«الجونة السينمائي» يركز على «الرسالة الإنسانية» ويوجّه تحية للراحلين

أكد دعمه للفنانين الشباب... وتأجيل عرض فيلم الافتتاح أثار تساؤلات

محمود حميدة وشريف منير وتامر حبيب في حفل الافتتاح (مهرجان الجونة)
محمود حميدة وشريف منير وتامر حبيب في حفل الافتتاح (مهرجان الجونة)
TT

«الجونة السينمائي» يركز على «الرسالة الإنسانية» ويوجّه تحية للراحلين

محمود حميدة وشريف منير وتامر حبيب في حفل الافتتاح (مهرجان الجونة)
محمود حميدة وشريف منير وتامر حبيب في حفل الافتتاح (مهرجان الجونة)

أعلن مهرجان الجونة السينمائي، في افتتاح دورته الثامنة، الخميس، التي تقام في الفترة من 16 إلى 24 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، تركيزه على الرسالة الإنسانية التي يقدمها عبر أفلامه وفعالياته المختلفة، كما وجّه تحية للفنانين الذين رحلوا عن عالمنا العام الماضي.

وأثار تأجيل عرض فيلم الافتتاح «عيد ميلاد سعيد»، لليوم التالي من الافتتاح، تساؤلات في أروقة المهرجان، وقالت ماريان خوري، المدير الفني للمهرجان، لـ«الشرق الأوسط»، إن القرار جرى بالتوافق بين إدارة المهرجان وصُناع الفيلم لإتاحة فرصة أفضل لعرض الفيلم، حيث جرت العادة أن يغادر الحضور قاعة الافتتاح مبكراً، مما يؤثر على المشاهدة الجيدة للفيلم.

ليلى علوي تترأس لجنة تحكيم الأفلام الطويلة (إدارة المهرجان)

وأبدت مُخرجة الفيلم، سارة جوهر، ترحيبها بهذا التأجيل، قائلة، لـ«الشرق الأوسط»: «لقد حضرتُ المهرجان في أكثر من دورة، وكنت ألحظ مغادرة أغلب الحضور بعد فقرات الحفل الأولى إلى الحفل الآخر (After party)، دون انتظار للفيلم، اعتماداً على أنهم سيشاهدونه في عرضٍ آخر، خلال أيام المهرجان، لذلك رحبتُ بتأجيل عرضه لمساء اليوم التالي، لأضمن أن من أراد مشاهدة الفيلم سيحضر خصوصاً له».

وكانت الفنانة حنان مطاوع، إحدى بطلات فيلم «عيد ميلاد سعيد»، قد شاركت في حفل افتتاح الجونة لحضور عرض الفيلم ليلة الافتتاح، ثم السفر؛ لارتباطها بتصوير أحد أعمالها، لتُفاجأ بتأجيل العرض، مما جعلها تمدد إقامتها يوماً آخر.

ويقول الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «كل المهرجانات الكبرى مثل كان وبرلين وفينسيا وغيرها تعرض فيلماً ليلة الافتتاح، والجمهور يتكالب على حضوره، ثم يقام له عرض ثانٍ في يوم آخر»، مضيفاً، لـ«الشرق الأوسط»، أن «تأجيل عرض فيلم الافتتاح ليومٍ تال يرجع لعدم ضبط الوقت، فقد تأخّر افتتاح المهرجان لنحو ساعة عن موعده».

ويُعد فيلم «عيد ميلاد سعيد» هو أول الأفلام الطويلة للمُخرجة سارة جوهر، وهو من بطولة نيللي كريم وحنان مطاوع وشريف سلامة، وتدور أحداثه عبر دراما مؤثرة عن الانقسام الطبقي، وقد جرى اختياره ليمثل مصر في منافسات الأوسكار المقبلة.

شيرين رضا على الريد كاربت (مهرجان الجونة)

وتميّز حفل افتتاح مهرجان الجونة السينمائي بالبساطة والأناقة وسرعة الإيقاع، بحضور عدد كبير من نجوم وصُناع الفن المصري والعربي، وحرص فنانون على الحضور برفقة أزواجهم، وفي مقدمتهم إيناس الدغيدي وزوجها، وجومانا مراد وزوجها، وطه الدسوقي وزوجته، وتحولت الـ«ريد كاربت» إلى ساحة تعج بالألوان والأزياء من مختلف بيوت الأزياء المصرية والعالمية.

نجيب وسميح ساويرس خلال افتتاح مهرجان الجونة (إدارة المهرجان)

وظهر الشقيقان رجلا الأعمال نجيب وسميح ساويرس على المسرح معاً، حيث تحدّث نجيب، مؤسس المهرجان، مؤكداً أن «السينما لغة عالمية تكشف جوهر الإنسان وتعكس آماله وأحلامه»، لافتاً إلى أن «مهرجان الجونة بات منارة ثقافية»، في حين أشار سميح، مؤسس مدينة الجونة ورئيس مجلس إدارة المهرجان، في كلمته، إلى أن «منصة سيني جونة تُواصل توفير الفرص لعدد متزايد من المواهب الشابة؛ لتمكين صُناع الأفلام من الصاعدين ودعم الجيل الجديد من رواة القصص».

واستعرض الحفل أسماء رؤساء لجان تحكيمه، بمصاحبة صور لهم على الشاشة، حيث تترأس الفنانة ليلي علوي لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، كما يترأس المخرج الفرنسي نيكولا فيليبير لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة، ويرأس المخرج الفلسطيني مهدي فليفل لجنة تحكيم الأفلام القصيرة، وتتولى اللبنانية جانا وهبة لجنة تحكيم مسابقة «نجمة الجونة الخضراء» لأفضل فيلم عن البيئة، بينما تخضع جائزة «سينما من أجل الإنسانية» لتصويت الجمهور.

وقال عمرو منسي، المدير التنفيذي للمهرجان، خلال كلمته، إن «الدورة الثامنة تجسد روح الإبداع، حيث تقدم تجربة ثقافية متكاملة تجمع صناع السينما من جميع أنحاء العالم». ولفتت ماريان خوري إلى دور السينما بوصفها صوتاً إنسانياً في مواجهة الواقع، مشيرة إلى فخرها بعودة برنامج «نافذة على فلسطين»، الذي «يمنح صُناع الأفلام في غزة فرصة رواية قصصهم، وتحويل الألم إلى فن»، وفق تعبيرها.

وشهد حفل الافتتاح تكريم الفنانة منة شلبي، حيث صعدت الفنانة يسرا لتقدم لها جائزة «الإنجاز الإبداعي»؛ تكريماً لمسيرتها الفنية المتميزة وأدوارها المؤثرة. وأشادت يسرا بموهبة منة شلبي، التي أهدت جائزتها للمخرج رضوان الكاشف؛ أول من قدمها في فيلم «الساحر».

يسرا كرّمت منة شلبي وأشادت بموهبتها (مهرجان الجونة)

كما أهدتها إلى والدتها الفنانة زيزي مصطفى، التي دعّمتها في مسيرتها، وأكدت منة، خلال كلمتها، امتنانها «للنجوم الكبار الذين عملت معهم وتعلمت منهم كثيراً؛ على غرار ليلى علوي ويسرا ومحمود عبد العزيز، وأيضاً المخرجين الكبار الذين آمنوا بموهبتها»، على حد تعبيرها.

واستعاد المهرجان وجوهاً فنية غابت عنا؛ من فنانين وصُناع أفلام، عبر فقرة «تحية إلى الراحلين»، مستعرضاً صورهم على الشاشة؛ ومن بينهم نبيل الحلفاوي، وكلوديا كاردينالي، وديفيد لينش، وسليمان عيد، وسميحة أيوب.

طه دسوقي أثار ضحك الحضور بأدائه الكوميدي (مهرجان الجونة)

وقدَّم الفنان طه دسوقي فقرة «إستاند أب كوميدي»، خلال حفل الافتتاح، أضفت جواً من المرح، انتقد فيها التعامل الإعلامي مع الفنانين الشبان، والنظر إليهم على أنهم قدوة. كما تطرّق لأجواء التصوير، مؤكداً أن «اللوكيشن» هو البيت الذي يعيش فيه طاقم العمل أكثر من بيتهم، ويتضمن مشاعر إنسانية جداً متوافقاً مع شعار المهرجان «سينما من أجل الإنسانية».

الفنانة لي لي اختتمت الحفل بأغنيات أفلام عالمية ومصرية (إدارة المهرجان)

وقدّمت الفنانة «لي لي» فقرة غنائية تضمنت مجموعة من أغنيات الأفلام العالمية والمصرية بعدة لغات، بمشاركة الطفلة عائشة السويدي. ويراهن «الجونة السينمائي» على رسالته الإنسانية، التي تعكس «شعار المهرجان»، ويخصص لها مسابقة يتنافس على جوائزها 10 أفلام في هذه الدورة، كما يراهن على أفلام إنسانية يَعرضها من خلال برنامج «نافذة على فلسطين»، يضم 8 أفلام جرى تصويرها خلال الحرب، وكذلك على برنامجه الذي يتضمن أفلاماً قوية في عروضها الأولى عالمياً، وأخرى حازت جوائز دولية في عروضها الأولى بالشرق الأوسط.


مقالات ذات صلة

«عنابة للفيلم المتوسطي» يحتفي بالسينما المصرية

يوميات الشرق الفنانة إلهام شاهين تتسلم تكريمها في افتتاح مهرجان عنابة (إدارة المهرجان)

«عنابة للفيلم المتوسطي» يحتفي بالسينما المصرية

يحتفي مهرجان «عنابة للفيلم المتوسطي» الجزائري بالسينما المصرية التي اختارها ضيفة شرف دورته الـ6.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق «ثريا حبيبتي» وثائقي يحكي قصة حبّ ثريا وزوجها الراحل مارون بغدادي (الجهة المنظّمة)

«ما زلنا هنا وما زلنا نروي»... انطلاق «بيروت الدولي لسينما المرأة»

يتضمَّن المهرجان توزيع جوائز على فئات تدخل في المسابقة الرسمية، وتشارك أفلام أخرى ضمن مسابقات «قصتها» و«صنّاع التأثير» وغيرها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق فيلم «هجرة» حصد جائزة مهرجان أسوان (إدراة المهرجان)

«هجرة» السعودي ينال جائزة أفضل فيلم في «أسوان السينمائي»

حصد فيلم «هجرة» السعودي، جائزة أفضل فيلم في «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة» بدورته العاشرة، التي أُقيمت من 20 إلى 25 أبريل (نيسان) الحالي.

«الشرق الأوسط» (أسوان (مصر))
يوميات الشرق «مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة» في دورته العاشرة صورة المرأة في السينما العربية، واحتفى بصانعات السينما في السعودية.

«الشرق الأوسط» (أسوان (مصر))
يوميات الشرق جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة بالمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

إرجاء جديد لـ«القومي للسينما» في مصر يثير تساؤلات

أثار قرار إرجاء المهرجان القومي للسينما في مصر مجدداً تساؤلات عن مدى إمكانية عودة المهرجان المتوقف منذ 4 سنوات.

أحمد عدلي (القاهرة )

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.