جدة تجمع صنّاع السينما... دورة خامسة تُكرّس مكانة «البحر الأحمر» على الساحة العالمية

40 مشروعاً و42 % مشاركة نسائية... و1900 طلب من 3 قارات

لقاء جمع منسوبي «البحر الأحمر السينمائي» بطلاب جامعة عفت (الجامعة)
لقاء جمع منسوبي «البحر الأحمر السينمائي» بطلاب جامعة عفت (الجامعة)
TT

جدة تجمع صنّاع السينما... دورة خامسة تُكرّس مكانة «البحر الأحمر» على الساحة العالمية

لقاء جمع منسوبي «البحر الأحمر السينمائي» بطلاب جامعة عفت (الجامعة)
لقاء جمع منسوبي «البحر الأحمر السينمائي» بطلاب جامعة عفت (الجامعة)

تتهيّأ جدة التاريخية، «البلد»، لاستقبال الدورة الخامسة من مهرجان «البحر الأحمر السينمائي الدولي»، من 4 إلى 13 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وسط برنامج حافل يجمع بين التجارب المحلّية الصاعدة والعروض العالمية الكبرى، في تأكيد جديد على مكانة المهرجان باعتباره منصة رائدة لدعم المواهب وتعزيز حضور المملكة على خريطة السينما العالمية.

تعاون أكاديمي ومواهب شابة

في سياق دعمه للطاقات الجديدة، استضافت مدرسة الفنون السينمائية بجامعة عفت وفداً من المهرجان، فقدمت مديرة البرنامج الدولي، فين هاليجان، عرضاً شاملاً لبرامج الأفلام العالمية، مشيرة إلى تنوُّع الموضوعات واحتفاء الدورة المقبلة بالتراث السينمائي العربي عبر ترميم مجموعة من الأعمال الكلاسيكية.

كما تحدَّثت أليس خروبي عن أهمية الأفلام القصيرة وبرامج الأطفال في توسيع نطاق المُشاركة المجتمعية، فيما أعلن أدهم عبد الغني برنامج «السينما السعودية الجديد» الذي يتضمَّن 5 أفلام طويلة و3 قصيرة من إنتاج طلاب الجامعات.

واستعرضت مي الشيباني من «صندوق البحر الأحمر» مبادرات دعم المشروعات الناشئة، وقدَّمت ديالا غوث لمحة عن «معمل البحر الأحمر» لتدريب الشباب.

بدوره، أكد رئيس مدرسة الفنون السينمائية بجامعة عفت، الدكتور محمد غزالة، أنّ التعاون مع المهرجان يُمثّل «منصّة حيوية لتأهيل الجيل الجديد من صنّاع الأفلام السعوديين».

وفد مهرجان «البحر الأحمر السينمائي الدولي» مع منسوبي جامعة عفت (الجامعة)

سوق المشروعات: منصّة للإنتاج المشترك

وفي بادرة تؤكد ريادة المهرجان، أعلن «سوق البحر الأحمر» اختيار 40 مشروعاً سينمائياً وتلفزيونياً ضمن قائمة سوق المشروعات لعام 2025، بما يعزّز موقع المهرجان بصفته منصة لاكتشاف المواهب ودعم الإنتاجات المشتركة من العالم العربي وآسيا وأفريقيا.

تضمّ القائمة 24 مشروعاً قيد التطوير والإنتاج، منها 12 مشروعاً جرى تطويرها عبر برنامج تطوير الأفلام الطويلة التابع لمعامل البحر الأحمر، بالشراكة مع معمل تورينو السينمائي وبدعم من فيلم العُلا. كما تشمل 8 أفلام طويلة في مرحلة ما بعد الإنتاج، و8 مشروعات لمسلسلات درامية يجري تطويرها عبر «معمل المسلسلات» بالتعاون مع «فيلم إندبندنت».

وشهدت هذه النسخة ارتفاع نسبة المشاركة النسائية إلى أكثر من 42 في المائة من المشروعات المختارة، إضافة إلى عودة عدد من خرّيجي السوق السابقين مثل أرفين بلارمينو، ووسام شرف، وشوكير خوليكوف، الذين سبق أن عُرضت أعمالهم في الدورات الماضية.

وقد تلقّت «السوق» أكثر من 1900 طلب مشاركة من المملكة والعالم العربي وآسيا وأفريقيا، خضعت لمراجعة لجنة دولية متخصّصة استعداداً لتقديم العروض التنافسية خلال المهرجان في ديسمبر (كانون الأول).

السينما السعودية الجديدة تتصدَّر المشهد

يحضر برنامج «السينما السعودية الجديدة» هذا العام بـ5 أفلام وثائقية طويلة تُمثّل تنوُّع التجارب الإبداعية المحلّية، هي: «نور»، و«المدّ بشري»، و«سبع قمم»، و«رأيت رسم الرمال»، و«دوائر الحياة».

كما يضم البرنامج 21 فيلماً قصيراً من بينها: «إسك»، و«أمهات يبكين أيضاً»، و«الهندول»، و«صرخة نملة»، و«نقيض».

وتتناول هذه الأعمال موضوعات إنسانية واجتماعية تعكس ثقة السينمائيين السعوديين في أدواتهم الفنّية وقدرتهم على صياغة رؤى بصرية ناضجة تُعبّر عن واقعهم بأساليب مبتكرة.

محمد أبو غزالة وأدهم عبد الغني (جامعة عفت)

اختيارات عالمية ورؤى متفرّدة

أما برنامج «الاختيارات العالمية»، فيُقدّم نخبة من أبرز أفلام عام 2025 التي نالت إعجاب النقّاد في المهرجانات الدولية، من بينها الفيلم الياباني «كنز الأمة» المرشَّح لـ«أوسكار»، و«فتاة» وهو أولى تجارب النجمة شو تشي الإخراجية، والفيلم الفرنسي - الرواندي «تذكّر»، إلى جانب فيلم الأكشن «الغاضب»، والفيلم السويسري «التحوّل المتأخر»، والبرازيلي «العميل السرّي» الحائز جائزة في مهرجان «كان»، بالإضافة إلى فيلميْن مصريين بارزَيْن هما «المستعمرة» لمحمد رشاد، و«كولونيا» لمحمد صيام.

تمكين المرأة في السينما

يسلط برنامج «رؤى البحر الأحمر» الضوء هذا العام على مبادرة «المرأة في السينما: أطلقي قصتك إلى الحياة»، المُنجزة بالشراكة مع الصندوق العربي للثقافة والفنون ومنصة «نتفليكس»، بهدف دعم المخرجات العربيات وتمكينهنّ من خلال الإرشاد المهني والتمويل وورشات تطوير السرد السينمائي.

وقد أسفرت المبادرة عن إنتاج 5 أفلام قصيرة لمخرجات من السعودية والإمارات والأردن والكويت ومصر، هي: «جريش» سلام لتالة الحربي، و«لا أثر للأفق» لإيمان الخليفة، و«ثورة غضب» لعائشة شحالتوغ، و«عن أشباحهن» لسُهى بلال، و«مكان ثاني» لهيا الغانم.

ويضمّ البرنامج أيضاً الفيلم اللبناني «المنتهى» للمخرج رودولف شديد، الذي يصوّر رحلة شاعرية لزوجين يتأمّلان ذاكرتهما بعد نصف قرن من الحياة المُشتركة، إلى جانب أفلام ذات رؤى فنّية جريئة مثل «في آي: في الحركة»؛ أول تجربة إخراجية للممثلة الفرنسية جولييت بينوش، وفيلم «زهرة نيفادا» للمخرج مارك جينكن.

عروض ومسلسلات للجمهور

وأيضاً، يُقدّم المهرجان برنامج «مسلسلات البحر الأحمر» الذي يعرض حلقات مُختارة من أبرز الإنتاجات الدرامية العالمية، من بينها مسلسل «السردين» للمخرجة الجزائرية زليخة طاهر، إلى جانب برنامج «السينما العائلية» الذي يضم باقة من الأفلام الموجهة للصغار، مثل فيلم المغامرات الياباني «دورايمون: حكايات عالم فن نوبتا»، وفيلم «مدرسة الأشباح»، و«فيلم سبونج بوب: البحث عن سكوير بانتس» الذي يُعيد الشخصية الشهيرة إلى مغامرة جديدة في أعماق المحيط.

جدة... عاصمة الضوء والسينما

وبين ترميم الكلاسيكيات العربية، ودعم المواهب السعودية، واستقطاب الإنتاجات العالمية، يواصل مهرجان «البحر الأحمر السينمائي الدولي» تعزيز مكانة جدة عاصمة عربية للفن السابع، وملتقى لصناع الحكايات من الشرق والغرب، لتظل المدينة التاريخية، «البلد»، منارة تحتضن قصص الإبداع والسينما في كلّ عام.


مقالات ذات صلة

«هجرة» السعودي ينال جائزة أفضل فيلم في «أسوان السينمائي»

يوميات الشرق فيلم «هجرة» حصد جائزة مهرجان أسوان (إدراة المهرجان)

«هجرة» السعودي ينال جائزة أفضل فيلم في «أسوان السينمائي»

حصد فيلم «هجرة» السعودي، جائزة أفضل فيلم في «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة» بدورته العاشرة، التي أُقيمت من 20 إلى 25 أبريل (نيسان) الحالي.

«الشرق الأوسط» (أسوان (مصر))
يوميات الشرق «مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة» في دورته العاشرة صورة المرأة في السينما العربية، واحتفى بصانعات السينما في السعودية.

«الشرق الأوسط» (أسوان (مصر))
يوميات الشرق جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة بالمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

إرجاء جديد لـ«القومي للسينما» في مصر يثير تساؤلات

أثار قرار إرجاء المهرجان القومي للسينما في مصر مجدداً تساؤلات عن مدى إمكانية عودة المهرجان المتوقف منذ 4 سنوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الممثلة السعودية خلال كلمتها المصوَّرة في حفل ختام «هوليوود للفيلم العربي» (إدارة المهرجان)

لمار فادان «أفضل ممثلة صاعدة» في «هوليوود للفيلم العربي»

أكّدت في كلمتها المسجَّلة، لعدم تمكّنها من السفر إلى أميركا، أنّ الجائزة ليست لها وحدها، بل لجميع فريق العمل...

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق ليلى علوي خلال الندوة (الشرق الأوسط)

ليلى علوي: تمنيت أن أكون مهندسة ميكانيكا سيارات

قالت الفنانة المصرية ليلى علوي إنها كانت تحلم وهي صغيرة بأن تصبح مهندسة متخصصة في ميكانيكا السيارات، لكنها اتجهت للتمثيل بالصدفة.

«الشرق الأوسط» (أسوان (مصر))

حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
TT

حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)

أظهرت دراسة أجرتها جامعة إديث كوان الأسترالية أنّ تقوية العضلات وزيادة القوة البدنية لا تتطلَّب بالضرورة مجهوداً مُرهِقاً أو تمارين عالية الشدّة، بل يمكن تحقيق نتائج فعّالة من خلال أداء حركات بطيئة ومتحكم بها.

وأوضح الباحثون أنّ فاعلية التمارين لا ترتبط بالجهد الشديد بقدر ما ترتبط بطريقة أداء الحركة نفسها، وهو ما قد يُغيّر المفهوم الشائع عن اللياقة البدنية مستقبلاً. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية علمية متخصّصة في علوم الرياضة والصحة.

ويقوم الاعتقاد السائد لدى كثيرين على أنّ بناء العضلات وتحسين اللياقة يرتبطان بالتمارين الشاقة ورفع الأوزان الثقيلة أو ممارسة النشاط البدني لمدّة طويلة، وصولاً إلى الإرهاق أو الشعور بالألم العضلي بعد التمرين، على أساس أن «لا فائدة من دون معاناة»، وإنما الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذا التصور ليس دقيقاً في جميع الحالات.

وأظهرت النتائج أن بعض أنواع التمارين، مثل التمارين اللامركزية، يمكن أن تُحقّق فوائد ملحوظة للعضلات والقوة البدنية من دون الحاجة إلى مجهود بدني شديد أو تدريب مرهق كما هو شائع في التمارين التقليدية.

وتعتمد التمارين اللامركزية على عمل العضلات خلال إطالتها تحت تأثير مقاومة أو وزن، بدلاً من انقباضها لرفع الحمل. ويحدث ذلك خلال مرحلة «خفض الحركة»، مثل إنزال الأثقال تدريجياً، أو النزول على الدرج، أو الجلوس على الكرسي ببطء.

وتتميّز هذه التمارين بقدرتها على زيادة قوة العضلات وتحسين أدائها مع استهلاك طاقة أقل مقارنة بالتمارين التقليدية. كما أنها تُقلل الضغط الواقع على الجسم، ممّا يجعلها خياراً مناسباً لفئة واسعة من الأشخاص، بمن فيهم كبار السنّ ومرضى الأمراض المزمنة، نظراً إلى كونها أقل إجهاداً للقلب والرئتين.

وتشمل الأمثلة البسيطة لهذه التمارين التي يمكن ممارستها في المنزل: القرفصاء باستخدام الكرسي عبر الجلوس ببطء ثم الوقوف تدريجياً لتقوية عضلات الفخذين والأرداف، وخفض الكعبين من خلال الوقوف على أطراف الأصابع ثم إنزال الكعبين ببطء لتقوية عضلات الساقين، وتمارين الضغط على الحائط عبر دفع الجسم نحو الحائط ثم العودة ببطء لتقوية عضلات الصدر والذراعين بطريقة آمنة وسهلة. ويمكن أن تُحقّق هذه التمارين تحسينات صحية ملموسة في مدة لا تتجاوز 5 دقائق يومياً.

ورغم احتمال الشعور ببعض آلام العضلات في البداية، خصوصاً عند عدم الاعتياد عليها، فإنّ هذه التمارين لا تتطلّب الألم لتحقيق الفائدة الصحية.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة بجامعة إديث كوان، الدكتور كين نوساكا، إنّ الاعتقاد بأنّ التمرين يجب أن يصل إلى حد الإرهاق الكامل يُثني كثيرين عن ممارسة النشاط البدني بانتظام.

وأضاف نوساكا، عبر موقع الجامعة: «بدلاً من ذلك، ينبغي التركيز على التمارين اللامركزية التي تُحقّق نتائج أقوى بجهد أقل بكثير من التمارين التقليدية، ومن دون الحاجة حتى إلى صالة رياضية، ممّا يجعلها عملية وسهلة الاستمرار».


«أنشودة الأرض» يوثق رحلة نازلي مدكور في عالم الفن التشكيلي

حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)
حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)
TT

«أنشودة الأرض» يوثق رحلة نازلي مدكور في عالم الفن التشكيلي

حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)
حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)

في تجربة فنية ثرية تعيد تأمل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، افتتحت الفنانة التشكيلية المصرية نازلي مدكور معرضها الجديد بعنوان «أنشودة الأرض... سيرة فنية»، مُقدِّمةً رحلةً بصريةً تختزل عقوداً من البحث والتجريب.

منذ بدايات نازلي الأولى، ظهرت في أعمالها عناصر البيئة المصرية من صحارى مترامية، وواحات هادئة، ونخيل، وبيوت طينية، لكنها لم تقدِّمها بوصفها صوراً منقولة، بل مادة حية أعادت اكتشافها وفق رؤيتها الخاصة وإحساسها الداخلي.

ويضم هذا المعرض المستمر في «قاعة الزمالك للفن» حتى 7 مايو (أيار) 2026، أكثر من 100 عمل فني، تمتد من بدايات الفنانة في ثمانينات القرن الماضي حتى أحدث إنتاجها خلال العامين الأخيرين.

معرض «أنشودة الأرض» يُعدُّ استعادياً؛ فهو يُقدِّم خلاصة تجربة الفنانة المصرية، ويجمع 4 مراحل رئيسية من مسيرتها تحت سقف واحد.

تميل نازلي مدكور إلى ألوان قريبة من تدرجات الأرض وملامسها (الشرق الأوسط)

وتتمثَّل المرحلة الأولى من حياة نازلي الفنية في الانشغال بالمنظر الطبيعي، حيث كانت تنظر إليه من الخارج، وتتأمله بوصفه مشهداً بصرياً قائماً، ثم تعيد صياغته عبر تغييرات وتكوينات جديدة تحمل رؤيتها الخاصة.

تقول نازلي مدكور لـ«الشرق الأوسط»: «كنت خلال تلك المرحلة أسافر كثيراً إلى أمكنة مختلفة في مصر، لا سيما الواحات وسيناء وسيوة؛ لأتشبع بالطبيعة المصرية ومشاهدها، وحتى ألتقي أيضاً الناس الذين يعيشون في تلك البيئات المختلفة».

في حين تمثلت المرحلة التالية من رحلة نازلي الفنية في حضور المرأة داخل اللوحة، واندماجها مع مشاهد الطبيعة، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى مرحلة جديدة أصبحت خلالها تنظر إلى المنظر الطبيعي من الداخل لا من الخارج: «خلال هذه المرحلة تكوّن لدي مخزون بصري ووجداني، وأصبحت أعمل من داخل الاستوديو، مستندة إلى إحساسي الأعمق بالأماكن؛ فصار تجسيدي لها نابعاً من الذاكرة والانفعال».

نازلي تعيد اكتشاف الطبيعة وفق رؤيتها الخاصة وإحساسها الداخلي (الشرق الأوسط)

وتمثل تجربة نازلي مدكور في الآونة الأخيرة عودة إلى المنظر الطبيعي، لكنها عودة مختلفة في الرؤية والمعالجة، بما يسمح للجمهور بإجراء مقارنة بين الأعمال، وهي مقارنة تكشف عن حجم التحول والنضج عبر كل هذه السنوات.

ويكتسب المعرض أهميةً إضافيةً مع صدور كتاب يوثِّق هذه الرحلة الفنية، يبدأ بحوار مع الفنانة حول مسيرتها، ويضم دراستين نقديتين لكل من الناقد المصري عز الدين نجيب، والناقد العراقي فاروق يوسف.

كما يستعيد المعرض جانباً من تعاونها مع دار نشر أميركية متخصصة في الكتب الفنية، اختارتها لإنجاز رسوم كتاب «ليالي ألف ليلة وليلة» للأديب المصري نجيب محفوظ.

وتقول: «كانت تلك تجربتي الأولى في رسم الكتب، وقدمت فيها شخصيات الرواية بروح مستلهَمة من المنمنمات العربية القديمة، وحققت نجاحاً كبيراً».

أعمال تجمع بين التجريد والتشخيص في أحدث معارض نازلي مدكور (الشرق الأوسط)

وفي المعرض الجديد؛ تُعرَض الرسومات الأصلية للكتاب إلى جانب نسخة من الإصدار نفسه.

وتكشف الأعمال المعروضة قدرة الفنانة على الحفاظ على موضوعاتها الأثيرة، مثل الربيع والطبيعة والمرأة، من دون الوقوع في أسر التكرار، إذ ظلت منفتحةً على التجريب، سواء في اللون أو الحركة أو البناء التشكيلي أو الخامات المُستخدَمة.

ويستكشف المتأمل للأعمال في المراحل الفنية المختلفة أنَّها لا تتوقف عند أسلوب واحد أو صيغة جاهزة. تقول نازلي: «يشكِّل التجريب عنصراً أساسياً في حياة الفنان، ولا ينبغي أن يقتصر على البدايات، أو على مرحلة محددة من المسيرة الإبداعية؛ فالفنان لا يمكن أن يتوقف عند صيغة واحدة يظل يكررها لسنوات طويلة».

نازلي مدكور تستعيد مسيرتها الفنية في معرض جديد بالقاهرة (الشرق الأوسط)

ومن أبرز ما يؤكده تأثير التجريب في أعمالها، هو إدخالها عناصر جديدة فيها باستمرار، سواء في اللون أو الحركة أو البناء التشكيلي أو غير ذلك من أدوات التعبير.

كما اقتحمت خامات جديدة وملامس متنوعة، واستخدمت عناصر طبيعية مثل الرمال وورق البردي والحبال ومزق الأقمشة، مضيفة: «الفنان ينضج من خلال هذه المغامرة المستمرة؛ لأنَّ التجريب لا يطوِّر العمل وحده، بل يطوِّر صاحبه أيضاً».

يبرز المعرض كذلك حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد؛ حيث يلحظ المتلقي عدداً من التناقضات البصرية والوجدانية، مثل الجمع بين البنية القوية والعفوية، أو بين الهندسة الصارمة والانسيابية الحرة.

وهنا تؤكد أن «هذا التداخل يمثل عنصراً مهماً؛ لأنه يولّد الطاقة والحركة داخل اللوحة، ويمنحها حيوية خاصة تنعكس على إحساس المشاهد بها».

الفنانة المصرية نازلي مدكور (الشرق الأوسط)

وترى الفنانة أن هذا التداخل يعكس طبيعة الإنسان نفسه، بوصفه كائناً مشحوناً بالتناقضات، وهي تناقضات قد تخلق المشكلات، لكنها تقود أيضاً إلى حلول جديدة.

لكن لا يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ تمزج أعمالها بين النزعة التجريدية والاتجاه التشخيصي؛ وهو ما تبرره قائلة: «يميل التشخيص إلى سرد الحكاية بصرياً، بينما يتيح التجريد مساحة أوسع لنقل المشاعر والانفعالات، وهو ما أريد أن أجمع بينهما في أعمالي».

وتتجلى في اللوحات حالة واضحة من التلاحم بين الأشكال والأرضيات، حيث تبدو العناصر في اندماج عضوي داخل نسيج واحد؛ من دون فواصل حادة بين الكتل والخلفيات، بما يضفي على الأعمال تماسكاً وحيوية في آنٍ واحد.

وتختم مدكور: «أنظر إلى العالم بوصفه منظومةً متكاملةً ومصيراً مشتركاً؛ لذلك أتعامل مع الإنسان داخل اللوحة بالخشونة نفسها التي تحضر في الطين وعناصر الطبيعة، كما أميل إلى ألوان قريبة من تدرجات الأرض وملامسها».


قرية في ألاسكا تُعيد إحياء سياحة الدببة القطبية... بشروط صارمة

في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)
في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)
TT

قرية في ألاسكا تُعيد إحياء سياحة الدببة القطبية... بشروط صارمة

في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)
في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)

تطمح قرية نائية للسكان الأصليين في ألاسكا إلى استعادة مكانتها وجهةً أولى لمُشاهدة الدببة القطبية، بعد تراجع هذا النشاط خلال السنوات الماضية. ففي نهاية كلّ صيف، تتجمَّع الدببة البيضاء الضخمة قرب قرية كاكتوفيك الواقعة على حافة القارة داخل محميّة القطب الشمالي، لتتغذَّى على بقايا الحيتان وتنتظر تجمّد البحر، في مشهد كان يجذب أكثر من ألف سائح سنوياً.

وإنما جائحة «كوفيد-19» وقرار فيدرالي بوقف الجولات البحريّة أدّيا إلى شبه توقُّف هذه السياحة، وسط مخاوف من تأثير تدفُّق الزوار على نمط حياة السكان وسلوك الدببة. اليوم، يسعى قادة القرية إلى إعادة إحياء هذا النشاط، مع وضع ضوابط جديدة توازن بين الفوائد الاقتصادية وحماية البيئة والمجتمع المحلّي.

كائن يملك هذا العالم منذ زمن بعيد (أ.ف.ب)

ووفق «الإندبندنت»، يؤكد رئيس مؤسّسة «كاكتوفيك إينوبيات»، تشارلز لامب، أنّ السياحة يمكن أن توفّر دخلاً مهماً، لكن إدارتها يجب أن تختلف عمّا كانت عليه سابقاً. فخلال العقود الماضية، أدَّى تزايد أعداد الزوار، خصوصاً بعد تصنيف الدببة القطبية مهدَّدة بالانقراض عام 2008، إلى ضغط كبير على القرية الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها 250 شخصاً، ممّا تسبَّب في إرباك الحياة اليومية للسكان، وتراجع استفادتهم الاقتصادية.

كما أسهمت القيود التنظيمية ودخول شركات سياحية كبرى في تقليص دور السكان المحلّيين، في حين اشتكى الأهالي من سلوك بعض السياح، ومن ازدحام الرحلات الجوّية الذي أثَّر حتى في تنقّلاتهم الأساسية.

ومع توقُّف الجولات القاربية منذ 2021، بدأت الدببة تستعيد حذرها الطبيعي من البشر، بعدما أدّى الاعتياد السابق إلى زيادة المخاطر، حتى إنّ دوريات الحماية اضطرّت أحياناً إلى قتل عدد من الدببة سنوياً.

وتعمل القرية، حالياً، بالتعاون مع السلطات الأميركية، على إعادة إطلاق السياحة ربما بحلول 2027، ضمن إطار يضمن سلامة الجميع، مثل تحديد مدّة بقاء القوارب قرب الدببة، وتشجيع زيارات أطول وأكثر احتراماً لثقافة السكان.

ويرى القائمون على المبادرة أنّ السياحة المستقبلية يجب أن تمنح الزوار تجربة أعمق، تتيح لهم فهم الحياة في القطب الشمالي، لا مجرّد مشاهدتها من قرب.