هل ترك زياد الرحباني وصية أخيرة حول إنتاجاته الفنية؟ 

أصدقاء يتذكرون أيامهم معه

الإعلامية ريما نجيم مع الراحل زياد الرحباني (إنستغرام)
الإعلامية ريما نجيم مع الراحل زياد الرحباني (إنستغرام)
TT

هل ترك زياد الرحباني وصية أخيرة حول إنتاجاته الفنية؟ 

الإعلامية ريما نجيم مع الراحل زياد الرحباني (إنستغرام)
الإعلامية ريما نجيم مع الراحل زياد الرحباني (إنستغرام)

أخذ الأصدقاء المقربون من الراحل زياد الرحباني قراراً جماعياً بعدم الإدلاء بأي تصريحات إعلامية عن وفاته، فالتزموا الصمت التام تجاه هذا الموضوع ليستطيعوا توديعه على طريقتهم. فحزنهم الكبير على رحيل «المعلّم»، كما يسمّونه، أفقدهم القدرة على التعبير عن حزن عميق أصابهم. يتّفق أصدقاء الراحل على نقاط كثيرة حوله، وبينها ما يتعلّق بشخصيته وأخرى بمدرسته الفنية، ويذكرونه شخصاً شفافاً وصادقاً وجريئاً. وكذلك هو فنان لن يتكرر، كونه اتخذ من كتاباته وألحانه وسيلة لبناء بلد ومجتمع يشبهانه.

عبيدو باشا: «أتوقع تركه وصية أخيرة»

يُعدّ الكاتب والمسرحي عبيدو باشا من الأشخاص الذين ربطتهم علاقة وطيدة بالراحل زياد الرحباني. واكبه لفترات طويلة وتعاونا معاً في أكثر من مشروع فني، وبينها «حكايا»، وهو الألبوم الوحيد الخاص بالأطفال الذي وقّعه زياد في عام 1987.

وكان باشا من الأشخاص الذين رافقوا الرحباني في التمرينات على مسرحية «بالنسبة لبكرا شو» بنسختها الثانية. فكان ينوي تقديمها بقالب جديد، إلا أن ظروف البلاد غير المستقرة يومها دفعته إلى إلغاء الفكرة.

ويروي عبيدو باشا لـ«الشرق الأوسط» نواحي من شخصية الفنان الراحل. «لقد عشنا معاً مرحلة زمنية كنا لا نفترق خلالها. ولكننا ابتعدنا في الفترة الأخيرة. فهو أُصيب بحالة اكتئاب حادة، وكان يفضّل البقاء وحيداً، وكانت صحته قد بدأت التراجع بشكل ملحوظ».

ويشير عبيدو باشا بأنه لمحه مرة من بعيد في أحد شوارع بيروت. «لم أجرؤ على إلقاء التحية عليه أو الاقتراب منه. كان بادياً عليه العياء والتعب الشديدَين بشكل ملحوظ».

الإعلامي عبيدو باشا يتذكّر زياد الرحباني (إنستغرام)

ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «أعد زياد اليوم رحل إلى وادي النوم، تماماً كما طريق المقاتلين الرومان قبل أن يُحرقوا أحياء. فالشجعان لا يموتون. وزياد كان الفنان الوحيد الذي تجرّأ وقال الأمور بصراحة. فلم يتردد في اتخاذ مواقف قد تنعكس عليه بخسارات كبيرة».

ويرى باشا أن أعمال زياد الرحباني هي كناية عن مقترح لنظام اجتماعي جديد، رغب في إيصاله من خلال الكلمة والمسرحية والنغمة. «وكأنه كان يعبّر عن رفضه نظاماً اجتماعياً سائداً. فقدّم النموذج الأفضل البديل عنه من خلال أعماله الفنية».

ويشير عبيدو إلى أن زياد عاش معاناة كبيرة في طفولته. ويعود سببها إلى التوتر الدائم الدائر بين والده عاصي الرحباني ووالدته فيروز. «لم يكن ينادهما ببابا وماما بل بفيروز وعاصي». وهو ما يشير إلى نوع من المسافة تحضر بينه وبينهما. عانى من شجارات دائمة بينهما. واعترف زياد أكثر من مرة بذلك في أحاديثه الإعلامية. وعندما كان يقسو عاصي على فيروز كان زياد يوصلها إلى منزل الجيران، ليتسنى له الجلوس مع والده لترطيب الأجواء بينهما. كل ذلك أثّر من دون شك على زياد وانعكس سلباً على علاقاته العاطفية مع النساء. فلم ينجح في علاقته مع دلال كرم ولا مع غيرها. وعندما ألف أغنية «من مرا لمرا عم ترجع لورا» كان يصف نفسه بدقة.

ويختم عبيدو باشا متحدثاً عن وصية قد يكون تركها زياد قبل رحيله. ««أتمنى أن تبقى أعماله متاحة للجميع، وألّا تتدخل أي جهة رسمية في حصرها. وأعتقد أنه ترك وصية أخيرة تتعلق بمصير هذه الأعمال، وهناك أوراق قانونية أعدّها بهذا الخصوص. فمحاميته لازمته طوال السنوات العشرين الأخيرة، وأظن أنه رتّب كل شيء قانونياً لما بعد وفاته».

ريما نجيم: «لم يفهم أحد مشاعر المرأة مثل زياد الرحباني»

إثر إعلان نبأ وفاة زياد الرحباني كتبت الإعلامية ريما نجيم، عبر حسابها على «إنستغرام»: «كسرتلّي قلبي... كنّا تصالحنا قبل أن ترحل». وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» تروي نجيم ذكرياتها مع زياد الذي كانت تربطها به علاقة صداقة.

«القطيعة بيني وبينه وقعت بسبب عتبه عليّ. زياد كان عندما يعتب يصبح شخصاً قاسياً، يعاقب المعتوب بالحرمان من التواصل. حاولت مصالحته، ولكنه لم يشأ الردّ، ومنذ فترة انعزل عن الناس بسبب مرضه. وهو أصلاً من الأشخاص الذين يحبون الوحدة. هذه المرة جاءت عزلته نتيجة حالة صحية ونفسية حرجتَين».

تحضّر نجيم لبث حوار أجرته مع زياد الرحباني قبل سنوات عدّة. وعدت مستمعيها على إذاعة «صوت الغد» به. وهو -كما تذكر لـ«الشرق الأوسط»- كناية عن جلسة طويلة تحدثا فيها عن موضوعات مختلفة. «كنا يومها نتناول طعام الغداء في بلدة ضهور الشوير التي كان يحبها ويسكن في أحد منازلها. شاب الحوار ضجيج الصحون والملاعق. لم تكن يومها تقنية تنقيح الصوت متاحة كما اليوم بواسطة الذكاء الاصطناعي. وهو ما أخَّر ولادة هذا الحوار الشائق».

وتشير نجيم إلى أن زياد هو ربما الرجل الوحيد بعد الشاعر الراحل نزار قباني الذي تفهّم مشاعر المرأة إلى هذا الحدّ، فخاطب أنوثتها وأحاسيسها بشكل لافت. وكان يصنّف المرأة بـ«مفرد ومجوز»، ليفرّق بذلك بين المرأة الأنثى وتلك صاحبة الشخصية المشبعة بالرجولة. وعندما سألته إذا هو يفضّل المرأة الذكية أو الجميلة «أخذني إلى منحى آخر». وتشير نجيم إلى اعتراف زياد بفشله في علاقاته مع النساء. «أتمنى أن يكتشف الناس يوماً عمق زياد الفكري المتعلق بالنساء. فالجميع لم يكن يأخذ كلامه على محمل الجدّ في مسرحياته وأغانيه. وهو ما كان يزعجه، وحضّه على التوقف عن تقديم الأعمال المسرحية. فمن كتب (صديقي الله) وهو لا يزال طفلاً، لا بد أن يكون عبقرياً. ولكن هناك معاناة كبيرة عاشها، وحزناً عميقاً سكنه فولّد عنده هذا النبوغ».

تشير ريما نجيم إلى أنه شكا لها مرة عن علاقته بوالدته فقال لها: «تخيلي أن والدتي فيروز لم تحضّر لي يوماً ساندويتش لبنة». فانتقدته وقالت له: «يكفي أنها فيروز فلماذا تعتب؟»، فردّ: «يحق لي بذلك؛ لأنها في النهاية والدتي». وتتابع نجيم: «لقد كان يتوق للعيش في كنف عائلة عادية بين أجواء أب وأم طبيعيين».

الإعلامي طلال شتوي يرثي زياد الرحباني على طريقته (إنستغرام)

طلال شتوي: «زياد لم يكن يحب التأليه»

يقول الإعلامي طلال شتوي راثياً صديقه زياد الرحباني: «رحل عن عمر 69 عاماً بعد صراعه مع الوطن». ويختصر بذلك معاناة الفنان الراحل مع ما يجري على أرض وطن ينزف. ويعدّ طلال من الأشخاص الذين تعرّفوا إلى زياد عن قرب. أجرى معه حوارات إعلامية عدّة. كما ألف كتاباً عنه بعنوان: «زمن زياد... قديش كان في ناس». جمع فيه حكايات عن أشخاص تقاطعت حياتهم مع حياة زياد. ويقول إنه اختارهم انطلاقاً من هذا المبدأ، مع أن بينهم من لم يتعرف إلى زياد قط. وعن ردّة فعل زياد على الكتاب حينها، يقول شتوي لـ«الشرق الأوسط»: «لم يكن يحب التأليه، وأن يكون بمثابة شخصية رمزية. خاف بداية من الكتاب؛ لأن محتواه يعطي الصورة التي يستحقّها. وشخصياته تتعاطى مع أحداث وأماكن وزمن عاشها زياد على صعيد السياسة والاقتصاد والصراعات المختلفة».

وعن علاقته بالفنان الراحل يتذكّر: «تعرّفت إليه في زمن الحرب اللبنانية. وكنا لا نقدّر أهمية الحياة وكأننا سنعيش إلى الأبد. اعتقدنا بأننا سننتصر على الحرب. ثم ما لبثنا مع تقدمنا في العمر أن أدركنا أن الحياة صعبة، وتسير بسرعة فائقة. اليوم أشعر بحسرة وحنين إلى تلك الفترات، لأنني أرى كيف يغادرها أشخاص أعرفهم الواحد تلو الآخر».



كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير والتشكيك في قراراتهم، والانشغال بأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو ما قد يستهلك طاقتهم ويبطئ أداءهم ويجعل الاستمتاع بالحياة أكثر صعوبة. لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

يرى أليكس كورب، عالم الأعصاب وأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن تحسين أداء الدماغ يبدأ بتجنّب بعض العادات الشائعة التي تستنزف الطاقة الذهنية. وبعد أكثر من 20 عاماً من البحث في علم الأعصاب، يؤكد أن التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقاً كبيراً في تعزيز التركيز والشعور بالهدوء ومقاومة الإرهاق، حسب ما أورده في تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وفيما يلي أبرز 6 أمور ينصح كورب بتجنّبها للحفاظ على قوة الدماغ وصحته:

1. تجاهل القلق

يُنظر إلى القلق غالباً بوصفه أمراً سلبياً، لكن كورب يعتبره بمثابة «نظام إنذار» يصدر إشارات من الجهاز الحوفي- مركز العواطف في الدماغ- لينبّهك إلى ما هو مهم. تجاهل هذا الشعور قد يجعلك غير قادر على التمييز بين المواقف التي تتطلب استجابة فورية وتلك التي لا تستدعي القلق. لذلك، من الأفضل التوقف لحظة عند الشعور بالقلق، ومحاولة فهم مصدره، وطرح سؤال بسيط: ماذا يخبرني هذا الشعور عن أهمية هذا الموقف؟ هذا الوعي يساعد على التعامل معه بفعالية بدلاً من الانفعال أو التجمّد.

2. الاعتماد على النقد الذاتي بوصفه وسيلةً للتحفيز

في حالات الضغط، يفرز الدماغ مواد كيميائية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، ما يعزز التركيز مؤقتاً. لكن هذا النوع من التحفيز يأتي على حساب مواد أخرى مرتبطة بالسعادة، مثل السيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين. لذلك، فإن الاعتماد على النقد الذاتي قد يمنح دفعة قصيرة المدى، لكنه يؤدي في النهاية إلى استنزاف الطاقة والشعور بالإرهاق. وعند الشعور بالإحباط، يُنصح بتحويل التركيز من النتائج السلبية إلى الأهداف الإيجابية التي تسعى لتحقيقها.

3. الهوس بتتبع جودة النوم

قد يبدو تتبع النوم باستخدام الأجهزة الذكية مفيداً، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للقلق، خصوصاً عندما تنشغل ببيانات لا يمكنك التحكم بها مباشرة. بدلاً من ذلك، يُفضّل التركيز على العادات التي تدعم نوماً جيداً، مثل التعرض لضوء الشمس صباحاً، والحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وممارسة الرياضة، واتباع روتين مسائي هادئ يساعد على خفض مستويات التوتر.

4. تعدد المهام عند الحاجة إلى تركيز عميق

قد يعطي التنقل بين المهام المختلفة شعوراً زائفاً بالإنتاجية، نتيجة دفعات صغيرة من الدوبامين. لكن في الواقع، يؤدي ذلك إلى إرهاق قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن اتخاذ القرارات وحل المشكلات. هذا الإرهاق قد ينعكس في صورة أخطاء متكررة وإجهاد ذهني. لذا، عند الحاجة إلى التركيز، يُفضّل تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة، والتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

5. تجاهل المشاعر بحجة التفاؤل الدائم

رغم أهمية التفكير الإيجابي، فإن تجاهل المشاعر السلبية أو إنكارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمحاولة فرض التفاؤل قد تعيق القدرة على التعامل مع الواقع. الأفضل هو الاعتراف بالمشاعر وتسميتها بوضوح، إذ يساعد ذلك على تخفيف الضغط عن اللوزة الدماغية، ويمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه والتعامل مع الموقف بوعي أكبر.

6. ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية فقط

يرتكب كثيرون خطأ ربط قيمتهم الذاتية بمدى إنتاجيتهم أو إنجازاتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق على المدى الطويل. ويشير كورب إلى أن هذا النمط قد يمنح دفعات مؤقتة من التحفيز، لكنه يستنزف الطاقة النفسية مع الوقت. لذلك، من المهم تذكير النفس بأن القيمة الذاتية لا تقتصر على الإنجاز، وأن بذل الجهد بحد ذاته أمر كافٍ.


من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.