الطبيب الذي سحب الرصاص من أجساد الغزيين... بطلاً لفيلم «المهمة»

مهرجان عمّان السينمائي يستضيف العرض العالمي الأول للفيلم بحضور الجرّاح محمد طاهر والمنتج مايك ليرنر

الجرّاح العراقي - البريطاني محمد طاهر في فيلم «المهمة» الذي جرى تصويره بغزة (الشرق الأوسط)
الجرّاح العراقي - البريطاني محمد طاهر في فيلم «المهمة» الذي جرى تصويره بغزة (الشرق الأوسط)
TT

الطبيب الذي سحب الرصاص من أجساد الغزيين... بطلاً لفيلم «المهمة»

الجرّاح العراقي - البريطاني محمد طاهر في فيلم «المهمة» الذي جرى تصويره بغزة (الشرق الأوسط)
الجرّاح العراقي - البريطاني محمد طاهر في فيلم «المهمة» الذي جرى تصويره بغزة (الشرق الأوسط)

«كادت تلك اليد تكون معجزة غزة، لكن حتى المعجزات لا تبقى على قيد الحياة هنا»، هكذا علّق الجرّاح محمد طاهر بعدما خسرت الطفلة مريم يدها، رغم محاولاته الحثيثة لتفادي البتر.

دخل الطبيب العراقي - البريطاني إلى القطاع الفلسطيني المنكوب في 3 مهمات إنسانية خلال الحرب. جرى توثيق إحداها ضمن فيلمٍ حمل عنوان «المهمة»، وقد استضاف «مهرجان عمّان السينمائي الدولي» عرضَه العالمي الأول، وذلك في مسرح «رينبو» في العاصمة الأردنية، الذي امتلأ بالحضور، على رأسهم الدكتور طاهر، ومنتج الفيلم المخرج البريطاني مايك ليرنر.

د. طاهر والمنتج مايك ليرنر في حوار مع حضور مهرجان عمّان السينمائي (الشرق الأوسط)

على هامش العرض، تحدَّث طاهر لـ«الشرق الأوسط» عن المرات الكثيرة التي استطاع فيها أن ينقذ حياة ضحايا القصف الإسرائيلي على غزة، وكذلك عن المرات التي تحطّم فيها قلبه أمام أطفالٍ يلفظون أنفاسهم الأخيرة. يقول: «إحدى أصعب اللحظات، وهي لا تُحصى، كانت في مستشفى (شهداء الأقصى) في دير البلح. في ذلك اليوم وصلت إصابات كثيرة من بينهم أطفال. كان أحدهم مرمياً أرضاً ومتروكاً برأسٍ مضمّد عشوائياً. تُرك يموت وحده... وأنا، وسط الفوضى والصراخ والدماء، ذهبت إليه ومسكت يده ومسحت على صدره كي لا يموت وحده».

تستوقفه دموعه عندما يسترجع مشاهد مثل هذه، وفي الفيلم أيضاً بكى الدكتور طاهر. تأثّر أمام أمٍ تشكره لأنه أجرى جراحة ناجحة لجسد ابنها المشظّى، كما شارك العائلات لوعة فقد الأحبة، وهو بكى كذلك في كل مرةٍ كان يغادر فيها غزة، تاركاً خلفه ضحايا علّقوا آمال الشفاء عليه.

د. طاهر خلال مهمته داخل مستشفى الأقصى في غزة (إنستغرام)

اليوم، وبعد أشهر قليلة على انتهاء مهمته الأخيرة، بات الطبيب ممنوعاً من دخول القطاع. لقد ذاع صيتُه وصارت الحكايات التي يوثّقها تزعج إسرائيل. غير أن الفيلم الجديد هو الشاهد الأكبر على جراح الغزيين والجحيم المفتوح عليهم.

على مدى ساعة ونصف الساعة، تابع الحضور يوميات الغزيين الدامية من خلال حركة الدكتور طاهر (40 سنة)، وهو جرّاح أعصاب من أصول عراقية، وُلد وعاش في لندن. جلس الطبيب في القاعة وسط المشاهدين، عاينَ ردود فعلهم بين شهقاتٍ ودموع وتصفيق. منهم مَن لم يستطع متابعة الفيلم لفرط قسوة المشاهد، ومنهم مَن أشاح نظره كلّما اقتربت الكاميرا من الجراح المفتوحة.

«كل المحتوى حقيقي. لا نصوص ولا تحضير ولا إعادة تمثيل هنا»، يؤكّد الدكتور طاهر لـ«الشرق الأوسط». ما الحاجة إلى سيناريو ومؤثرات خاصة حين يكون الواقع تجسيداً للسرياليّة؟!

لا يناسب الفيلم أصحاب القلوب الضعيفة لما يحتويه من مشاهد قوية داخل غرف العمليات (الشرق الأوسط)

يفيض وثائقيّ «المهمة» بالدماء والآلام، تقترب كاميراته من أعماق الجسد، تلاحق ملاقط الطبيب وهي تسحب الرصاصات والشظايا من بين العظام والأضلاع. وحدهم أصحاب القلوب القوية قادرون على متابعة المُشاهدة، فالعمل قاسٍ بصورته، لكنه لا يفعل سوى توثيق حقيقة ما يجري في غزة من دون تجميل، ومن قلب مستشفياتها وغرف عملياتها. يقترب العمل في هذه الناحية أكثر إلى التغطية الإخبارية منها إلى الفيلم الوثائقي.

يؤكد طاهر أنّ التصوير جرى بمجهودٍ شخصي من الفريق الطبي، مع حرصٍ على عدم الكشف عن أسماء المصوّرين لأسبابٍ أمنية، إلا أنّ اللقطات تبدو محترفة. فالنقلات انسيابية، والصورة واضحة وثابتة رغم قسوة المحتوى. «في البداية لم تكن هناك خطة لتحويل مهمتي الطبية إلى فيلم، لكن نصائح عدة من حولي نجحت في إقناعي بالأمر. ولاحقاً عندما بدأنا التصوير في غزة، أدركنا أن ما سنقدّمها للعالم رسالةٌ إنسانيةٌ نفتح من خلالها أبواب مستشفيات وغرف عمليات غزة أمام الرأي العام العربي والعالمي».

رغم الظروف الصعبة فإن التصوير محترف والحركة السينمائية انسيابية (الشرق الأوسط)

لا يقتصر التصوير على داخل المستشفيات فحسب، بل تواكب العدسة الطبيب وزملاءه المتطوّعين في جمعيّة «الفجر العلمي» وهي منظّمة غير حكومية تكرّس جهودها لتقديم الخدمات الطبية للأشخاص المحرومين منها أينما كانوا في العالم.

ترافق الكاميرا إذن الدكتور طاهر خلال تنقّله بين شمال القطاع وجنوبه، فهو جال على عدد كبير من مستشفيات غزة. تلك المشاهد الخارجية توثّق بدَورها هَولَ ما حلّ بغزّة من دمار شامل لم يُبقِ سوى مساحات لا متناهية من الركام. والرحلة من الشمال إلى الجنوب محفوفة بأخطار القصف، وبالعصابات التي تسرق المساعدات، وبشتّى أشكال القلق.

استراحة للأطباء المتطوعين في مستشفيات غزة (إنستغرام)

لكن ثمة دائماً نافذة ضوء يحرص الفيلم على فتحها، كأن يخرج الطبيب إلى الشارع في فسحة قصيرة بعد ليلة طويلة من العمليات الجراحية. هناك، وسط الأبنية المدمّرة، يصافح الأطفال ويقدّم لهم الحلوى. «هذه هي فسحتي واستراحتي من فظاعة ما أرى في غرف العمليات»، يعلّق طاهر. ثم يرافق فريقه الطبي والتمريضي في استراحة لساعات على شاطئ غزة. يسيرون على الرمال، ويتحدّثون إلى الصيادين والسبّاحين المحاصَرين بالزوارق الإسرائيلية. «هذا المشهد الوحيد الذي لم تهشّمه الصواريخ... البحر والرمال»، يعلّق طاهر.

وفي أحد أكثر مشاهد الفيلم تأثيراً، تمتزج وحشيّة الحرب بشاعريّة الكَون؛ فبعد ليلٍ طويلٍ من الإسعافات والعمليات يصعد الطبيب إلى سطح المستشفى مستعيناً بضوء الجوال. يتفرّج على السماء، حيث تلمع النجوم وتظهر المجرّات بوضوح في ليل غزة الدامس، لكن سرعان ما يطغى أزيز المسيّرات الإسرائيلية ليسلب سحر اللحظة.

اختُتم العرض بوقوف الحضور تصفيقاً لدقائق (الشرق الأوسط)

ليس من المؤكّد بعد ما إذا كان فيلم «المهمة» سيشقّ طريقه إلى مهرجانات سينمائية دولية أخرى، لكنه سيُعرَض في بعض صالات المملكة المتحدة وأوروبا. أما الانطلاقة من قلب عمّان ومن ضمن فعاليات مهرجانها السينمائي، فمحطة أساسية في طريقه نحو الناس. «يعني لي كثيراً أن يكون العرض الأول في الأردن، خصوصاً أنه دولة لصيقة بفلسطين، وأن نسبة الفلسطينيين فيه مرتفعة»، يقول الدكتور طاهر.

ربما لن يستطيع الطبيب العودة إلى غزة في مهمة رابعة، إلا أنه يستعد لإطلاق منصة تُجمَع من خلالها المساعدات، وتُقدَّم أشكال الدعم كلها لأهالي القطاع. وفق طاهر، هؤلاء يستحقون الأجمل: «أكثر ما فاجأني في أهل غزة، أنهم رغم الفاجعة، لم يفارقوا يوماً إيمانهم».


مقالات ذات صلة

كلاسيكيات الأفلام المصرية تجتذب جمهوراً جديداً بالسينمات السعودية

يوميات الشرق لقطة من فيلم «إشاعة حب» (الشركة المنتجة)

كلاسيكيات الأفلام المصرية تجتذب جمهوراً جديداً بالسينمات السعودية

جذبت أفلام كلاسيكية مصرية جمهوراً جديداً لمشاهدتها بعد عقود طويلة من إنتاجها مع بدء عرضها بالسينمات السعودية.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق تُمنح جوائز «جوي أواردز 2026» للأعمال والشخصيات التي حققت حضوراً لافتاً (هيئة الترفيه)

«جوي أواردز 2026» تحتفي بصُنَّاع الترفيه في الرياض

تشهد العاصمة السعودية، السبت، حفل توزيع جوائز صُنَّاع الترفيه «جوي أواردز 2026»، التي تُعدّ الأرقى والأضخم في المنطقة، ضمن فعاليات «موسم الرياض».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق أحمد فتحي ومي كساب في العرض الخاص للفيلم (حساب فتحي على «فيسبوك»)

«مؤلف ومخرج وحرامي»... كوميديا مصرية تراهن على ثنائية أحمد فتحي ومي كساب

صعوبة السيناريو تمثّلت في اعتماده على التصوير داخل موقع واحد، ممّا فرض تحدّياً...

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)

العلاقة اللولبية بين دونالد ترمب والسينما

ما بين عامي 2004 و2017، ظهر دونالد ترمب في حلقات تلفزيونية أسبوعية بعنوان «المتدرّب». كان المستضيف ومدير النقاشات والمعلّق والمنتج المنفّذ.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
سينما مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (وورنر)

شاشة الناقد: جوائز «غولدن غلوبز»- بين الرعب الرمزي والدراما التاريخية

ريان كوغلر يسعى دائماً لإنتاج أفلام مختلفة في كل نوع سينمائي. فيلمه (Creed «كريد»، 2015) أضاف جديداً إلى أفلام الدراما الرياضية

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».