جورج أبو مهيا: «جيم 1983» امتداد لسيرة جيل كامل في لبنان

فيلمه حصل على تنويه خاص بـ«البحر الأحمر»

المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
TT

جورج أبو مهيا: «جيم 1983» امتداد لسيرة جيل كامل في لبنان

المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)

في فيلمه القصير «جيم 1983»، يعود المخرج اللبناني جورج أبو مهيا إلى بيروت لا بوصفها مدينة حرب فقط، بل بوصفها ذاكرة طفولة، وفضاء للخيال، ومكاناً هشاً يستطيع طفل في السابعة أن يفرض عليه، ولو للحظة، وقفاً لإطلاق النار. الفيلم، وهو عمل رسوم متحركة ثنائية الأبعاد مستوحى من أحداث حقيقية؛ إذ يتتبع رحلة صبي يتجول في شوارع بيروت خلال الحرب الأهلية اللبنانية عام 1983، مستعيناً ببطل خارق تستحضره مخيلته ليهرب من واقع قاسٍ، قبل أن تعيده نهاية الهدنة إلى خوف من نوع آخر ينتظره داخل البيت.

أبو مهيا، المعروف بأعماله التي تمزج الفن البصري بالتعليق السياسي والاجتماعي، لم يتعامل مع «جيم 1983» بوصفه مشروعاً تقنياً بقدر ما رآه امتداداً لسيرة جيل كامل في لبنان؛ ففكرة الفيلم كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، قد «جاءت من المنتج المنفذ جورج مكتبي، الذي حمل في ذهنه قصة شخصية تعود إلى طفولته، حين فقد والده وكان في السابعة من عمره، وكان يلجأ إلى الرسم كوسيلة للنجاة. هذا التقاطع في التجربة خلق رابطاً فورياً بيني وبين المشروع، خصوصاً أننا ننتمي للجيل نفسه، وعشنا في الفترة ذاتها في بيروت».

يشرح المخرج الذي حصل فيلمه على تنويه خاص في مسابقة الأفلام القصيرة بالدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر»، أن تبنّيه للفيلم جاء أيضاً من علاقته الخاصة بالأفلام القصيرة، مستعيداً تأثير فيلم الرسوم المتحركة الشهير «Father and Daughter»، الذي شاهده بعد سنوات قليلة من وفاة والده؛ ذلك الفيلم، الذي يتناول فقدان الأب من منظور طفولي، ترك أثراً عميقاً فيه، وجعله يرى في «جيم 1983» فرصة لصناعة عمل شخصي، يعبر حدود السيرة الفردية إلى الذاكرة الجماعية.

عُرض الفيلم للمرة الأولى عربياً في «مهرجان البحر الأحمر» (الشركة المنتجة)

العمل على الفيلم تمّ بروح جماعية؛ إذ شارك أبو مهيا في الكتابة مع جورج مكتبي وفرح شقير. ورغم وجود كتابات أولية قبل انضمامه، فإن القصة، بحسب قوله، قد «بدأت تتشكّل فعلياً خلال النقاشات المشتركة، حيث جرى بناء الهيكل السردي تدريجياً». واعتمد أبو مهيا بشكل أساسي على «ستوري بورد»، معتبراً أن الفيلم يُكتب بالصورة أكثر مما يُكتب بالكلمات، وسعى لتقديم تجربة بصرية يمكن أن يتفاعل معها المشاهد حتى في غياب الحوار.

أصعب ما واجه المخرج اللبناني في التجربة، كما يروي، كان التعبير عن المشاعر المرتبطة بالحرب من دون اللجوء إلى اللغة، فـ«الخوف، والقلق، والترقّب... لا يمكن شرحها مباشرة، بل يجب تحويلها إلى صور وإيقاعات»، على حد تعبيره؛ لذلك لجأ إلى تفاصيل محفورة في الذاكرة ما بين الجدران، والأطفال في الشوارع، ورجال الميليشيات، والرموز البصرية التي شكّلت وجدان تلك المرحلة، كما شكّلت صور المصور رمزي حيدر مرجعاً أساسياً، بوصفها من أكثر الصور رسوخاً في توثيق الحرب الأهلية اللبنانية.

التحدي الآخر الذي يرصده أبو مهيا تمثّل في عامل الزمن، فـ«خلال عشر دقائق فقط، كان علينا أن نقدّم قصة مكتملة، قادرة على ملامسة جمهور لا يشترك بالضرورة في الخلفية الثقافية نفسها؛ لذلك خضت عملية طويلة من الحذف وإعادة البناء، أنجزت خلالها عدداً كبيراً من الرسومات الأولية، بحثاً عن أبسط شكل ممكن يحمل أكبر قدر من المعنى».

يعود الفيلم بقصته إلى ثمانينات القرن الماضي في لبنان (الشركة المنتجة)

استغرق تنفيذ الفيلم نحو عام وشهرين، وكانت مرحلة التحريك الأكثر تعقيداً. يصف أبو مهيا هذه المرحلة بأنها شبه مستحيلة أحياناً؛ إذ تتطلب التفكير في كل حركة على مستوى أجزاء الثانية، حيث تحتوي الثانية الواحدة على أربعة وعشرين إطاراً. ورغم أنه كتب السيناريو، فإن الصورة ظلت الأساس، وكان يختبر المشاهد باستمرار عبر مراقبة فريق العمل، مسجلاً تفاعلهم معها قبل اتخاذ القرار النهائي.

مشاركة «جيم 1983» في مهرجان البحر الأحمر السينمائي شكّلت محطة مهمة في مسار الفيلم. ورغم أن أبو مهيا لم يتمكن من حضور المهرجان لظروف عائلية، فإنه تابع كل التفاصيل عن بُعد، معتبراً أن التقدير الذي حصل عليه الفيلم علامة إيجابية على وصوله إلى جمهوره المستهدف.

ويرى المخرج أن أفلام الرسوم المتحركة القصيرة باتت تحظى اليوم بمكانة متقدمة في المهرجانات السينمائية، مؤكداً أن «الفيلم القصير أصعب من الطويل، خصوصاً في مجال التحريك؛ إذ يجب اختصار قصة كاملة في دقائق معدودة». في هذا السياق، يولي أبو مهيا أهمية خاصة للموسيقى، التي اعتبرها صوت الفيلم الداخلي.

وفي موازاة هذا الفيلم، يواصل جورج أبو مهيا العمل على مشاريع جديدة في مجال الرسوم المتحركة؛ فبعد إنجازه فيلم «أليفيا 2053»، وهو أول فيلم رسوم متحركة طويل باللغة العربية من إخراجه، يعمل حالياً على تطوير مشروع سينمائي طويل، بالتعاون مع المخرجة نادين لبكي، والملحن خالد مزنّر.


مقالات ذات صلة

5 أفلام جديدة في «صندانس» عن رحلات ومجتمعات

سينما لقطة من «جورفين» (مهرجان صندانس)

5 أفلام جديدة في «صندانس» عن رحلات ومجتمعات

بعد 44 سنة من إقامته في مدينة بارك سيتي بولاية يوتاه، ينتقل مهرجان صندانس، بدءاً من العام المقبل، إلى بلدة صغيرة روعي فيها أن تشكّل مجتمعاً مشابهاً لذلك...

محمد رُضا (بارك سيتي - يوتاه)
سينما خالد النبوي في «المهاجر» (أفلام مصر العالمية)

شاشة الناقد: مئوية يوسف شاهين... معهد العالم العربي يعرض أبرز أفلامه

يؤخذ على يوسف شاهين أنه، منذ فيلم «باب الحديد» (1950)، يتحدث عن نفسه في معظم أفلامه.

محمد رُضا (بارك سيتي - يوتاه)
يوميات الشرق أحمد فتحي ومي كساب يتصدران الملصق الترويجي لفيلم «مؤلف ومخرج وحرامي» (الشركة المنتجة)

سحب فيلم «مؤلف ومخرج وحرامي» من السينمات المصرية

جاء سحب الفيلم المصري «مؤلف ومخرج وحرامي» من دور العرض المصرية بعد مرور أسبوعين فقط على بدء عرضه للجمهور ليطرح تساؤلات عن أسباب «ضعف إيراداته» التي أدت إلى سحبه

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق الفيلم المصري يعرض فنون الشارع منذ عقود (سيماتك)

وثائقيات كلاسيكية من مصر والسودان للعرض في «برلين السينمائي»

تحتضن الدورة الـ76 من مهرجان «برلين السينمائي الدولي» وثائقيات كلاسيكية من مصر والسودان، ضمن برنامج «الفورم الممتد» بعد عقود على تقديمها.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق إعلان لفيلم السيدة الأميركية الأولى الجديد بعنوان «ميلانيا» يظهر في بورصة نيويورك حيث قرعت جرس الافتتاح (أ.ف.ب)

رغم التوقعات العالية… مبيعات محدودة لفيلم «ميلانيا» قرب مقر ترمب في فلوريدا

لم يحقق الفيلم الوثائقي عن السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب، بعنوان «ميلانيا»، والذي يبدأ عرضه في دور السينما يوم الجمعة، سوى مبيعات بلغت 13 في المائة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الكشف عن 7 أسطوانات نادرة لموسيقى البوليس المصري

دار الكتب المصرية تكشف عن أسطوانات نادرة (دار الكتب المصرية)
دار الكتب المصرية تكشف عن أسطوانات نادرة (دار الكتب المصرية)
TT

الكشف عن 7 أسطوانات نادرة لموسيقى البوليس المصري

دار الكتب المصرية تكشف عن أسطوانات نادرة (دار الكتب المصرية)
دار الكتب المصرية تكشف عن أسطوانات نادرة (دار الكتب المصرية)

كشفت دار الكتب والوثائق المصرية عن 7 أسطوانات نادرة لموسيقى البوليس المصري في عقود قديمة منذ إنشاء البوليس في العهد الملكي. وجاء هذا الكشف بالتزامن مع احتفالات مصر بعيد الشرطة المقرر في 25 يناير (كانون الثاني)، تخليداً لبطولات رجال الشرطة في مواقع مختلفة وخلال أحداث عدة.

وأعلنت دار الكتب المصرية عن استعراض مجموعة فريدة ومتميزة من المقتنيات الصوتية التاريخية بقاعة الموسيقى، التي قامت بجمعها وتوثيقها الباحثة رشا أحمد، مديرة قاعة الموسيقى.

«وبينما تحتفي مصر بذكرى البطولات الخالدة لرجال الشرطة، تفتح دار الكتب والوثائق القومية خزائن كنوزها لتكشف عن مقتنياتٍ فريدة لم يمحُ الزمان بريقها»، وفق تصريحات صحافية للدكتور أسامة طلعت، رئيس دار الكتب والوثائق المصرية.

مضيفاً في بيان: «إننا لا نعرض مجرد أسطوانات موسيقية، بل نكشف عن (أصوات التاريخ) التي وثقت هيبة الدولة المصرية وعظمة مؤسساتها، فهذه المقتنيات دليل حي على أن الشرطة المصرية كانت، ولا تزال، رمزاً للتمدن والرقي الفني بقدر ما هي رمزٌ للانضباط والفداء»، ولفت إلى أن هذه الأسطوانات النادرة التي تعود لـ«مدرسة البوليس»، و«هي كنز وطني نضعه اليوم أمام الأجيال؛ ليعرفوا أن ذاكرة الوطن في دارنا هي حصنٌ منيع يحفظ تراثنا العسكري والمدني بكل فخر وإجلال»، على حد تعبيره في البيان.

وتأسست أول مدرسة للبوليس المصري عام 1896، وقبل ذلك في عهد أسرة محمد علي كان العرف السائد أن يقوم رجال الجيش بمهام نظارة الداخلية، ومع استقلال مدرسة البوليس تفرعت مهامها وأقسامها التي تستهدف ضبط الأمن وإرساء الأمان في الشارع، وفق ما ورد في كتاب «البوليس المصري» للمؤرخ عبد الوهاب بكر.

أسطوانات نادرة لموسيقى البوليس (دار الكتب المصرية)

وتحت عنوان أرشيف النغم والواجب تأتي الأسطوانات السبع النادرة وهي «نشيد كلية البوليس الملكية - السلام الملكي» من ألحان أحمد خيرت، وأداء موسيقى البوليس الملكية وإصدار شركة «His Master's Voice».

وتحتوي الأسطوانة الثانية على «موسيقى مدرسة البوليس: نشيد صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول»، وهي من إصدار أسطوانات أوديون، و«موسيقى مدرسة البوليس والإدارة: مارش سعد باشا زغلول - مارش العزيزي»، من إصدار أسطوانات بوليفون، و«موسيقى مدرسة البوليس: إسكوداره» من إصدار بيضافون كومباني، بالإضافة إلى «مارش فتوح مكة - مارش عباس» من إصدار محمد الصبان ومحمد بدوي ضمن إصدارات أسطوانات أوديون، و«موسيقى مدرسة البوليس: دنس العربي» من أداء La Bande Musicale de Police. بينما تتضمن الأسطوانة السابعة من موسيقى مدرسة البوليس «يا طالع السعد».

من جانبه، يوضح المتخصص في التاريخ الحديث بجامعة القاهرة، الدكتور محمد محروس غزيل، أن «فكرة الموسيقى الخاصة بالبوليس المصري ترجع إلى زمن الاحتلال البريطاني مطلع القرن العشرين»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «كان هذا النوع من الموسيقى معروفاً في الأوساط الأوروبية وأصبح تقليداً اتبعته الإدارة المصرية في ظل الاحتلال».

ولفت غزيل إلى أنه «بمرور الوقت أدخلت على المقطوعات الموسيقية الخاصة بالبوليس المصري مقطوعات تعكس الحس الوطني والانضباط والالتزام والهيبة، وأصبحت المناسبات الرسمية الكبرى تفتتح بهذا النوع من الموسيقى، وبالتالي يتعدى دورها كونها نوعاً من الفن إلى اعتبارها رمزاً معبراً عن الهيبة والالتزام»، على حد تعبيره.

ويذكر أنه تولى مسؤولية وزارة الداخلية في بدايات القرن العشرين أسماء بارزة في عالم السياسة والفكر من بينهم سعد باشا زغلول، الذي تولى رئاسة الوزراء في عهد الملك فؤاد الأول، وأحمد لطفي السيد، مؤسس جامعة القاهرة، وبعد ثورة يوليو (تموز) 1952 تولّى جمال عبد الناصر مسؤولية وزارة الداخلية؛ نظراً لأهميتها الشديدة.


رحيل الشاعرة فينوس خوري غاتا صاحبة كل سنة كتاب

فينوس خوري غاتا ابنة بشري بلدة جبران خليل جبران (وسائل التواصل)
فينوس خوري غاتا ابنة بشري بلدة جبران خليل جبران (وسائل التواصل)
TT

رحيل الشاعرة فينوس خوري غاتا صاحبة كل سنة كتاب

فينوس خوري غاتا ابنة بشري بلدة جبران خليل جبران (وسائل التواصل)
فينوس خوري غاتا ابنة بشري بلدة جبران خليل جبران (وسائل التواصل)

رحلت الشاعرة والروائية اللبنانية الفرنكوفونية فينوس خوري غاتا، عن عمر ناهز 88 عاماً، قضتها منشغلةً بكتابة نصوص توازي يومياتها أو تعوِّض ما فاتها، وغالباً ما جاءت مؤلفاتها ذاتيةً، طالعة من معاناتها الخاصة. عاشت كما كتبت، حياةً صاخبةً، مليئةً بالمتناقضات، اختلط فيها الفرح بالألم، والسِّلم بالحرب، والأمومة بالحسِّ الأنثوي الطاغي، وحب باريس بعشق لبنان، والنفور من الغربة بالتعلق بها.

هي ابنة بشري (شمال لبنان)، بلدة جبران خليل جبران الذي ذكرته تكراراً في كتاباتها. من عائلة متواضعة، أم فلاحة وأب قاسٍ، وسم حياتها بالأرق، وتركت شخصيته ندوباً مزمنة على حياتها. بقيت حتى أيامها الأخيرة تكرِّر قصة شقيقها فيكتور الذي كتب الشعر صغيراً وذهب إلى فرنسا لينشر كتاباته مملوءاً بالأمل، وعاد مدمناً مُحطَّماً، فما كان من والده إلا أن أودعه «مستشفى المجانين»، حيث بقي 18 عاماً، ولم يخرج إلا بسبب اندلاع الحرب الأهلية. تقول الشاعرة إن ألمها على شقيقها، وخيبته المأساوية، هو ما دفعها إلى كتابة الشعر بدلاً عنه. كأنما هي بذلك تثأر له، تكتب بقلمه وعلى دفتره وباللغة التي أحبها، وتنتصر حيث أُريد له أن يُهزَم.

تزوَّجت 3 مرات، وأنجبت 4 أبناء. 3 منهم من زوجها الأول اللبناني الذي حملت اسم عائلته خوري. وقبيل الحرب الأهلية عام 1972 انتقلت إلى فرنسا وتزوَّجت من حبِّ حياتها جان غاتا الذي شاركته شغفه بالموسيقى والفن التشكيلي. أنجبت منه ياسمين، وقضى في بداية خمسيناته، لترى بذلك نكبةً لم تكن تنتظرها، لكنها احتفظت باسمه إلى جانب اسم زوجها الأول، ولم تُعرَف باسم عائلتها الأصلية: عبد الساتر. وبعد وفاته تزوَّجت من الثالث. عن الحبيب جان وعن فقده أصدرت كتاب «التوسلات»، كما خصَّت شقيقها فيكتور بكتابها «بيت على حافة الدموع»، وفي روايتها «المرأة التي لم تكن تعرف كيف تحافظ على الرجال» سجَّلت ما يشبه سيرةً ذاتيةً تتحرى من خلالها جواباً عن سؤال ألحَّ عليها: «أريد أن أعرف لماذا يموت رجالي؟ فقد عانيت من ذلك بشدة».

منحها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وسام الاستحقاق الوطني برتبة الضابط الكبير (وسائل التواصل)

أكثر من 35 كتاباً بين دواوين شعرية ونصوص نثرية، كتبتها فينوس. كان لها في كل سنة كتاب. دارت نصوصها حول ما يدور في وطنها البعيد من عذابات. كتبت عن الحرب الأهلية، وعن ألم الأطفال، وعن فجيعة النساء، وعن البحر الذي يبتلع الجثث ويعيدها منتفخة، وعن النساء اللواتي يجاهدن ليكنّ أنفسهن، وعن الأنوثة الباحثة عن اكتمالها، والرجال الذين يغادرون بالموت أو الفراق. لم تكن موضوعات فينوس خارقة، لكنها دائماً ذات نكهة مختلفة، بفضل خيالها المجنّح، وروحها الشعرية الدائمة التحليق. كانت تفوز باستمرار بنقل نصها الذي يتحدَّث عن موضوع عادي إلى إبداع أدبي بلغة هفهافة، وميل طاغٍ للمصارحة والمكاشفة والمفاجأة.

عملت في المجال الصحافي، في النقد والمتابعة والترجمة، وهو ما فتح أمامها أبواب ترجمة عدد من الشعراء الكبار إلى الفرنسية، خصوصاً في «ملحق النهار» يوم كان يصدر في باريس. ترجمت لأنسي الحاج، وأدونيس، والسياب وغيرهم. ثم عملت ناقدة في صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية. وبعد وصولها إلى فرنسا مباشرة أسهمت في مجلة «أوروبا» التي يخرجها لويس أراغون، حيث كانت تترجمها إلى اللغة العربية.

افتخرت دائماً بأنها التقت سعيد عقل في مطلع حياتها، وهو الذي ساعدها على نشر أشعارها الأولى، وبمساعدته وبفضله انطلقت في عالم الأدب.

من دواوينها «الوجوه غير المكتملة»، و«الأراضي الراكدة»، و«في جنوب الصمت»، و«الظلال وصراخها»، و«من يتكلم باسم الياسمين». ولها من الروايات «اللامتآلفون»، و«حوار حول المسيح أو حول البهلوان»، «ألما خياطة يد».

لمع نجم فينوس خوري غاتا في فرنسا، وفي سماء الفرنكوفونية، وتحوَّلت إلى سفيرة تطير من بلد فرنكفوني إلى آخر، تلتقي الطلاب، وتلقي المحاضرات، وتعقد الحلقات حول فنها الكتابي ومؤلفاتها. تُرجمت كتبها في غالبيتها إلى لغات كثيرة، وهو ما كان يشعرها بالحبور، وبأنها نالت ما أرادت، وبأن ابنة بشري الآتية من قرية الشلالات والقديسين البعيدة النائية وصلت بكتبها إلى كبريات عواصم العالم ولغاتها، وعدَّت ذلك فوزاً كبيراً، منحها بعض الرضا رغم إحساسها العميق بالوحدة؛ بسبب وجود 3 من أبنائها في لبنان.

قيل عنها إنها «صيادة جوائز»؛ لكثرة ما نالت، فقد حصلت على «الجائزة الكبرى للشعر» من الأكاديمية الفرنسية عام 2009، وجائزة «غونكور» عام 2011، وجائزة «بيير الأول لموناكو» عن مجمل أعمالها. وعام 2024 منحها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وسام الاستحقاق الوطني برتبة الضابط الكبير.

أما أرشيفها فقد أودعته قبيل وفاتها في «معهد مذكرات النشر المعاصر».


ياغي: دعم القيادة السعودية للعلماء وفّر بيئة مُحفِّزة للإنجازات العالمية

البروفسور عمر ياغي يتحدث خلال احتفاء مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية به الخميس (واس)
البروفسور عمر ياغي يتحدث خلال احتفاء مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية به الخميس (واس)
TT

ياغي: دعم القيادة السعودية للعلماء وفّر بيئة مُحفِّزة للإنجازات العالمية

البروفسور عمر ياغي يتحدث خلال احتفاء مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية به الخميس (واس)
البروفسور عمر ياغي يتحدث خلال احتفاء مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية به الخميس (واس)

أكد البروفسور عمر ياغي، الفائز بجائزة «نوبل» في الكيمياء لعام 2025، أن دعم القيادة السعودية وتمكينها العلماء واهتمامها بهم وفّرت بيئة محفزة مكَّنتهم من تحقيق إنجازات نوعية على المستوى العالمي.

جاء ذلك في كلمته، الخميس، خلال احتفاء مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية «كاكست» به بوصفه أول عالم سعودي يحصل على هذه الجائزة؛ تقديراً لإسهاماته الرائدة في تأسيس علم الكيمياء الشبكية، ودوره في دعم وتطوير مجالات الطاقة والبيئة والمواد المتقدمة.

وأتى الاحتفاء بالبروفسور ياغي غداة استقبال الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، له، تأكيداً لحرص السعودية على تقدير كفاءاتها العلمية، وإبراز إنجازاتهم في المحافل الدولية، بما يحقق مستهدفات «رؤية 2030» في تعزيز البحث العلمي كركيزة أساسية لبناء اقتصاد معرفي قائم على الابتكار.

البروفسور عمر ياغي يتوسط منسوبي مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية خلال احتفائهم به (واس)

وقدَّم الأمير محمد بن سلمان التهنئة للبروفسور ياغي على نيله الجائزة التي تعكس تقديراً وتكريماً لجهوده وما يقدمه في مجال الكيمياء، متمنياً له دوام التوفيق.

وأوضح الفائز بـ«نوبل» أن دعم القيادة السعودية كان له بالغ الأثر في تعزيز منظومة البحث والتطوير والابتكار، مشيراً إلى أن رؤيتها الحكيمة بالاستثمار في الكفاءات الوطنية أسهمت في بناء منظومة بحثية متكاملة تضع المملكة في مصافّ الدول الرائدة علمياً.

وأكد ياغي، وهو المشرف على مركز التميز المشترك في المواد النانوية لتطبيقات الطاقة النظيفة بين «كاكست» وجامعة كاليفورنيا بيركلي، أن هذا التعاون العلمي يُشكّل نموذجاً ملهماً للشراكات طويلة الأمد والاستثمار في العقول، منوهاً بأن ما تحقق في مجال المواد المتقدمة يعكس انتقال العلم من مرحلة الاكتشاف إلى تطبيقات ذات أثر واقعي، ويمثل هذا التوجه أحد أهم التحولات بمسار البحث العلمي العالمي.

جانب من احتفاء مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية بالبروفسور عمر ياغي (واس)

وتضمّن برنامج الاحتفاء تكريم الدكتور منير الدسوقي رئيس «كاكست»، والبروفسور ياغي، للفِرق البحثية الفائزة في هاكاثون الذكاء الاصطناعي لاكتشاف المواد، الذي نظّمته المدينة بالشراكة مع الجامعة و«أكاديمية 32»، حيث فاز بالمركز الأول فريق (NajdGenesis-Al) عن مشروعهم «منصة نجد جينيسيس السعودية للذكاء الاصطناعي التوليدي لإنشاء مواد حيوية هجينة لالتقاط ثاني أكسيد الكربون مُحسّنة للظروف الصناعية الحقيقية».

وحصل على المركز الثاني (Fabricator.ai) عن مشروعهم «نظرة عامة على نظام ذكاء اصطناعي قادر على تصميم وإعادة هندسة وتصنيع مواد قائمة على هياكل معدنية عضوية وتساهمية»، والثالث (Prime-MOF)، عن مشروعهم «التنبؤ باستقرار الأُطر المعدنية العضوية باستخدام نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) لدعم اكتشاف مواد مستدامة».

الدكتور منير الدسوقي والبروفسور عمر ياغي لدى تكريمهما الفِرق الفائزة في هاكاثون الذكاء الاصطناعي (واس)

وفي ختام الاحتفاء، عقد البروفسور ياغي جلسة حوارية مع الطلبة الموهوبين والباحثين، استعرض خلالها محطات من مسيرته العلمية وتجربته البحثية، وشاركهم دروساً وتجارب أسهمت في تشكيل مسيرته الأكاديمية والمهنية. كما قدَّم مجموعة إرشادات علمية ومهنية للباحثين الشباب، مؤكداً أهمية بناء الأساس العلمي المتين في المراحل المبكرة، والاستثمار في تطوير المهارات البحثية، بما يعزز جاهزيتهم للإسهام في مسيرة البحث والابتكار مستقبلاً.

إلى ذلك، قال البروفسور ياغي، في تصريح لقناة «الإخبارية»، عقب الاحتفاء، إن «الأمير محمد بن سلمان حريص على تطوير قاعدة قوية للعلم في المملكة؛ لأن العلم هو بالفعل المصدر الحقيقي للابتكار، ومع الابتكار يمكننا تنمية اقتصادات جديدة، وبناء اقتصادات أكبر»، مُعرباً عن سعادته بوجوده في السعودية، وبلقاء الطلاب السعوديين، ومناقشة المستقبل الذي يحمل أحلامهم، وكيف يمكنهم تحقيقها.

منسوبو مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية يستقبلون البروفسور عمر ياغي احتفاءً به (واس)

وأضاف الفائز بـ«نوبل»: «هناك إمكانات هائلة لدى المملكة، ونحن محظوظون جداً بوجود قيادة مستنيرة تدرك وتُقدِّر العلم وقوته في إحداث التحول في المجتمع»، مشيراً إلى أن السعودية ستواصل صعودها كقوة دولية مؤثرة في العالم.

بدوره، أوضح الدكتور الدسوقي، في منشور على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي، أن استقبال ولي العهد للبروفيسور ياغي «يُجسِّد رهان المملكة على البحث العلمي والابتكار، واستثمارها في العقول الوطنية بوصفها ثروة استراتيجية لصناعة المستقبل، وترسيخاً لدور السعودية كمنتج للمعرفة ومنصة للريادة العالمية»، مؤكداً أن هذا الإنجاز العالمي يعكس الدعم الكبير الذي يُوليه الأمير محمد بن سلمان للعلم والعلماء.