»، لخّص الأمر برمته بالقول: «عندما يسمع المواطن في ليبيا جملة (تم تشكيل لجنة) يعلم حينها أن الأمر انتهى وأصبح من الماضي» .


مقالات ذات صلة

مآلات قاسية لحلم الهجرة إلى أوروبا عبر شواطئ طبرق الليبية

شمال افريقيا مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)

مآلات قاسية لحلم الهجرة إلى أوروبا عبر شواطئ طبرق الليبية

سجّلت مدينة طبرق الليبية، شرق البلاد، خلال الأيام الأخيرة، واحدة من أكثر محطات الهجرة غير النظامية قسوة على طريق البحر المتوسط.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان التقى رئيس حكومة «الوحدة» الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» في 17 أبريل الحالي (الرئاسة التركية)

تركيا تؤكد دعمها لليبيا لإنجاح العملية السياسية وتعزيز التعاون العسكري

أكدت تركيا دعمها للعملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة في ليبيا، مع الاستمرار في تقديم الدعم العسكري لحكومة «الوحدة» الوطنية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا المنفي وتيتيه خلال لقاء بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي)

ليبيا: «الرئاسي» و«الدولة» يرفضان «حواراً مصغراً» برعاية أممية

استبق محمد تكالة، رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، إحاطة المبعوثة الأممية هانا تيتيه إلى مجلس الأمن الدولي بتوجيه رسالة وصفها بأنها «شديدة اللهجة».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة ولافروف خلال محادثات على هامش «منتدى سياسي» بأنطاليا التركية السبت الماضي (مكتب الدبيبة)

روسيا تعزّز انخراطها بين أفرقاء ليبيا بالتوازي مع تنامي الدور الأميركي

تعزّز روسيا في الآونة الأخيرة انخراطها بين الأفرقاء الليبيين عبر تكثيف تحركاتها الدبلوماسية وفتح قنوات تواصل مع الفاعلين السياسيين والعسكريين

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع المنفي وخوري في طرابلس (مكتب المنفي)

ليبيا: المنفي يشدد على الالتزام بمسار انتخابي محدد زمنياً

شدّد محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي على ضرورة أن تُبنى أي مبادرة تتعلق بالأزمة السياسية في بلده على أساس المرجعيات القانونية والدستورية القائمة

خالد محمود (القاهرة)

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
TT

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)

‌قال الهلال الأحمر في طبرق، أمس الأربعاء، إن خفر السواحل ​التابع للجيش الوطني الليبي والمتمركز في شرق ليبيا أنقذ ما لا يقل عن 404 مهاجرين كانوا على متن 10 قوارب بعد تعرضهم لظروف قاسية ‌في عرض ‌البحر.

وطبرق مدينة ​ساحلية ‌تقع ⁠في ​شرق ليبيا ⁠بالقرب من الحدود مع مصر.

وقال الهلال الأحمر في المدينة إن المهاجرين من جنسيات مختلفة.

وأظهرت صور نشرها الهلال الأحمر على ⁠فيسبوك متطوعيه وهم ‌يقدمون الإسعافات الأولية ‌والطعام والأغطية للمهاجرين.

وتعد ​ليبيا طريق ‌عبور للمهاجرين، وكثير ‌منهم من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، الذين يخوضون رحلة محفوفة بالمخاطر عبر الصحراء والبحر للفرار إلى ‌أوروبا أملا في الهروب من الصراعات والفقر.

ويوم الاثنين، ⁠تم ⁠تأكيد وفاة 10 مهاجرين بعد أن انقلب قاربهم قبالة طبرق ولا يزال 31 في عداد المفقودين، وفقا لثلاثة مصادر ليبية والمنظمة الدولية للهجرة. وتم انتشال ست جثث يوم السبت بعد أن جرفتها ​الأمواج إلى ​الشاطئ.


تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
TT

تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)

قالت مصلحة الموانئ والنقل البحري في ليبيا إن ناقلة الغاز الروسية «أركتيك ميتا غاز» خرجت عن السيطرة.

ونشرت المصلحة صباح اليوم الخميس تحذيرا ملاحيا بخصوص انقطاع حبل جر الناقلة، وصعوبة إعادة الربط معها لظروف فنية، لافتة إلى أن الناقلة على بعد نحو 120 ميلا بحريا شمال مدينة بنغازي، ومنبهة إلى كونها في حالة «انجراف حر».

وطلبت المصلحة من جميع السفن توخي الحيطة والحذر عند الإبحار في المنطقة، والإبلاغ عن أي تغيير في حالة الناقلة مثل تسرب الغاز، أو الانبعاثات الدخانية، أو تغير مفاجئ في وضعية الطفو.

وبعد نحو 50 يوما من إصابتها وخروجها عن الخدمة وهي محملة بـ62 ألف طن من الغاز المسال؛ لم تصل الناقلة الروسية بعد إلى أي مرفأ؛ ففي البداية قررت مؤسسة النفط الليبية جرها لأحد الموانئ المحلية، قبل أن تغير رأيها على وقع تحذيرات القاعدة الشعبية من الآثار البيئية وتقرر جرها إلى المياه الدولية.

وقبل أسبوعين شكلت القيادة العامة للقوات المسلحة في شرق البلاد لجنة طوارئ لمتابعة أزمة الناقلة، وأرسلت قاطرات إنقاذ لاعتراضها وقطرها إلى منطقة آمنة.

وفي الثالث من مارس (آذار) الماضي، وهي في طريقها من ميناء مورمانسك الروسي إلى بورسعيد المصرية، تعرضت الناقلة لهجوم بطائرات مسيرة، اتهمت روسيا أوكرانيا بالوقوف وراءه، انطلاقا من الأراضي الليبية القريبة.


أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
TT

أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)

يحذر خبراء من حدوث «قفزة» في أسعار الغذاء المصري، حال استمر التصعيد في المنطقة وبخاصة في مضيق هرمز، إذ يُعد ارتفاع تكاليف مستلزمات الزراعة من أبرز تداعيات «الحرب الإيرانية»، مع زيادة أسعار الأسمدة والأعلاف عالمياً إلى جانب تكاليف النقل.

وارتفع سعر «اليوريا» المستخدم في صناعة الأسمدة خلال الشهر الجاري، وتجاوز حاجز 850 دولاراً للطن وفقاً لعقود اليوريا الحُبيبية العالمية، وانعكس ذلك على أسعارها في مصر أيضاً، حيث سجلت مستوى يزيد على 40 ألف جنيه للطن، بالمقارنة مع 28 ألف جنيه قبل اندلاع الحرب. (الدولار يساوي 52 جنيه تقريباً).

وتسبب إغلاق مضيق هرمز في تعطل نحو ثلث تجارة الأسمدة البحرية، حيث تُوفر دول مجلس التعاون الخليجي، نحو ربع صادرات «اليوريا» العالمية، مما يزيد من مخاوف الأسواق في وقت قيدت فيه روسيا، الأربعاء، تمديد تقنين الصادرات من الأسمدة حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وإلى جانب الأسمدة، شهدت الأعلاف ارتفاعاً ملحوظاً في مصر خلال أبريل (نيسان) الجاري، حيث زادت أسعار الطن الواحد بما يتراوح بين 4 و5 آلاف جنيه محلياً. ويتراوح طن علف التسمين (البادي) حالياً بين 22 ألفاً و24.5 ألف جنيه، بينما سجلت أعلاف الدواجن البياض مستويات بين 17.8 و20.4 ألف جنيه للطن، وفقاً للجنة متابعة الأسعار التابعة لمجلس الوزراء المصري.

وارتفعت أسعار النفط العالمية بأكثر من 40 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الحرب، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع أسعار الوقود والغاز في مطلع مارس (آذار) بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، وأرجعت القرارات إلى «الظروف الاستثنائية التي تمر بها أسواق الطاقة عالمياً»، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع تكاليف نقل الغذاء والمحاصيل.

مزارعون مصريون وسط زراعاتهم الغذائية (وزارة الزراعة)

نقيب الفلاحين في مصر، حسين أبو صدام، قال لـ«الشرق الأوسط» إن أي زيادات في أسعار مستلزمات الزراعة، وبخاصة الأسمدة، تؤدي لاضطرابات في سوق الغذاء، وإنه في حال قرر المزارعون ترشيد استخدام الأسمدة لتقليل التكلفة، فإن ذلك سيؤدي لانخفاض في الإنتاجية يترتب عليه نقص المعروض وارتفاع الطلب ومن ثم زيادة الأسعار؛ أما إذا قرروا زيادة أسعار المحاصيل، فإن المواطنين سيتأثرون أيضاً بشكل مباشر.

وبالنسبة للحالة المصرية، فإن الحكومة تقدم الأسمدة مدعمة إلى ما يقرب من نصف المزارعين، وهؤلاء يحصلون على طن سماد اليوريا المدعم بنحو 6000 جنيه، وفقاً لأبو صدام الذي شدد على أن ذلك يمكن أن يحد من تأثير ارتفاع أسعار الأسمدة على المدى القريب. لكن في حال استمرار الحرب فإن مصانع الأسمدة المحلية سوف تتجه بصورة أكبر للتصدير والاستفادة من الفجوات السعرية بين أسعار «اليوريا» في مصر والأسواق العالمية.

وفي العام الماضي خفضت الحكومة كميات الأسمدة المدعومة المسلَّمة لوزارة الزراعة من 55 إلى 37 في المائة من إجمالي الكميات المنتَجة، بهدف تعويض الشركات عن زيادة سعر الغاز المقررة للمصانع، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة.

وبالنسبة للأعلاف، أوضح نقيب الفلاحين أن المزارعين يتأثرون بارتفاعات أسعارها العالمية مع الاعتماد على استيراد فول الصويا المكون منها بنسبة 50 في المائة من احتياجات السوق المحلية، إلى جانب استيراد 40 في المائة من احتياجات الذرة، مشيراً إلى أن ذلك يؤدي لزيادة التكلفة على المربين الذين قد يقلصون من دورات الإنتاج أو قد يخرجون بشكل نهائي من السوق حال استمرت التداعيات، ويترتب على ذلك زيادة أيضاً في أسعار اللحوم والدواجن.

ارتفاع تكاليف الزراعة يؤثر على أسعار الغذاء في مصر (وزارة الزراعة)

وارتفع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 15.2 في المائة الشهر الماضي، وهو أعلى مستوى خلال 10 أشهر، مدفوعاً بزيادة أسعار المواد الغذائية والطاقة وتداعيات جيوسياسية، مقارنة بـ13.4 في المائة في فبراير (شباط).

وتظهر بيانات البنك الدولي أن مصر استحوذت على المرتبة الأولى من ناحية معدل التضخم على مستوى أفريقيا ودول الخليج، وسط توقعات ببلوغ التضخم متوسط 13.2 في المائة في عام 2026.

ويرى أبو صدام أن الحكومة تولي اهتماماً بزيادة معدلات الاكتفاء الذاتي من القمح وهو ما دفعها إلى زيادة سعر شراء الأردب من المزارعين إلى 2500 جنيه، مشيراً إلى أن المزارعين يحققون مكاسب جيدة من السعر القديم، 2350 جنيهاً، لكن تشجيعهم على توريد 5 ملايين طن من مستهدفات الحكومة هذا العام كان دافعاً لزيادة السعر.

وأشار الخبير الاقتصادي كريم العمدة إلى أن أسعار الطاقة والأسمدة تقود مباشرة إلى ارتفاع أسعار الغذاء لكنها تبقى حتى الآن في الحدود الآمنة في مصر مع تقديرات حكومية لعودتها إلى طبيعتها مع استقرار الأوضاع في المنطقة، ويبقى التخوف من قفزات كبيرة حال استمرت الحرب الإيرانية، مما سيترتب عليه ارتفاعات كبيرة في أسعار الغاز الطبيعي الذي تعتمد عليه مصانع «اليوريا» بشكل كبير، كما ستتأثر أسعار المنتجات والسلع المستوردة.

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة المصرية ستكون مطالبة بزيادة كميات «اليوريا» المدعمة للحفاظ على استقرار الأسواق، إلى جانب الزيادة التدريجية في الاكتفاء الذاتي من القمح، مع التوسع في استخدام مخلفات الزراعة في الأسمدة العضوية مثل قش الأرز.