ماراثون بيروت... ولادة مدينة تغلب موتها

15 ألف مُشارك يشهدون على أنّ خطّ النهاية ليس سوى انطلاق جديد

عنادٌ بيروتيّ بوجه الأقدار المُباغِتة (ماراثون بيروت)
عنادٌ بيروتيّ بوجه الأقدار المُباغِتة (ماراثون بيروت)
TT

ماراثون بيروت... ولادة مدينة تغلب موتها

عنادٌ بيروتيّ بوجه الأقدار المُباغِتة (ماراثون بيروت)
عنادٌ بيروتيّ بوجه الأقدار المُباغِتة (ماراثون بيروت)

لم تستيقظ بيروت، فجر الخميس، لتفتح عينيها على يومٍ عادي. استيقظت لتنهض من رمادها، وتُعلن مجدّداً تغلُّبَها على موتها. الساعة الرابعة قبل الشروق، بشَّرت موسيقى تسبق الشمس في الوصول بيومٍ ستحفظه الذاكرة.

هذا اللقاء البشري لم يكن يوماً مجرّد سباق (ماراثون بيروت)

ماراثون بيروت لم يكن يوماً مجرّد سباق. هذا العام تحديداً، هو نداء داخلي وصرخة حياة بعد زمن من الصمت. ما تأجَّل في نوفمبر (تشرين الثاني)، حين كانت المدينة تحترق، والوطن يئنّ، جاء اليوم ليولد من جديد في الأول من مايو (أيار)، كأنه عناد بيروتيّ بوجه الأقدار المُباغِتة. كأنَّ المدينة تقول: «أنا هنا، ما زلتُ أركض وأحلم».

الركض يجعلنا نرى الآخرين كما لم نرهم من قبل (ماراثون بيروت)

في الواجهة البحرية، تجمَّع الناس. كل الأطياف؛ مَن يُشبهك ومَن لا يُشبهك؛ مَن يحمل جرحاً صغيراً، ومن أتى بجراحٍ لا تُحصَى. اجتمعوا ليركضوا معاً، لا نحو النهايات، وإنما نحو بدايات جديدة. فالركض في بيروت لا يُقاس بالأمتار. مقياسُه المعنى. هو فعلُ تحدٍّ ضدَّ السقوط، وحركة ضدَّ السكون، وإرادة أقوى من التعب.

كأنَّ المدينة تقول: «أنا هنا... ما زلتُ أركض وأحلم» (ماراثون بيروت)

امتلأت الشوارع بعدّائين تركوا خلفهم كل ما يُثقِل. لم تعُد الشوارع للشاحنات والأنين، وإنما للأقدام الحافية أحياناً وللقلوب المُشتعلة. هو يومٌ للذين لم يعرفوا قُدراتهم بأكملها، وللذين اختبروا الخسارة والنجاة، ولأولئك الذين يسيرون بذاكرة نازفة، أو بأمل أخير.

يؤمّنون مسارات نخبة العدّائين (ماراثون بيروت)

والركض يتجاوز كونه مسألة عضلات، فيبني علاقة مع الحياة. هو مواجهة مستمرّة مع الإرهاق، وإيمانٌ بأنَّ الألم يمكن أن يُنجِب المعنى. والعدّاء لا يهرب من الألم، بل يتقدَّم إليه. يلتهمه، ويصعد به، لأنه يعرف أنَّ المعاناة تُطهِّر، وأنَّ كل وجعٍ يُقرّب خطوة من الذات؛ ومن الحقيقة.

الصليب الأحمر والفرق الطبّية جاهزان ومستعدان (ماراثون بيروت)

والركض أيضاً ليس رياضة فقط. الأهم أنه انكشاف. لحظة تُصغي فيها إلى صوتك الداخلي، وتكتشف كم من المعارك تخوضها في صمت. في كلّ خطوة نرمي أحمالاً، ونتخفَّف من قسوة العالم. نركض كي نتطهَّر من الضجيج. من الخذلان. من الركود العاطفي. ومن الخوف. فالركض، حين يكون صادقاً، يُقرّبك من نفسك أولاً، قبل خطّ النهاية.

اجتمعوا ليركضوا معاً نحو بدايات جديدة (ماراثون بيروت)

نركض لنتذكّر أننا أحياء، وأنَّ الجسد، بكلّ ما فيه من ضعف وتعب، لا يزال قادراً على الاستمرار. وأنَّ القلب، رغم ثقله، لا يزال يعرف كيف يخفق. نركض لنتواضع؛ فالركض يجعلنا نرى الآخرين كما لم نرهم من قبل. كلنا متساوون على الطريق. لا شيء يُفرّقنا سوى مقدار ما نحمله من أمل.

في كلّ خطوة نرمي أحمالاً ونتخفَّف من قسوة العالم (ماراثون بيروت)

والركض يُعلّمنا كيف نصغي، كيف نُثابر، كيف نحبّ الحياة رغم أوجاعها. يجعلنا نُبطئ لنفهم، ثم نُسرِع لنحيا. هو فعل وجودي. تمرين على أن نكون أفضل، في أجسادنا ونظرتنا للآخر، وفي علاقتنا بالزمن وبالمكان، وبأنفسنا.

في الركض، نتعلّم أنَّ الانتصار الحقيقي ليس أنْ نصل أولاً، بل ألا نتوقَّف عن المحاولة. أنْ نُكمل رغم العرق والألم وكلّ ما يدفعنا للاستسلام. نركض لنصبح أكثر إنسانية، وأكثر قرباً من المعنى.

الركض إيمانٌ بأنَّ الألم يمكن أن يُنجِب المعنى (ماراثون بيروت)

السادسة والربع صباحاً، انطلق السباق: 42 كيلومتراً لعدّائي الماراثون، و21 أخرى لمَن اختار نصف الطريق. لكن لا أحد قطع نصف الشعور. جميعهم حملوا قلوباً ثقيلة وعيوناً تنظر إلى البعيد، حيث الوطن الذي يستحق أن نركض من أجله، لا أن نهرب منه.

مي الخليل لعبت دوراً محورياً في إنجاح الحدث (ماراثون بيروت)

الحياة لا تزال ممكنة... والأمل حيّ (ماراثون بيروت)

كانت الساحة تعجّ بعيونٍ لم تعرف النوم، وأجسادٍ بالكاد استراحت. فماراثون بيروت ليس سباقاً عادياً. هو استحقاق روح وولادة ثانية. وهو إثبات للذات، وإعلانٌ بأنَّ لبنان لا يزال يملك ما يقدّمه. وتحت شعار: «تعوا نركض من النهاية للبداية ليبقى لبنان»، أُقيم السباق. شعارٌ كُتب بحبر الألم، لكنه نُطِق بصوت الأمل، تماماً مثل صوت الفنان ملحم زين وهو يغنّي أغنية هذه النسخة، «مِنْقلها للدني نحنا ما مننحني»، من كلمات نزار فرنسيس.

برعاية رئيس الجمهورية جوزيف عون وحضور رئيس الحكومة نواف سلام، نظّمت جمعية «بيروت ماراثون» سباق «أو إم تي بيروت ماراثون» في نسخته الـ21. رئيستها، مي الخليل، لعبت دوراً محورياً في إنجاح الحدث. هي التي لطالما حملت على عاتقها مَهمّة جمع اللبنانيين على أرض واحدة، ليُثبتوا معاً أنَّ الحياة لا تزال ممكنة، والأمل حيّ في قلب بيروت.

امتلأت الشوارع بعدّائين تركوا خلفهم كل ما يُثقِل (ماراثون بيروت)

15 ألف عدّاء وعدّاءة من 38 دولة، احتشدوا في لحظة متوهِّجة. كان المشهد فعلَ مقاومة ضدَّ الحرب والتقسيم. فالماراثون، بما فيه من عرق ودموع، شكَّل ساحة سلام، وخريطة لوطنٍ يُرسم من جديد.

ثم أتى سباق الـ5 كيلومترات لتكتمل الصورة. هذا ليس سباقاً للسرعة، وإنما للمُشاركة. سباقٌ يحمل أصوات مَن لا يُسمَعون دائماً: ذوو الحاجات الخاصة، الناشطون، الحالمون، أولئك الذين ما زالوا يؤمنون. هو الركض من أجل العدالة، من أجل البلد القابل للحياة، من أجل أن يُسمَع الصوت، لا أنْ يُكتَم.

نركض لنصبح أكثر إنسانية وأكثر قرباً من المعنى (ماراثون بيروت)

الانتصار الحقيقي ليس أنْ نصل أولاً بل ألا نتوقَّف عن المحاولة (ماراثون بيروت)

7 ساعات من الحماسة والعزيمة والوجوه التي تلمع بالعرق وتبتسم رغم كلّ شيء. وجوهٌ ترفض الخنوع. شخصياتٌ من مختلف القطاعات شاركت، وجمهور احتشد ليشاهد، ولكن أيضاً ليؤمن من جديد. شاشة «إل بي سي آي» نقلت المشهد الصاخب، وموسيقى الجيش عزفت النشيد، وأصوات الفنّ والرقص ملأت الفضاء.

لكن ما بقي بعد كلّ هذا؟ ما يبقى هو النبض. هو هذه الشعلة التي تُضاء كلَّ ماراثون. هو الإيمان بأنَّ بيروت، مهما تهدّمت، تعرف طريقها إلى الحياة. وأنَّ الركض، في النهاية، ليس هروباً من الدمار، وإنما ذهابٌ إليه؛ لمواجهته، وتحويله إلى معنى.

الركض في بيروت لا يُقاس بالأمتار وإنما بالمعنى (ماراثون بيروت)

بيروت تركض لتثبت أنها جديرة دائماً بالأمل. كلّ خطوة تُحرّك حجراً من الركام، وكل نَفَسٍ يُبدِّد دخان حرائقها. ومن بين أنقاض الوحشة والخذلان، تولد مدينة جديدة. مدينة تركض من النهاية إلى البداية، من الوجع إلى الشفاء، ومن الخسارة إلى العَوَض. في بيروت، لا تنتهي القصص. نحن شهود على أنها ستظلُّ تُروى.


مقالات ذات صلة

رغم نفي رحيله… مستقبل الركراكي مع منتخب المغرب «محل شك»

رياضة عربية وليد الركراكي (رويترز)

رغم نفي رحيله… مستقبل الركراكي مع منتخب المغرب «محل شك»

بات مستقبل مدرب منتخب المغرب وليد الركراكي محل شكّ جدي قبل أربعة أشهر فقط من انطلاق كأس العالم وذلك وفقاً لشبكة The Athletic.

The Athletic (الرباط)
رياضة سعودية راميرو سجل هدفين للخلود في شباك الخليج (تصوير: عيسى الدبيسي)

الدوري السعودي: الخلود يعبر الخليج بهدف أوتكوس القاتل

اقتنص الخلود فوزا مثيرا من مضيفه الخليج 3 /2 في المرحلة الثالثة والعشرين من دوري المحترفين السعودي.

علي القطان (الدمام)
رياضة عالمية توني يوكا (أ.ب)

الملاكم الفرنسي يوكا سيمثل الكونغو الديمقراطية في «أولمبياد 2028»

سيدافع الملاكم توني يوكا، المتوج بذهبية «أولمبياد ريو 2016» تحت علم فرنسا، عن ألوان الكونغو الديمقراطية؛ بلد والده، مع وضع «أولمبياد لوس أنجليس» نصب عينيه.

«الشرق الأوسط» (باريس )
رياضة عالمية جانب من أعمال العنف بالقرب من وادي الحجارة عقب عملية عسكرية يوم الأحد أسفرت عن مقتل زعيم عصابة المخدرات نميسيو أوسجيرا (أ.ف.ب)

تأجيل مباريات في المكسيك بسبب أعمال العنف… والفيفا يراقب الوضع

تأجلت 4 مباريات لكرة القدم في المكسيك بعد اندلاع أعمال عنف بالقرب من وادي الحجارة، عقب عملية عسكرية أسفرت عن مقتل زعيم عصابة المخدرات نميسيو أوسجيرا.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو سيتي)
رياضة عربية عماد النحاس (الزوراء)

إنهاء العلاقة التعاقدية بين الزوراء والمدرب المصري عماد النحاس

أعلن الزوراء المنافس في دوري نجوم العراق لكرة القدم، الثلاثاء، إنهاء تعاقده مع المدرب المصري عماد النحاس بالتراضي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended