مارلين يونس تُغنّي الفلسفة على وتر أم كلثوم

ندوة في بيروت استنطقت الميتافيزيقا في صفوة النغم

الصوت عبورٌ بين الجمال والفلسفة (الجهة المُنظِّمة)
الصوت عبورٌ بين الجمال والفلسفة (الجهة المُنظِّمة)
TT

مارلين يونس تُغنّي الفلسفة على وتر أم كلثوم

الصوت عبورٌ بين الجمال والفلسفة (الجهة المُنظِّمة)
الصوت عبورٌ بين الجمال والفلسفة (الجهة المُنظِّمة)

بمبادرة من مؤسّسة «تكوين الفكر العربي» والحركة الثقافية في أنطلياس، عُقِد لقاء لا يُشبه ما اعتدناه من ندوات جامدة، فبدا كأنه عودة إلى الأصل؛ إلى حيث الكلمة لحنٌ، واللحن تأمُّل، والصوت عبورٌ بين الجمال والفلسفة.

في الأمسية، بلغت الدكتورة مارلين يونس، أستاذة فلسفة الجمال في الجامعة اللبنانية، مقاماً فريداً، فاجتمعت على لسانها حكمة الفلاسفة وألمع المعاني في غناء أم كلثوم. لم تأتِ يونس لتشرح الفلسفة، وإنما لتجعلها تنبض. هي التي ترى التفلسُف انخراطاً حيّاً في الحياة، يتجاوز كونه تمريناً ذهنياً في عزلته الأكاديمية.

في كلمتها، اختلط التحليل الفلسفي برنّة الشجن، وفي مقاربتها، التقى صوت أم كلثوم العابر للزمن بنصوص محمد إقبال، وجيل دولوز، وإيتيان سوريو. أحضرت مارلين يونس هؤلاء الفلاسفة من أبراجهم، وأجلستهم إلى جوار «كوكب الشرق»؛ على وَقْع نغم حيّ يتسلّل إلى القلب قبل أن يخترق العقل.

مارلين يونس غنَّت حكمة الفلاسفة ومعاني روائع أم كلثوم (الجهة المُنظِّمة)

رافَقَها في هذا العبور الموسيقي الفكري عازف الكمان جهاد عقل، الذي لم يكن مجرَّد مرافَقة موسيقية، وإنما شريك السفر بين تخوم الروح، فحضر على الكمان مثل بوصلة روحية تقود المستمع بين المعاني. كان هو الآخر سؤالاً فلسفياً يُطرح من خلال وتر، واستفهاماً جمالياً يُنحت بالصوت.

قدّمت الندوة الدكتورة نايلة أبي نادر، التي اختارت أن تستهلّها بكلمات تُشبه المفاتيح، تفتح أبواب السؤال: عن الفلسفة التي تنبثق من الموسيقى، وعن النغم حين يتحوّل إلى فكر. عن القصائد التي تسكنها رؤى ميتافيزيقية، وعن الكلمة حين تتجلّى لاهثةً في لحن أم كلثوم.

الفلسفة تتجاوز كونها تمريناً ذهنياً في عزلتها الأكاديمية (الجهة المُنظِّمة)

وقالت إنّ ما حرّك هذه الندوة ليس فقط الاحتفاء بذكرى مرور 50 عاماً على رحيل «كوكب الشرق»، وإنما رغبة عميقة في إعادة وصل ما انقطع: بين الثقافة العالِمة والذائقة الحيّة، بين الحضور الأكاديمي والموسيقى بوصفها لغة الوجود. ورأت أنّ هذا اللقاء بين الفلسفة والغناء يُعيد الحسبان لحقل مهمّش في المشهد الثقافي؛ الحقل الذي ينشد الحقيقة من خلال الجمال.

وتوقّفت عند تعدّدية التعبير الإنساني عن القلق الوجودي: الشعر، والدعاء، والخيال. ولفتت إلى أنّ الفلسفة والموسيقى وُلدا من رحم هذه الأسئلة الكبرى التي تُعاش ولا تُجَاب. وإذا كانت الفلسفة تُسائل الوجود، فإنّ الموسيقى تصوغه شعوراً نابضاً، يتجاوز حدود اللغة نحو جوهر أعمق.

ولأنّ مارلين يونس الحائزة دكتوراه في الفلسفة وعلم الموسيقى، تقيم أصلاً في هذا التلاقي بين الميتافيزيقا والنغم، بين الكلمة المجازية والصوت المجروح؛ فقد اقترحت أبي نادر أن تقدّم ورقة تجمع ما اختبرته يونس نظرياً وما تمرَّست به غنائياً، لتأتي الاستجابة مفاجِئة، لا سيّما بعدما قرّر جهاد عقل مرافقتها على الكمان، فتكوَّنت ثنائية منسجمة تُحلّق في فضاء شعري وفلسفي، انطلقت من صوت أم كلثوم، وحلّقت في آفاق الفكر.

تساءلت الندوة عن الفلسفة التي تنبثق من الموسيقى (الجهة المُنظِّمة)

في غناء مارلين، تلاقت الكلمة المُحمَّلة بأسئلة الوجود، مع اللحن الذي يسكن الداخل. في كل بيتٍ شعري تُغنّيه، كانت هناك طبقة من المعنى تُستحضر، بصفتها مدخلاً إلى تأمّل أعمق في جدوى الكلمة ومعنى اللحن.

قال أفلاطون إنّ الموسيقى تمنح الكون روحه والعقل أجنحته والخيال طيرانه. في الأمسية، بدا هذا التصوّر حقيقةً حيّة، إذ تداخل اللحن بالكلمة، والفلسفة بالانفعال، في زمنٍ تغيب فيه القيم خلف ضجيج الاستهلاك.

الفلاسفة الكبار، من هيغل إلى جبران، من غوتيه إلى ألدوس هكسلي، كلهم احتفوا بالموسيقى سبيلاً إلى تفهّم الحياة. الموسيقى، كما رآها هيغل، هي فنّ الروح، وهي أيضاً ما قال عنه هكسلي إنه «الأقرب إلى التعبير عمّا لا يمكن وصفه».

عازف الكمان جهاد عقل رفيق هذا العبور الفكري (الجهة المُنظِّمة)

فلماذا أم كلثوم بالذات؟ طرحت أبي نادر السؤال وتركته معلّقاً. لكن الجواب جاء في الأداء نفسه: لأنّ في غناء «الستّ» احتفالاً بالمعنى وعناقاً بين الشِّعر والحنجرة، وسؤالاً لا يهدأ عن الحبّ والغياب، وعن الحبيب والوطن.

إن إعادة التفكير في هذا التراث الغنائي هو في جوهره عملٌ فلسفيّ. ولهذا، تُضيء مؤسسة «تكوين الفكر العربي»، والحركة الثقافية في أنطلياس، على هذا النوع من اللقاءات النادرة، التي تُعيد النبض إلى قلب الثقافة، وتحاول أن تستخرج من الذاكرة ما سيظلُّ حيّاً.


مقالات ذات صلة

لماذا تندلع الحروب؟... وكيف تتحول إلى كوابيس بلا نهاية؟

تحليل إخباري دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)

لماذا تندلع الحروب؟... وكيف تتحول إلى كوابيس بلا نهاية؟

الحروب الكارثية لا تأتي عادة من فراغ، ولا تكون مفاجآت بالمعنى الكامل؛ فهي غالباً نتيجة أخطاء متكررة في الحسابات الاستراتيجية...

أنطوان الحاج
يوميات الشرق الطريق يعرف أكثر منهم (متروبوليس)

«صراط»... ما بعد الصدمة الأولى

العالم الذي يرسمه المخرج لا يعرف التدرُّج ولا يلتزم إيقاعاً يمكن الوثوق به.

فاطمة عبد الله (بيروت)
بروفايل الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)

بروفايل رحيل «جدّ المثقفين»... إدغار موران يغلق قوس قرنٍ من الفكر المعقد

غيّب الموت في باريس الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران عن 104 أعوام، مخلفاً إرثاً فكرياً ضخماً ارتبط بنظرية الفكر المركب ومواقف أخلاقية شجاعة.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق النار تأتي من حزن لم يجد مَخرجاً (فيسبوك)

ثلاثية «أفاتار»... سينما تُفكّك العنف

الرماد حين لا يُحتَوى، لا يبرد... هو فقط يُنتج ناراً جديدة يستحيل من بعدها التعامل مع العنف على أنه حدث استثنائي.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق فيلم يضع الإنسان أمام صمت العالم من دون موسيقى تعزية (الشرق الأوسط)

«الغريب» لفرنسوا أوزون... اختبار سينمائي لفلسفة العبث

«مورسو» يمثّل إنساناً يواجه العالم كما هو، من دون أن يُضفي عليه معاني إضافية...

فاطمة عبد الله (بيروت)

فضل شاكر يشعل مسرح الخبر بـ«يا غايب»... ونجله يقدمه في عودة لافتة

أحيا فضل شاكر الحفل على مسرح «الخبر أرينا» في المنطقة الشرقية (الشرق الأوسط)
أحيا فضل شاكر الحفل على مسرح «الخبر أرينا» في المنطقة الشرقية (الشرق الأوسط)
TT

فضل شاكر يشعل مسرح الخبر بـ«يا غايب»... ونجله يقدمه في عودة لافتة

أحيا فضل شاكر الحفل على مسرح «الخبر أرينا» في المنطقة الشرقية (الشرق الأوسط)
أحيا فضل شاكر الحفل على مسرح «الخبر أرينا» في المنطقة الشرقية (الشرق الأوسط)

في مشهد فني حمل الكثير من المشاعر، عاد الفنان اللبناني فضل شاكر إلى لقاء جمهوره على المسرح في مدينة الخبر، وسط استقبال جماهيري حافل، في حفل جمعه بنجله الفنان محمد شاكر، الذي تولى تقديم والده على المسرح، في لحظة لافتة شهدت تفاعلاً واسعاً من الحضور.

وعلى وقع أغنيته الشهيرة «يا غايب» وهتافات الجمهور، أحيا فضل شاكر الحفل على مسرح «الخبر أرينا» في المنطقة الشرقية، في ليلة تزامنت مع الإعلان عن انطلاق موسم الخبر الثاني، وجمعت بين عودة الفنان اللبناني والأجواء الاحتفالية التي شهدتها المدينة.

الحفل جمع الفنان فضل شاكر بنجله الفنان محمد شاكر الذي تولى تقديم والده إلى المسرح (الشرق الأوسط)

واستهل محمد شاكر الأمسية الغنائية بأداء أغنية «يا غايب»، قبل أن يضيف إليها عبارة «محتاجك يا فضول ترعاني»، ثم دعا والده إلى المسرح بكلمات عفوية عبّر فيها عن محبته قائلاً: «والدي حبيب قلبي»، وسط تصفيق وترحيب كبيرين من الجمهور.

بدوره، استقبل فضل شاكر الحاضرين قائلاً: «أهل الخبر نورتوني، يسعد مساكم، إن شاء الله أقدر أسعدكم اليوم»، قبل أن يبدأ وصلته الغنائية التي قدم خلالها مجموعة من أبرز أعماله، من بينها «إلا وأنا معاك»، وسط تفاعل لافت من الجمهور.

وحافظت «يا غايب» على حضورها بوصفها أبرز محطات الأمسية، إذ أعاد فضل شاكر أداءها أكثر من مرة استجابة لطلبات الجمهور، الذي تفاعل مع كلماتها، ورددها معه، في مشهد عكس مكانة الأغنية لدى محبيه.

الفنان محمد شاكر خلال مشاركته في الحفل (الشرق الأوسط)

وشهد الحفل الإعلان عن انطلاق موسم الخبر الثاني، إيذاناً ببدء برنامج جديد من الفعاليات والتجارب الترفيهية التي تستضيفها المدينة، في إضافة احتفالية إلى الأمسية الغنائية التي استقطبت حضوراً جماهيرياً كبيراً.

وقبل مغادرته المسرح، وجّه فضل شاكر رسالة شكر إلى جمهور المنطقة الشرقية، قائلاً: «أكرمتوني، شكراً لكم»، مختتماً أمسية طغت عليها أجواء المحبة والتفاعل بينه وبين الحاضرين.

ونظمت الحفل شركة «بنش مارك» بالشراكة مع «إكس بي» (XP)، ضمن جهودهما لتقديم تجارب فنية وترفيهية تستقطب نجوم الغناء العربي، وتعزز تنوع الفعاليات الفنية في السعودية، بما يواكب تطلعات الجمهور ومستهدفات «رؤية السعودية 2030».

الحفل شهد الإعلان عن انطلاق موسم الخبر الثاني إيذاناً ببدء برنامج جديد من الفعاليات والتجارب الترفيهية (الشرق الأوسط)

وكان فضل شاكر ونجله محمد قد استهلا محطتهما الفنية في السعودية من العاصمة الرياض، على مسرح «أبو بكر سالم»، قبل انتقالهما إلى الخبر، على أن تكون محطتهما المقبلة في مدينة جدة، الخميس المقبل، على مسرح «عبادي الجوهر أرينا».


الليلة التي اختفى فيها هوديني... إلى الأبد

100 عام على وفاة هاري هوديني أبرز لاعب خفّة ومحطّم قيود في القرن الـ20 (ويكيبيديا)
100 عام على وفاة هاري هوديني أبرز لاعب خفّة ومحطّم قيود في القرن الـ20 (ويكيبيديا)
TT

الليلة التي اختفى فيها هوديني... إلى الأبد

100 عام على وفاة هاري هوديني أبرز لاعب خفّة ومحطّم قيود في القرن الـ20 (ويكيبيديا)
100 عام على وفاة هاري هوديني أبرز لاعب خفّة ومحطّم قيود في القرن الـ20 (ويكيبيديا)

ليلة هالوين في مدافن ماكبيلاه في منطقة كوينز في نيويورك لا تُشبه سواها في أي مكان آخر. يتجمّع الناس كل سنة هناك لإحياء ذكرى أبرز لاعب خفّة، وأبرَع هارب من القيود، هاري هوديني.

لا يتجمهرون حول قبره لأنّ ليلة هالوين مخصصة لاستذكار الموتى فحسب، بل لأنّ هوديني فارق الحياة في مثل تلك الليلة، وتحديداً في 31 أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1926. تكتسب الذكرى هذا العام بالتالي أهمية خاصة، بما أنّ مُحبّيه يحيون المئويّة الأولى لرحيله، الذي ما زالت الألغاز وعلامات الاستفهام تلفُّه حتى اليوم.

في ليلة هالوين من كل عام يتجمّع محبّو هوديني حول مدفنه في منطقة كوينز في نيويورك (ويكيبيديا)

هوديني.. لغزٌ في حياته وموته

رغم انقضاء 100 سنة على وفاة الساحر هوديني بسبب التهابٍ حادّ ناتج عن انفجار الزائدة الدوديّة، فإنّ السيناريوهات الخاصة بأيامه الأخيرة لا تزال تشغل بال كثيرين. حتى أن صحيفة «نيويورك تايمز» نبشت الأرشيف قبل أيام، محاورةً طبيبة نشرت كتاباً حول لغز موته، وشكّكت في أسبابه المُعلَنة.

ليس هوديني عابرَ تاريخٍ اعتيادياً، فالرجلُ المولود تحت اسم إريك فايز في بودابست عام 1874 عاش لغزاً، ومات لغزاً. أذهلَ العالم بعروض الخفّة التي كان يتقنها، والقائمة بمعظمها على التحرّر من القيود، والخروج من أماكن مغلقة بأساليب خارقة، وأشبَه بالسِّحر.

طفلٌ يبيع الوهم

الفقر هو الذي أخذَ هوديني إلى عالم بيع الوهم. في الـ9 من عمره، وبعد أن غرق والده في أزمات ماليّة، بدأ القيام بعروض بهلوانيّة. لاحقاً جرّب حظّه مع ألعاب الخفّة والسحر، لكنه لم يكن مُقنِعاً بما يكفي. في الـ22 من عمره اتضحت ملامح موهبته، وهي قدرتُه على التخلّص من الأصفاد المقفلة حول يدَيه.

مع مرور السنوات وانتقاله من عروض الشوارع إلى مسارح أميركا، وأوروبا، ما عاد يكتفي هوديني بالتخلّص من الأصفاد، بل اشتُهر بتحرير نفسه من كل أشكال القيود، بدءاً بالحبال، والسلاسل الحديديّة، وقمصان التقييد المستخدمة في المستشفيات، مروراً بالهروب من أوعية مغلقة، ومملوءة بالماء، أو الحليب، وصولاً إلى التقييد داخل صناديق تُرمى في النهر، وليس انتهاءً بعروض الخروج من تحت التراب بعد الدفن حياً.

عام 1912 هوديني مستعداً للدخول مقيّداً في صندوق يُرمى في المياه (ويكيبيديا)

هوديني يُدفَن حياً ومكبّلاً

في الهواء الطلق، معلّقاً من الأبنية الشاهقة، والجسور، وفي المسارح العريقة على حدٍ سواء، جمع هوديني حوله الجماهير المذهولة. وضع خلفه الطفلَ البهلوان الذي كانه، وصار من بين فناني الترفيه الأعلى أجراً في العالم.

الربع الأول من القرن الـ20 كان زمن هوديني بامتياز. كلّما تضاعفت شهرته، رفع منسوب التحدّي، ووضع نفسه في مواقف كادت أن تسلبه حياته. المرة الأولى التي جرّب فيها حيلة الدفن حياً والخروج من تحت التراب، انتهى به الأمر على شفير الاختناق، والموت المحتّم.

في سنواته الأخيرة، اشتهر هوديني بعَرض «زنزانة التعذيب المائي الصينيّة». كان يعلَّق مقلوباً داخل صندوق مغلق مصنوع من الزجاج، والفولاذ، ومملوء بالمياه، حيث يحبس أنفاسه لأكثر من 3 دقائق، ثم يخلّص نفسه من القيود، ويخرج من المياه، والصندوق.

هوديني يؤدي خدعة «زنزانة التعذيب المائي الصينية» (مكتبة الكونغرس)

يوم انفجرَ بطن هوديني

في 22 أكتوبر 1926، وفيما كان هوديني جالساً في حجرته داخل أحد مسارح مونتريال في كندا استعداداً لعرضه، تلقّى زيارةً من ثلاثة طلّاب جامعيين مهتمّين بشخصه. وفق أحدِهم، الذي تحوّل لاحقاً إلى شاهد في القضية، فإنّ زميله المدعو جوسلين غوردون وايتهيد توجّه إلى هوديني بسؤال: «هل صحيح أنّ اللكمات على المعدة لا تؤلمك؟». أجاب هوديني قائلاً إنّ معدته قادرة على تحمّل الكثير. فما كان من وايتهيد إلّا أن بدأ توجيه ضربات قوية للغاية تحت حزام الرجل. ووفق الشاهد، فإنّ هوديني كان ينكمش على نفسه مع كل لكمة، ثم أومأ فجأةً إلى الشاب بالتوقّف فوراً.

في تلك الليلة، قدّم هوديني عرضه تحت وطأة الألم الشديد، وفي الأيام التي تلت الحادثة ارتفعت حرارته إلى 40 درجة مئوية ليتبيّن أنه مصاب بالتهاب الزائدة الحاد. رغم ذلك، فهو تَجاهلَ طلبَ الطبيب الخضوع لجراحة فوريّة متابعاً عروضه في مدينة ديترويت الأميركية، مغمياً عليه مرات عدة على الخشبة.

بعد عرضه الأخير في 24 أكتوبر، نُقل هوديني إلى المستشفى في ديترويت، حيث خضع لجراحة فوريّة تَبيّنَ على أثرها أنّ زائدته منفجرة، وأنّ بطنه مليء بالقَيح. تفاقمت حالتُه بشكلٍ دراماتيكي رغم جراحةٍ ثانية أُجريت له، وتوفّي في 31 أكتوبر 1926 عن 52 عاماً.

هوديني وزوجته بياتريس (بيس) التي كانت تشارك في بعض عروضه (مكتبة الكونغرس)

تعدّدت النظريات وموت هوديني واحد

حتى اليوم، وبعد مرور قرنٍ على وفاة هوديني، لم يُعرَف ما إذا كان وايتهيد قد تَعمّدَ أذيّتَه، أم أنّ الأمر كان مجرّد لعبة تحوّلت إلى سوء تفاهم.

المؤكّد هو أنّ كثيرين لم يستوعبوا ذلك الرحيل الصادم لرجلٍ ظنّوه محصّناً ضدّ الخطر، أمضى حياته وهو يمازح الموت. كيف قضت الزائدة المنفجرة على هوديني؟ سؤالٌ تكرّر لسنوات، وأحاطت به أجوبة متعدّدة.

من بين عشرات السيناريوهات التي جرى تداولها أنّ مجموعة من الأقزام العاملين في السيرك تسلّلت خلسةً إلى غرفة هوديني في الفندق ودسّت له سمّ الزرنيخ في كوب الشاي. فيما طرح آخرون فرضيّة أن يكون هوديني قد قضى وهو يحاول الهروب من خزّان مقفل خلال عرض «زنزانة التعذيب المائي». ووفق اعتقاد البعض، فإنّ هوديني اغتيل على يد أتباع المذهب الروحاني بسبب محاربته نظريّتهم القائمة على إمكانية التواصل مع الموتى.

تبقى النظريّة الأقرب إلى المنطق، والواقع، احتمال أن تكون لكمات وايتهيد على بطن هوديني قد أيقظت التهاباً كان نائماً في الزائدة الدوديّة لديه.

سيناريوهات خياليّة أحاطت بوفاة هوديني عن 52 عاماً (مكتبة الكونغرس)

أما الطبيبة لاريان جيليسبي، والتي اهتمّت بالقضية إلى درجة تأليفها كتاباً عن وفاة هوديني، فبرّأت وايتهيد كلياً، مستبعدةً أن تكون اللكمات هي سبب الوفاة. لفتت جيليسبي إلى انسدادٍ في أمعاء هوديني ناجمٍ عن كتلةٍ ليفيّة بسبب طعامٍ صينيّ كان قد تناوله. وبعد مراجعتها الدقيقة للسجلّات الطبية، وإفادات الشهود، خَلُصت إلى أنّ الوثائق قد خضعت للتعديل المتعمّد.

لا إجابة واضحة حتى اليوم حول رحيل هوديني الذي لفّ الغموض حياته ومماته. لكن تبقى حكاية اللكمات والزائدة المنفجرة الأكثر تداولاً، وقد دفع ذلك بوايتهيد إلى الانكفاء عن المجتمع، وإلى عزلةٍ طويلة، ووفاةٍ مبكرة بسبب سوء التغذية، رغم عدم توجيه أي تهمة مباشرة له.


«بوليفارد وورلد»... رحلة بين حضارات متعددة ضمن «موسم الرياض»

«بوليفارد وورلد» تتيح لزوارها استكشاف وجهات عالمية متنوعة (واس)
«بوليفارد وورلد» تتيح لزوارها استكشاف وجهات عالمية متنوعة (واس)
TT

«بوليفارد وورلد»... رحلة بين حضارات متعددة ضمن «موسم الرياض»

«بوليفارد وورلد» تتيح لزوارها استكشاف وجهات عالمية متنوعة (واس)
«بوليفارد وورلد» تتيح لزوارها استكشاف وجهات عالمية متنوعة (واس)

افتتحت منطقة «بوليفارد وورلد»، الجمعة، أبوابها مُجدَّداً للزوار ضمن النسخة السابعة من «موسم الرياض»، مُستندةً في عودتها للعام الخامس على التوالي إلى حضورها البارز والإقبال الكبير عليها من الجمهور داخل السعودية وخارجها.

وتستقبل «بوليفارد وورلد» زوارها برحلة بين ثقافات وحضارات متعددة، عبر مناطق مستوحاة من دول العالم، تتجسَّد فيها ملامح التراث والثقافة من خلال التصاميم المعمارية والأسواق والمطاعم والحرف التقليدية والعروض الفنية، لتتيح للزوار استكشاف وجهات عالمية متنوعة.

ويتنقَّل الزوار بين وجهات تمثل السعودية والكويت وتركيا وإيران واليابان والصين وفرنسا وإيطاليا والمغرب واليونان والمكسيك ومصر والولايات المتحدة والهند وكوريا الجنوبية وإندونيسيا وإسبانيا.

وتتضمن «بوليفارد وورلد» مناطق مستوحاة من ثقافات أفريقيا وآسيا وبلاد الشام، وتضم كل وجهة مطاعم ومتاجر وعروضاً حية تعكس طابعها الثقافي، لتتنوع تجربة الزيارة بين المذاقات والتسوق والفنون.

وجهات «بوليفارد وورلد» تضم مطاعم ومتاجر وعروضاً حية تعكس طابعها الثقافي (واس)

كما تجمع خيارات ترفيهية تناسب مختلف الأعمار، من بينها اللعبة المائية «Amazonia Awakens»، وسينما «Vuz Dome» بعروضها المحيطية بزاوية 360 درجة، وألعاب «BLVD Pier»، و«التلفريك» الذي يتيح مشاهدة المنطقة من الأعلى، وتجارب المغامرات، والألعاب التفاعلية، والسباقات.

وتبرز «البحيرة» بوصفها إحدى أبرز محطات الزيارة في «بوليفارد وورلد»، بما توفره من تجارب مائية تشمل التاكسي المائي والقوارب المتنوعة، كما تتيح منطقة أفريقيا تجارب مشاهدة الحيوانات والتفاعل معها، إلى جانب مناطق الألعاب والأنشطة العائلية المخصصة للأطفال.

ومنذ انطلاقها عام 2022، رسَّخت «بوليفارد وورلد» مكانتها ضمن أبرز وجهات «موسم الرياض»، بما حققته من إقبال جماهيري خلال الأعوام الماضية، وما تجمعه من خيارات ترفيهية متنوعة في وجهة واحدة.