«أصوات مرئية» منصة رقمية تُعيد صياغة مفهوم الإعاقة

تضم مجلة ومعرضاً ومتجراً إلكترونياً

«أصوات مرئية» منصة رقمية تُعيد صياغة مفهوم الإعاقة
TT

«أصوات مرئية» منصة رقمية تُعيد صياغة مفهوم الإعاقة

«أصوات مرئية» منصة رقمية تُعيد صياغة مفهوم الإعاقة

غالباً ما تُصوَّر الإعاقة على أنها أمرٌ يُؤخذ على محمل الجد لا على سبيل الاحتفال. لكن «الأصوات المرئية» Visible Voices، وهي منصة رقمية جديدة تُطلق الخميس في «اليوم العالمي للتوعية بإمكانية الوصول 2025» Global Accessibility Awareness Day، تُغير هذه العقلية، كما كتبت مارغريت أندرسن (*).

منصة رقمية جمالية

المنصة عبارة عن مجلة، ومعرض فني، ومتجر إلكتروني مُختار بعناية. بشكل عام، تُعيد هذه المنصة صياغة مفهوم الإعاقة بصفتها مصدراً للثقافة والإبداع والأناقة، انطلاقاً من الإيمان بأن إمكانية الوصول والجماليات لا ينبغي أن تتعارض.

أسست الصحافية بيرينيس مغيستريتي ورائد الأعمال المبدع روبن سيلبي، وكلاهما يعاني إعاقات غير مرئية، منصة «أصوات مرئية» - التي تمنّيا لو وُجدت عندما كانا يحاولان فهم هويتهما - بنهج تحريري يجمع بين أسلوبي مجلة «فوغ» و«متحف الفن الحديث»، يُبقي على الموارد التقليدية للإعاقة في طيات الماضي. والنتيجة هي إعادة صياغة ثقافية وبيان تصميمي، جذاب بصرياً وشامل تماماً.

«لماذا لا تزال الإعاقة أمراً نتعامل معه بحذر؟» تسأل سيلبي. «لماذا نتردد في الاعتراف بها بفخر؟ لقد أدركنا أن هناك مساحة مفقودة. مساحة يمكن للناس فيها أن يشعروا بالفخر بما هم عليه، ليس على الرغم من إعاقتهم، ولكن بفضل كل ما علمتهم إياه. مساحة لا تبدو سريرية أو ثقيلة، بل نابضة بالحياة وإبداعية وإنسانية».

لقطة من شاشة المنصة

ميزات سهلة للمعاقين

بُنيت منصة «أصوات مرئية» على مدار عام، وهي مدروسة من حيث الشكل والمضمون. الموقع، الذي صمماه بالتعاون مع شركة التصميم Droga5، يدمج سهولة الوصول من البداية إلى النهاية، دون المساس بالتأثير البصري.

تتضمن ميزات سهولة الوصول المدمجة في الموقع زر تبديل للتبديل بين الوضعين الفاتح والداكن، ونسخاً صوتية قابلة للنقر لتحويل النص كلاماً لكل مقال. بدلاً من الاعتماد على إضافات أو تراكبات سهولة الوصول التقليدية، روعي في كل تصميم جمالية الاستخدام وسهولته.

كما طوّر استوديو Foundry Modern Type خطاً مصمماً خصيصاً وسهل القراءة لتحسين سهولة القراءة عبر الموقع. وابتكر مصممو الصوت في Lucky & Bamba شعاراً صوتياً من خلال ترجمة نسخة «برايل» من اسم العلامة التجارية إلى سلم موسيقي.

تجربة غنية بالأحاسيس

والنتيجة هي تجربة رقمية غنية بالأحاسيس تدعو المستخدمين إلى التفاعل مع المحتوى على مستويات متعددة. تقول مغيستريتي: «جميعنا معتادون على الشعارات المرئية. ولكن ماذا لو لم تتمكن من رؤية شعار؟ يجب أن تكون قادراً على سماعه والشعور به. هذا ما ابتكرناه، ونأمل أن يُلهم العلامات التجارية الأخرى للتفكير بشكل مختلف».

مجلة ومعرض ومتجر إلكتروني

تتمحور «أصوات مرئية» حول ثلاثة أركان تحريرية مصممة لإعادة صياغة مفهوم الإعاقة من منظور ثقافي: مجلة، ومعرض رقمي، ومتجر إلكتروني مُنسق.

* المجلة. تعرض المجلة قصصاً تتقاطع فيها الإعاقة مع الجماليات، بما في ذلك مهمة مصففة الشعر آنا كوفون في جعل الموضة أكثر سهولة، واستخدام فنانة النسيج كاترينا فرونجيا طريقة «برايل» في منسوجاتها، وتأملات الناشطة ناديا أوكاموتو حول التعايش مع اضطراب الشخصية الحدية.

* المعرض. يُسلّط معرض «أصوات إبداعية» الضوء على فنانين، إما من ذوي الإعاقة أنفسهم أو يُعيدون صياغة كيفية تمثيل الإعاقة في الفن المعاصر. ومن بينهم فلورنس بيرنز، رسامة مقيمة في مانشستر، ومن بين عملائها «نايكي» و«القناة الرابعة»؛ وكذلك المصورة الحائزة جوائز آنا نويباور؛ والرسامة والكاتبة الأميركية والمدافعة عن حقوق ذوي الإعاقة ريفا ليرر.

مجوهرات «أوزي» الفاخرة لسماعات الأذن

منتجات جمالية وعملية

*المتجر. في الوقت نفسه، يتبنى المتجر الإلكتروني موقفاً جريئاً يؤكد أن المستهلكين ذوي الإعاقة يستحقون منتجات ليست عملية فحسب، بل جميلة أيضاً. توضح مغيستريتي: «لم نرغب في اتباع نهج الصحة في بيع أجهزة التكنولوجيا الطبية؛ لأننا نريد تجاوز هذا السرد المُركّز على المرضى، وتقديم منصة جميلة وإبداعية وطموحة للأشخاص ذوي الإعاقة».

في حين تُواصل الكثير من الجمعيات الخيرية والمؤسسات والمنظمات الشعبية القيام بعمل حيوي في دعم مجتمعات ذوي الإعاقة والدعوة إلى التغيير المنهجي، عمد كل من مغيستريتي وسيلبي إلى هيكلة «أصوات مرئية» بصفتها شركة ربحية.

عند إطلاقه، يضم المتجر ست علامات تجارية ضمن ثلاث فئات، تشمل الملابس والإكسسوارات ومستحضرات التجميل. تُقدّم كل علامة تجارية مجموعة مختارة بعناية من 5 إلى 10 منتجات. تشمل أبرزها عصيّ «نيو-ووك» Neo-Walk النابضة بالحياة والمنحوتة؛ ومجوهرات «أوزي» Auzi الفاخرة لسماعات الأذن؛ ومكياج «هيومان بيوتي» Human Beauty الشامل؛ والملابس الداخلية المُتكيّفة من «ليبراري» Liberare. كما يجري العمل على إطلاق خطّ منتجات «أصوات مرئية»، ويعتزم الفريق مواصلة تطوير المتجر من خلال تعاونات حصرية وشراكات جديدة مع علامات تجارية تتماشى مع رسالتهم.

وتقول مغيستريتي: «الخلاصة هي أن ذوي الإعاقة ليسوا مجرد مرضى يحتاجون إلى شراء مستلزمات طبية عملية». إنهم مستهلكون يرغبون في شراء ما يرغبون به؛ ما يجعلهم يبدون بمظهر جيد ويشعرون بالراحة. تُعدّ فئة ذوي الإعاقة سوقاً ضخمة غير مستغلّة تتمتع بقوة إنفاق هائلة. نريد أن نوفر لهم ما يرغبون في شرائه، وأن نظهر أن الإعاقة هي آفاق الموضة والجمال القادمة.

* مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

ميزات جينية وراء ظاهرة «المسنّين الخارقين»

صحتك شملت الدراسة أكثر من 18 ألف مشارك من ثماني مجموعات وطنية لدراسة الشيخوخة (رويترز)

ميزات جينية وراء ظاهرة «المسنّين الخارقين»

كشفت دراسة جديدة، أجراها باحثون من المركز الطبي بجامعة فاندربيلت الأميركية، أن من يُطلق عليهم «المسنون الخارقون» يتمتعون بميزتين جينيتين رئيسيتين على الأقل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الذكريات الجديدة عبارة عن إشارات ضعيفة تتلاشى بسرعة ما لم تُدمج بالدماغ (بيكسلز)

4 طرق بسيطة لتحسين الذاكرة

تُنقل آلاف المعلومات يومياً داخل الدماغ من مواضع «الذاكرة قصيرة الأمد» إلى مواضع «الذاكرة طويلة الأمد»، ولكن معظم هذه المعلومات الجديدة لا تثبت في الذاكرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك الخرف مرتبط بعوامل من بينها التقدُّم في العمر (جامعة غوام الأميركية)

علاجان للسكري قد يحميان الدماغ من الخرف

كشفت دراسة أجرتها جامعة ماكغيل في كندا عن أنّ فئتين من الأدوية الشائعة لعلاج السكري من النوع الثاني ترتبطان بانخفاض ملحوظ في خطر الإصابة بالخرف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك الجهاز يحتوي على مُجسّات كيميائية إلكترونية دقيقة (جامعة تكساس)

جهاز قابل للارتداء يُراقب هرمونات النوم ويُعزّز جودته

طوَّر باحثون من جامعة تكساس جهازاً مبتكراً قابلاً للارتداء يهدف إلى تحسين جودة النوم، من خلال مراقبة الهرمونات المرتبطة بالتوتر والنوم بشكل مستمرّ ودقيق.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تكنولوجيا تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

الصوت يحمل بيانات شخصية حساسة تكشف الصحة والمشاعر والهوية، ومع تطور تقنيات تحليل الكلام تزداد تحديات الخصوصية والحاجة لحمايتها بوعي وتشريعات.

نسيم رمضان (لندن)

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».