كيف تخوض مغامرة في دروب الصحراء من دون أخطار؟

كتاب مصري جديد يبرز مهارات البقاء والسلامة فيها

المؤلف اعتمد في كتابه على جمع مادة ميدانية من سكان الصحراء (الشرق الأوسط)
المؤلف اعتمد في كتابه على جمع مادة ميدانية من سكان الصحراء (الشرق الأوسط)
TT

كيف تخوض مغامرة في دروب الصحراء من دون أخطار؟

المؤلف اعتمد في كتابه على جمع مادة ميدانية من سكان الصحراء (الشرق الأوسط)
المؤلف اعتمد في كتابه على جمع مادة ميدانية من سكان الصحراء (الشرق الأوسط)

تأسر الصحراء ذات الرمال الذهبية والتشكيلات المتماوجة قلوب الكثيرين حول العالم، خصوصاً المغامرين الذين يجوبونها شرقاً وغرباً، مدفوعين بالفضول والرغبة في اكتشاف مزيد من الأماكن المجهولة بها، والتي لم يطأها أحد من قبل.

لكن لا يتطلب الترحال إلى الصحراء تحمل مشاق السفر فقط، إنما هناك مجموعة مهمة من المهارات التي ينبغي التزود بها؛ للمساعدة على السلامة والنجاة، والوقاية من الأخطار التي قد يتعرض لها هؤلاء المغامرون أثناء رحلتهم في الصحراء الزاخرة بالأسرار والمجهول.

الكتاب يتناول إرشادات للطهي ونصائح للحفاظ على الطعام (الشرق الأوسط)

وفي كتاب جديد صدر بعنوان «نداء الصحراء... دليل البقاء للمستكشفين» عن مؤسسة «عالم الكتب» يقدم مؤلفه الرحّالة والأكاديمي المصري الدكتور أمير إبراهيم القرشي، أستاذ المناهج وطرق تدريس التاريخ بجامعة حلوان، دليلاً تفصيلياً عملياً مبسطاً لمهارات السلامة والبقاء في الصحراء.

ويرى المؤلف كتابه الذي يقع في 377 صفحة متضمناً 8 فصول، ومزوداً بعدد كبير من الصور التوضيحية «عوناً لكل عشاق الصحراء في الوطن العربي الذي يتميز بمساحات هائلة مميزة من الصحاري، تشجع عدداً كبيراً من المغامرين على الدخول فيها؛ لخوض تجربة حياة الصحراء».

الكتاب يخصص فصلا كاملا حول كيفية تجهيز سيارتك للمغامرة وإصلاح الأعطال (الشرق الأوسط)

ويقول القرشي لـ«الشرق الأوسط»: «يستلزم خوض هذه المغامرات معرفة طبيعة التجربة التي يقدِمون عليها، والاستعداد لها بما يلزم من معارف ومهارات وأدوات وتجهيزات، فضلاً عن معرفة كيفية التصرف في المواقف الطارئة، وكلها مهارات مهمة تساعدهم على السلامة والنجاة أثناء رحلتهم».

وفي كتابه يكشف القرشي عن حالات وحوادث بعينها تم توثيقها لمفقودين في الصحراء، ممن ضلوا الطريق، أو تعطلت بهم السيارة، وفشلوا في الاتصال بمن ينقذهم، فماتوا من الظمأ والجوع، أو تعرضوا للموت من البرق أو العواصف أو السيول، يقول: «الصحراء عوَّدتنا دائماً أن تحترم وتحنو على من يحترمها، وتقسو على من لم يقدّرها حق قدرها؛ فعندئذ تتحول بيداء تبيد كل من لا يكترث بها»!

يشرح الكتاب بالصور قواعد التخييم ومهاراته في الصحراء (الشرق الأوسط)

ويشير: «في تاريخ العرب من يكتسب خبرة بمعرفة دروب الصحراء، فإنه يحقق مكانة اجتماعية بارزة، ويقول العرب في الأمثال (قتلت أرض جاهلها)». مؤكداً أن «الصحراء في العالم العربي لها خصوصيتها؛ فعند زيارتها يقف السياح والرحّالة يتأملون في صمت ورهبة وكأن على رؤوسهم الطير، متابعين مشهد الشمس عند شروقها وغروبها عبر الفضاء الفسيح، وقد رسمت لوحة جميلة من إبداع الخالق، فتصيبهم (حمى الصحراء) و(تندههم النداهة) كما يقول أهل الريف في مصر».

الكتاب يتضمن صوراً تبرز سحر الصحراء (الشرق الأوسط)

وربما يصف البعض الرحالة والمغامرين بـ«الجنون» ويتساءلون: «ما السر وراء ذهابكم إلى الصحراء في رحلات طويلة، حيث الحر الهجير أحياناً، أو البرد الزمهرير أحياناً أخرى؟»، وهو ما يرد عليه مؤلف الكتاب قائلاً: «بصفتي رحالة أعشق السفر إلى الصحراء أؤكد أن من يقول ذلك لم يتذوق ما ذاقه هؤلاء؛ ولو أنهم تذوقوا واستمتعوا بما رأوه، لغيروا رأيهم حتماً».

انطلاقا من كل هذا الاحتفاء بالصحراء، تبرز أهمية معرفة مهارات البقاء في البيئة الصحراوية بالنسبة للقرشي، خصوصاً عندما بحث عن أدبيات هذه المهارات؛ فوجد فقراً شديداً في المكتبة العربية، وفق قوله: «لم أجد مادة علمية متكاملة، ومن هنا جاءت فكرة هذا الكتاب لسد هذا الفراغ، ويقدم دليلاً شاملاً لكل من يرغب في التوجه إلى الصحراء؛ لكي ينجو من مخاطرها ومجاهلها، ويعود محملاً بالذكريات والمعلومات والتجارب بدلاً من الخسائر».

إلى جانب خبرته الشخصية الطويلة في الترحال، اعتمد القرشي في كتابه على مراجع علمية وأفلام وثائقية وشهادات ونصائح البدو وكبار العلماء والرحّالة في مصر على مدى سنوات عدة قام خلالها بجمع مادة الكتاب، حسب قوله.

الدكتور أمير القرشي مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

وبينما يقدم المؤلف في الفصل الأول للقارئ تعريفاً بالصحراء، مثل طبيعة المناخ الصحراوي، وأشكال سطح الأرض، فإنه يزوده بمعلومات قيّمة في الفصل الثاني حول التخطيط والتجهيز للانطلاق إلى الصحراء، مثل المعدات المناسبة للرحلات، وطرق التخييم، واختيار حقيبة الظهر وتجهيزها، وأنواع «المنامات».

ويأتي الفصل الثالث من الكتاب بعنوان «كيف تُجهز سيارتك للمغامرة؟»، وفيه يقدم الكاتب نصائح مهمة لتجهيز السيارة لخوض الصحاري، ومنها أدوات إصلاحها، وكيفية ترتيب الأغراض داخلها، وكيف تحسب كمية الوقود اللازمة لرحلتك، وطرق تجنب «الغرز» في الرمال.

وفي الفصلين الرابع والخامس يتعرف القارئ على المهارات المرتبطة بالمياه والطعام في الصحراء، مثل مهارة استخلاص المياه من النباتات الصحراوية، وتجهيز الزواحف للأكل، والتمييز بين النباتات والحشرات المفيدة والضارة في البرية.

ويُعد الفصل السادس من أهم فصول الكتاب؛ لأنه يتضمن مهارات الوقاية من الأخطار في الصحراء، ومن ضمنها الوقاية من اشتعال الوقود، وما يجب عمله في حالة سقوط أحد الأشخاص في حفرة عميقة، إضافةً إلى الوقاية من أخطار وجود الألغام والمتفجرات والعقارب والثعابين السامة، كما يقدم شرحاً وافياً لطرق وأدوات التصوير الفوتوغرافي الاحترافي في الصحاري.

في حين تنبع أهمية الباب السابع من الكتاب من كونه يؤكد أن التزود بمهارات البقاء في الصحراء هو ليس لصالح المغامرين والرحالة فقط، إنما هو كذلك يلعب دوراً محورياً في الحفاظ على الحياة البرية في الصحراء، وفي التوسع العمراني أيضاً؛ ما يعني أنه بالتبعية يؤثر على مستقبل الكثير من البلدان.

مؤلف الكتاب ينصح بضرورة الإستعانة بالبدو وخبراء اقتفاء الأثر في رحلات الصحاري وتسلق الجبال (الشرق الأوسط)

ويقول الدكتور أمير القرشي: «تشغل الصحراء نحو 95 في المائة من مساحة مصر، كما أن الوطن العربي كله تشغله الصحراء الكبرى، ذات المساحة الضخمة، وفي ظل هذه الحقائق أؤكد بصفتي خبيراً في المناهج والدراسات الاجتماعية أنه من الضروري تضمين مهارات البقاء في المناهج الدراسية للطلاب العرب بوصفها مهارات حياتية، فكيف يُمكن الاستثمار في الصحاري وتعميرها من دون التمتع بأبسط هذه المهارات، وطرق حماية الصحاري نفسها؟».

ويحذّر القرشي من «تجاوزات خطيرة من جانب بعض السياح أو الرحالة تحدث في بعض الصحاري، مثل قتل بعض الحيوانات النادرة؛ ما يهدد باندثارها، وسرقة بعض الحفريات والأدوات الحجرية».


مقالات ذات صلة

المغامر «محمد المصري»: كل الإرهاق اختفى لدى وصولي إلى مكة المكرمة

يوميات الشرق الرحّالة «محمد المصري» بعد وصوله إلى مكة المكرمة (صفحته على «فيسبوك»)

المغامر «محمد المصري»: كل الإرهاق اختفى لدى وصولي إلى مكة المكرمة

استطاع المغامر المصري محمد محمود أبو عجيزة، الشهير باسم «محمد المصري»، أن يحقق إنجازاً جديداً في جولاته بالدراجة الهوائية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق بخيت المالكي فوق قمة إلبروس بروسيا أعلى قمة في أوروبا (الشرق الأوسط)

بخيت المالكي... سبعيني يتحدى الجبال والصحاري ويصعد 6 قمم عالمية

يعد الرحّالة السعودي بخيت بن عبد الله بن فاضل المالكي واحداً من أبرز المغامرين العرب، وذلك بعد أن تمكن وهو في العقد السابع من العمر من خوض مغامرات مثيرة.

أسماء الغابري (جدة)
يوميات الشرق احتفلت سندس برأس السنة الجديدة ديسمبر الماضي على قمة «كلمنجارو» بتنزانيا (الشرق الأوسط)

مغامِرة سعودية تحتفل برأس السنة على قمة «كلمنجاور»... و«إيفرست» الهدف المقبل

تطمح سندس جان إلى بلوغ ذروة العالم، قمة «إيفرست»، بين شهري أبريل ومايو في موسم عام 2026.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
يوميات الشرق في فيلمه السينمائي الثالث ينتقل الدب بادينغتون من لندن إلى البيرو (استوديو كانال)

«بادينغتون في البيرو»... الدب الأشهر يحفّز البشر على مغادرة منطقة الراحة

الدب البريطاني المحبوب «بادينغتون» يعود إلى صالات السينما ويأخذ المشاهدين، صغاراً وكباراً، في مغامرة بصريّة ممتعة لا تخلو من الرسائل الإنسانية.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق سيكي هوتي مع دراجته التي قطع بها مسافة 6800 كيلومتر من كوسوفو إلى مكة المكرمة (الشرق الأوسط)

بعد 3 أشهر ونصف الشهر من المغامرة... كوسوفي يصل مكة المكرمة بدراجته الهوائية

مدفوعاً برغبة عميقة في تقوية إيمانه وإعادة اكتشاف ذاته قرَّر شاب كوسوفي في العقد الثالث من العمر يدعى سيكي هوتي ترك حياة الراحة والاستقرار خلفه ظهره

أسماء الغابري (جدة)

حكم يقضي بسداد الأمير هاري وآخرين 13 مليون دولار بعد خسارة دعوى قضائية

الأمير هاري (رويترز)
الأمير هاري (رويترز)
TT

حكم يقضي بسداد الأمير هاري وآخرين 13 مليون دولار بعد خسارة دعوى قضائية

الأمير هاري (رويترز)
الأمير هاري (رويترز)

صدر أمر قضائي للأمير البريطاني هاري وستة أشخاص آخرين، من بينهم المغني إلتون جون، بسداد 9.5 مليون جنيه إسترليني (13 مليون دولار) للشركة القائمة على نشر صحيفة «ديلي ميل» بعد خسارة قضيتهم بشأن انتهاك الخصوصية، وفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس».

وقال القاضي ماثيو نيكلين في حُكم، اليوم الجمعة، إن سداد المبلغ من المقرر أن يتم في 28 أغسطس (آب).

وخسر المدعون قضية أمام محكمة عليا الشهر الماضي زعموا فيها أن شركة «أسوشييتد نيوزبيبرز» ارتكبت سلوكيات خاطئة مثل قرصنة الهواتف المحمولة.

وقالت الشركة القائمة على النشر إنها تكبدت أكثر من 34 مليون جنيه إسترليني خلال القضية. وسيتعين على المدعين تعويض بقية التكاليف في وقت لاحق، علماً بأنهم مؤمن عليهم بنحو نصف هذا المبلغ.

وكان الناشر قد نفى بشدة الادعاءات التي تم تقديمها خلال المحاكمة التي استمرت 11 أسبوعاً في لندن، وانتهت في السابع من يوليو (تموز)، عندما قال القاضي نيكلين إن الأدلة المتاحة لم تكن كافية لدعم هذه الادعاءات.

وخلص القاضي إلى وجود احتمال بأن التقارير الصحافية استندت إلى مصادر مشروعة.

وكان من بين الشخصيات البارزة الأخرى التي تقف وراء القضية دورين لورانس، الناشطة المناهضة للعنصرية التي قُتل ابنها ستيفن طعناً عام 1993 أثناء انتظاره حافلة، وديفيد فورنيش، زوج إلتون جون ومنتج الأفلام، والممثلتان سيدي فروست وليز هيرلي، والسياسي سايمون هيوز.


«بيت على القمر»... أسطورة قديمة تبحث عن إنسانها

استغرق المخرج السنغافوري وقتاً في تجربته الجديدة (الشركة المنتجة)
استغرق المخرج السنغافوري وقتاً في تجربته الجديدة (الشركة المنتجة)
TT

«بيت على القمر»... أسطورة قديمة تبحث عن إنسانها

استغرق المخرج السنغافوري وقتاً في تجربته الجديدة (الشركة المنتجة)
استغرق المخرج السنغافوري وقتاً في تجربته الجديدة (الشركة المنتجة)

في وقت تميل فيه معظم الأعمال المستوحاة من الأساطير إلى إعادة سرد الحكايات المعروفة، اختار المخرج السنغافوري نيلسون يو طريقاً مغايراً. ففي فيلمه الجديد «بيت على القمر» (The House on the Moon) لم يشغله إعادة تقديم أسطورة «تشانغ إر» كما تناقلتها الأجيال، بقدر ما شغله سؤال آخر: ماذا لو لم تنتهِ الحكاية عند النقطة التي حفظها الجميع؟ وماذا لو بدأت القصة الحقيقية بعد نهاية الأسطورة؟

من هذا السؤال انطلقت تجربة يو الجديدة، التي تُعيده إلى «مهرجان لوكارنو السينمائي» في سويسرا، بعد النجاح الذي حقّقه فيلمه السابق «الحلم والموت»، الفائز بجائزة «الفهد الذهبي» في مسابقة «صناع الحاضر» بالمهرجان نفسه قبل 3 أعوام. لكنه يعود هذه المرة بفيلم أكثر اتساعاً في عالمه البصري، وانشغالاً بالأسئلة الإنسانية الكامنة خلف الأسطورة.

ويقول نيلسون يو، في مقابلة عبر تطبيق «زووم» مع «الشرق الأوسط»، إن الابتعاد عن المألوف كان قراراً اتخذه منذ اللحظة الأولى. فأراد إدخال المُشاهد مباشرة إلى عالم لا يكشف عن نفسه بسهولة، ليتولّى اكتشاف الشخصيات وطبيعة العلاقات التي تربط بينها. ويشير إلى أنّ هذا الغموض لم يكن مجرّد أسلوب سردي، وإنما جزء من فكرة الفيلم، لأن استكشاف المجهول كان بالنسبة إليه أكثر إثارة من إعادة رواية أحداث يعرفها الجمهور مسبقاً.

وتدور الأحداث حول «تشانغ إر» التي تنطلق برفقة رائد فضاء من الأرض في رحلة إلى الجانب المظلم من القمر، بحثاً عن زوجها «هو يي»، بعد اختفائه خلال مهمّة لإنقاذ الشمس المحتضرة. وبينما تبدأ الرحلة على أنها مهمة إنقاذ، تتحوّل تدريجياً إلى رحلة لاكتشاف الذات ومواجهة أسئلة الهوية والقدر والاختيار.

مخرج الفيلم نيلسون يو يرى القمر مرآة لوحدة الإنسان (الشركة المنتجة)

ويؤكد المخرج السنغافوري أنّ الفيلم، رغم استناده إلى أسطورة صينية شهيرة، لا يتعامل مع شخصياتها على أنها آلهة أو رموز مقدّسة، وإنما شخصيات تعيش صراعات يمكن لأي إنسان التعاطف معها. ويلفت إلى أنّ أكثر ما شغله خلال الكتابة كان البحث عن الجانب الإنساني في تلك الشخصيات، لا الأسطوري.

ويشير يو إلى أن هذه الفكرة جعلته ينظر إلى الفيلم على هيئة رحلة لاكتشاف الذات أكثر من كونه مغامرة فانتازية، موضحاً أنّ البُعد العاطفي كان بالنسبة إليه أهم من أي بناء أسطوري أو حدث درامي. فالشخصيات كانت دائماً في مقدّمة اهتمامه، لذلك حاول منحها مشاعر متناقضة ونقاط ضعف وأسئلة وجودية، لتبدو أقرب إلى البشر منها إلى الشخصيات الخارقة التي اعتاد الجمهور رؤيتها في الحكايات القديمة.

ومن هنا جاءت فلسفته في كتابة الفيلم، التي يختصرها بعبارة «العاطفة تتفوّق على الحبكة»، لافتاً إلى أن هذا المبدأ لم يكن مجرّد شعار، وإنما قاعدة حكمت مراحل صناعة العمل. فالحبكة موجودة بطبيعة الحال، لكنها لا تقود الشخصيات، بل الشخصيات هي التي تقودها. لذلك حرص فريق العمل على الاقتراب منها طوال الوقت، حتى إنّ المشاهد يسمع أحياناً أفكارها الداخلية، لأنّ الهدف كان أن يشعُر بما تعيشه قبل أن ينشغل بما سيحدث لها.

ويعترف يو بأنّ الحفاظ على هذا التوازن لم يكن سهلاً، خصوصاً في فيلم يعتمد على عالم بصري واسع يجمع بين الخيال العلمي والفانتازيا، مؤكداً أن التحدّي الحقيقي كان ألا تتحوّل المشاهد الضخمة أو المؤثرات البصرية إلى عنصر يطغى على المشاعر. لذلك كان على كلّ قرار بصري في الفيلم أن يخدم الحالة النفسية للشخصيات.

راهن المخرج على استخدام تقنيات عدّة في العمل (الشركة المنتجة)

ويفسّر المخرج المزج بين الأنواع السينمائية بتأثّره الكبير بأفلام هونغ كونغ في تسعينات القرن الماضي، التي نشأ على مشاهدتها، موضحاً أنها كانت تنتقل بسلاسة بين أكثر من نوع سينمائي، من دون أن يشعر المُشاهد بالحاجة إلى وضعها في قالب محدّد.

ويضيف أنه لا يسعى إلى استعادة تلك المرحلة بدافع الحنين، وإنما إلى الحفاظ على روحها الحرّة التي تسمح للفيلم بالتحرّك بين أكثر من عالم، من دون أن يفقد هويته أو صدقه الإنساني. ويلفت إلى أنّ استلهام سينما هونغ كونغ لم يقتصر على المزج بين الأنواع السينمائية، بل امتد أيضاً إلى طريقة صناعة الفيلم نفسها.

ويقول إنه وفريقه تمسكوا بالأسلوب العملي في تنفيذ كثير من التفاصيل والمؤثّرات، حفاظاً على السحر الذي ميَّز تلك المرحلة، من دون أن يمنعهم ذلك من الاستفادة من التقنيات الحديثة. ويؤكد أنّ الهدف لم يكن إعادة إنتاج أفلام التسعينات، وإنما تقديم حكاية تبدو معاصرة وقريبة من جمهور اليوم، مع استخدام تقنيات الإنتاج الافتراضي لتوسيع العالم الذي تدور فيه الأحداث، خصوصاً أنّ رغبته كانت تصوير أكبر جزء ممكن من الفيلم داخل سنغافورة، وهو ما لم يكن ممكناً لولا هذه التكنولوجيا.

عاد المخرج بفيلمه الجديد إلى «مهرجان لوكارنو السينمائي» (الشركة المنتجة)

ومن الشخصيات التي شهدت أكبر تحوّل خلال الكتابة شخصية «بنغ منغ»، التي يصفها يو بأنها أصبحت، بشكل غير متوقَّع، الأكثر هشاشة على المستوى العاطفي. ويؤكد أنها ظهرت في المسودات الأولى بوصفها شريراً تقليدياً، لكنه وكاتبة السيناريو فيكي وجدا نفسيهما ينجذبان إليها تدريجياً، حتى أصبحت شخصية أكثر تعقيداً وإنسانية.

وعن صورة القمر، يوضح أنه لم ينظر إليه بوصفه وجهةً فضائيةً أو بيئةً علميةً، وإنما مساحة للمشاعر، لافتاً إلى أنّ أول صورة تخيّلها كانت «تشانغ إر» وهي تجلس وحيدة على سطحه، قبل أن يصل إليها رائد فضاء من الأرض.

ويرى أنّ الفراغ الهائل الذي يحيط بها يعكس وحدتها الداخلية؛ فالرحلة في الفيلم ليست رحلة في المكان بقدر ما هي رحلة داخل النفس. حتى إنه فكر في البداية في أن تدور البطلة حول القمر ثم تعود إلى النقطة نفسها، لتكتشف في النهاية أنّ المكان الذي غادرته لم يعد كما كان، في إشارة إلى أنّ التغيير الحقيقي حدث داخلها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


كنز طروادة المسلوب... تركيا وألمانيا تطالبان به وروسيا لا تنوي إعادته

مجسم يمثل حصان طروادة في مدينة حصارليك/ طروادة (غيتي)
مجسم يمثل حصان طروادة في مدينة حصارليك/ طروادة (غيتي)
TT

كنز طروادة المسلوب... تركيا وألمانيا تطالبان به وروسيا لا تنوي إعادته

مجسم يمثل حصان طروادة في مدينة حصارليك/ طروادة (غيتي)
مجسم يمثل حصان طروادة في مدينة حصارليك/ طروادة (غيتي)

خلال محاضرة في جامعة أنقرة بتركيا، وحين تطرقت الأستاذة زينب بوز إلى مصير ذهب مدينة طروادة القديمة الشهير، شعرت لأول مرة بوطأة الألم الناجم عن فقدان كنوز بلادها التي نُقلت إلى الخارج. تُعرف هذه المجموعة باسم «كنز بريام»، وتضم حُلياً وأواني وقطعاً ثمينة أخرى استخرجها رجل الأعمال وعالم الآثار الألماني الرائد هاينريش شليمان في سبعينيات القرن التاسع عشر من موقع المدينة التي وصفها الشاعر هوميروس. وبعد نقل الذهب إلى ألمانيا، استولت عليه القوات السوفياتية ونقلته سراً إلى موسكو في ختام الحرب العالمية الثانية. وقد روت بوز كيف سافرت إلى روسيا لرؤية ذلك الذهب لكنها عادت خائبة. تقول بوز، التي تتولى حالياً مهمة استعادة كنوز تركيا الأثرية بصفتها رئيسة قسم مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية في البلاد: «لقد مُنِعت من الوصول إلى تراثي الثقافي».

«كنز بريام» المكتشف في موقع حصارليك/ طروادة (غيتي)

نزاع دولي ثلاثي

لا تزال تلك القطع الأثرية، التي يعود تاريخها إلى 4500 عام، موجودة في موسكو داخل متحف «بوشكين» الحكومي للفنون الجميلة. وفي ظل المطالبات المتنافسة من روسيا وألمانيا وتركيا، تظل هذه القطع عالقة في نزاع دولي ثلاثي مرير، لا يبدو أن حله سيكون قريباً. وتأمل تركيا - بتفاؤل يفوق ما يبديه كثير من الخبراء - أن تكون رحلة عودة هذا الذهب بمثابة رحلة عكسية لـ«أوديسيوس»، البطل الذي روى هوميروس قصة رحلته الطويلة للعودة من طروادة في ملحمة «الأوديسة».

مدينة طروادة تحت نيران جيش أوديسيوس في فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة» (أ.ب)

على غرار «أوديسيوس» التائه، الذي يؤدي دوره الممثل مات ديمون في فيلم كريستوفر نولان الجديد، تنصبُّ جهود الحكومة التركية وتركيزها على رحلة العودة إلى الوطن؛ فهي تسعى للمّ شمل هذه الكنوز الأثرية بالمكان الذي انتُزعت منه، وربما إيداعها في المتحف الذي افتُتح بالقرب من الموقع الأثري عام 2018. تقول بوز: «تبدأ ملحمة الأوديسة من طروادة، وهي في جوهرها قصة عن الحنين إلى العودة للوطن. وسيكون من الملائم حقاً ألا تنتهي الرحلة الاستثنائية لهذه القطع الأثرية بمجرد انتقالٍ آخر بين حُراسٍ في أماكن نائية، بل بعودتها إلى المدينة التي تمنحها معناها الحقيقي».

حصارليك وطروادة

لقد ظل شليمان، وهو تاجر ثري وشخصية استعراضية مولعة بالظهور الإعلامي، يلاحق طويلاً أسطورة «طروادة». وقد تصدّر خبر إعلانه عن اكتشاف المدينة القديمة في شمال الأناضول - على ساحل بحر إيجة عند مدخل مضيق الدردنيل - عناوين الأخبار في جميع أنحاء العالم. في العصور القديمة، ارتبط هذا الموقع بمدينة طروادة المذكورة في ملاحم هوميروس، وكان مقصداً زاره كل من الإسكندر الأكبر ويوليوس قيصر. غير أن موقع المدينة تحوّل بمرور القرون إلى لغز غامض، بل وصل الأمر بالبعض إلى التشكيك في حقيقة وجودها من الأساس.

لم يكن شليمان أول من حدد تل حصارليك في تركيا الحالية كموقع محتمل لمدينة طروادة، ولم يكن أول من نقّب هناك. وقد استنكر علماء الآثار أساليبه المتسرعة والعشوائية. ومع ذلك، فقد أيّد الإجماع العلمي اللاحق تحديده للمدينة. وقالت راشيل كوسر، أستاذة الأدب الكلاسيكي وتاريخ الفن في جامعة مدينة نيويورك: «لقد كشف شليمان بسرعة كبيرة عن الكثير من المواد التي تشير إلى أنها كانت مدينة رئيسية من العصر البرونزي وموقعاً للعديد من المعارك، مما يؤكد على ما يبدو أن طروادة كانت مكاناً مهماً ألهم هوميروس على الأرجح».

جرة (أمفورا) من عمل «رسام بريام» 520-510 قبل الميلاد (غيتي)

حقيقة قصص هوميروس

أكدت الاكتشافات في طروادة أنها كانت أكثر بكثير من مجرد مكان أسطوري. فقد أشارت إلى أن قصص هوميروس عن الحرب بين الطرواديين والإغريق القدماء قد تكون متجذرة في أحداث تاريخية. قالت سوزان هيوك ألين، الباحثة الزائرة في قسم الدراسات الكلاسيكية بجامعة براون ومؤلفة كتاب «العثور على أسوار طروادة»: «لقد رسّخ هذا الأمر التاريخية لمدينة طروادة من خلال البقايا المادية لمدينة عظيمة». وأضافت: «لقد أظهروا للعالم وجود حضارات معاصرة مترابطة، خاضت حروباً، ودُمّرت، وقد روى هوميروس قصةً تُخلّد هذه الذكريات في شعره».

كما كشفت أرض الأناضول عن كنوز. فبعد حفر خندق كبير في قلب تل حصارليك، اكتشف شليمان قلائد ذهبية، وفؤوساً طقسية، ودروعاً، ودبابيس، وخواتم، وأساور، وغيرها. وأعلن أنها كنز بريام، نسبةً إلى الملك الأسطوري في ملحمة الإلياذة لهوميروس. (كان اختطاف هيلين على يد ابن الملك بداية الصراع الذي عُرف بحرب طروادة).

صوفي زوجة هاينريش شليمان وهي ترتدي الحلي الذهبية الخاصة بطروادة (غيتي)

تُعد هذه المجموعة واحدة من أكثر الاكتشافات إبهاراً في تاريخ علم الآثار؛ إذ تضمنت حُلياً ادعى شليمان - مستغلاً براعته في الترويج لنفسه - أنها ربما كانت تخص «هيلين الطروادية»؛ بل إنه في إحدى الصور الشهيرة، جعل زوجته «صوفيا» تتخذ وضعية «هيلين» وهي ترتدي بعضاً من تلك المجوهرات. وفي الواقع، كان شليمان قد حفر متجاوزاً طبقة «طروادة» التي ورد ذكرها في ملاحم هوميروس، ليصل إلى ذهب يعود لمستوطنة أقدم من العصر البرونزي، نحو عام 2450 قبل الميلاد، أي قبل أكثر من ألف عام من الأحداث الموصوفة في تلك الملاحم. وتؤكد تركيا أن هذه الكنوز استُخرجت من أراضٍ تقع حالياً ضمن حدودها، وأن شليمان قام بتهريبها إلى أثينا باليونان دون الحصول على إذن من السلطات العثمانية التي كانت تحكم المنطقة آنذاك. وقد رفع العثمانيون دعوى قضائية ضد شليمان أمام محكمة يونانية في ذلك الوقت، وانتهى الأمر بدفعه مبلغاً كبيراً كتعويض؛ غير أن تركيا تشدد الآن على أن هذا المبلغ لا يُعد بأي حال من الأحوال ثمناً لشراء الذهب أو تنازلاً عن ملكيته.

إناء صلصة بفوّهتَيْن ومقبضين ضمن مقتنيات متحف بوشكين الحكومي للفنون الجميلة في موسكو (غيتي)

كما تجادل تركيا بأن موقع طروادة هو المكان الوحيد القادر على عرض الذهب في سياقه التاريخي. يقول روستيم أصلان، الذي يشرف على عمليات التنقيب في طروادة نيابة عن وزارة الثقافة والسياحة التركية: «لا تقتصر المسألة ببساطة على الملكية أو القيمة المادية؛ بل تتعلق بحق الدولة والمجتمع المحلي في الحفاظ على التراث الثقافي الناشئ عن أراضيها ودراسته وعرضه».

غنيمة حرب روسية

في عام 1881، تبرع شليمان بكنز طروادة لألمانيا، لكنه اختفى من مخزن داخل حصن مضاد للطائرات في برلين خلال الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية. ساد اعتقاد لدى الكثيرين بأن «كنز بريام» قد دُمِّر. غير أن روسيا أقرت في تسعينيات القرن الماضي بأن القوات السوفياتية كانت قد استولت على الكنز كغنائم حرب. وقد أدى هذا الكشف، الذي تلاه إقامة معرض في متحف بوشكين، إلى تأجيج التوترات فوراً بشأن ملكية المجموعة.

وتصر روسيا على أن الذهب يمثل تعويضاً عادلاً عن ممارسات النازيين، مؤكدة أنها لا تنوي إعادته. وفي المقابل، تتمسك ألمانيا بمطالبتها بالملكية، لكنها تقر بأن المحادثات مع روسيا لا تحرز أي تقدم. تقول غيشه رينتلين، المتحدثة باسم «مؤسسة التراث الثقافي البروسي» التي تشرف على متاحف برلين: «منذ بدء حرب العدوان على أوكرانيا، توقفت تماماً جميع المناقشات المتعلقة بقضية الأعمال الفنية المنهوبة».

قطعة من كنز بريام ضمن مقتنيات متحف بوشكين الحكومي للفنون الجميلة في موسكو (غيتي)

تقول باتي جيرستن بليث، الخبيرة في قضايا التراث الثقافي والأستاذة الفخرية في كلية القانون بجامعة ديبول، إن تصرفات روسيا تنتهك القانون الدولي، لكن من غير المرجح أن تتنازل الحكومة الروسية عن هذه الكنوز. وتضيف قائلة: «ينبغي عليهم إعادتها إلى ألمانيا، وترك ألمانيا وتركيا تجلسان معاً للتوصل إلى حل». وتشير إلى أن موقف تركيا سيتطلب منها إثبات أنها بذلت جهوداً لاستعادة المجموعة من ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية، كما يتطلب الأمر فهماً واضحاً للأحداث المحيطة بعمليات التنقيب ونقل الآثار التي قام بها شليمان. وتقول جيرستن بليث: «من غير المرجح أن نعرف يقيناً ما حدث بالفعل». ويرى العديد من الخبراء أن حالة الجمود ستستمر رغم تطلعات تركيا؛ إذ يقول كوسر: «أشعر أنه ينبغي عليهم استعادتها، ولكن هل من المرجح أن ينجحوا في ذلك؟ لا».

* خدمة «نيويورك تايمز»