معرض الرياض للكتاب يُعيد «تاريخ الطبري» بعد ألف عام في 20 مجلّداً محققاً

دارة الملك عبد العزيز تكشف عن أضخم إنجاز علمي

راعى العمل المنهج النقدي في تحقيق النصوص التاريخية (دارة الملك عبد العزيز)
راعى العمل المنهج النقدي في تحقيق النصوص التاريخية (دارة الملك عبد العزيز)
TT

معرض الرياض للكتاب يُعيد «تاريخ الطبري» بعد ألف عام في 20 مجلّداً محققاً

راعى العمل المنهج النقدي في تحقيق النصوص التاريخية (دارة الملك عبد العزيز)
راعى العمل المنهج النقدي في تحقيق النصوص التاريخية (دارة الملك عبد العزيز)

بعد أكثر من 1000 عام، عاد «تاريخ الطبري» -وهو من أهم مدوّنات التاريخ العربي الذي كتبه محمد بن جرير الطبري- بحلّة جديدة، من خلال مشروع تحقيقي رصين تولّته دارة الملك عبد العزيز، وقدّمته للمرة الأولى في معرض الرياض الدولي للكتاب 2025.

واحتفى جمهور القراء والمحقّقون بعودة «تاريخ الطبري» في حلّته الجديدة، والموزَّعة على 20 مجلّداً، بجهد تحقيقي قاده الدكتور بشار عواد معروف، وفق منهجية علمية دقيقة، واستناداً إلى أندر المخطوطات حول العالم، ليقدّم ضمن إصدارات المعرض الذي افتتح أبوابه، الخميس.

ودشَّن الأمير فيصل بن سلمان، المستشار الخاص لخادم الحرمين الشريفين، رئيس مجلس إدارة دارة الملك عبد العزيز، الإصدار المحقق من الكتاب في حفل نظَّمته الدارة على المسرح الرئيسي للمعرض.

الأمير فيصل بن سلمان خلال تدشين الإصدار الجديد (واس)

الأمير فيصل بن سلمان والمحقق بشار معروف في حفل التدشين (واس)

وقال الدكتور بشار معروف، المُشرف على مشروع الإصدار، إن تحقيق الكتاب جاء نتيجة جهد علمي متكامل، استند إلى جمع النصوص التاريخية وترجيح الصواب وضبط الروايات، بما يوفر قراءة دقيقة لهذا السفر التاريخي المهم. وأشاد، في كلمته خلال التدشين، بالدور الرائد لدارة الملك عبد العزيز في توفير متطلّبات المشروع، وما تحظى به من تقدير واسع في الأوساط الأكاديمية، مؤكداً أنّ هذه الجهود تعكس رسالتها في حفظ التراث وتحقيق المعرفة.

وأشار إلى جهود تحقيق الطبري السابقة، موضحاً أن جميع المطبوعات كانت منسوخة عن تحقيق قديم رغم حذف كثير من الهوامش. وأضاف أنّ أعضاء فريقه عملوا على جمع كلّ النسخ المتوفرة عالمياً، ولم يُترك بلد إلا وبحثوا فيه عن مجلّد أو دراسة، واستحدثوا مصطلح «النسخ المستترة» لضمان الرجوع إلى أصول الكتاب وأسانيده، مع التعليق على كلّ ما تناولته النصوص.

وقال إنّ يوم تدشين العمل في الرياض هو يوم بهجة وفرح بإنجاز عمل علمي طالما تشوّفت له النفوس، مضيفاً: «يسعدني أن أقدّم لعشاق تاريخ الأمة خزين أمجادها وتجاربها، على أنحاء شتى من علوم هذه النشرة المتميّزة من تاريخ الملوك وأخبارهم وموالد الرسل وأنبائهم، لشيخ مؤرّخي الأمة أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، التي سعت دارة الملك عبد العزيز لإخراجها بحلّتها الجديدة».

ندوة الطبري والتاريخ ضمن فعاليات معرض الرياض للكتاب (هيئة الأدب)

قراءة جديدة لميراث الطبري

بدوره، قال الدكتور رضوان السيد إنّ هذا التحقيق يتيح قراءة جديدة وصادقة لميراث الإمام الطبري، موضحاً القيمة العلمية لمنهجه التاريخي الذي جمع بين دقة الرواية ورصانة التحليل، ما يجعل إعادة تحقيق هذا السفر إحياءً لجهود المؤرّخ الكبير وتقديراً لإسهاماته.

جاء ذلك خلال مشاركته في الندوة التي نظّمتها دارة الملك عبد العزيز عن الطبري والتاريخ، في قراءة معاصرة لكتاب «تاريخ الملوك وأخبارهم».

شارك في الندوة الدكتور بشار معروف، والدكتور رضوان السيد، والدكتور صالح جرار، والدكتور مضر الطلفاح، والدكتور عصام عقله، والدكتور سامي المخيزيم، فقدّموا تحليلات ومداخلات علمية حول الكتاب ومناهج الإمام الطبري في تدوين التاريخ. وخلالها، أضاء الدكتور صالح جرار على مصادر الطبري، مشيراً إلى اعتماده على أسماء يُعرف عنهم ضعف رواية الحديث، مع توضيح نَسْب كلّ مقولة لأصحابها، وإضافة إشارات تعكس رأيه وتعليقاته المقتضبة.

الدكتور بشار عواد معروف الباحث والمؤرّخ والمحقق خلال الندوة (هيئة الأدب)

ندوة الطبري والتاريخ ضمن فعاليات معرض الرياض للكتاب (هيئة الأدب)

من جانبه، أشار الدكتور مضر الطلفاح إلى شهرة الكتاب وتأثيره في كتب السير والتاريخ لاحقاً، مبيّناً أن تلامذة الطبري أسهموا في إيصال المعرفة إلى علماء متعدّدين، وكان له حضور في الشام والأندلس بعد شهرته في بغداد، مع تقديم ملاحظاته حول رواة الطبري.

أما الدكتور عصام مصطفى عقله، فأوضح أنّ الطبري أورد جميع الأحداث التاريخية، واعتماده على مصادر عراقية من دون الاستفادة من الموارد الشامية والحجازية يُعطي انطباعاً بأنّ الكتاب يركز على تاريخ العراق.

أما ورقة الدكتور سامي المخيزيم، فقد ركزت على أثر الطبري في التدوين الإسلامي، مشيراً إلى أنّ أسلوبه لم يكن اختياراً ذاتياً منه بل خطاً شائعاً في عصره، وأن استخدام «الإسناد» إطاراً شكلياً حماه من النقد، مضيفاً أنّ الطبري اعتمد على مصادر كبيرة استخدمها لضبط النص.

إعادة الحسبان لأهم مدوّنات التاريخ العربي

ويأتي التحقيق الجديد لأهم مدوّنات التاريخ العربي تلبية لحاجة مُلحّة لإعادة الحسبان إلى جهد محمد بن جرير الطبري، في مؤلّفه التاريخي الذي أنجزه قبل 1000 عام، وسجّل فيه الحوادث منذ بدء الخليقة حتى عصره (224– 310هـ).

ولم ترتقِ الطبعات السابقة، بدءاً من طبعة ليدن (1879–1890)، إلى مستوى قيمة الكتاب وجوهره، الذي يُعدّ مصدراً رئيسياً لبواكير حكاية الإسلام في مبتدئها ولتاريخ العرب عموماً، ولم تستوفِ الطبعات المتتالية شروط الدقة التامة والسلامة من الأخطاء.

وأمام هفوات الطبعات وتشتُّت المخطوطات، تولّت دارة الملك عبد العزيز مشروعاً رصيناً بقيادة الدكتور بشار عواد معروف، الذي بنى إرثاً استثنائياً في تحقيق التراث الإسلامي، لا سيما في التاريخ.

وشرع معروف وفريقه، الذي يضم الدكتور محمد بشار العبيدي والدكتور مهران محمود الزعبي، في العمل وفق منهجية تحقيق صارمة ورصينة، استناداً إلى جمع النسخ الخطية من مكتبات العالم، من المتحف البريطاني في لندن، ومكتبة برلين الوطنية، والمكتبة الوطنية في باريس، ومكتبة ليدن (هولندا)، ومكتبة بودليان (أوكسفورد)، ومكتبات إسطنبول الشهيرة مثل كوبريلي وأحمد الثالث، والمكتبة التيمورية في القاهرة، ومكتبة الزيتونة في تونس، ومكتبة خدابخش في الهند، إلى جانب نسخ وقفية مهمّة مثل المحمودية في المدينة المنورة، ونسخ من القاهرة، وأخرى متفرّقة في المغرب والجزائر واليمن.

صدر العمل بعد تحقيقه في 20 مجلداً (دار الحضارة)

وراعى المشروع التحقيقي الرصين المنهج النقدي في تحقيق النصوص التاريخية، ومقابلة النصوص بدقة، وإثبات القراءة الأنسب، مع توثيق القراءات الأخرى في الهوامش، فضلاً عن تخريج الأحاديث النبوية المرفوعة والحكم عليها، وترجمة رجالات أسانيد الكتاب، وكتابة دراسة إضافية عن منهج الطبري وموارده وأهمية مؤلّفه، إضافة إلى صناعة كشافات متنوّعة تيسّر الإفادة منه، وضبط الأسماء والروايات، مع إعادة النصّ إلى صورته الأصيلة.

وعاد للكتاب عنوانه الثابت الصحيح على نحو ما تواطأت عليه المخطوطات القديمة، وهو «تاريخ الملوك وأخبارهم وموالد الرسل وأنبائهم والكائن كان في زمان كل واحد منهم»، ليعود مجدّداً بين ملايين القرّاء ورعاة التاريخ في حلّته الجديدة، انطلاقاً من معرض الرياض للكتاب 2025.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.


أدلة حديثة تُعيد رسم تاريخ وصول البشر إلى الأميركتين

ما نعتقده يقيناً... قد يتبدَّل (رويترز)
ما نعتقده يقيناً... قد يتبدَّل (رويترز)
TT

أدلة حديثة تُعيد رسم تاريخ وصول البشر إلى الأميركتين

ما نعتقده يقيناً... قد يتبدَّل (رويترز)
ما نعتقده يقيناً... قد يتبدَّل (رويترز)

لعقود، ظلَّ موقع في تشيلي يُدعى مونتي فيردي يمثّل الدليل الأقوى على أقدم استيطان بشري في الأميركتين.

وكان العلماء قد وجدوا سابقاً آثاراً لوجود بشري يعود تاريخها إلى نحو 14 ألفاً و500 عام مضت، بما في ذلك آثار أقدام قديمة، وأدوات خشبية، وأساسات لهيكل، وبقايا حفرة نار قديمة، مع وجود رواسب ومقتنيات من الموقع تدعم هذا الإطار الزمني باستمرار.

وتتحدَّى دراسة جديدة نقلتها «الإندبندنت»، عمر هذا الموقع المهم، مشيرة إلى أنّ مونتي فيردي قد يكون أحدث بكثير مما يعتقده العلماء. ولكن لا يتفق الجميع مع هذه النتائج.

باشر العلماء أخذ عيّنات وتأريخ الرواسب من 9 مناطق على طول مجرى جدول تشينتشيهوابي المُتاخم للموقع، وحلَّلوا كيف تغيَّرت الطبيعة الجغرافية عبر آلاف السنوات. وكشفوا عن طبقة من الرماد البركاني ناتجة من ثوران يعود تاريخه إلى نحو 11 ألف عام مضت.

ووفقاً للمؤلف المشارك في الدراسة، كلاوديو لاتوري، فإن أي شيء فوق تلك الطبقة، وفي هذه الحالة، أخشاب ومقتنيات مونتي فيردي، يجب أن يكون أحدث عهداً.

وقال لاتوري، الذي يعمل في الجامعة البابوية الكاثوليكية في تشيلي: «أعدنا تفسير جيولوجيا الموقع بشكل أساسي. وتوصَّلنا إلى استنتاج مفاده أنّ موقع مونتي فيردي لا يمكن أن يكون أقدم من 8200 عام قبل الوقت الحاضر».

ويعتقد الباحثون أنّ التغيّرات التي طرأت على الطبيعة الجغرافية، بما في ذلك مجرى مائي أدّى إلى تآكل الصخور، ربما تسبَّبت في اختلاط الطبقات القديمة بالحديثة؛ مّا جعل الباحثين يؤرّخون أخشاباً قديمة على أنها جزء من موقع مونتي فيردي.

التاريخ ليس ثابتاً (أ.ب)

نُشرت النتائج، الخميس، في مجلة «ساينس». ويعترض علماء، بمن فيهم أولئك الذين شاركوا في التنقيبات الأصلية، عليها.

وقال مايكل ووترز من جامعة تكساس إيه آند إم، الذي لم يشارك في أيّ من الدراستين: «قدموا، في أفضل الأحوال، فرضية عمل لا تدعمها البيانات التي عرضوها».

ويقول خبراء لم يشاركوا في البحث إنّ الدراسة تتضمَّن تحليلاً لعيّنات من المنطقة المحيطة بمونتي فيردي، حيث لا يمكن مقارنة آثارها الجيولوجية بجيولوجية الموقع نفسه. ويقولون إنه لا توجد أدلة كافية على أنّ طبقة الرماد البركاني كانت تغطّي كل المنطقة ذات يوم.

ويقولون أيضاً إنّ الدراسة لا تُقدم تفسيراً كافياً للقطع الأثرية التي عُثر عليها في الموقع والتي أُرِّخت مباشرة بـ14 ألفاً و500 عام مضت، بما في ذلك ناب حيوان «الماستودون» الذي شُكِّل على هيئة أداة، ورمح خشبي، وعصا حفر ذات طرف محترق.

وقال عالم الآثار توم ديليهاي من جامعة فاندربيلت، الذي قاد أول عملية تنقيب في الموقع، في رسالة بالبريد الإلكتروني: «هذا التفسير يتجاهل مقداراً واسعاً من الأدلة الثقافية الموثَّقة بدقة».

ويختلف مؤلفو الدراسة الجديدة مع هذه الانتقادات، قائلين إنهم أخذوا عيّنات من داخل الموقع، ومن أعلى المجرى وأسفله. وقال المؤلّف المُشارك تود سوروفيل من جامعة وايومنغ إنه لا توجد أدلة كافية على أن القطع الأثرية المؤرَّخة في الموقع هي حقاً بهذا القِدَم.

ويُعد موقع مونتي فيردي حاسماً لفهم العلماء لكيفية وصول الناس إلى الأميركيتين. فقد اعتاد العلماء الاعتقاد بأن الواصلين الأوائل كانوا مجموعة من الناس قبل 13 ألف عام، صنعوا أدوات حجرية مدبَّبة تُعرف باسم «رؤوس كلوفيس». ويبدو أنّ اكتشاف مونتي فيردي، والذي كان محلَّ جدل في البداية، قد وضع حداً لذلك الاعتقاد.

وليس من الواضح كيف يمكن لتاريخ جديد للموقع أن يؤثّر في القصة البشرية. فمنذ اكتشاف مونتي فيردي، كشف الباحثون عن مواقع في أميركا الشمالية تسبق شعب «كلوفيس»، مثل «كوبرز فيري» في أيداهو، وموقع «ديبرا ل. فريدكين» في تكساس.

ولكن يبقى سؤال مهم، وهو كيف بالضبط وصل الناس إلى الأميركتين من آسيا، متجاوزين جنوب صفيحتين جليديتين هائلتين غطّتا كندا؟ هل وصل البشر في الوقت المناسب لانفصال الصفيحتين؛ ما كشف عن ممر خالٍ من الجليد؟ هل سافروا على طول الساحل في قوارب، أم عبر مزيج من المياه واليابسة؟

وقال سوروفيل إنّ إعادة تحديد تاريخ مونتي فيردي قد تعيد فتح المناقشات حول المسار الأكثر احتمالية للبشر الأوائل. وقد توفّر التحليلات المستقلّة المستقبلية للمواقع البشرية المبكرة الأخرى مزيداً من الوضوح.

وأضاف سوروفيل: «بمنح الوقت الكافي وتوفّر الإمكانات العلمية، فإنّ العلم يُصحح نفسه بنفسه. إنه يصل في النهاية إلى الحقيقة».


رسائل ابنة الـ11 عاماً تتحوَّل جدارية فنّية في مدينة إنجليزية

كلمات صغيرة وأثر كبير (إكس)
كلمات صغيرة وأثر كبير (إكس)
TT

رسائل ابنة الـ11 عاماً تتحوَّل جدارية فنّية في مدينة إنجليزية

كلمات صغيرة وأثر كبير (إكس)
كلمات صغيرة وأثر كبير (إكس)

حوَّلت السلطات المحلّية في مدينة وولفرهامبتون الإنجليزية رسائل إيجابية خطَّتها فتاة في الحادية عشرة من عمرها إلى جدارية فنّية دائمة.

كانت الفتاة نيريا فايث، من مدينة وولفرهامبتون، قد صمَّمت ملصقات يدوية تحمل عبارات تحفيزية مثل «أنتَ تكفي» و«أنتَ أقوى مما تظن»، في محاولة منها لبثّ البهجة في نفوس المارّة ورفع معنوياتهم.

وقد تجسَّدت هذه الكلمات في جدارية فنّية تُزيّن أسوار شارع تشيسترتون المتفرِّع من طريق كانوك في المدينة.

ونقلت «بي بي سي» عن نيريا فايث قولها: «هذه الرسائل قد تمدّ يد العون لكثيرين ممَّن يشعرون بالإحباط. فبعض الناس يحتاجون فقط إلى كلمات بسيطة تسندهم».

من جانبه، أشاد رئيس مجلس مدينة وولفرهامبتون، ستيفن سيمكينز، بالمبادرة، قائلاً: «رسائل نيريا بسيطة وصادقة وتفيض بالمشاعر.

هذه اللوحات تذكّرنا بأنّ الأفعال الطيبة الصغيرة يمكنها إحداث فارق كبير، ونحن فخورون بالإسهام في نشر هذه الرسالة في أرجاء المدينة».

وظهرت الجدارية على السور الخارجي لحديقة يملكها أحد سكان الحيّ يُدعى جيف، الذي أعرب عن سعادته الغامرة بهذه الخطوة، قائلاً: «كنا نعاني كثرة الكتابات العشوائية على هذا السور، وكان المجلس يرسل فرق التنظيف باستمرار لإزالتها، وبعضها لم يكن لائقاً».

وأضاف: «إنه لأمر رائع أن يكون لديك شيء يستحق القراءة ويُضفي إشراقة على يومك».

أما دان، والد نيريا، فقد أشار إلى التطوّر الملحوظ في ثقة ابنته بنفسها منذ بدأت هذه المبادرة، موضحاً: «لقد بدأت في كتابة توكيدات إيجابية من تلقاء نفسها على قصاصات ورقية وشرعت في توزيعها.

كانت تقف عند الباب وتقدّمها للمارّة، وقد رأيت ملامح السعادة على وجوه الناس، وكيف بدأت ثقتها بنفسها تزداد لرؤيتها ردود الفعل، لأنّ الناس كانوا سعداء بذلك».


علماء يبحثون عن الصداقة في عالم القروش

سمكة قرش (بيكساباي)
سمكة قرش (بيكساباي)
TT

علماء يبحثون عن الصداقة في عالم القروش

سمكة قرش (بيكساباي)
سمكة قرش (بيكساباي)

اكتسبت القروش البحرية من فصيلة «قرش الثور» سمعة سيئة؛ حيث تنسب إليها مسؤولية مائة هجوم غير مستفز على الأقل ضد البشر، من بينهم 27 ضحية فارقوا الحياة جراء تلك الهجمات، بل وربما تكون مسؤولة عن عدد أكبر من الهجمات التي لم يتم تسجيلها، ولعل الحوادث التي ارتكبتها تلك الفصيلة كانت وراء فكرة الفيلم الشهير «الفك المفترس».

ولكن دراسة أوردتها الدورية العلمية «Animal Behavior» المعنية بدراسة سلوكيات الحيوان وجدت أن هذه القروش، التي يصل طول الواحد منها إلى 12 قدماً، وعادة ما تبدو كما لو كانت تفضل حياة الوحدة، تحرص على تكوين ما يشبه «الصداقة» مع بعض أقرانها، وأنها تختار القروش الأخرى التي تقضي الوقت بصحبتها، بدلاً من مخالطة غيرها بشكل عشوائي.

وتقول ناتاشا ماروسي رئيسة فريق الدراسة مؤسسة مختبر فيجي لدراسة القروش البحرية في بيان: «إننا كبشر نقوم بتكوين سلسلة من العلاقات الاجتماعية المتنوعة، التي تختلف ما بين المعارف إلى الأصدقاء المقربين، كما نتجنب في بعض الأحيان أشخاصاً بأعينهم، وهو ما تفعله القروش من فصيلة قرش الثور».

وعلى مدار ست سنوات، قام الفريق البحثي من جامعتي إكستر ولانكستر في بريطانيا ومختبر فيجي بدراسة سلوكيات انتقاء الأصدقاء لدى القروش، في محمية «شارك ريف مارين» بفيجي.

وتوضح ماروسي أن هذه المحمية «تجتمع فيها أعداد كبيرة من القروش كل عام، مما يتيح الفرصة لدراسة نفس القروش بشكل متكرر على مدار فترة من الوقت».

وراقبت ماروسي وفريق الباحثين 184 قرشاً من فصيلة الثور، في ثلاث فئات عمرية مختلفة، وهي مراحل ما قبل البلوغ ثم البلوغ ثم ما بعد سن التكاثر، مع التركيز على نوعين من السلوكيات، وهي العلاقات واسعة النطاق التي تحافظ فيها القروش على مسافة طول جسم كامل بعضها من بعض، ثم التفاعلات القريبة، حيث يقود أحد القروش مجموعة من القروش خلفه أو عندما تتحرك مجموعة من القروش معاً بشكل متوازٍ.

ووجد الباحثون أن العلاقات الاجتماعية تشيع بين القروش في سن البلوغ، وأن القروش في معظم الأحيان تتفاعل اجتماعياً من أقرانها التي تتماثل معها في الحجم.

ويقول دارين كروفت خبير علم البيئة السلوكي بجامعة إكستر إنه «على خلاف الاعتقاد السائد؛ فقد أظهرت هذه الدراسة أن القروش تعيش حياة اجتماعية ثرية ومركبة، بل إنها تحقق على الأرجح فوائد من خوض حياة اجتماعية مثل اكتساب مهارات جديدة والعثور على موارد الغذاء، وتوسيع فرص التزاوج وتجنب المواجهات مع أقرانها».

واكتشف الفريق البحثي أيضاً أن القروش من الجنسين تفضل مخالطة الإناث على الذكور، وإن كان الذكور أكثر رغبة في التواصل الاجتماعي مقارنة بالإناث في المتوسط. وذكرت ماروسي أن «ذكور قرش الثور تكون أصغر من حيث البنية الجسمانية من الإناث، وبالتالي فمن بين الفوائد التي تحصل عليها من مخالطة الإناث أنها تحمي نفسها من مواجهات مع قروش أخرى أكبر حجما».

أما من حيث الفئات العمرية؛ فقد تبين أن القروش البالغة هي الأكثر حرصاً على إقامة روابط اجتماعية، في حين أن القروش صغيرة السن أو التي تقدَّم بها العمر عادة ما تكون أقل حرصاً على العلاقات الاجتماعية.

وتقول ماروسي في تصريحات للموقع الإلكتروني «بوبيولار ساينس» المتخصص في الأبحاث العلمية إن «القروش الأكبر سناً لديها سنوات طويلة من الخبرة، مما أتاح لها أن تصقل مهاراتها في الصيد والتزاوج وغير ذلك. وبالتالي، فإن المخالطة الاجتماعية بالنسبة لها ليست بنفس القدر من الأهمية من أجل بقائها مقارنةً بالقروش التي ما زالت في ريعان الشباب».

وأشارت الباحثة إلى القروش المتقدمة في السن نادراً ما تتردد على المحمية وتفضل الوجود في مناطق قريبة من الشواطئ. أما القروش صغيرة السن، فهي عادة ما توجَد قرب مصبات الأنهار في فيجي.

ويقول الباحثون إنه في مراحل العمر المبكرة، لا تهتم القروش عادة بتجنب الضواري الأخرى أو التهديدات التي تشكلها قروش الثور البالغة الأكبر حجماً.

وتوضح ماروسي أن القروش اليافعة أحياناً تقيم علاقات اجتماعية مع أقران لها أكبر سناً، وتوضح أن القروش الكبيرة ربما تساعد في تسهيل دخول القرش اليافع في إطار شبكة العلاقات الاجتماعية، وتمهِّد لها الطريق لاكتساب مهارات اجتماعية مختلفة. وبمعنى آخر، فإن القروش الكبيرة في السن تمثل البوابة التي تعبر منها القروش اليافعة إلى شبكات العلاقات الاجتماعية في عالم القروش.

ويرى العلماء أن فهم طريقة تكوين العلاقات والروابط الاجتماعية في عالم القروش ربما يساعد في وضع نظم وسياسات تساهم في الحفاظ على هذه الأنواع.

ويعمل مختبر فيجي للقروش حاليا بالتعاون مع وزارة المصايد البحرية في فيجي للاستفادة من المعلومات التي خلصت إليها هذه الدراسة في جهود حماية القروش.

ويقول الباحثون إنه مثلما تحتاج قروش الثور إلى أصدقاء من أجل البقاء والحفاظ على حياتها في عالم البحار، فإنها ربما تحتاج أيضاً إلى أصدقاء من البشر لحماية المواطن التي تعيش فيها.