جولة بين الجواسيس... الاستخبارات البريطانية تعرض نجاحاتها وإخفاقاتها

جهاز «إم آي 5» يفتح ملفاته منذ بدايات القرن الماضي... انتصار على الألمان وفشل أمام الروس... وأضخم العمليات ضد «القاعدة»

معدات راديو متطورة عُثر عليها مدفونة في حديقة الجاسوسَين السوفياتيَّين هيلين وبيتر كروجر في ستينات القرن الماضي مُعارة من مقر الاتصالات الحكومية البريطانية (GCHQ) (National Archives)
معدات راديو متطورة عُثر عليها مدفونة في حديقة الجاسوسَين السوفياتيَّين هيلين وبيتر كروجر في ستينات القرن الماضي مُعارة من مقر الاتصالات الحكومية البريطانية (GCHQ) (National Archives)
TT

جولة بين الجواسيس... الاستخبارات البريطانية تعرض نجاحاتها وإخفاقاتها

معدات راديو متطورة عُثر عليها مدفونة في حديقة الجاسوسَين السوفياتيَّين هيلين وبيتر كروجر في ستينات القرن الماضي مُعارة من مقر الاتصالات الحكومية البريطانية (GCHQ) (National Archives)
معدات راديو متطورة عُثر عليها مدفونة في حديقة الجاسوسَين السوفياتيَّين هيلين وبيتر كروجر في ستينات القرن الماضي مُعارة من مقر الاتصالات الحكومية البريطانية (GCHQ) (National Archives)

قد يتبادر إلى ذهن القارئ أن هذا الموضوع لا بد أنه منشور في المساحة الخطأ. فالقارئ العربي لن يشعر، على أغلب الظن، براحة نفسية وهو يجول بين جواسيس أجهزة الأمن. السوري سيتبادر إلى ذهنه، ربما، فرع فلسطين السيئ السمعة في أجهزة النظام السابق. العراقي سيرتعد فزعاً وهو يستعيد ما يعرفه عن غرف التعذيب في دهاليز أجهزة استخبارات الرئيس الأسبق صدام حسين. أما الليبي فسيفكر في «سجن أبو سليم» أو «محكمة الشعب» خلال حكم العقيد الراحل معمر القذافي. وما ينطبق على سوريا والعراق وليبيا لا بد أنه ينطبق كذلك على كثير من الدول العربية.

لذا، إذا كان جواسيس أجهزة الاستخبارات يثيرون الرعب في قلبك، فهذا الموضوع لا يعنيك بالتأكيد.

مناسبة هذه المقدمة هي التقديم لمعرض يقيمه جهاز الأمن البريطاني (إم آي 5) ويستعرض فيه بعض أبرز إنجازاته، مع إقرار بإخفاقاته أيضاً. يتعرَّف الزائر على معلومات عن أبرز جواسيسه التاريخيين، مسلطاً الضوء على ما قاموا به منذ تأسيس جهاز الاستخبارات البريطاني في أوائل القرن العشرين. إضافة إلى الجواسيس، يتضمَّن المعرض بعضاً من الأجهزة التقنية التي استخدموها، والتي تبدو اليوم، مع سرعة التقدم التكنولوجي، في مكانها الصحيح: متحف المحفوظات التاريخية.

يقدِّم المعرض المقام في أحد أجنحة الأرشيف الوطني بضاحية كيو، جنوب غربي لندن، لمحةً عن تاريخ إنشاء جهاز الاستخبارات البريطاني في بدايات القرن العشرين، في خضم حمّى خوف متفشٍّ عمَّ الشارع البريطاني من تحضير الألمان لغزو البلاد. تمهيداً لذلك، أرسلت ألمانيا شبكةً واسعةً من جواسيسها لجمع معلومات تساعد جيشها عندما يبدأ الغزو. وللتصدي لشبكة الجواسيس المفترضة، قرَّرت الحكومة البريطانية، عام 1909، إنشاء «مكتب الخدمات السري» الذي كان أول جهاز من نوعه في بريطانيا مهمته التصدي للجواسيس الأجانب. بدأ المكتب عمله بعنصرين فقط: الكابتن فيرنون كل، القادم من صفوف الجيش، والكوماندر مانسفيلد كامينغ، الآتي من البحرية الملكية. وسرعان ما انقسم عملهما إلى فرعين مستقلين: أسس فيرنون كل الاستخبارات الداخلية المكلفة التصدي للتجسس الأجنبي (إم آي 5)، بينما أسَّس كامينغ الاستخبارات الخارجية (إم آي 6) ومهمتها التجسس خارج بريطانيا.

نسخ طبق الأصل من ملفات «MI5» السرية للغاية سابقاً بما في ذلك ملفات الجواسيس والعملاء المزدوجين (National Archives)

ربما كان الخوف من شبكات التجسس الألمانية مبالغاً فيه، لكن الحرب العالمية الأولى أظهرت أن هناك فعلاً مبرراً للقلق. ففي 4 أغسطس (آب) 1914، أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا، وزعمت، في اليوم التالي مباشرة، أنها حطَّمت شبكات التجسس التي زرعها الألمان. اعتقل البريطانيون فوراً 21 جاسوساً حقيقياً أو مشتبهاً بأنهم جواسيس لألمانيا، وخلال الحرب اعتقلوا 11 جاسوساً كان مصيرهم الإعدام. مع خسارتهم شبكة عملائهم، اضطر الألمان إلى خفض نشاطهم الاستخباراتي في بريطانيا بعد عام 1915. شكَّل ذلك انتصاراً واضحاً للجواسيس البريطانيين على الألمان. على الأقل هذا ما تحاول أن تُظهره لوحة معلومات معلقة على جدار في معرض «إم آي 5».

هُزمت ألمانيا في الحرب الأولى، لكنها سرعان ما أعادت الكرّة في بدايات الحرب العالمية الثانية. تُقدِّم إحدى اللوحات المعروضة في المعرض معلومات عن إطلاق ألمانيا النازية، عام 1940، حملة تجسس في بريطانيا تمهيداً لغزوها. وصل الجواسيس الألمان في زوارق أو غواصات، بينما وصل بعضهم جواً عبر مظلات. توضِّح لوحة التعريف أن كثيراً منهم (الجواسيس الألمان) «كانوا من ذوي التدريب الرديء. بعضهم لم يكن يتكلم الإنجليزية إطلاقاً، وجميعهم فعلياً تم رصدهم واعتقالهم». وجد المعتقلون أنفسهم في قاعدة لـ«إم آي 5» تُعرف بـ«معسكر 020» في ضاحية هام كومون قرب ريتشموند بمقاطعة ساري (على أطراف لندن)، حيث حاول المحققون «قلب» العملاء الألمان كي يصيروا «عملاء مزدوجين». نجح البريطانيون في «قلب» بعضهم. تتباهى إحدى اللوحات في المعرض بأن الاستخبارات البريطانية لعبت دوراً بارزاً في النصر على ألمانيا نتيجة عمليات نفَّذها 120 من «العملاء المزدوجين» الذين كانوا يعملون لمصلحة البريطانيين خلال الحرب العالمية الثانية. تشير لوحة معلومات أخرى إلى أن بريطانيا لاحقت، بين عامَي 1940 و1946، 19 جاسوساً بتهمة الخيانة، وأعدمتهم. أحد هؤلاء كان يوسف يعقوب الذي هبط بمظلة، لكنه أُصيب بكسر في الساق وتم اعتقاله. في التحقيق، زعم يعقوب أنه جاء ليقدم تقارير عن «أوضاع الطقس». لم ينقذه نفيه. أعدمه البريطانيون، بموجب قانون الخيانة، في قلعة لندن الشهيرة، وكان الشخص الأخير الذي يُعدَم هناك.

الدليل على أن يوسف يعقوب آخر شخص تم إعدامه في برج لندن كان جاسوساً ألمانياً (National Archives)

لا يشير جهاز الأمن البريطاني بالتفصيل إلى طريقة انتزاع الاعترافات من الموقوفين. لكنه يخصِّص قسماً من المعرض لضابط كبير يدعى روبن ستيفنز، الملقب بـ«صاحب النظارة بعين واحدة» (كان يضع نظارة بعين واحدة). قاد ستيفنز معسكر «هام كومون» التابع لجهاز الأمن والمخصَّص للتحقيق مع الجواسيس المفترضين، وكان معروفاً بأنه «متقلب المزاج وشرس». هذا التوصيف الذي يقدِّمه الجهاز لقائد معسكر التحقيق، سرعان ما يضيف إليه تأكيداً بأنه منع استخدام «العنف الجسدي» ضد السجناء في «المعسكر 020»، لكنه «سمح باستخدام الضغط النفسي». سواء استخدم العنف الجسدي أو الضغط النفسي، سيبدو «صاحب النظارة بعين واحدة»، على الأرجح، وكأنه ملاك مقارنة مع ما قام به المحققون في مراكز التعذيب العربية... على غرار الأهوال التي كُشفت أخيراً عمّا كان يحصل في «سجن صيدنايا» السوري السيئ السمعة.

يخصص قسم من المعرض لضابط كبير يدعى روبن ستيفنز الملقب بـ«صاحب النظارة بعين واحدة» (الشرق الأوسط)

يتضمَّن المعرض كاميرات قديمة كان الجواسيس البريطانيون يستخدمونها لتصوير العملاء المشتبه بهم، وأجهزة تنصت على الهواتف والمنازل. ويشير الجهاز إلى أن فريقاً، معظمه من النساء، كان يتولى تفريغ نصوص تسجيلات التنصت، مقرّاً بأن النساء لم يتم ضمهن إلى فرع المراقبة (المعروف بـ«آي 4») سوى في خمسينات القرن الماضي. وحتى في ذلك الوقت، لم يكن مسموحاً لهن بالبقاء في منصبهن هذا سوى لـ5 سنوات حدّاً أقصى. كما أن مهماتهن في الواقع لم تعدُ أن يكنَّ جاسوسات نيابةً عن الضباط الغائبين عن عمليات المراقبة.

من كاميرات جهاز «إم آي 5» (National Archives)

نجاحات وإخفاقات

يتباهى جهاز الأمن «إم آي 5» بقصص نجاحات عديدة، بينها قصة أوليغ غورديفسكي. هذا الضابط في جهاز الأمن والاستخبارات السوفياتي (كي جي بي) جنَّده البريطانيون للعمل لمصلحتهم بدءاً من عام 1974. استدعاه الـ«كي جي بي» للعودة إلى موسكو للاشتباه في أنه جاسوس مزدوج، لكن البريطانيين رتَّبوا هروبه عام 1985. تُظهر إحدى لوحات المعرض كيف تم إبلاغ رئيسة الحكومة الراحلة مارغريت ثاتشر بتهريب العميل «هتمان» (الكود السري لغورديفسكي) بعدما قدَّم «كمية كبيرة جداً من المعلومات البالغة القيمة عن نشاط الاستخبارات السوفياتية».

نجاحات «إم آي 5» قابلها أيضاً إقرار بالفشل. خصَّص جهاز الأمن قسماً من المعرض لكلاوس فوش الذي لم يُكشف سوى عقب نقله أسرار القنبلة النووية الأميركية (مشروع مانهاتن) للروس خلال الحرب العالمية الثانية. يُقرُّ جهاز الأمن بأن قضية «الجاسوس الذري» فوش، أثبتت آنذاك أن إجراءات التثبت من عدم وجود اختراق استخباراتي للأمن البريطاني لم تكن كافيةً، خصوصاً أنه خضع لإجراءات كشف العملاء 3 مرات، وكان ينجح في كل مرة. ألحقت فضيحة فوش ضرراً كبيراً بالعلاقة الاستخباراتية الخاصة مع الأميركيين، لكنها لم تكن الانتصار الوحيد للسوفيات على البريطانيين. في الواقع، يُخصِّص معرض «إم آي 5» جزءاً من أقسامه لإخفاقاته في مواجهة الروس، وتحديداً في قضية مَن يسميهم «جواسيس كمبردج»: هارولد (كيم) فيلبي، وغاي بيرجس، ودونالد ماكلين، وجون كيركروس. شكَّل هؤلاء أرفع شبكة استخبارات سوفياتية داخل الاستخبارات البريطانية. كانوا جميعاً من خريجي جامعة كمبردج وجنَّدهم السوفيات منذ ثلاثينات القرن الماضي.

حقيبة الجاسوس غاي بيرجيس التي احتوت على رسائل وأوراق وصور مُعارة من جهاز الأمن (National Archives)

إضافة إلى جواسيس شبكة كمبردج، يُقرُّ معرض جهاز الأمن البريطاني باختراق سوفياتي آخر تمثَّل فيما تُعرف بـ«حلقة جواسيس بورتلاند» خلال حكومة المحافظين بقيادة هارولد ماكميلان في ستينات القرن الماضي. ضمت خلية الجواسيس موظفَين في الحكومة البريطانية يعملان في فرع للبحرية الملكية مخصص لعمليات الرصد تحت الماء في بورتلاند بمقاطعة دورست (غرب إنجلترا). مرَّر الموظفان للاستخبارات السوفياتية تفاصيل سرية عن مشروع الغواصات البريطاني. ضمت الشبكة أيضاً عميلين آخرين لـ«كي جي بي» من مواليد أميركا كانا يتظاهران بأنهما بائعا كتب نادرة. فكَّك البريطانيون هذه الشبكة ولكن ليس نتيجة جهدهم الخاص، فقد أبلغتهم عنها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) بعدما كشفها لهم عميل بولندي.

الحرب ضد الإرهاب

لا يكتفي معرض الاستخبارات البريطانية بتناول النجاحات والإخفاقات التاريخية، إذ إن قسماً منه يتناول أيضاً الحرب ضد تنظيم «القاعدة» وكيف كشفت «عملية أوفيرت»، وهي أكبر عملية لمكافحة الإرهاب في تاريخ «إم آي 5» وشرطة لندن، خلية انتحاريين كانت تخطِّط لتفجير 7 طائرات تنطلق من مطار هيثرو إلى الولايات المتحدة في صيف عام 2006. يتضمَّن المعرض نموذجاً للسوائل المتفجرة التي كان سيستخدمها الانتحاريون، التي كانت مخفيةً في عبوات مشروبات. كما يتضمَّن المعرض تفاصيل عن العملية التي نفَّذتها، على الأرجح، الاستخبارات الروسية في قلب لندن في نوفمبر (تشرين الثاني) 2006 وأسفرت عن مقتل ألكسندر ليتفينينكو، ضابط الاستخبارات الروسية (إف إس بي). كان الأخير يعمل لمصلحة الاستخبارات البريطانية، وقتله عميلان روسيان بعدما دسَّا له سم «بولونيوم 210» المشع في فنجان شاي كان يحتسيه بفندق شهير في العاصمة البريطانية.

يستمر المعرض المجاني حتى 28 سبتمبر (أيلول) المقبل.


مقالات ذات صلة

معرض «اشتراك»... توصيلات المولّدات الكهربائية ندوب على وجه بيروت

يوميات الشرق ديالا خضري أمام مجموعة من لوحات معرضها «اشتراك» (الشرق الأوسط)

معرض «اشتراك»... توصيلات المولّدات الكهربائية ندوب على وجه بيروت

تُحيك ديالا خضري لوحاتها بأكسسوارات وأدوات مختلفة، لتبدو كأنها نسخة طبق الأصل عن المشهد اليومي...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق لقطة من أعمال ظلال باسودان في معرض صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون (تصوير: تركي العقيلي)

«طرق المعرفة»... فنانون سعوديون يعبرون من الجمال إلى البحث

يطرح المعرض رؤى فنية تنطلق من التساؤل والتجربة نحو البحث والاستكشاف وبناء المعنى.

فاطمة القحطاني (الرياض)
يوميات الشرق أحد الأعمال الفنية المشاركة في المعرض (وزارة الثقافة)

معرض فني يحاكي ثورات مصر في ذكرى «30 يونيو»

عبر رصد ملامح الشخصية المصرية في بيئات مختلفة، جاء معرض «30 يونيو... رؤى تشكيلية»، ليجسد معاني متنوعة تشير إلى تلاحم وتكاتف المصريين في وقت الأزمات والثورات.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق مقتنيات قديمة بمعرض «مصر الجديدة زمان» (الشرق الأوسط)

معرض بقصر البارون يوثق بدايات حي «مصر الجديدة»

بمناسبة مرور 121 عاماً على إنشاء حي مصر الجديدة (شرق القاهرة)، استضاف قصر البارون معرضين يوثّقان لتراث الحي العريق.

محمد الكفراوي (القاهرة )
لمسات الموضة من عرض «دولتشي آند غابانا» (إ.ب.أ)

عودة «الكلاسيكية» بنفحة استعراضية

أدرك المصممون ودور الأزياء أن الأزمات السياسية والاقتصادية المتتالية تجعل سوق الرفاهية لا يستحمل المبالغات والجرأة الفنية

جميلة حلفيشي (لندن)

بلدة بريطانية تفتح أنفاقاً تحت الأرض عمرها 250 عاماً للجمهور

لم تُفتح أنفاق مصنع الزجاج أمام الجمهور من قبل (متحف ستوربريدج للزجاج)
لم تُفتح أنفاق مصنع الزجاج أمام الجمهور من قبل (متحف ستوربريدج للزجاج)
TT

بلدة بريطانية تفتح أنفاقاً تحت الأرض عمرها 250 عاماً للجمهور

لم تُفتح أنفاق مصنع الزجاج أمام الجمهور من قبل (متحف ستوربريدج للزجاج)
لم تُفتح أنفاق مصنع الزجاج أمام الجمهور من قبل (متحف ستوربريدج للزجاج)

يستعد متحف لصناعة الزجاج في منطقة ويست ميدلاندز البريطانية لفتح أنفاقه التاريخية، التي يعود تاريخها إلى نحو 250 عاماً، أمام الجمهور لأول مرة. وكشف متحف «ستوربريدج » للزجاج عن مشروع جديد ضخم يهدف إلى تحويل شبكة الأنفاق التاريخية التابعة له إلى تجربة تفاعلية غامرة ومناسبة لجميع أفراد الأسرة، حسب صحيفة «الإندبندنت» البريطانية.

وسيتمكن الزوار من الاستمتاع بتقنيات الواقع الافتراضي وتكنولوجيا الخرائط، التي ستعيد إحياء تاريخ وتراث صناعة الزجاج في المنطقة بأسلوب مبتكر. وكانت هذه الأنفاق تُستخدم في الماضي من قبل أجيال متعاقبة من عمال الزجاج في المنطقة لتخزين المواد الخام، والمساعدة في التحكم بدرجات الحرارة أثناء تصنيع المنتجات الزجاجية الهشة.

ويأمل القائمون على المشروع في أن تسهم التجربة الجديدة في جذب مزيد من الزوار إلى المنطقة، بما يدعم الاقتصاد المحلي من خلال زيادة الإقامة في الفنادق، والإنفاق في مجالات عمل وتجارة أخرى.

وأشاد، بيت لو، عمدة دادلي، بالمشروع الجديد، مستخدماً كلمة «بوستين»، (تعبير شائع في لهجة منطقة بلاك كانتري ومعناه «رائع» أو «ممتاز»).

وقال ألكسندر غودجر، مدير المتحف: «يمثل هذا المشروع جزءاً من المرحلة الجديدة من خطة تطوير المتحف، التي تهدف إلى تعزيز الموقع لخدمة السكان المحليين، وتوسيع ما يقدمه، وزيادة جاذبيته لشريحة أكبر من الزوار، واستقطاب السياح إلى المنطقة، بما يشجعهم على الإقامة في الفنادق وتناول الطعام في المطاعم، وهو ما يسهم في تنشيط المنطقة اقتصادياً».

وأضاف: «وقبل افتتاح الأنفاق أمام الجمهور، سينفذ المتحف تحسينات أساسية تتعلق بالصحة والسلامة، واللافتات الإرشادية، وإتاحة الوصول إلى الزوار، والإضاءة، لضمان تجربة آمنة وسلسة للجميع».

ولم يُعلن المتحف حتى الآن عن موعد محدد لافتتاح الأنفاق.

ويضم متحف «ستوربريدج » للزجاج حالياً معارض تستعرض تاريخ صناعة الزجاج في المدينة على مدى 400 عام، وتشمل عروضاً توضح طبيعة العمل داخل ما يُعرف بـ«مخروط الزجاج»، وهو مبنى شاهق من الطوب يتوسطه فرن، كان العمال يشكلون وينفخون داخله الزجاج المنصهر في بيئة شديدة الحرارة، بينما كانت الغازات تتصاعد إلى الخارج عبر فتحة أعلى المبنى.


دينا دوما: «التزلج ليس للفتيات» يطرح أسئلة عن الحرية والانتماء

قدم الفيلم جانباً من حياة الفتيات وطموحاتهن (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم جانباً من حياة الفتيات وطموحاتهن (الشركة المنتجة)
TT

دينا دوما: «التزلج ليس للفتيات» يطرح أسئلة عن الحرية والانتماء

قدم الفيلم جانباً من حياة الفتيات وطموحاتهن (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم جانباً من حياة الفتيات وطموحاتهن (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة المقدونية دينا دوما إن فيلمها الجديد «التزلج ليس للفتيات» لا ينطلق من فكرة الصراع المباشر بين الحرية والقمع بقدر ما يسعى إلى استكشاف المساحات الرمادية التي تعيش فيها الفتيات يومياً، مؤكدةً أنها كانت مهتمة بإظهار كيف يمكن للإنسان أن يختبر لحظات من الفرح والانطلاق حتى وهو محاصر بالقيود الاجتماعية والاقتصادية.

وأضافت دينا دوما، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر تطبيق «زووم»، أن الفيلم يتناول حياة شخصيات تحاول أن تحلم وتقاوم وتتمسك بإنسانيتها بعيداً عن الصور النمطية المعتادة التي تختزل الفتيات في المجتمعات المهمشة في دور الضحايا فقط. وتواصل، من خلال هذا الفيلم، اهتمامها السينمائي بعالم الفتيات والمراهقات والعلاقات النسائية، غير أنه هذه المرة يوسّع دائرة الأسئلة لتشمل مفاهيم الحرية والانتماء والسلطة الاجتماعية وتأثيرها في الجسد والاختيارات الشخصية، مع تقديم شخصيات معقدة وإنسانية تتجاوز الأحكام المسبقة وتعيش تناقضاتها الخاصة مثل أي شخص آخر.

وتدور أحداث الفيلم، الذي حصد جائزة «نورا إيفرون» في الدورة الماضية من مهرجان «ترايبيكا» في الولايات المتحدة الأميركية، داخل مدينة «سكوبيه» في مقدونيا الشمالية، حيث تعيش الطفلتان «أديلا» وشقيقتها الكبرى «زارا» ضمن مجتمع الروما، متنقلتين بين عالمين مختلفين: عالم المراهقة الحديثة المليء بالتزلج على الألواح ووسائل التواصل الاجتماعي والأحلام الشخصية، وعالم التقاليد المحافظة والضغوط الاقتصادية.

عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «ترايبيكا السينمائي» (الشركة المنتجة)

وبعد تخلي الأب عن الأسرة، تجد الأم نفسها أمام أزمة معيشية خانقة تدفعها إلى التفكير في تزويج «زارا» عبر ما يُعرف بـ«سوق العرائس البلغاري»، في حين ترفض «أديلا» الاستسلام لهذا المصير، وتحاول إيجاد طريقة لإنقاذ شقيقتها والحفاظ على تماسك الأسرة.

وأكدت دوما أنها تعمدت الابتعاد عن تقديم فتيات المجتمعات غير الغربية بوصفهن مجرد ضحايا للقهر أو شخصيات بطولية خارقة تتغلب على جميع العقبات، مشيرةً إلى أن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك بكثير؛ فبطلات الفيلم يثرثرن ويضحكن ويحلُمْن ويغضبن ويخطئن، تماماً مثل أي مراهقات أخريات في العالم، وهو ما أرادت إبرازه.

مجتمع الروما

وأضافت أنها لم ترغب في صناعة فيلم عن مجتمع الروما من الخارج، بل سعت إلى إنجاز فيلم بالتعاون مع أبناء المجتمع أنفسهم، حيث شارك عدد من أفراده في قراءة السيناريو وإبداء الملاحظات ومناقشة التفاصيل الثقافية والاجتماعية، الأمر الذي أسهم في تطوير العمل وإثرائه. كما استعانت بعدد كبير من الممثلين غير المحترفين من أبناء الحي، مما منح الفيلم قدراً كبيراً من الصدقية والعفوية.

المخرجة المقدونية دينا دوما (الشركة المنتجة للفيلم)

وعن شخصية الأم، أوضحت دوما أنها كانت من أكثر الشخصيات تعقيداً بالنسبة إليها أثناء الكتابة، لأنها كانت تنظر إليها في البداية بوصفها عقبة أمام حرية ابنتيها، لكنها أدركت لاحقاً أن هذه المرأة مدفوعة بالخوف والقلق والرغبة في حماية أسرتها وتأمين مستقبل بناتها. ولفتت إلى أن القمع لا يأتي دائماً من النوايا الشريرة، بل كثيراً ما يتخفى خلف مشاعر الحب والرعاية والخوف من المستقبل.

وتطرقت المخرجة إلى العلاقة المحورية بين الشقيقتين «أديلا» و«زارا»، مؤكدةً أنها تمثل القلب النابض للفيلم بأكمله. لذا استغرقت عملية البحث عن الطفلتين المناسبتين قرابة عام كامل قبل العثور على البطلتين، وهما ابنتا عمومة في الواقع، الأمر الذي منح العلاقة بينهما صدقاً وعفوية يصعب صناعتها أو فرضها من خلال التوجيه التقليدي للممثلين.

وأشارت دوما إلى أنها اعتمدت أسلوباً إخراجياً قائماً على بناء الثقة مع الممثلين الصغار بدلاً من التركيز على حفظ النصوص أو أداء الانفعالات بشكل مباشر، موضحةً أنها كانت تفضّل خلق الظروف التي تسمح للمشاعر بالظهور بصورة طبيعية، لأن الصدق العاطفي أهم بكثير من الأداء التقني أو الاستعراضي.

التحرر من القيود

وعن رمزية التزلج على الألواح في الفيلم، أوضحت أنه لم يكن مجرد نشاط رياضي، بل وسيلة للتعبير عن الحرية وامتلاك المساحة العامة، لافتةً إلى أن الكاميرا كانت تتعامل مع مشاهد التزلج بوصفها لحظات عاطفية تعكس العالم الداخلي لـ«أديلا»، إذ يمنحها التزلج إحساساً مؤقتاً بالتحرر من القيود المفروضة عليها وعلى شقيقتها.

وأضافت أن التباين البصري بين المنازل الضيقة وحدائق التزلج المفتوحة كان مقصوداً، إذ تعكس المساحات المنزلية شعوراً بالاختناق وكثرة الالتزامات، في حين تتيح فضاءات التزلج للشخصيات فرصة التنفس والتخيّل واختبار شكل مختلف من الحياة، حتى وإن كانت تلك الحرية مؤقتة وعابرة.

وكشفت دوما أن تطوير المشروع استغرق سنوات طويلة، ومرّ بمحطات دولية مهمة، من بينها برنامج الإقامة التابع لمهرجان «كان السينمائي»، مؤكدةً أن هذه التجارب لم تغيِّر جوهر الفيلم بقدر ما منحتها الوقت اللازم لإعادة التفكير في الشخصيات والأسئلة التي يطرحها العمل.

استعانت المخرجة بالسكان الأصليين للمشاركة في تقديم الفيلم (الشركة المنتجة)

وعن فوز الفيلم بجائزة «نورا إيفرون» في مهرجان «ترايبيكا السينمائي»، قالت المخرجة المقدونية إن الخبر جاء مفاجئاً بالنسبة إليها بعد سنوات طويلة من العمل والشكوك والتحديات، ورأت أن قيمة الجائزة لا تكمن فقط في التكريم نفسه، بل أيضاً في ارتباطها باسم مخرجة وكاتبة عُرفت بقدرتها على تقديم شخصيات إنسانية مفعمة بالتعاطف والذكاء.

وتُعد جائزة «نورا إيفرون» احتفاءً سنوياً بالإبداع السينمائي النسائي، وقد أُسست تخليداً لذكرى الكاتبة والمخرجة الأميركية الراحلة نورا إيفرون. وتُمنح الجائزة للمخرجات أو الكاتبات الصاعدات اللواتي يمتلكن رؤية سينمائية فريدة وصوتاً جريئاً.

وشددت المخرجة المقدونية على أنها لا تؤمن بأن السينما قادرة، بمفردها، على تغيير المجتمعات أو حل المشكلات المعقدة، لكنها تستطيع طرح الأسئلة، وكسر حالة اللامبالاة، وخلق قدر أكبر من التعاطف بين البشر. وأشارت إلى أن ما تتمناه بعد مشاهدة الفيلم هو أن يتذكر الجمهور بطلتيه بوصفهما فتاتين حقيقيتين تحملان أحلاماً ومخاوف وتناقضات، لا بوصفهما رمزين لقضية اجتماعية أو نموذجين جاهزين للأحكام المسبقة.


نجوم «الفراعنة» ينعشون أغاني المهرجانات بعد تألقهم في المونديال

صورة جماعية لمنتخب مصر في المونديال (اتحاد الكرة المصري)
صورة جماعية لمنتخب مصر في المونديال (اتحاد الكرة المصري)
TT

نجوم «الفراعنة» ينعشون أغاني المهرجانات بعد تألقهم في المونديال

صورة جماعية لمنتخب مصر في المونديال (اتحاد الكرة المصري)
صورة جماعية لمنتخب مصر في المونديال (اتحاد الكرة المصري)

لفت احتفال نجوم منتخب «الفراعنة» بالصعود للأدوار الإقصائية بالمونديال والفوز على أستراليا على وقع ألحان أغاني المهرجانات الأنظار في مصر.

وتصدر النجم محمد صلاح المشهد بترديد كلمات هذه الأغنيات والرقص على ألحانها الصاخبة رفقة بقية زملائه أمام فنادق الإقامة التي باتوا فيها بأميركا وكندا خلال مباريات المونديال.

وشملت قائمة الأغاني ديو «أنا بطل السوق»، لعمر كمال ومحمود الليثي، و«مش شايفك»، لعنبة، و«إحنا الجيل»، لأوكا، و«شبح شبح»، لأوكا وأورتيجا، و«سنيورة» لسانت ليفانت، وفارس سكر، و«الفلوس» لعصام صاصا، و«أنا بابا»، لمسلم وبوسي، ومهرجان «أسود الأرض»، هذا بالإضافة إلى أغنيات شهيرة أقدم من بينها «أنا مصر حبيبتي» لمحمد حماقي، وديو «هنا مصر»، لبهاء سلطان والعسيلي، و«وسع وسع»، لأحمد سعد، و«غالية بلدنا علينا»، لشيرين؛ ما أدى إلى انتعاش وكثرة تداول هذه الأغاني بشكل بارز خلال الأيام الماضية، كما توالت التعليقات الحديثة على فيديوهات الأغاني الرئيسية على «يوتيوب»، حيث أكد بعضهم الحضور للاستماع للأغنية كاملة عقب مشاهدة مقاطع المنتخب.

وعن رأيه في اعتماد نجوم منتخب مصر خلال احتفالاتهم على أغاني المهرجانات وإيقاعاتها السريعة، قال الناقد الفني المصري أمجد مصطفى إن ما يحدث ظاهرة ايجابية ومبهجة لكنها مؤقتة، لافتاً إلى أن «البحث عن الأغاني التي يرقص عليها المنتخب في وقت فراغه أو في أثناء الاحتفال عقب الفوز، نابعة من متابعة الناس لهم بنهم شديد؛ ما أدى لانتعاش هذه الأغاني مجدداً رغم مرور سنوات على إصدار عدد كبير منها، وذلك بهدف مجاراة نجوم المنتخب وتقليدهم».

وأضاف أمجد مصطفى لـ«الشرق الأوسط» أن «جيل الشباب يتابع المباريات باهتمام، وهو من جمهور أغنيات المهرجانات أيضاً، وعندما يشاهد نجوم المنتخب يستمعون لها فإنه ينجذب إليها تلقائياً بشكل أوسع».

النجم المصري محمد صلاح (اتحاد الكرة المصري)

وأوضح أمجد مصطفى أن «الحالة التي عليها المنتخب فرضت الاستماع لهذه الأغاني لكنها ربما لا تعبر بالضرورة عن الذائقة الشخصية لهم، فهي مناسبة لحالة السعادة والبهجة التي يشعرون بها؛ لأن هذا النوع من الموسيقى وإيقاعه الصاخب يليق بالاحتفالات».

ويرى أمجد مصطفى أن «أغاني المهرجانات جاذبة لمراحل عمرية مختلفة، رغم ركودها منذ سنوات، فلم يعد نجومها بنفس وهج البدايات، ولم تعد متصدرة مثل السابق، لكنها حالياً مصاحبة ومرتبطة بالحالة الكروية الحالية، وستنتهي مجدداً» على حد تعبيره.

وظهرت أغنيات «المهرجانات» في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة ووصفها البعض بـ«الثورة الموسيقية»، وعدوها تحولاً حتمياً للأغنية الشعبية التي اشتهر بها نجوم عدة مثل، محمد عبد المطلب، ورمضان البرنس، وأحمد عدوية، وحسن الأسمر، وشعبان عبد الرحيم، وعبد الباسط حمودة، وحكيم، وسعد الصغير، ورضا البحراوي.

وشهدت نقابة الموسيقيين، في أثناء تولي الفنان المصري الراحل هاني شاكر النقابة جدلاً واسعاً بعد قرار منع عدد كبير من مطربي المهرجانات من الغناء، واتهامهم بـ«التسبب في تدني مستوى الذوق العام»؛ ما أدى لانقسام الآراء حول أحقيتهم في الغناء تحت مظلة رسمية، لكن النقيب الحالي مصطفى كامل قام بتدشين شعبة «الأداء الصوتي» لاحتواء الأزمة.

محمود تريزيجيه وإمام عاشور يحتفلان بالفوز على أستراليا (أ.ب)

واشتهر عدد من نجوم المهرجانات بأسماء غير مألوفة، وربما مستعارة للانتشار، ولم تقتصر على الأسماء الفردية مثل حمو بيكا، وحسن شاكوش، وسمارة، وشواحة، وعصام صاصا، وغيرهم، بل شملت أسماء الفرق مثل «أبناء سليم اللبانين»، و«الدخلاوية»، و«المدفعجية»، و«صواريخ»، وغير ذلك.

ويؤكد الدكتور محمد عبد الله الأستاذ بكلية «التربية الموسيقية» جامعة العاصمة (حلوان سابقاً)، أن «الأغاني التي اعتمدها نجوم المنتخب خلال احتفالاتهم تنوعت بين المهرجانات وغيرها من الأغاني الوطنية، لذلك يمكننا القول إن (المهرجانات) استحوذت على جزء بارز وصاخب من الاحتفالات، مع وجود نوعيات أخرى مختلفة».

وأضاف عبد الله لـ«الشرق الأوسط» أن أغاني المهرجانات بالفعل أصبحت قليلة الانتشار، وتراجعت نوعاً ما خلال الفترة الماضية بعد تشبع الأذن الموسيقية بها، والتي جعلتها عادية بعدما كان الإقبال عليها مبالغاً فيه، وهذا الأمر نتيجة طرح ألبومات فنية لنجوم كبار ولهم جمهور عريض».