رحلة بلا سائق... «أوبر» ستُطلق سيارات الأجرة الروبوتية في بريطانيا عام 2027

بين الطموح التكنولوجي والتحديات القانونية والاجتماعية

سيارة أجرة روبوتية في معرض شنغهاي الدولي للسيارات عام 2025 (غيتي)
سيارة أجرة روبوتية في معرض شنغهاي الدولي للسيارات عام 2025 (غيتي)
TT

رحلة بلا سائق... «أوبر» ستُطلق سيارات الأجرة الروبوتية في بريطانيا عام 2027

سيارة أجرة روبوتية في معرض شنغهاي الدولي للسيارات عام 2025 (غيتي)
سيارة أجرة روبوتية في معرض شنغهاي الدولي للسيارات عام 2025 (غيتي)

أعلنت شركة «أوبر» أنها «مستعدّة» لتشغيل سيارات الأجرة ذاتية القيادة داخل المملكة المتحدة، غير أن الحكومة أجّلت الموعد المتوقع للموافقة على انطلاق المركبات الذاتية القيادة بالكامل.

وكانت الحكومة السابقة، وفق موقع صحيفة «بي بي سي» البريطانية، قد أعلنت أن السيارات ذاتية القيادة بالكامل «من المقرر أن تكون على الطرق بحلول عام 2026»، لكن الحكومة الحالية أشارت إلى أن ذلك من المرجح أن يحدث في النصف الثاني من عام 2027.

ورغم السماح ببعض تقنيات القيادة الذاتية المحدودة على الطرق البريطانية، فإن وجود سائق بشري خلف عجلة القيادة لا يزال ضرورياً لتحمُّل مسؤولية المركبة، حتى عند استخدام التقنية المؤتمتة.

ومع شروع بعض الشركات في اختبار تقنيات أكثر تقدماً في شوارع بريطانيا، تم خوض تجربة ركوب سيارة ذاتية القيادة عبر وسط لندن، وذلك باستخدام نظام طورته شركة الذكاء الاصطناعي البريطانية «وايف».

في هذا السياق، قال أندرو ماكدونالد، نائب رئيس قسم التنقل في «أوبر»: «نحن مستعدون لإطلاق سيارات الأجرة الروبوتية في المملكة المتحدة، بمجرد أن يكون الإطار التنظيمي جاهزاً لذلك».

تجدر الإشارة إلى أن «أوبر» تتعاون مع 18 شركة متخصصة في تكنولوجيا القيادة الذاتية، من بينها «وايف»، التي تُعد واحدة من شركات عدّة تُقدِّم بالفعل خدمات سيارات الأجرة ذاتية القيادة في الولايات المتحدة. كما تجوب هذه السيارات الطرقات في الصين، والإمارات، وسنغافورة.

ومع ذلك، رفض ماكدونالد الرأي القائل إن المملكة المتحدة متأخرة في هذا المجال، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة والصين تتقدمان لأن الغالبية العظمى من التكنولوجيا طُوِّت هناك.

من جهتها، أعلنت وزارة النقل البريطانية في بيان: «نعمل بسرعة وسنُقِرّ تشريعاً خاصاً بالمركبات ذاتية القيادة في النصف الثاني من عام 2027»، مضيفة: «ندرس كذلك خيارات لتجارب قصيرة الأمد ومشروعات تجريبية، لتهيئة الظروف اللازمة لقطاع مزدهر في مجال القيادة الذاتية».

تجربة «دون تدخل بشري»

في الولايات المتحدة، قال ماكدونالد إن سيارات الأجرة الروبوتية تعمل عادة 20 ساعة يومياً، 7 أيام في الأسبوع. ورغم غياب سائق يتطلب أجراً، ذكرت «أوبر» أن الأجرة حالياً تُعادل تلك الخاصة بالسيارات التي يقودها البشر.

تظهر إمكانية ركوب سيارة ذاتية القيادة على تطبيق «أوبر» إذا كانت مُتاحة، ويمكن للعميل اختيار تفعيلها أو لا.

ويرتبط ذلك جزئياً بعقبة محتملة أمام انتشار هذه المركبات، تتمثل في تردد الجمهور إزاء فكرة الركوب في سيارة دون سائق. فقد كشف استطلاع أجرته مؤسسة «يوغوف» عام 2024 أن 37 في المائة من البريطانيين يشعرون بعدم الأمان الشديد عند التفكير في ركوب سيارة من دون سائق.

مع ذلك، أصر ماكدونالد على أن تردد العملاء غالباً ما يتلاشى، وسرعان ما «تصبح التجربة أمراً اعتيادياً».

أسئلة حول المسؤولية القانونية ومستقبل القيادة

في المملكة المتحدة، تُطرح أسئلة عملية بشأن التأمين، والملكية، والمسؤولية القانونية عند وقوع حادث لمركبة ذاتية القيادة. وأكد ماكدونالد أن جميع هذه القضايا لا تزال قيد البحث.

أما توم ليغيت، مدير تكنولوجيا المركبات في مركز «ثاتشام للأبحاث»، وهو مركز مستقل معني بأمان السيارات، فقال إن سيارات الأجرة الروبوتية في المملكة المتحدة يجب أن تُبنى على أساس «السلامة أولاً». وأضاف: «يجب أيضاً التأكد من أن البيانات ستكون متاحة للجهات المعنية، مثل شركات التأمين والسلطات التي تحقق في الحوادث».

وقد أعلنت الحكومة أن المركبات ذاتية القيادة تمتلك القدرة على بناء صناعة بقيمة 42 مليار جنيه إسترليني، وتوفير 38 ألف وظيفة بحلول عام 2035، لكنها تُثير في الوقت نفسه قلقاً لدى من يعتمدون على القيادة بوصفها مصدر رزق.

وقال آندي بريندرغاست، السكرتير الوطني لنقابة «الاتحاد العام للسيارات» (GMB)، إن «الآثار الاجتماعية الكبيرة» المحتملة، مثل نقص فرص العمل أو البطالة، يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار لصالح العمال والمجتمع.

في المقابل، يرى ماكدونالد أن السيارات المؤتمتة ستُغيِّر بشكل جذري طريقة تنقُّل الناس في المستقبل القريب. وأضاف: «لدي أطفال صغار... هل أعتقد أن بناتي سيحصلن بالضرورة على رخصة قيادة عندما يبلغن 16 عاماً (وهو السن القانونية في كندا، بلدي الأم)؟ لا. أعتقد أن العالم يتغير كثيراً».


مقالات ذات صلة

قرش عالق يخطف الأضواء... 600 ألف زائر لمشاهدته

يوميات الشرق كلّ هذه العيون عليه... وعيناه على البحر (أ.ف.ب)

قرش عالق يخطف الأضواء... 600 ألف زائر لمشاهدته

أصبحت سمكة قرش تقطعت بها السُّبل في قناة بميناء بوسان الكوري الجنوبي أحدث ظاهرة في عالم الحياة البرّية بالبلاد...

«الشرق الأوسط» (سيول)
يوميات الشرق عمال يغرسون شجرة نخيل في أحد شوارع الجيزة (محافظة الجيزة)

هل تُعوَّض آلاف الأشجار الجديدة المقطوعة في شوارع مصر؟

اعتمدت الحكومة المصرية مؤخراً خطة لتخضير القاهرة، بعد انتقادات حادة طالتها بسبب قطع أشجار عتيقة في شارع «جامعة الدول».

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق أمامها رقعة من 64 مربعاً... وخلفها 11 عاماً فقط (رويترز)

على رقعة الكبار... طفلة بريطانية تصنع تاريخ الشطرنج

أصبحت طفلة بريطانية موهوبة في الشطرنج أصغر لاعبة في التاريخ تنال لقب «غراند ماستر» للسيدات...

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك زيادة الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات ارتبطت بانخفاض التحصيل الدراسي العام وصعوبات في تكوين صداقات (رويترز)

دراسة: قضاء وقت طويل أمام الشاشات قد يضر الأطفال أكثر من الفقر

كشفت دراسة جديدة عن أن قضاء الأطفال وقتاً طويلاً أمام الشاشات قد يلحق أضراراً بهم تفوق تلك الناجمة عن الولادة في ظل ظروف الفقر.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)
يوميات الشرق مادونا وتايلور سويفت (أ.ب)

الفنانات يُهيمنَّ على جوائز «إم تي في» 2026

افتتحت مادونا الحفل بأول عرض لها فيه منذ 23 عاماً.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)

تأثيرات سلبية لتناول الحلويات مع المضادات الحيوية

الدكتور مارسيل فان دن برينك أثناء فحص عينات المشاركين (سيتي أوف هوب)
الدكتور مارسيل فان دن برينك أثناء فحص عينات المشاركين (سيتي أوف هوب)
TT

تأثيرات سلبية لتناول الحلويات مع المضادات الحيوية

الدكتور مارسيل فان دن برينك أثناء فحص عينات المشاركين (سيتي أوف هوب)
الدكتور مارسيل فان دن برينك أثناء فحص عينات المشاركين (سيتي أوف هوب)

تشير دراسة جديدة أجراها باحثون في مؤسسة «سيتي أوف هوب» الرائدة في مجال أبحاث وعلاج السرطان بالولايات المتحدة، إلى أن تجنّب الحلويات أثناء العلاج بالمضادات الحيوية قد يساعد في حماية ميكروبات الأمعاء المفيدة أو ما يعرف بالميكروبيوم المعوي.

وترتبط هذه النتائج المفاجئة، بمفهوم «الغذاء كدواء» أثناء رعاية المرضى، وبالطرق التي يمكن أن يساعدنا بها النظام الغذائي في الوقاية والتعافي من الأمراض. ووفق نتائج الدراسة قد تؤدي هذه الأبحاث إلى استراتيجيات علاجية جديدة للمرضى الذين يتناولون المضادات الحيوية.

الدراسة المنشورة، الأربعاء، في دورية «نيتشر» الشهيرة، تابعت مرضى سرطان الدم الذين خضعوا لعلاج مكثف يُعرف بـ«زراعة الخلايا المكونة للدم من متبرع» وهي فئة من المرضى تواجه خطراً مرتفعاً بشكل خاص للإصابة باضطرابات حادة في ميكروبيوم الأمعاء، وما يرتبط بذلك من آثار جانبية.

قال الدكتور مارسيل فان دن برينك، الرئيس المشارك للدراسة ورئيس «سيتي أوف هوب» في لوس أنجليس: «تُخلّ المضادات الحيوية بتنوع بكتيريا الأمعاء - أو الميكروبيوم - التي تلعب دوراً جوهرياً في دعم جهازنا المناعي وصحتنا العامة». وأضاف في بيان الأربعاء: «تدعم أبحاثنا الأدلة الناشئة التي تشير إلى أن تجنب الأطعمة السكرية أثناء العلاج بالمضادات الحيوية قد يحمي الميكروبيوم»، مشدداً على أن «الحفاظ على تنوع الميكروبيوم ارتبط بتحسن النتائج السريرية لمرضى السرطان». وتُستخدم المضادات الحيوية لعلاج العدوى المرضية، لكنها تقضي أيضاً وبشكل واسع على البكتيريا النافعة في الأمعاء، مما يتيح فرصة لنمو مفرط للميكروبات الضارة.

دراسة واسعة النطاق

الدراسة التي استمرت 5 سنوات - تُعد واحدة من أكبر الدراسات من نوعها - وتمت فيها متابعة مرضى أُدخلوا المستشفى لعدة أسابيع لتلقي علاج كيميائي مكثف (يصحب أحياناً بالعلاج الإشعاعي) تمهيداً لخضوعهم لعملية زراعة الخلايا الجذعية. وللوقاية من العدوى وعلاجها، تناول كل مريض مضاداً حيوياً واحداً على الأقل أثناء إقامته في المستشفى؛ وهي الأدوية الأقوى تأثيراً على الميكروبيوم نظراً لاستهدافها أنواعاً متعددة من البكتيريا.

تستخدم المضادات الحيوية لعلاج العدوى المرضية (جامعة فرجينيا كومونولث)

وتتبع فريق البحث أكثر من 9400 وجبة تناولها 173 مريضاً في المستشفى، وقاموا بتحليل تنوع الميكروبيوم في عينات براز مأخوذة من 158 مريضاً؛ بلغ عددها 1000 عينة براز، إذ يُعد تنوع الميكروبيوم مؤشراً رئيسياً على صحة الميكروبيوم، حيث وجدوا رابطاً بين الأطعمة الغنية بالسكر وزيادة اضطراب الميكروبيوم الناجم عن المضادات الحيوية لدى المرضى الذين خضعوا لعمليات زرع الخلايا الجذعية.

قياسات لحظة بلحظة

في كل مرة كان يطلب فيها المرضى وجبة من مطبخ المستشفى، كانت صينية الطعام تصل مصحوبة باستبانة تطلب منهم تسجيل كمية كل صنف تناولوه أو شربوه. وبفضل هذه المساعدة من مطبخ المستشفى في تتبع المعلومات الغذائية لجميع الوجبات المستهلكة، تمكن العلماء من تسجيل أكثر من 40 ألف صنف غذائي، مما أدى إلى إنشاء مجموعة بيانات غير مسبوقة تتميز بمستوى من التفاصيل نادراً ما يتحقق في أبحاث التغذية. وقال فان دن برينك: «توفرت لدينا سجلات غذائية دقيقة جُمعت لحظة بلحظة. وقد أتاح لنا ذلك رصد أنماط كان من المستحيل اكتشافها لولا هذه البيانات».

وقد فحص الباحثون البيانات بدقة، باستخدام مجموعة متنوعة من النماذج الإحصائية المتقدمة، بحثاً عن أنماط مرتبطة بالإضرار بميكروبيوم الأمعاء. وكانت النتائج التي توصلوا إليها مفاجئة.

وختم فان دن برينك قائلاً: «المرضى الذين تناولوا كميات أكبر من الحلويات أثناء خضوعهم للعلاج بالمضادات الحيوية كانوا أكثر عرضة لفقدان تنوع الميكروبيوم، حيث أدت الميكروبات الشرسة إلى مزاحمة السلالات البكتيرية المفيدة والقضاء عليها».


باحثة تكشف عن ظروف العمل الصعبة وخفايا الاستغلال في قطاع الموضة

عارضات أزياء يستعرضن تصاميم المصمم أنتوني فاكاريلو ضمن عرض مجموعة الملابس النسائية الجاهزة لموسم ربيع وصيف 2027 لدار الأزياء «سان لوران» (رويترز)
عارضات أزياء يستعرضن تصاميم المصمم أنتوني فاكاريلو ضمن عرض مجموعة الملابس النسائية الجاهزة لموسم ربيع وصيف 2027 لدار الأزياء «سان لوران» (رويترز)
TT

باحثة تكشف عن ظروف العمل الصعبة وخفايا الاستغلال في قطاع الموضة

عارضات أزياء يستعرضن تصاميم المصمم أنتوني فاكاريلو ضمن عرض مجموعة الملابس النسائية الجاهزة لموسم ربيع وصيف 2027 لدار الأزياء «سان لوران» (رويترز)
عارضات أزياء يستعرضن تصاميم المصمم أنتوني فاكاريلو ضمن عرض مجموعة الملابس النسائية الجاهزة لموسم ربيع وصيف 2027 لدار الأزياء «سان لوران» (رويترز)

بعد 15 عاماً من البحث، تكشف عالمة الأنثروبولوجيا الإيطالية جوليا مينسيتيري في كتاب جديد بعنوان «الموضة: أجمل مهنة في العالم»، عن خفايا الظروف الصعبة التي يعيشها العاملون في هذا القطاع، وما يواجهونه خصوصاً من استغلال في مجال يدر إيرادات طائلة.

يصدر عملها في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) على شكل رواية مصورة، عن دار النشر «لاديكوفرت/ديلكور»، وقد تولى رسمه الفنان «دانيكولاتيرال» بأسلوب يجمع بين الحس الإبداعي والطابع القاتم.

تصف الباحثة في كتابها مشهداً يبدو مزعجاً تظهر فيه نحو عشر نساء ينهمكن ليلاً في شقة باريسية صغيرة بالعمل على قطعة قماش يُفترض أن تتحول، في غضون ساعات قليلة، إلى فستان من الأزياء الراقية.

سيُباع عملهن بسعر يتراوح بين 70 ألفاً و100 ألف يورو، لكنّ كل واحدة منهن ستغادر المكان ومعها مظروف يحتوي على مبلغ نقدي لا تتخطى قيمته الحد الأدنى للأجور في فرنسا.

وتوضح الباحثة، وهي طالبة دكتوراه في الأنثروبولوجيا الاجتماعية وباحثة في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، أن هؤلاء العاملات في الخياطة قد يكنّ «طالبات أو عاملات أو مهاجرات من آسيا أو خياطات محترفات يُستدعين للمساعدة». وقد زارت الباحثة إحدى هذه الورش التي تعمل بكامل طاقتها قبيل انطلاق أسبوع الموضة في العاصمة الفرنسية.

دفع مقابل المكانة المرموقة

يُشكل قطاع الموضة والملابس أكثر من 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي، وهي نسبة تفوق مساهمة قطاع السيارات. كما يوفر سبل العيش لنحو مليون شخص، وفق الاتحاد الفرنسي للأزياء الراقية والموضة. مع ذلك، يظل هذا القطاع من أقل القطاعات توثيقاً ودراسة.

وتشير الباحثة الإيطالية في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» إلى أن قطاع الموضة «عالم يحظى بظهور مكثف وحضور طاغٍ في المجلات والملصقات وعلى الإنترنت، لكننا لا نعرف عنه شيئاً في الواقع».

وقد تمكنت من الولوج إلى هذا العالم بفضل رغبة هذا الوسط الذي يُنظر إليه غالباً على أنه سطحي، في الحصول على «شرعية فكرية»، بعدما شعر القائمون عليه بالإطراء لاهتمام باحثة في الأنثروبولوجيا بأعمالهم.

ومن بين الوقائع الاقتصادية التي كشفت عنها هذه التجربة الميدانية: ظاهرة «العمل لسداد الديون» في مجال عرض الأزياء، إذ ليس من النادر أن تدفع وكالات كبرى جميع النفقات نيابة عن عارضي وعارضات الأزياء، بدءاً من تصفيف الشعر ووصولاً إلى سيارات الأجرة، ثم تطالبهم بسداد هذه المبالغ، وهو أمر يعجز معظمهم عن القيام به إطلاقاً.

كما يسود ما يُعرف بـ«التعويض المعنوي» أو «التعويض عبر المكانة المرموقة»؛ إذ تشير جوليا مينسيتيري إلى أنه «كلما زادت مكانة المجلة المرموقة، زاد اليقين بأن العاملين لا يتقاضون أجراً. إنها قاعدة ثابتة؛ فصفحات الافتتاحيات (وهي جلسات تصوير أزياء تُنشر بعيداً عن الإعلانات التجارية) غالباً ما تُنجز مجاناً».

حتى إن بعض المصورين يدفعون المال مقابل العمل، إذ يتحملون تكاليف الفندق والنقل ووجبات طاقم العمل، ظناً منهم أنهم «يستثمرون في مسيرتهم المهنية». وهناك آخرون يتلقون أجورهم بصورة عينية، على شكل قسائم شراء من العلامة التجارية نفسها، وهي طريقة تحقق للعلامة التجارية «مكاسب مضاعفة».

معاناة واستغلال

ومن بين المشاهدات التي ينقلها الكتاب، تسلّم رئيسة تحرير حاملة حقيبة يد تبلغ قيمتها 20 ألف يورو، مظروفاً يحتوي على 100 يورو فقط لمصورة مقابل 48 ساعة من العمل، قائلة لها: «أنت محظوظة بوجودك هنا». وقد استلهمت الباحثة التي تعمل حالياً في المركز الوطني للبحث العلمي في مدينة ليل بشمال فرنسا، عنوان أطروحتها للدكتوراه من هذه العبارة.

وتؤكد الباحثة أن «لعالم الموضة طابعه الخاص وعنفه المميز؛ إذ يجمع بين عوالم وسلع فائقة الفخامة، وبين خلق صور ذهنية لهذه الرفاهية، وبين أشكال من التعويض والعمل والاستغلال قد تصل إلى مستويات متطرفة».

يفتقر هذا القطاع إلى أي تمثيل نقابي، باستثناء هيئات أصحاب العمل. وتضيف الباحثة: «إنه وسط لا يمكنك فيه البوح بمعاناتك، فلا يمكنك القول: أنا في مأزق، أو أعاني من الاحتراق الوظيفي، أو أتعرض للاستغلال، أو لا أملك المال لدفع الإيجار، أو لم أتقاضَ أجري منذ ستة أشهر».

تنصح جوليا مينسيتيري الشباب الذين يراودهم حلم دخول هذا العالم بـ«اغتنام الجوانب الجميلة، مع الحرص في الوقت ذاته على معرفة حقوقهم».

ورغم أن المؤلفة لا تذكر أسماء أي علامات تجارية، فإنها تشير إلى تزايد محاولات الرقابة في الآونة الأخيرة، ولا سيما من خلال إلغاء بعض مشاركاتها.

وتؤكد الباحثة: «لستُ صحافية، ولا أنطلق من منظور أخلاقي؛ فهدفي ليس كشف المخالفات، بل توضيح آلية عمل هذا الجانب من الرأسمالية».


حرف مفقود وفأر مشاغب... بانكسي يعيد «بريكست» إلى المزاد

يقف مساعدون في المعرض بجوار عمل فني بعنوان «Keep Out» (ممنوع الدخول) لفنان الشارع البريطاني بانكسي أثناء الكشف عنه خلال معاينة صحافية لمزادات الفن الحديث والمعاصر ضمن فعاليات «أسبوع فريز» (Frieze Week) المرتقبة في دار «فيليبس» بوسط لندن (أ.ب)
يقف مساعدون في المعرض بجوار عمل فني بعنوان «Keep Out» (ممنوع الدخول) لفنان الشارع البريطاني بانكسي أثناء الكشف عنه خلال معاينة صحافية لمزادات الفن الحديث والمعاصر ضمن فعاليات «أسبوع فريز» (Frieze Week) المرتقبة في دار «فيليبس» بوسط لندن (أ.ب)
TT

حرف مفقود وفأر مشاغب... بانكسي يعيد «بريكست» إلى المزاد

يقف مساعدون في المعرض بجوار عمل فني بعنوان «Keep Out» (ممنوع الدخول) لفنان الشارع البريطاني بانكسي أثناء الكشف عنه خلال معاينة صحافية لمزادات الفن الحديث والمعاصر ضمن فعاليات «أسبوع فريز» (Frieze Week) المرتقبة في دار «فيليبس» بوسط لندن (أ.ب)
يقف مساعدون في المعرض بجوار عمل فني بعنوان «Keep Out» (ممنوع الدخول) لفنان الشارع البريطاني بانكسي أثناء الكشف عنه خلال معاينة صحافية لمزادات الفن الحديث والمعاصر ضمن فعاليات «أسبوع فريز» (Frieze Week) المرتقبة في دار «فيليبس» بوسط لندن (أ.ب)

بوابة مغلقة، عبارة ناقصة، وفأر صغير يحاول فتح قفل بحرف من كلمة مفقودة... بهذه التفاصيل البسيطة، التي تحمل أكثر مما تبدو عليه، يعود الفنان البريطاني بانكسي إلى واحدة من أكثر القضايا التي قسمت البريطانيين: «بريكست».

ويستعد عمله «Keep Ou T»، الذي أنجزه عام 2019، لدخول المزاد في لندن الشهر المقبل، ضمن مزاد «فيليبس» للفن الحديث والمعاصر، وسط تقديرات بأن يتراوح سعره بين 1.2 و1.8 مليون جنيه إسترليني.

يُعرض عمل الفنان بانكسي الفني بعنوان«Keep Out» -والذي يُقدَّر أن يُباع بسعر يتراوح بين 1.2 و1.8 مليون جنيه إسترليني (ما يعادل 1.6 إلى 2.4 مليون دولار أميركي) (أ.ب)

ويبدو أن بانكسي لم يحتج إلى كثير من الكلمات ليقول ما يريد. فقد كتب على بوابة معدنية قديمة عبارة «KEEP OUT»، أي «ابقوا خارجاً»، لكنه تعمّد ترك حرف T منفصلاً عن بقية الكلمة. أما الحرف نفسه، فإنه يظهر في يد أحد فئران بانكسي الشهيرة، الذي يحاول استخدامه لكسر القفل أسفل البوابة.

وليس اختيار البوابة اعتباطياً. فقد كانت في الأصل جزءاً من بوابة وصول المسافرين القادمين من دول الاتحاد الأوروبي في مطار هيثرو. وبعد أن أصبحت جزءاً من الماضي، أعاد بانكسي تقديمها في عمل فني يحوّلها من مجرد بوابة عبور إلى رمز لحدود أُغلقت بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وفقاً لموقع «يورونيوز».

وربما تكمن الطرافة في أن الفأر، وهو من أكثر الشخصيات حضوراً في عالم بانكسي، لا يقف هذه المرة متفرجاً أمام الحاجز. إنه يحاول فتحه. أما الأداة التي يستخدمها فهي الحرف الذي ينقص كلمة «خارجاً»، في لعبة بصرية بسيطة تختصر كثيراً من الجدل الذي رافق «بريكست».

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يضع فيها بانكسي موقفه من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي داخل عمل فني. ففي مايو (أيار) 2017، رسم في مدينة دوفر الساحلية جدارية ضخمة تظهر عاملاً يقف على سلم، مستخدماً مطرقة وإزميلاً لإزالة إحدى النجوم الذهبية من علم الاتحاد الأوروبي.

وفي عمل آخر بعنوان «Vote To Love» عام 2018، استخدم الفنان بالوناً على شكل قلب فوق لافتة لحملة «Vote Leave»، في معالجة ساخرة أخرى لقضية الانفصال عن أوروبا.

حتى سعر ذلك العمل حمل رسالة ساخرة. فقد وضع بانكسي رقماً افتراضياً بلغ 350 مليون جنيه إسترليني، في إشارة إلى الرقم الذي اشتهرت به حافلة حملة «مغادرة الاتحاد الأوروبي» خلال الاستفتاء البريطاني، والتي روجت لفكرة استخدام 350 مليون جنيه إسترليني أسبوعياً لتمويل هيئة الخدمات الصحية الوطنية بعد الخروج من الاتحاد.

وكان الرقم موضع انتقادات وتشكيك واسع، بما في ذلك من هيئة الإحصاءات البريطانية، ومعهد الدراسات المالية.

أما «Keep Ou T»، فيبدو أكثر هدوءاً في رسالته، لكنه لا يقل وضوحاً. فبدلاً من خطاب سياسي طويل، هناك بوابة كانت مخصصة لاستقبال القادمين من أوروبا، وعبارة تقول لهم: «ابقوا خارجاً»، وفأر صغير لا يبدو مستعداً للاستسلام بسهولة أمام القفل.