معرض الرياض للكتاب يُعيد «تاريخ الطبري» بعد ألف عام في 20 مجلّداً محققاً

دارة الملك عبد العزيز تكشف عن أضخم إنجاز علمي

راعى العمل المنهج النقدي في تحقيق النصوص التاريخية (دارة الملك عبد العزيز)
راعى العمل المنهج النقدي في تحقيق النصوص التاريخية (دارة الملك عبد العزيز)
TT

معرض الرياض للكتاب يُعيد «تاريخ الطبري» بعد ألف عام في 20 مجلّداً محققاً

راعى العمل المنهج النقدي في تحقيق النصوص التاريخية (دارة الملك عبد العزيز)
راعى العمل المنهج النقدي في تحقيق النصوص التاريخية (دارة الملك عبد العزيز)

بعد أكثر من 1000 عام، عاد «تاريخ الطبري» -وهو من أهم مدوّنات التاريخ العربي الذي كتبه محمد بن جرير الطبري- بحلّة جديدة، من خلال مشروع تحقيقي رصين تولّته دارة الملك عبد العزيز، وقدّمته للمرة الأولى في معرض الرياض الدولي للكتاب 2025.

واحتفى جمهور القراء والمحقّقون بعودة «تاريخ الطبري» في حلّته الجديدة، والموزَّعة على 20 مجلّداً، بجهد تحقيقي قاده الدكتور بشار عواد معروف، وفق منهجية علمية دقيقة، واستناداً إلى أندر المخطوطات حول العالم، ليقدّم ضمن إصدارات المعرض الذي افتتح أبوابه، الخميس.

ودشَّن الأمير فيصل بن سلمان، المستشار الخاص لخادم الحرمين الشريفين، رئيس مجلس إدارة دارة الملك عبد العزيز، الإصدار المحقق من الكتاب في حفل نظَّمته الدارة على المسرح الرئيسي للمعرض.

الأمير فيصل بن سلمان خلال تدشين الإصدار الجديد (واس)

الأمير فيصل بن سلمان والمحقق بشار معروف في حفل التدشين (واس)

وقال الدكتور بشار معروف، المُشرف على مشروع الإصدار، إن تحقيق الكتاب جاء نتيجة جهد علمي متكامل، استند إلى جمع النصوص التاريخية وترجيح الصواب وضبط الروايات، بما يوفر قراءة دقيقة لهذا السفر التاريخي المهم. وأشاد، في كلمته خلال التدشين، بالدور الرائد لدارة الملك عبد العزيز في توفير متطلّبات المشروع، وما تحظى به من تقدير واسع في الأوساط الأكاديمية، مؤكداً أنّ هذه الجهود تعكس رسالتها في حفظ التراث وتحقيق المعرفة.

وأشار إلى جهود تحقيق الطبري السابقة، موضحاً أن جميع المطبوعات كانت منسوخة عن تحقيق قديم رغم حذف كثير من الهوامش. وأضاف أنّ أعضاء فريقه عملوا على جمع كلّ النسخ المتوفرة عالمياً، ولم يُترك بلد إلا وبحثوا فيه عن مجلّد أو دراسة، واستحدثوا مصطلح «النسخ المستترة» لضمان الرجوع إلى أصول الكتاب وأسانيده، مع التعليق على كلّ ما تناولته النصوص.

وقال إنّ يوم تدشين العمل في الرياض هو يوم بهجة وفرح بإنجاز عمل علمي طالما تشوّفت له النفوس، مضيفاً: «يسعدني أن أقدّم لعشاق تاريخ الأمة خزين أمجادها وتجاربها، على أنحاء شتى من علوم هذه النشرة المتميّزة من تاريخ الملوك وأخبارهم وموالد الرسل وأنبائهم، لشيخ مؤرّخي الأمة أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، التي سعت دارة الملك عبد العزيز لإخراجها بحلّتها الجديدة».

ندوة الطبري والتاريخ ضمن فعاليات معرض الرياض للكتاب (هيئة الأدب)

قراءة جديدة لميراث الطبري

بدوره، قال الدكتور رضوان السيد إنّ هذا التحقيق يتيح قراءة جديدة وصادقة لميراث الإمام الطبري، موضحاً القيمة العلمية لمنهجه التاريخي الذي جمع بين دقة الرواية ورصانة التحليل، ما يجعل إعادة تحقيق هذا السفر إحياءً لجهود المؤرّخ الكبير وتقديراً لإسهاماته.

جاء ذلك خلال مشاركته في الندوة التي نظّمتها دارة الملك عبد العزيز عن الطبري والتاريخ، في قراءة معاصرة لكتاب «تاريخ الملوك وأخبارهم».

شارك في الندوة الدكتور بشار معروف، والدكتور رضوان السيد، والدكتور صالح جرار، والدكتور مضر الطلفاح، والدكتور عصام عقله، والدكتور سامي المخيزيم، فقدّموا تحليلات ومداخلات علمية حول الكتاب ومناهج الإمام الطبري في تدوين التاريخ. وخلالها، أضاء الدكتور صالح جرار على مصادر الطبري، مشيراً إلى اعتماده على أسماء يُعرف عنهم ضعف رواية الحديث، مع توضيح نَسْب كلّ مقولة لأصحابها، وإضافة إشارات تعكس رأيه وتعليقاته المقتضبة.

الدكتور بشار عواد معروف الباحث والمؤرّخ والمحقق خلال الندوة (هيئة الأدب)

ندوة الطبري والتاريخ ضمن فعاليات معرض الرياض للكتاب (هيئة الأدب)

من جانبه، أشار الدكتور مضر الطلفاح إلى شهرة الكتاب وتأثيره في كتب السير والتاريخ لاحقاً، مبيّناً أن تلامذة الطبري أسهموا في إيصال المعرفة إلى علماء متعدّدين، وكان له حضور في الشام والأندلس بعد شهرته في بغداد، مع تقديم ملاحظاته حول رواة الطبري.

أما الدكتور عصام مصطفى عقله، فأوضح أنّ الطبري أورد جميع الأحداث التاريخية، واعتماده على مصادر عراقية من دون الاستفادة من الموارد الشامية والحجازية يُعطي انطباعاً بأنّ الكتاب يركز على تاريخ العراق.

أما ورقة الدكتور سامي المخيزيم، فقد ركزت على أثر الطبري في التدوين الإسلامي، مشيراً إلى أنّ أسلوبه لم يكن اختياراً ذاتياً منه بل خطاً شائعاً في عصره، وأن استخدام «الإسناد» إطاراً شكلياً حماه من النقد، مضيفاً أنّ الطبري اعتمد على مصادر كبيرة استخدمها لضبط النص.

إعادة الحسبان لأهم مدوّنات التاريخ العربي

ويأتي التحقيق الجديد لأهم مدوّنات التاريخ العربي تلبية لحاجة مُلحّة لإعادة الحسبان إلى جهد محمد بن جرير الطبري، في مؤلّفه التاريخي الذي أنجزه قبل 1000 عام، وسجّل فيه الحوادث منذ بدء الخليقة حتى عصره (224– 310هـ).

ولم ترتقِ الطبعات السابقة، بدءاً من طبعة ليدن (1879–1890)، إلى مستوى قيمة الكتاب وجوهره، الذي يُعدّ مصدراً رئيسياً لبواكير حكاية الإسلام في مبتدئها ولتاريخ العرب عموماً، ولم تستوفِ الطبعات المتتالية شروط الدقة التامة والسلامة من الأخطاء.

وأمام هفوات الطبعات وتشتُّت المخطوطات، تولّت دارة الملك عبد العزيز مشروعاً رصيناً بقيادة الدكتور بشار عواد معروف، الذي بنى إرثاً استثنائياً في تحقيق التراث الإسلامي، لا سيما في التاريخ.

وشرع معروف وفريقه، الذي يضم الدكتور محمد بشار العبيدي والدكتور مهران محمود الزعبي، في العمل وفق منهجية تحقيق صارمة ورصينة، استناداً إلى جمع النسخ الخطية من مكتبات العالم، من المتحف البريطاني في لندن، ومكتبة برلين الوطنية، والمكتبة الوطنية في باريس، ومكتبة ليدن (هولندا)، ومكتبة بودليان (أوكسفورد)، ومكتبات إسطنبول الشهيرة مثل كوبريلي وأحمد الثالث، والمكتبة التيمورية في القاهرة، ومكتبة الزيتونة في تونس، ومكتبة خدابخش في الهند، إلى جانب نسخ وقفية مهمّة مثل المحمودية في المدينة المنورة، ونسخ من القاهرة، وأخرى متفرّقة في المغرب والجزائر واليمن.

صدر العمل بعد تحقيقه في 20 مجلداً (دار الحضارة)

وراعى المشروع التحقيقي الرصين المنهج النقدي في تحقيق النصوص التاريخية، ومقابلة النصوص بدقة، وإثبات القراءة الأنسب، مع توثيق القراءات الأخرى في الهوامش، فضلاً عن تخريج الأحاديث النبوية المرفوعة والحكم عليها، وترجمة رجالات أسانيد الكتاب، وكتابة دراسة إضافية عن منهج الطبري وموارده وأهمية مؤلّفه، إضافة إلى صناعة كشافات متنوّعة تيسّر الإفادة منه، وضبط الأسماء والروايات، مع إعادة النصّ إلى صورته الأصيلة.

وعاد للكتاب عنوانه الثابت الصحيح على نحو ما تواطأت عليه المخطوطات القديمة، وهو «تاريخ الملوك وأخبارهم وموالد الرسل وأنبائهم والكائن كان في زمان كل واحد منهم»، ليعود مجدّداً بين ملايين القرّاء ورعاة التاريخ في حلّته الجديدة، انطلاقاً من معرض الرياض للكتاب 2025.


مقالات ذات صلة

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كتب كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

في كل قراءة لخرائط المشرق العربي، تتبدى سوريا رقماً صعباً في معادلات التوازن والاستقرار؛ جغرافيتها الممتدة بين الداخل الآسيوي وشواطئ المتوسط، وهويتها الحاضنة...

ندى حطيط
كتب محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

عن دار «أركاديا للنشر والتوزيع»، في تونس، صدر مؤخراً كتاب: «الزّمن الميدياتيكي... معضلة الفضاء السيبراني»، للباحث التونسي الدكتور عبد الله الزين الحيدري

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب «دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

صدر حديثاً عن «دار المحرر» في القاهرة رواية «دون أثر يُذكر» للروائية والصحافية المصرية نسرين البخشونجي، التي صدر لها من قبل المجموعات القصصية: «بعد إجباري»...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

تصدر قريباً عن «نوفل» في بيروت، رواية «ورق الكافور» للكاتب السعودي عبد الله العرفج، وهي رواية تسبر أغوار مجتمع نجد وسط الجزيرة العربية

«الشرق الأوسط» (الدمام)
ثقافة وفنون السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

في كتابها «أغاثا كريستي واستخدام السموم»، تكشف الكيميائية والباحثة البريطانية كاثرين هاركاب كيف استخدمت رائدة أدب الجريمة السموم في رواياتها البوليسية المشوقة..

رشا أحمد (القاهرة)

لامين يامال حفيد فاطمة المغربيّة... ركلَ الحرمان بقدَمٍ ذهبيّة

TT

لامين يامال حفيد فاطمة المغربيّة... ركلَ الحرمان بقدَمٍ ذهبيّة

لامين يامال لاعب فريق برشلونة ونجم المنتخب الإسباني (نادي برشلونة)
لامين يامال لاعب فريق برشلونة ونجم المنتخب الإسباني (نادي برشلونة)

التقى لامين يامال بقَدَرِه بينما كان بعدُ طفلاً رضيعاً في الشهر الرابع، وقد حملَ ذاك القدَر اسمَ «برشلونة». فيوم زار ليونيل ميسي عائلة يامال في ديسمبر (كانون الأول) 2007 لالتقاط صورٍ مع ابنها، كان ينوب حينها عن «مؤسسة برشلونة» في إطار مشروعٍ خيريّ.

ليونيل ميسي والطفل الرضيع لامين يامال في جلسة تصوير عام 2007 (أ.ب)

اختارت المؤسسة الطفل الأسمر للظهور على إحدى صفحات روزنامتها السنوية، الهادفة إلى جمع التبرّعات لصالح منظّمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف). لم يتوقع ميسي آنذاك أنّ القدمَين الصغيرتَين اللتَين غسلهما ستُساويان ذهباً عندما تكبران، ولا أنّ ملاعب كأس العالم ستجمعه بعد 19 عاماً بالصغير لامين.

كانت جلسة التصوير جزءاً من حملة خيريّة من تنظيم مؤسسة برشلونة (أ.ب)

لامين يامال وبرشلونة... قدَرٌ محتوم

المرة الثانية التي عاد فيها القدَر ليطرق باب لامين يامال على هيئة نادٍ يُدعى برشلونة، كان قد بلغ الطفل عامه السادس. استقطبه الفريق الإسباني العريق بعد أن أمضى سنواته الأولى وهو يركل الطابة على عشب نادي «لا توريتا» المحلّيّ في مسقط رأسه روكافوندا.

بدأ يامال ممارسة لعبة كرة القدم في الرابعة من عمره، إلى أن وقَّع مع فريق برشلونة في 2014 لينتقل للإقامة والتمرين في أكاديمية النادي الكاتالوني. وما إن وطئت قدَماه العشب الأخضر، حتى بدأت توقّعات المحترفين له بأنّ مستقبلاً لامعاً في انتظاره.

روكافوندا 304

لم تتأخّر المعجزات في الظهور، إذ خاض لامين يامال مباراته الرسمية الأولى مع فريق «البرشا» في سن الـ15 و9 أشهر حيث سجّل هدفاً، ليصبح بذلك خامس أصغر لاعب في تاريخ الدوري الإسباني، والثاني في تاريخ نادي برشلونة.

منذ الهدف الأول الذي وثّقته الكاميرات، حرص يامال على الاحتفال بالتسجيل من خلال الإشارة بأصابعه إلى الرقم 304، وهو الجزء الأخير من الرمز البريدي لبلدته روكافوندا. تلك الحركة التي لم يستوعبها في البداية الجمهور العريض لكرة القدم عموماً، ولنادي برشلونة خصوصاً، تحوّلت إلى شبهِ تقليد في مسيرة يامال، وذلك كتحيّةٍ إلى أصوله وإلى الحيّ المتواضع الذي انطلق منه نحو النجوميّة.

لامين يامال راسماً إشارة 304 وهي الرمز البريدي لمسقط رأسه روكافوندا (فيسبوك)

الجدّة المؤسِسة... فاطمة المغربيّة

ليست روكافوندا مجرّد رقمٍ يُرسَم بأصابع لامين يامال كلّما سجّل هدفاً، بل هي جزءٌ أساسيّ من طفولة نجم الكُرة. فيها استقرّت جدّته فاطمة، بعد أن قادها الطريق بحراً من مدينة العرائش في المغرب إلى ماتارو في إقليم كاتالونيا، مروراً بغرناطة وغيرها من المدن الإسبانية.

يُحسَب للجدّة فاطمة أنها قلبَت حياة عائلتها رأساً على عقب. ففي عام 1990 وفي الـ40 من عمرها، قررت الانتقال بمفردها إلى إسبانيا لتبدأ لاحقاً بضَمّ أولادها إليها واحداً تلو الآخر. ثانيهم كان منير نصراوي، والد لامين يامال، الذي حطّ في إسبانيا في سن التاسعة، على ما يروي شقيقه البكر وعمّ لامين عبدول لصحيفة «لا فانغوارديا» الإسبانية.

الجدّة فاطمة رفيقة طفولة لامين يامال (فيسبوك)

حفرت الجدّة فاطمة في طفولة حفيدها لامين، خصوصاً بعد انفصال والدَيه عندما كان في الثالثة من عمره. وهي حتى اليوم ما زالت تعتني به، فكلّما زارها في روكافوندا طلب منها أن تُعدّ له البيض المخفوق للفطور والدجاج المشوي للغداء. وعندما عرض عليها أن تنتقل إلى منزلٍ في منطقةٍ أرقى، رفضت قائلةً إنها تريد البقاء في الحيّ الذي استقبلها قبل 3 عقود.

غالباً ما تُشاهَد الجدّة فاطمة مع حفيدها في المناسبات العامّة وعلى السجّادة الحمراء، كما في احتفاليّة الـBallon d’Or في باريس عام 2025. ولها محطّة أساسية في حوارات يامال الصحافية، كما في بودكاست «صدى القلب» (Resonancia de Corazón) حيث استحضرَ كفاحها قائلاً: «تنقّلت وحدها في الباصات حتى وصلت إلى ماتارو. بدأت العمل صباحاً وظهراً وليلاً كي تدّخر المال من أجل إحضار أولادها إلى إسبانيا».

تولّت فاطمة نقل أولادها من المغرب وتأسيس حياة لهم في إسبانيا (فيسبوك)

أصلُ الاسم... الأمين جمال

في روكافوندا، التقى الدهّان المغربي منير نصراوي بالمرأة التي ستصبح والدة لامين يامال؛ شيلا إيبانا، النادلة المهاجرة من غينيا الاستوائيّة. عن سنواته الأولى، يخبر يامال في البودكاست: «نشأتُ مع والديّ في مساكن مخصصة للآباء والأمهات الشباب حيث كانوا يقدّمون وجبات الطعام للجميع». لاحقاً اضطرّوا إلى التنقّل بين غُرفٍ أقرضَهم إياها الأصدقاء.

لم تكن الظروف المادية سهلةً بالنسبة إلى والدَي يامال، حتى أنهما لجآ إلى مساعدة الأصدقاء الماليّة قبل ولادة ابنهما؛ وقد أطلقا عليه اسمَه المركّب تيمّناً بصديقَين قدّما لهما الدعم ويُدعيان «الأمين» و«جمال».

لامين يامال مع جدّته ووالده منير نصراوي (إنستغرام)

لامين يامال: «أمّي ملكتي»

مَن واكبوه صغيراً في أكاديمية برشلونة، يتذكّرون طفلاً هادئاً وخجولاً وقليلَ الكلام. لا شكّ في أنّ الظروف المادية القاهرة للعائلة وانفصال والدَيه لاحقاً، كان لها وقعٌ على يامال. اعتاد التنقّل بين منزل جدّته حيث أقام والده بعد الانفصال، ومقرّ إقامة والدته في بلدة مجاورة.

كانت الكرة الثابتَ الأهمّ في طفولة لامين يامال. اختصرت الساحرة المستديرة شغفَه وطموحَه وحبلَ خلاصِه من البؤس. راقب منبهراً أداء رونالدينيو وميسي ونيمار، لكنه ابتكر أسلوباً خاصاً به. وعندما عوّضته الحياة عن متاعب البدايات، أوّل ما فعله يامال كان شراء منزلٍ لأمّه. «هي ملكتي»، يقول. ويتذكّر اللاعب الإسباني كيف كانت تحرص على طهو العشاء له يومياً رغم نوبات عملها الليليّة.

لامين يامال ووالدته شيلا إيبانا وابنتها من زواجٍ ثانٍ (فيسبوك)

يامال مغربي غيني إسباني

رغم انتقال والده من منطقة روكافوندا الشعبية المتواضعة بعد تعرّضه لحادث طعنٍ هناك عام 2024، فإنّ وجه يامال ما زال محفوراً في مسقط رأسه وهو وفيٌّ للمكان الذي يحتضن جدّته وأقرباءه حتى اللحظة.

مقابل الملعب البلديّ الذي شهد على الخطوات الأولى للنجم نحو الطابة، جداريّةٌ يلتقط أمامها كل زوّار روكافوندا الصور؛ يامال يرتدي قميص برشلونة ويتوسّط أعلام بلاده الثلاثة أي المغرب وغينيا الاستوائية وإسبانيا.

جداريّة لامين يامال في مسقط رأسه روكافوندا الإسبانية (فيسبوك)

لامين يامال... مرآة جيلِه

هذا الصيف سيخوض لامين يامال تجربة كأس العالم للمرة الأولى في حياته، ممثلاً المنتخب الإسباني. على الملاعب الخضراء سيحتفل بعيد ميلاده الـ19 في 13 يوليو (تموز). ستختلف الاحتفاليّة عن العام الماضي حيث دخل سنّ الرشد وسط عشرات المشاهير ونجوم الكرة في برشلونة.

أثار صخب الحفل حفيظة الكثيرين آنذاك، إلّا أنّ يامال لم يتأثّر فهو يسير على قاعدة أنّ مَن يتعب يستحقّ أن يحتفل ويتسلّى، وأنّ المال الذي يُجنى هو وسيلة للسعادة.

بذلك يعبّر يامال عن جيله، أو بالأحرى عن جيلَي زد وألفا، مختصراً القيَم التي يتمسّكون بها؛ من الاستقلاليّة إلى تقدير الذات، مروراً بالطموح وعدم الخجل من مشاركة حياتهم علناً وبعفويّة.

احتفل يامال بعيد ميلاده الـ18 صيف 2025 بحضور نجوم الكرة والموسيقى (إنستغرام)

من طفلٍ خجول بلا سقفٍ ثابت، إلى صاحب القميص رقم 10 في نادي برشلونة؛ رحلةُ تحوّلٍ فائقة السرعة خاضها لامين يامال. لم تكن قدمُه الذهبيّة بوصلتَه الوحيدة، بل شخصيّته ذات الكاريزما والشفافيّة التي جعلت منه نجماً يُحتذى بنظَر ملايين الشباب من الجيل الجديد.


في سن الـ91... فنزويلية تحوِّل تقاليد النسج القديمة إلى فن معاصر

النسَّاجة الفنزويلية مارغريتا مورا (نيويورك تايمز)
النسَّاجة الفنزويلية مارغريتا مورا (نيويورك تايمز)
TT

في سن الـ91... فنزويلية تحوِّل تقاليد النسج القديمة إلى فن معاصر

النسَّاجة الفنزويلية مارغريتا مورا (نيويورك تايمز)
النسَّاجة الفنزويلية مارغريتا مورا (نيويورك تايمز)

رغم هيمنة الآلات الكهربائية اليوم، تتمسَّك النسَّاجة الفنزويلية مارغريتا مورا بمزيج من الممارسات التقليدية المتوارثة عن السكان الأصليين والإسبان، لابتكار أعمال فنية تحمل لمسة حديثة مدهشة.

أثناء جلوسها أمام نولها على سطح منزلها في موكوتشيس، وهي بلدة تقع على ارتفاع شاهق في جبال الأنديز الفنزويلية، استذكرت مارغريتا مورا صباح أحد الأيام عندما كانت في الخامسة من عمرها تقريباً. آنذاك، كانت تتولى توصيل بعض الصوف الذي غزلته والدتها إلى نسَّاج محلي في بلدة ميتيفيفو القريبة. وهناك كان أول لقاء لها مع النول نفسه، الذي سيرافقها لعقود طويلة.

المهنة هذه لم تجعلها ثرية لكنَّها أبقتها على قيد الحياة (نيويورك تايمز)

وقالت خلال مقابلة أُجريت في منزلها عام 2024: «زرع هذا النول في داخلي سعادة غامرة. وعندما تعلمت النسيج، تمكنت من شراء ملابسي وأحذيتي بنفسي».

وهكذا اكتشفت مورا الحرفة التي كرَّست حياتها لها. ففي ذلك الوقت، كانت ميتيفيفو مستوطنة نائية لا تضم سوى بضع عائلات، تقع حيث تلتقي الجبال بالسماء، وهناك بدأت مورا بيع منسوجاتها.

وفي حين حلّت الآلات الكهربائية محل تقنيات النسيج التقليدية في معظم أنحاء العالم، ظلت مورا، البالغة من العمر 91 عاماً، وهي امرأة صغيرة البنية تلف الأوشحة حول وجهها الذي أثرت فيه عوامل الطقس، متمسكة بمزيج من التقاليد الأصلية للسكان الأصليين والتقاليد الإسبانية.

وبفضل منسوجاتها، حظيت بشهرة متواضعة في فنزويلا. وعلى مدى سنوات، عملت معلمة في مدرسة موكونوك للتجارة والفنون والحرف اليدوية، وهي منظمة غير ربحية تهدف إلى الحفاظ على الحرف التقليدية والترويج لها. وفي عام 2008، تصدَّر وجهها لوحة إعلانية ضخمة على واجهة مركز مؤتمرات يستضيف معرضاً فنياً في مدينة ميريدا، الواقعة جنوب غربي موكوتشيس، إلى جانب صورتين لنسَّاجتين أخريين والرئيس الفنزويلي السابق هوغو تشافيز. كما حصلت على أوسمة وشهادات فخرية عدَّة.

بلدة موكوتشيس الواقعة على ارتفاع شاهق في جبال الأنديز الفنزويلية حيث تعيش مارغريتا مورا (نيويورك تايمز)

وكان أول معرض جماعي شاركت فيه مورا، إلى جانب نسَّاجات أخريات من المنطقة، عام 1979 في كاراكاس. ومع ذلك، لم تُعرض أعمالها ضمن سياق الفن المعاصر إلا في السنوات الأخيرة. ويأتي هذا التحول في وقت بات فيه فن النسيج يحظى بحضور متزايد في مؤسسات كبرى، مثل معهد شيكاغو للفنون والمعرض الوطني للفنون في واشنطن.

فعند سحب المشط، تُشد الخيوط الأفقية بإحكام على القماش قيد النسج لتكوين نسيج كثيف يتحول إلى قطعة مزخرفة أو بطانية أو سجادة أو أي منتج آخر. وتمتاز الأنماط التي تبتكرها مورا بطابع هندسي وتجريدي، وتضم زخارف مستوحاة من حياتها اليومية، مثل الأيدي والفراشات والمقصات والفؤوس.

من جانبها، ترى لين كوك، كبيرة أمناء الفن الحديث والمعاصر السابقة في المتحف الوطني للفنون في واشنطن، أن مورا «تمتلك موهبة استثنائية».

وقالت كوك في مقابلة حديثة إن تصاميم مورا «تختلف بشكل دقيق عن الأنماط الهندسية المتكررة»، موضحة أن ذلك يتحقق من خلال «التباينات اللونية القوية بين الصوف الداكن والفاتح الذي تحصل عليه محلياً».

ولسنوات طويلة، ربّت مورا أغناماً من سلالتي ميرينو وكريولو. أما اليوم، فهي تشتري أكياس الصوف من المزارعين في المناطق المحيطة وتخزنها على سطح منزلها. وإذا كان لديها حجم كبير من العمل، فإنها تشتري الصوف المغزول من ابن عمها. كما تتولى تمشيط الصوف يدوياً، وفك تشابكه، وترتيب أليافه استعداداً للغزل.

حصلت مارغريتا على أوسمة وشهادات فخرية عدَّة (نيويورك تايمز)

وعادة ما يستغرق إنجاز قطعة كبيرة ما بين شهرين و3 أشهر، وتشمل العملية الغسل والصباغة والغزل والنسيج. ونظراً لعدم إمكانية الاعتماد على توفر الكهرباء والمياه الجارية بصورة مستمرة، فإن العملية تتم يدوياً بالكامل وتعتمد بدرجة كبيرة على الظروف الجوية؛ فإذا هطلت أمطار غزيرة بعد غسل الصوف، فلن تجف الألياف.

وقال المهندس المعماري البريطاني - الفنزويلي جيمي ألكوك، الذي يزخر منزله الريفي في ميتيفيفو بالسجاد والبطانيات والأثاث المنجّد من صنع مورا: «تركت مارغريتا إرثاً من المهارة والحكمة في استخدام المواد الأساسية».

وفي المقابل، حرصت مورا على نقل خبرتها إلى الأجيال التالية من عائلتها، التي شيدت استوديو على سطح منزلها في موكوتشيس، يضم 8 أنوال. وعن ذلك تقول: «إن نقل الإرث أمر مجزٍ للغاية».

وتعمل ابنتها أسونسيون رانجيل، البالغة من العمر 53 عاماً، في حرفة النسيج حالياً، بعدما كانت مسؤولة عن غسل الصوف وتجفيفه وتمشيطه لوالدتها. كما يعمل اثنان من أحفاد مورا الستة، هما دانييل كاستيلو (23 عاماً) وفابيان رانجيل (22 عاماً)، في هذه الحرفة.

وقالت مورا، في إشارة إلى النسيج: «ما دمت أمارس هذه المهنة، فأنا سعيدة. إنها مهنة لم تجعلني ثرية، لكنها أبقتني على قيد الحياة طوال حياتي».

* خدمة «نيويورك تايمز»


«فتاة الصحراء تخرخوري» تستقر في المتحف الليبي

مصلحة الآثار الليبية بغرب البلاد تتسلم مومياء «تخرخوري» 14 يونيو (وزارة الثقافة)
مصلحة الآثار الليبية بغرب البلاد تتسلم مومياء «تخرخوري» 14 يونيو (وزارة الثقافة)
TT

«فتاة الصحراء تخرخوري» تستقر في المتحف الليبي

مصلحة الآثار الليبية بغرب البلاد تتسلم مومياء «تخرخوري» 14 يونيو (وزارة الثقافة)
مصلحة الآثار الليبية بغرب البلاد تتسلم مومياء «تخرخوري» 14 يونيو (وزارة الثقافة)

بعد غياب طويل، استقرت مومياء الفتاة «تخرخوري»، إحدى «أهم المكتشفات الأثرية المرتبطة بتاريخ الصحراء الليبية في عصور ما قبل التاريخ»، أخيراً في المتحف الوطني بالعاصمة طرابلس.

والمومياء «تخرخوري» التي يقدر عمرها «بنحو 7000 سنة، وتعود إلى فتاة «كانت في منتصف الثلاثينات من عمرها»؛ عدّتها وزارة الثقافة بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة (الأحد) «شاهداً استثنائياً على فترة مناخية مهمة شهدتها الصحراء الليبية خلال العصور المطيرة، ما يمنحها قيمة علمية وتاريخية كبيرة في دراسة حياة الإنسان القديم بالمنطقة».

وسبق أن اكتُشفت المومياء عام 2003، حسب الوزارة، ثم نقلت إلى معامل جامعة «روما لا سابينزا» عام 2004 لإجراء الدراسات العلمية المتخصصة عليها؛ لكن «بسبب نقص الدعم خلال السنوات الماضية تأخر استكمال أعمال الصيانة والترميم وإعادتها إلى ليبيا».

وعانى الموروث الأثري في ليبيا من عمليات سرقة واسعة وإهمال منذ عشرات السنين، ما عرضه للنهب المنظم خلال الأعوام التي تلت إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي بواسطة عصابات تستهدف التنقيب عن القطع الأثرية وتهريبها. رغم ذلك يعيد مواطنون بمحض إرادتهم بعض القطع التاريخية التي تقع في أيديهم «متغاضين عن ملايين الدولارات التي قد تُعرض عليهم».

رأس تمثال «فاوستينا» ابنة الإمبراطور الروماني أنتونينوس بيوس استعادته ليبيا مارس 2021 (الخارجية الليبية بغرب البلاد)

وسبق أن استعادت ليبيا في مارس (أذار) 2021 من النمسا رأس تمثال رخامي نادر للسيدة «فاوستينا»، ابنة الإمبراطور الروماني أنتونينوس بيوس، والإمبراطورة فوستينا (الكبرى)، وذلك بعد 75 عاماً من تهريبه إلى خارج البلاد أثناء الحرب العالمية الثانية؛ ويعود أصل التمثال للعصر الأنطوني.

وأسفر التعاون الليبي-الإيطالي عن النجاح في إعادة المومياء، الأمر الذي أعدته حكومة «الوحدة» خطوة من قبلها في «دعم قطاع الآثار والمحافظة على التراث الثقافي الوطني لتعود المومياء إلى أرض الوطن بعد سنوات من الدراسات والأعمال الفنية المتخصصة».

ونوهت وزارة الثقافة أنه «سيقام في 30 يوليو (تموز) المقبل احتفال بمناسبة استلام المومياء، وافتتاح المعرض المصاحب لها بقاعة العرض المؤقت بالمتحف الوطني حيث ستعرض للجمهور لعدة أشهر قبل انتقالها إلى موقعها الدائم ضمن قاعات ما قبل التاريخ بالمتحف».

ونجحت الجهود التي تبذلها السفارات الليبية في الخارج بالتعاون مع المختصين المحليين في إعادة عدد من القطع المنهوبة أو التي كانت تخضع للترميم. وسبق أن تسلمت ليبيا مجموعة من القطع الأثرية كانت مهربة إلى دولة إيطاليا، في سابقة وصفت بأنها الأولى من نوعها.