«بيان الحلم» يعود إلى الساحة: سمير قصير «حيٌّ» في بيروت

تجهيز فنّي يُعيد قراءة فكر الصحافي الراحل ويؤكد ترسيخ المسيرة

سمير قصير... الجرح المفتوح منذ 2 يونيو 2005 (الشرق الأوسط)
سمير قصير... الجرح المفتوح منذ 2 يونيو 2005 (الشرق الأوسط)
TT

«بيان الحلم» يعود إلى الساحة: سمير قصير «حيٌّ» في بيروت

سمير قصير... الجرح المفتوح منذ 2 يونيو 2005 (الشرق الأوسط)
سمير قصير... الجرح المفتوح منذ 2 يونيو 2005 (الشرق الأوسط)

في قلب العاصمة بيروت، وفي ساحة تحمل اسمه وتنبض بروحه، ارتفع صوت سمير قصير مجدّداً، من أعماق «بيان الحُلم» الذي كتبه ذات زمن، حين كان الحلم لا يزال مشروعاً قابلاً للكتابة. هناك، حيث الجرح مفتوح منذ 2 يونيو (حزيران) 2005، عاد صدى القلم المُشعّ يلامس حجارة المدينة وحديقتها وشجرها، عبر تجهيز فنّي صوتي صمّمه روي ديب، ضمن فعاليات مهرجان «ربيع بيروت» الذي يُقام كل عام في ذكرى اغتيال الصحافي الذي لم يمت في الوعي الجمعي.

اختار ديب أن يبني عمله الفنّي على «بيان الحلم» تحديداً؛ أحد أبرز مقالات سمير قصير في جريدة «النهار»، لرمزيّته ولِما يحمله من أفكار لا تزال، بعد عقدين على رحيل كاتبها، تنبض بالحاجة وتصرخ بالحقيقة. «حين نُصغي إلى كلماته اليوم، تبدو مراجعةً مُجدَّدة لفكره»، يقول ديب لـ«الشرق الأوسط»: «كأننا لا نزال عالقين في المطالب نفسها، في الهمّ نفسه».

التجهيز الفنّي الصوتي صمّمه روي ديب في الساحة المُتاحة للجميع (الشرق الأوسط)

ما يجعل التجهيز مؤثّراً أكثر، هو أنّ الصوت الذي يُسمع في الساحة، ليس لسمير، وإنما لصديقه المقرَّب، الروائي الراحل إلياس خوري، الذي سجّل بصوته نصّ «بيان الحلم». فيقول ديب: «منذ البداية أردنا توجيه التحية إلى 3 حالمين: سمير قصير، وزوجته الإعلامية الراحلة جيزيل خوري، وإلياس خوري. هذا التجهيز جمعهم معاً».

المكبّرات موزَّعة على مداخل الساحة الـ4 في وسط بيروت، وتنقل المقطع الافتتاحي من المقال، حيث يسير سمير في شارع بيروتي ويلتقي بفتى يوزّع بياناً، فيقرأه ويتحمّس ويقرّر أن يتشارك الحلم. من هذا النداء، تنبع الدعوة إلى الحلم، والتي تشكّل الجزء الأول من المقال، ويشعر بها كل مَن يمرّ بجوار الحديقة. أما نصّ البيان كاملاً، فلا يُسمع إلا في الداخل، كأنَّ على الداخل إلى الساحة أن يعبُر من الدعوة إلى الحلم، إلى الحلم نفسه.

وسط الساحة، يقف تمثال سمير قصير، أمام بركة ماء، وخلفه مبنى «النهار» الذي خرج منه ذات يوم محمولاً بتابوت، إلى نهايات الجسد. هناك، ينبعث صوتا جيزيل وإلياس خوري أيضاً، في تسجيلات اختارها ديب بعناية. إلياس يُحدّثنا عن الأدب والهوس عند الكاتب، بالإضافة إلى الأدب العالمي، وعن تلك الإضافة التي لا تُدرَك إلا بعد الغياب: «يا للمفارقة، أنّ ما يمكن أن يُقدّمه الأديب للعالم لا يُفهم غالباً إلا بعد موته».

يرتفع صوت سمير قصير من أعماق «بيان الحُلم» (الشرق الأوسط)

أما صوت جيزيل، فشكَّل نداء خاصاً للمارّين: «أردتُ صوت إلياس وجيزيل نداءً للمارّين بجانب الساحة أن يدخلوا إليها لتشارُك التحية». نسمعها تتحدّث عن سمير، وتستشهد بجملة قالها إلياس عنه، ثم تنتقل إلى بيروت، تصفها وتنظر إليها بعين المرأة التي أحبّت مدينة ورجلاً، وغابا معاً.

التجهيز يكتمل بعنصر بصري: شاشتان في وسط الساحة تعرضان رموزاً لحلم لم يكتمل، وتُشير إلى انتفاضات العالم العربي التي تلاحقت بعد اغتيال سمير. يقول ديب: «أردتُ أن أُهدي سمير تحية للانتفاضات، وللشعوب التي ملأت الساحات، وللحظات لم يشهدها. اخترتُ مشهداً من انتفاضة بيروت الأخيرة، يُظهر وفوداً يخرجون من النفق؛ يحملون مطالبهم وأحلامهم، ويقتربون من شخص في الوسط. عندما فصلتُ الشاشتين، صار هذا الشخص في المنتصف، والناس يقتربون منه. هذا الشخص هو سمير قصير».

سمير قصير... الجرح المفتوح منذ 2 يونيو 2005 (الشرق الأوسط)

ومن بين مكوّنات العمل اللافتة، أرجوحة معلّقة بالشجر. ليست لعبة بريئة فحسب، فهي اختزال بصري لمعادلة الحلم والواقع. «الأحلام مرتبطة بالطفولة، والطفل يحلُم بسهولة. أردتُ لفكرة اللعب أن تُوصل الحلم»، يقول ديب، ويشرح كيف أنّ الأرجوحة بحركتها بين العلو والانحدار تُجسِّد وَهْم القدرة على التغيير، ثم الارتداد إلى قسوة الواقع.

كان ديب يفكّر بدايةً بعدد من الأراجيح، لكنه تذكّر كيف ينتهي مقال سمير، حين ينظر حوله فلا يجد لا ولداً ولا بياناً. «يتحدّث عن استحالة الحلم»، ومن هنا، وُلدت فكرة الأراجيح المتكسّرة أو القديمة، أو تلك التي لم يبقَ منها إلا الحبل، رمزاً لمآسي الواقع: الإبادة في غزة، حروب لبنان، والاعتداءات المتكرّرة. لكن وسط هذا المشهد، تبقى أرجوحة واحدة «ناجية»، تُجسِّد الأمل، ولو بصعوبة.

الأرجوحة اختزال بصري لمعادلة الحلم والواقع (الشرق الأوسط)

ومن جهته، يرى المسؤول الإعلامي في «مؤسّسة سمير قصير»، جاد شحرور، أنّ مهرجان «ربيع بيروت» هو مناسبة لتأكيد أنّ لبنان لا يزال «مساحة ثقافية للجميع». يوضح لـ«الشرق الأوسط»: «ننطلق في قيمنا من إرث سمير. بيانه الذي كتبه عام 2004، تحدَّث فيه عن الحلم بوطن ديمقراطي، علماني، وثقافي. هذه كانت رؤيته، وما زالت تُلهمنا».

المهرجان لا يتوقّف عند يوم 8 يونيو، موعد ختام التجهيز الفنّي؛ فتتواصل الفعاليات، مع مسرحية «جرّة غاز» الأسبوع المقبل في مسرح «المونو»، ضمن مبادرة لدعم الإنتاج اللبناني. وفي 15 منه، ينطلق واحد من أجمل نشاطات العام، كما يصفه شحرور: «سنمشي مع روني شطح، نجل الشهيد محمد شطح، في شوارع بيروت، ضمن جولة بعنوان (بيروت سمير قصير)، حيث يروي روني تاريخها كما كتبه سمير، ونكتشف حضارات بُنِيَت فوقها المدينة الحديثة».

20 عاماً مرّت على الاغتيال، وما زال الاسم يُضيء كأنه لم يغِب. وحده الجسد غاب، أما الفكرة فظلّت تنبض في صدور الحالمين، وتُروى بأصوات الذين لم يتعبوا من الحلم. «جائزة سمير قصير» لحرّية الصحافة شكَّلت امتداداً لفكرٍ لا يموت، وشهادة على أنّ مَن كتب للحرّية، لا يُمحى أثره. صوره في ميادين الانتفاضات، ومقالاته التي لا تزال تُقرأ كأنها كُتبت اليوم، وكتبه المُحرِّضة على الحُلم، كلّها تقول: الغياب لا يهزم مَن جعل من الحبر فعلاً مقاوِماً.


مقالات ذات صلة

من هو ميخايلو دراباتي القائد الجديد للجيش الأوكراني؟

أوروبا اللواء ميخايلو دراباتي يحضر اجتماعاً مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا في كييف... 20 يوليو 2026 (رويترز)

من هو ميخايلو دراباتي القائد الجديد للجيش الأوكراني؟

تولّى ميخايلو دراباتي قيادة الجيش الأوكراني وسط أزمة سياسية، مدعوماً بسمعة إصلاحية وشعبية واسعة، فيما يواجه تحديات عسكرية وتنظيمية وتوقعات مرتفعة في الحرب.

«الشرق الأوسط» (كييف)
يوميات الشرق من قصة حبّ إلى بداية عُمر (أ.ف.ب)

تايلور سويفت وترافيس كيلسي... العالم يشهد «زفاف القرن»

سادت حالة من الإثارة بشأن ما وُصف بـ«الزفاف الملكي» الأميركي، الذي يتزامن مع احتفالات الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
ثقافة وفنون الممثلة الفرنسية إيزابيل أوبير خلال جلسة تصوير لفيلم «أغنى امرأة في العالم» بروما 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

انتخاب أول امرأة لرئاسة مؤسسة «سينيماتيك فرنسيز» للأعمال السينمائية

أصبحت الممثلة الفرنسية إيزابيل أوبير، الخميس، أول امرأة تُنتخب رئيسة لمؤسسة «سينيماتيك فرنسيز» (مكتبة السينما الفرنسية) المعنية بالأعمال السينمائية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق يقدَّم الفيلم للمرة الأولى ضمن سوق مهرجان «أنسي» في فرنسا (الشركة المنتجة)

آلان دوجون: الذكاء الاصطناعي يوسِّع خيال صنّاع الأفلام ولا يلغيهم

«ألعاب المملكة» يُمثّل فرصة لإظهار ما يمكن تحقيقه عندما تعمل التكنولوجيا والإبداع البشري جنباً إلى جنب.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الغموض أيضاً يصنع العناوين (إنستغرام)

تكهّنات لا تتوقَّف حول زفاف تايلور سويفت وترافيس كيلسي

تتزايد تكهّنات المعجبين ومراهناتهم بشأن تفاصيل حفل زفاف نجمة الغناء العالمية والفائزة بجائزة «غرامي»، تايلور سويفت، واللاعب البارز ترافيس كيلسي...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)