جولة بين الجواسيس... الاستخبارات البريطانية تعرض نجاحاتها وإخفاقاتها

جهاز «إم آي 5» يفتح ملفاته منذ بدايات القرن الماضي... انتصار على الألمان وفشل أمام الروس... وأضخم العمليات ضد «القاعدة»

معدات راديو متطورة عُثر عليها مدفونة في حديقة الجاسوسَين السوفياتيَّين هيلين وبيتر كروجر في ستينات القرن الماضي مُعارة من مقر الاتصالات الحكومية البريطانية (GCHQ) (National Archives)
معدات راديو متطورة عُثر عليها مدفونة في حديقة الجاسوسَين السوفياتيَّين هيلين وبيتر كروجر في ستينات القرن الماضي مُعارة من مقر الاتصالات الحكومية البريطانية (GCHQ) (National Archives)
TT

جولة بين الجواسيس... الاستخبارات البريطانية تعرض نجاحاتها وإخفاقاتها

معدات راديو متطورة عُثر عليها مدفونة في حديقة الجاسوسَين السوفياتيَّين هيلين وبيتر كروجر في ستينات القرن الماضي مُعارة من مقر الاتصالات الحكومية البريطانية (GCHQ) (National Archives)
معدات راديو متطورة عُثر عليها مدفونة في حديقة الجاسوسَين السوفياتيَّين هيلين وبيتر كروجر في ستينات القرن الماضي مُعارة من مقر الاتصالات الحكومية البريطانية (GCHQ) (National Archives)

قد يتبادر إلى ذهن القارئ أن هذا الموضوع لا بد أنه منشور في المساحة الخطأ. فالقارئ العربي لن يشعر، على أغلب الظن، براحة نفسية وهو يجول بين جواسيس أجهزة الأمن. السوري سيتبادر إلى ذهنه، ربما، فرع فلسطين السيئ السمعة في أجهزة النظام السابق. العراقي سيرتعد فزعاً وهو يستعيد ما يعرفه عن غرف التعذيب في دهاليز أجهزة استخبارات الرئيس الأسبق صدام حسين. أما الليبي فسيفكر في «سجن أبو سليم» أو «محكمة الشعب» خلال حكم العقيد الراحل معمر القذافي. وما ينطبق على سوريا والعراق وليبيا لا بد أنه ينطبق كذلك على كثير من الدول العربية.

لذا، إذا كان جواسيس أجهزة الاستخبارات يثيرون الرعب في قلبك، فهذا الموضوع لا يعنيك بالتأكيد.

مناسبة هذه المقدمة هي التقديم لمعرض يقيمه جهاز الأمن البريطاني (إم آي 5) ويستعرض فيه بعض أبرز إنجازاته، مع إقرار بإخفاقاته أيضاً. يتعرَّف الزائر على معلومات عن أبرز جواسيسه التاريخيين، مسلطاً الضوء على ما قاموا به منذ تأسيس جهاز الاستخبارات البريطاني في أوائل القرن العشرين. إضافة إلى الجواسيس، يتضمَّن المعرض بعضاً من الأجهزة التقنية التي استخدموها، والتي تبدو اليوم، مع سرعة التقدم التكنولوجي، في مكانها الصحيح: متحف المحفوظات التاريخية.

يقدِّم المعرض المقام في أحد أجنحة الأرشيف الوطني بضاحية كيو، جنوب غربي لندن، لمحةً عن تاريخ إنشاء جهاز الاستخبارات البريطاني في بدايات القرن العشرين، في خضم حمّى خوف متفشٍّ عمَّ الشارع البريطاني من تحضير الألمان لغزو البلاد. تمهيداً لذلك، أرسلت ألمانيا شبكةً واسعةً من جواسيسها لجمع معلومات تساعد جيشها عندما يبدأ الغزو. وللتصدي لشبكة الجواسيس المفترضة، قرَّرت الحكومة البريطانية، عام 1909، إنشاء «مكتب الخدمات السري» الذي كان أول جهاز من نوعه في بريطانيا مهمته التصدي للجواسيس الأجانب. بدأ المكتب عمله بعنصرين فقط: الكابتن فيرنون كل، القادم من صفوف الجيش، والكوماندر مانسفيلد كامينغ، الآتي من البحرية الملكية. وسرعان ما انقسم عملهما إلى فرعين مستقلين: أسس فيرنون كل الاستخبارات الداخلية المكلفة التصدي للتجسس الأجنبي (إم آي 5)، بينما أسَّس كامينغ الاستخبارات الخارجية (إم آي 6) ومهمتها التجسس خارج بريطانيا.

نسخ طبق الأصل من ملفات «MI5» السرية للغاية سابقاً بما في ذلك ملفات الجواسيس والعملاء المزدوجين (National Archives)

ربما كان الخوف من شبكات التجسس الألمانية مبالغاً فيه، لكن الحرب العالمية الأولى أظهرت أن هناك فعلاً مبرراً للقلق. ففي 4 أغسطس (آب) 1914، أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا، وزعمت، في اليوم التالي مباشرة، أنها حطَّمت شبكات التجسس التي زرعها الألمان. اعتقل البريطانيون فوراً 21 جاسوساً حقيقياً أو مشتبهاً بأنهم جواسيس لألمانيا، وخلال الحرب اعتقلوا 11 جاسوساً كان مصيرهم الإعدام. مع خسارتهم شبكة عملائهم، اضطر الألمان إلى خفض نشاطهم الاستخباراتي في بريطانيا بعد عام 1915. شكَّل ذلك انتصاراً واضحاً للجواسيس البريطانيين على الألمان. على الأقل هذا ما تحاول أن تُظهره لوحة معلومات معلقة على جدار في معرض «إم آي 5».

هُزمت ألمانيا في الحرب الأولى، لكنها سرعان ما أعادت الكرّة في بدايات الحرب العالمية الثانية. تُقدِّم إحدى اللوحات المعروضة في المعرض معلومات عن إطلاق ألمانيا النازية، عام 1940، حملة تجسس في بريطانيا تمهيداً لغزوها. وصل الجواسيس الألمان في زوارق أو غواصات، بينما وصل بعضهم جواً عبر مظلات. توضِّح لوحة التعريف أن كثيراً منهم (الجواسيس الألمان) «كانوا من ذوي التدريب الرديء. بعضهم لم يكن يتكلم الإنجليزية إطلاقاً، وجميعهم فعلياً تم رصدهم واعتقالهم». وجد المعتقلون أنفسهم في قاعدة لـ«إم آي 5» تُعرف بـ«معسكر 020» في ضاحية هام كومون قرب ريتشموند بمقاطعة ساري (على أطراف لندن)، حيث حاول المحققون «قلب» العملاء الألمان كي يصيروا «عملاء مزدوجين». نجح البريطانيون في «قلب» بعضهم. تتباهى إحدى اللوحات في المعرض بأن الاستخبارات البريطانية لعبت دوراً بارزاً في النصر على ألمانيا نتيجة عمليات نفَّذها 120 من «العملاء المزدوجين» الذين كانوا يعملون لمصلحة البريطانيين خلال الحرب العالمية الثانية. تشير لوحة معلومات أخرى إلى أن بريطانيا لاحقت، بين عامَي 1940 و1946، 19 جاسوساً بتهمة الخيانة، وأعدمتهم. أحد هؤلاء كان يوسف يعقوب الذي هبط بمظلة، لكنه أُصيب بكسر في الساق وتم اعتقاله. في التحقيق، زعم يعقوب أنه جاء ليقدم تقارير عن «أوضاع الطقس». لم ينقذه نفيه. أعدمه البريطانيون، بموجب قانون الخيانة، في قلعة لندن الشهيرة، وكان الشخص الأخير الذي يُعدَم هناك.

الدليل على أن يوسف يعقوب آخر شخص تم إعدامه في برج لندن كان جاسوساً ألمانياً (National Archives)

لا يشير جهاز الأمن البريطاني بالتفصيل إلى طريقة انتزاع الاعترافات من الموقوفين. لكنه يخصِّص قسماً من المعرض لضابط كبير يدعى روبن ستيفنز، الملقب بـ«صاحب النظارة بعين واحدة» (كان يضع نظارة بعين واحدة). قاد ستيفنز معسكر «هام كومون» التابع لجهاز الأمن والمخصَّص للتحقيق مع الجواسيس المفترضين، وكان معروفاً بأنه «متقلب المزاج وشرس». هذا التوصيف الذي يقدِّمه الجهاز لقائد معسكر التحقيق، سرعان ما يضيف إليه تأكيداً بأنه منع استخدام «العنف الجسدي» ضد السجناء في «المعسكر 020»، لكنه «سمح باستخدام الضغط النفسي». سواء استخدم العنف الجسدي أو الضغط النفسي، سيبدو «صاحب النظارة بعين واحدة»، على الأرجح، وكأنه ملاك مقارنة مع ما قام به المحققون في مراكز التعذيب العربية... على غرار الأهوال التي كُشفت أخيراً عمّا كان يحصل في «سجن صيدنايا» السوري السيئ السمعة.

يخصص قسم من المعرض لضابط كبير يدعى روبن ستيفنز الملقب بـ«صاحب النظارة بعين واحدة» (الشرق الأوسط)

يتضمَّن المعرض كاميرات قديمة كان الجواسيس البريطانيون يستخدمونها لتصوير العملاء المشتبه بهم، وأجهزة تنصت على الهواتف والمنازل. ويشير الجهاز إلى أن فريقاً، معظمه من النساء، كان يتولى تفريغ نصوص تسجيلات التنصت، مقرّاً بأن النساء لم يتم ضمهن إلى فرع المراقبة (المعروف بـ«آي 4») سوى في خمسينات القرن الماضي. وحتى في ذلك الوقت، لم يكن مسموحاً لهن بالبقاء في منصبهن هذا سوى لـ5 سنوات حدّاً أقصى. كما أن مهماتهن في الواقع لم تعدُ أن يكنَّ جاسوسات نيابةً عن الضباط الغائبين عن عمليات المراقبة.

من كاميرات جهاز «إم آي 5» (National Archives)

نجاحات وإخفاقات

يتباهى جهاز الأمن «إم آي 5» بقصص نجاحات عديدة، بينها قصة أوليغ غورديفسكي. هذا الضابط في جهاز الأمن والاستخبارات السوفياتي (كي جي بي) جنَّده البريطانيون للعمل لمصلحتهم بدءاً من عام 1974. استدعاه الـ«كي جي بي» للعودة إلى موسكو للاشتباه في أنه جاسوس مزدوج، لكن البريطانيين رتَّبوا هروبه عام 1985. تُظهر إحدى لوحات المعرض كيف تم إبلاغ رئيسة الحكومة الراحلة مارغريت ثاتشر بتهريب العميل «هتمان» (الكود السري لغورديفسكي) بعدما قدَّم «كمية كبيرة جداً من المعلومات البالغة القيمة عن نشاط الاستخبارات السوفياتية».

نجاحات «إم آي 5» قابلها أيضاً إقرار بالفشل. خصَّص جهاز الأمن قسماً من المعرض لكلاوس فوش الذي لم يُكشف سوى عقب نقله أسرار القنبلة النووية الأميركية (مشروع مانهاتن) للروس خلال الحرب العالمية الثانية. يُقرُّ جهاز الأمن بأن قضية «الجاسوس الذري» فوش، أثبتت آنذاك أن إجراءات التثبت من عدم وجود اختراق استخباراتي للأمن البريطاني لم تكن كافيةً، خصوصاً أنه خضع لإجراءات كشف العملاء 3 مرات، وكان ينجح في كل مرة. ألحقت فضيحة فوش ضرراً كبيراً بالعلاقة الاستخباراتية الخاصة مع الأميركيين، لكنها لم تكن الانتصار الوحيد للسوفيات على البريطانيين. في الواقع، يُخصِّص معرض «إم آي 5» جزءاً من أقسامه لإخفاقاته في مواجهة الروس، وتحديداً في قضية مَن يسميهم «جواسيس كمبردج»: هارولد (كيم) فيلبي، وغاي بيرجس، ودونالد ماكلين، وجون كيركروس. شكَّل هؤلاء أرفع شبكة استخبارات سوفياتية داخل الاستخبارات البريطانية. كانوا جميعاً من خريجي جامعة كمبردج وجنَّدهم السوفيات منذ ثلاثينات القرن الماضي.

حقيبة الجاسوس غاي بيرجيس التي احتوت على رسائل وأوراق وصور مُعارة من جهاز الأمن (National Archives)

إضافة إلى جواسيس شبكة كمبردج، يُقرُّ معرض جهاز الأمن البريطاني باختراق سوفياتي آخر تمثَّل فيما تُعرف بـ«حلقة جواسيس بورتلاند» خلال حكومة المحافظين بقيادة هارولد ماكميلان في ستينات القرن الماضي. ضمت خلية الجواسيس موظفَين في الحكومة البريطانية يعملان في فرع للبحرية الملكية مخصص لعمليات الرصد تحت الماء في بورتلاند بمقاطعة دورست (غرب إنجلترا). مرَّر الموظفان للاستخبارات السوفياتية تفاصيل سرية عن مشروع الغواصات البريطاني. ضمت الشبكة أيضاً عميلين آخرين لـ«كي جي بي» من مواليد أميركا كانا يتظاهران بأنهما بائعا كتب نادرة. فكَّك البريطانيون هذه الشبكة ولكن ليس نتيجة جهدهم الخاص، فقد أبلغتهم عنها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) بعدما كشفها لهم عميل بولندي.

الحرب ضد الإرهاب

لا يكتفي معرض الاستخبارات البريطانية بتناول النجاحات والإخفاقات التاريخية، إذ إن قسماً منه يتناول أيضاً الحرب ضد تنظيم «القاعدة» وكيف كشفت «عملية أوفيرت»، وهي أكبر عملية لمكافحة الإرهاب في تاريخ «إم آي 5» وشرطة لندن، خلية انتحاريين كانت تخطِّط لتفجير 7 طائرات تنطلق من مطار هيثرو إلى الولايات المتحدة في صيف عام 2006. يتضمَّن المعرض نموذجاً للسوائل المتفجرة التي كان سيستخدمها الانتحاريون، التي كانت مخفيةً في عبوات مشروبات. كما يتضمَّن المعرض تفاصيل عن العملية التي نفَّذتها، على الأرجح، الاستخبارات الروسية في قلب لندن في نوفمبر (تشرين الثاني) 2006 وأسفرت عن مقتل ألكسندر ليتفينينكو، ضابط الاستخبارات الروسية (إف إس بي). كان الأخير يعمل لمصلحة الاستخبارات البريطانية، وقتله عميلان روسيان بعدما دسَّا له سم «بولونيوم 210» المشع في فنجان شاي كان يحتسيه بفندق شهير في العاصمة البريطانية.

يستمر المعرض المجاني حتى 28 سبتمبر (أيلول) المقبل.


مقالات ذات صلة

رؤية جديدة لأعمال رامبرانت قادمة إلى متحف «متروبوليتان» ثم إلى متحف «اللوفر»

يوميات الشرق لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)

رؤية جديدة لأعمال رامبرانت قادمة إلى متحف «متروبوليتان» ثم إلى متحف «اللوفر»

نادراً ما يحتاج رامبرانت إلى تعريف. ومع ذلك، هناك أعمال عدة لهذا الفنان الذي ينتمي إلى العصر الذهبي الهولندي لم تُعرض قط أمام الجمهور الأميركي؛ وهو وضع سيتغير…

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق سارة الشعار أمام مجموعة من لوحات معرضها «داخل الخارج» (الشرق الأوسط)

سارة الشعار تُنقِّب في ذاكرة جدران بيروت

تحاكي لوحات سارة الشَّعار تشقّق الجدران وتقشّرها، من دون السعي إلى استنساخها.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ما أثقل ما نحمله من أنفسنا (الشرق الأوسط)

حنان حوحو ترسم ما تتركه السنوات في النساء

تمنح حنان حوحو أجساد نسائها أحجاماً كبيرة وتترك لرؤوسهن حيّزاً ضئيلاً. تستحوذ الأجساد على مساحة اللوحة، فيما تتشابه الوجوه إلى حدّ يصعب معه تمييز امرأة عن أخرى.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)

لوحة لفان غوخ تطلّ بعد 60 عاماً... و180 مليون دولار في انتظارها

تزاحم المئات في هونغ كونغ، الثلاثاء، لمشاهدة لوحة لفنسنت فان غوخ لم تُعرض على الجمهور منذ أكثر من 6 عقود...

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
يوميات الشرق جانب من أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

«دويتو»... معرض يجدد ظاهرة الثنائيات الفنية بمصر

يستعيد معرض «دويتو» للثنائي الفني المصريين لينا أسامة ومهنى ياؤد فكرة الثنائيات الفنية عبر تجربة متفردة.

محمد الكفراوي (القاهرة )

رؤية جديدة لأعمال رامبرانت قادمة إلى متحف «متروبوليتان» ثم إلى متحف «اللوفر»

لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)
لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)
TT

رؤية جديدة لأعمال رامبرانت قادمة إلى متحف «متروبوليتان» ثم إلى متحف «اللوفر»

لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)
لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)

نادراً ما يحتاج رامبرانت إلى تعريف. ومع ذلك، هناك أعمال عدة لهذا الفنان الذي ينتمي إلى العصر الذهبي الهولندي لم تُعرض قط أمام الجمهور الأميركي؛ وهو وضع سيتغير في العام المقبل بفضل معرض جديد في متحف «متروبوليتان» للفنون، يُنظَّم بالتعاون مع متحف «اللوفر»، وفقاً لما أعلنه متحف «متروبوليتان».

من اللوحات في المرعض (متحف المتروبوليتان)

سيضم المعرض - الذي يحمل عنوان «رامبرانت والعصور القديمة» (Rembrandt and the Ancients) ويُفتتح في نوفمبر (تشرين الثاني) 2027 - ثلاثة أعمال على الأقل لرامبرانت لم تُعرض من قبل في الولايات المتحدة، وهي: «بثشبع تحمل رسالة الملك داود»، و«قسم الباتافيين»، و«امرأة تستحم في جدول». وسينضم إليها أكثر من 120 لوحة ومطبوعة ورسماً، قادمة من أكثر من 40 جهة معيرة. ومن المقرر أن ينتقل المعرض بعد ذلك إلى متحف «اللوفر» في مارس 2028.

بين التقاليد والابتكار

وتتولى تنظيم المعرض جوانا شيرز سيدنشتاين، أمينة قسم الرسومات والمطبوعات الأوروبية في متحف «متروبوليتان»، بالتعاون مع بليز دوكوس، أمين قسم اللوحات الهولندية والفلمنكية في متحف «اللوفر». وفي مقابلة أجريت معها، أوضحت سيدنشتاين أن المعرض يستكشف شغف رامبرانت بالعصور القديمة، متتبعاً ما وصفته بـ«العلاقة بين التقاليد والابتكار، وفكرة النظر إلى الماضي كعدسة لفهم الحاضر».

وأضافت أن إحدى لوحات رامبرانت المفضلة لديها هي لوحة «بثشبع»، التي تجسد المعضلة الأخلاقية للشخصية الرئيسية وهي تتأمل استدعاءً تلقته من الملك. ووصفتها سايدنشتاين بأنها «تحفة فنية، وتُعد من أكثر أعمال الفنان تأثيراً في تصوير المشاعر والأبعاد النفسية الداخلية». كما استعار متحف المتروبوليتان من المتحف الروماني الوطني نقشاً بارزاً قديماً. وقد برز متحف اللوفر سريعاً كشريك طبيعي؛ إذ سبق أن أقيمت معارض مشتركة بين المؤسستين، مثل معرض «فالنتان دو بولوني: ما بعد كارافاجيو» ومعرض «مصبوب في البرونز: النحت الفرنسي من عصر النهضة إلى الثورة».

لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)

ويضم متحف المتروبوليتان في مجموعته 20 لوحة تُنسب إلى رامبرانت شخصياً، بالإضافة إلى 11 رسماً ومئات النسخ من أعماله المحفورة. وفي إطار معرض «رامبرانت والعصور القديمة»، سيشارك متحف المتروبوليتان بأربع لوحات وثلاثة رسومات و11 عملاً مطبوعاً، بينما سيقدم متحف اللوفر لوحتين ورسمين للفنان. ومن بين الأعمال التي سيشارك بها متحف المتروبوليتان لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي»، وهي لوحة لم تغادر المتحف منذ 56 عاماً. ورغم أن هذا المعرض يُعد الأكبر لأعمال رامبرانت في متحف المتروبوليتان منذ 20 عاماً، فإن الفن الهولندي ظل ركيزة أساسية في المتحف منذ تأسيسه عام 1870؛ تماماً كما ترتبط مدينة نيويورك — التي كانت في الأصل مستوطنة هولندية تُعرف باسم «أمستردام الجديدة» — بعلاقات عميقة مع هولندا. وهذا ما يجعل الحضور المستمر لهذا الفنان جزءاً من تاريخ ثقافي أوسع وأكثر امتداداً.

أعمال معاصرة

ستقدم أعمال فنانين معاصرين اثنين للجمهور الأميركي منظوراً جديداً في متحف المتروبوليتان للفنون (المت) العام المقبل، وذلك بالتزامن مع بدء العمل الفعلي في إنشاء «جناح تانغ» (Tang Wing) المخصص للفن الحديث والمعاصر. وقد أعلن المتحف يوم الخميس أن تكليف تصميم واجهته -وهو مشروع يدعو الفنانين لتحويل التجاويف الموجودة على طول الجادة الخامسة إلى مساحة عرض - قد أُسند إلى الفنان «دان فو»، وهو فنان من أصل فيتنامي يقيم ويعمل في برلين ومدينة مكسيكو. تعتمد أعمال «دان فو» على استخدام الأشياء للكشف عن التواريخ وهياكل القوة التي تحملها في طياتها. وفي عام 2018، أقام متحف «غوغنهايم» معرضاً شاملاً لأعماله بعنوان «دان فو: خذ أنفاسي» (Danh Vo: Take My Breath Away). يقول ديفيد بريسلين، أمين قسم الفن الحديث والمعاصر في متحف المتروبوليتان: «يُعدّ فو واحداً من أكثر المفكرين براعةً في تناول التاريخ وكيفية احتفاظ الأشياء بالتاريخ في داخلها، وهذا بالضبط ما يفعله متحف المتروبوليتان؛ فنحن نعيد وضع الأشياء والتواريخ في سياقات جديدة لجعلها ملموسة وحاضرة أمام جماهير جديدة».

تجلى هذا النهج في الممارسات النحتية للفنان «فو». ففي عمله «نحن الشعب» (We the People) عام 2014، أنشأ نسخة نحاسية من تمثال الحرية، مقسمة إلى 250 قطعة، ما يدعو المشاهدين إلى إعادة النظر في مُثُل الحرية. أما في عمله «القطعة رقم 20: كرسيان من غرفة اجتماعات مجلس وزراء إدارة كينيدي» (2013)، فقد نزع «فو» الغطاء الجلدي عن كرسيين أصليين كانا في غرفة اجتماعات مجلس وزراء جون إف كينيدي، كاشفاً عن المواد المكونة لهما في إطار نقدٍ لحرب فيتنام. ويشير بريسلين إلى أن متحف «المتروبوليتان» (The Met) - الذي يعرض حالياً أربعة أعمال نحتية للفنان المقيم في بكين «ليو وي» حتى 8 يونيو (حزيران) 2027 - يمنح الفنانين الذين يعملون على واجهته قدراً استثنائياً من الحرية الإبداعية؛ إذ يقول: «هناك نوع من الشجاعة في التخلي عن زمام الأمور وترك الخيار للفنان، قائلين له: الأمر متروك لك». وتُعد هذه الحرية جزءاً جوهرياً من إبداع «فو»؛ حيث صرح في إحدى المقابلات قائلاً: «كل ما يهمني هو أن أكون قادراً على فعل ما أريد». ولم يكشف «فو» بعد عن خططه لواجهة المتحف، التي من المقرر الكشف عنها في 16 سبتمبر (أيلول) 2027، حيث قال: «ليس لدي أي أفكار بعد؛ فالمساحة صعبة للغاية في التعامل معها». كما أعلن متحف «المتروبوليتان» أن الفنانة ساندرا موجينغا - التي وُلدت في غوما بالكونغو ونشأت في النرويج - ستكون هي صاحبة العمل الفني المخصص لـ«القاعة الكبرى» (Great Hall Commission) لعام 2027. وقد تنوعت أعمال «موجينغا» السابقة بين النحت، والنصوص، والأداء، والوسائط الرقمية، وغالباً ما تستكشف موضوعات سياسية. ومن المقرر عرض عملها الفني بدءاً من 4 نوفمبر 2027.

من خلال أعمال رامبرانت، وفو، وموجينغا، سيجمع موسم عام 2027 في متحف المتروبوليتان فنانين وأفكاراً من عصور وقارات متباعدة في حوارٍ متجدد، ما يدعو الجمهور إلى رؤية تواريخ مألوفة بطرق غير مألوفة. يقول بريسلين: «إذا بدأ جمهورنا يشعر بأنه يعرف ما سيحدث تالياً، فهذا يعني أنني - والمتحف أيضاً - لا نقوم بعملنا على الوجه المطلوب».

*خدمة «نيويورك تايمز»


المخرج التركي تشاتاك: السينما السياسية توقظ وعي العالم

عُرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة (الشركة المنتجة)
TT

المخرج التركي تشاتاك: السينما السياسية توقظ وعي العالم

عُرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة (الشركة المنتجة)

قال المخرج التركي إيلكر تشاتاك إن علاقته الفنية بالممثلة التركية أوزغو نامال بطلة فيلمه «رسائل صفراء» بدأت بذكرى تعود إلى سنوات مراهقته، حين شاهدها على خشبة المسرح في إسطنبول، برفقة والدته، وهو في الخامسة عشرة. واستعاد انبهاره بحضورها آنذاك، موضحاً أنها كانت ممثلة شابة، لكنها بدت له صاحبة الحضور الأكبر على الخشبة، حتى إنه ظل يتحدث مع والدته عن موهبتها بعد العرض، قبل أن يتابع صعودها لاحقاً إلى النجومية.

وأضاف تشاتاك، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن اسم نامال عاد إليه أثناء التحضير لفيلمه «رسائل صفراء»، بعدما اقترحتها مديرة اختيار الممثلين، لكنه اعتقد أنها ابتعدت عن التمثيل، مشيراً إلى أنها كانت تعيش في الريف، على مسافة بعيدة من إسطنبول، ومع ذلك جاءت للقائه ومناقشة المشروع، الذي تزامن مع رغبتها في العودة إلى العمل، ليجد نفسه أمام فرصة للتعاون مع ممثلة احتفظ بأثر أدائها طوال تلك السنوات.

ويتناول فيلم «رسائل صفراء»، المعروض ضمن فعاليات مهرجان «الجونة السينمائي»، حكاية «دريا» و«عزيز»، وهما زوجان يعملان بالفن في تركيا، تنقلب حياتهما عقب واقعة خلال افتتاح عرضهما المسرحي، ليصبحا مستهدفَين من الدولة. وبين التمسك بقناعاتهما وتدبير احتياجات الحياة، تتعرض علاقتهما الزوجية لضغوط متزايدة، في حين تجد ابنتهما المراهقة نفسها عالقة بين موقف الأب الرافض للتنازل ومحاولات الأم تأمين مستقبل الأسرة. وأوضح المخرج التركي أن «الخلفية المسرحية لنامال والممثل التركي تانسو بيتشر كانت عنصراً مهماً في اختيارهما»، وأوضح أن «بيتشر يدير مسرحاً صغيراً في إسطنبول، ويمتلك خبرة كبيرة على الخشبة».

يختار المخرج أفلاماً ذات طابع سياسي (الشركة المنتجة)

وأضاف أن اختبارات الأداء المشتركة أظهرت سريعاً التفاهم بينهما؛ إذ رأى في حضورهما معاً ما يحتاج إليه لتصديق العلاقة، وشعر بأن كلاً منهما يستطيع الاستجابة للآخر، بما يمنح المَشاهد الزوجية حياة تتجاوز الكلمات المكتوبة في السيناريو.

وتابع أنه منح بطلَيه حرية واسعة في صياغة الحوار، وسمح لهما باستبدال الكلمات واستخدام تعبيراتهما الخاصة؛ لأن خبرتهما جعلته مطمئناً إلى قدرتهما على الاحتفاظ بمعنى المشهد. وشبّه التعاون معهما بالتعاقد مع لاعب مثل ليونيل ميسي، موضحاً أن «امتلاك موهبة بهذا المستوى يفرض على المخرج توفير الظروف التي تسمح لها بالعمل والحرص على أجواء يستطيع فيها الجميع الكلام والاقتراح، من دون خوف من مخالفة تصور سابق».

وأشار إلى أن هذه الثقة أثرت في طريقته هو أيضاً، وجعلته أكثر استعداداً للاستماع والانفتاح على ما يأتي به الممثلان أثناء العمل، موضحاً أنه لا يحتاج إلى تفكيك الطريقة التي يصل بها الممثل إلى إحساسه، أو مطالبته بشرح أدواته، ما دام يرى نتيجة مقنعة أمام الكاميرا.

وأكد المخرج التركي أن بطلَيه أمضيا حياتهما في التمثيل، واكتسبا معرفة بالمهنة تستحق أن يمنحهما على أساسها مساحة حقيقية لاتخاذ قرارات تخص الأداء، لافتاً إلى أن حرية الممثل تبدأ، بالنسبة إليه، من وضوح الكتابة؛ فحين يعرف ما تدافع عنه الشخصية وما تسعى إليه، يصبح قادراً على التعبير بكلماته من دون الإخلال بالمشهد.

وعن الاستعانة بالنجوم، قال إنه لا يشترط وجود أسماء شهيرة في أفلامه، وإن كان يدرك أن حضورها يمنح العمل فرصة أكبر للانتشار والوصول إلى الجمهور، لافتاً إلى أن الجمهور في المجتمعات الغربية قد يعرف أسماء بعينها، في حين تغيب عنه مواهب كبيرة في بلدان أخرى، رغم ما قدّمته من أعمال وما كرّسته للمهنة من سنوات.

وعن ظروف تصوير الفيلم الحائز جائزة «الدبّ الذهبي» في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، أوضح المخرج التركي أنه بدأ التصوير بعد انتهاء حملة المنافسة على «الأوسكار» بفيلمه السابق «غرفة المعلمين»، وكان يشعر بأنه استنفد طاقته، في وقت يستعد فيه لخوض أكبر إنتاج في مسيرته.

المخرج التركي إيلكر تشاتاك (الشركة المنتجة)

وأضاف أن «وجود نحو ستين ممثلاً يؤدون أدواراً حوارية فرض مسؤوليات تنظيمية واسعة، وجعلني مطالباً بمتابعة عدد كبير من التفاصيل»، في حين يحتاج في الوقت نفسه إلى «التركيز على المشاهد والشخصيات وما يجري أمام الكاميرا».

ولفت إلى أن العمل بين فريق ألماني وممثلين أتراك أضاف صعوبة أخرى؛ إذ كان واحداً من عدد محدود يتحدث اللغتين، فتحمّل جانباً كبيراً من الترجمة ونقل التعليمات.

واستعاد تشاتاك مرحلة سبقت إنجاز «غرفة المعلمين»، بدأ خلالها التفكير في الأفلام التي يريد أن تتشكل منها مسيرته، وما يرغب في رؤيته حين يعود إليها بعد سنوات، مشيراً إلى أن بعض الاختيارات قد تبدو موفقة لمُشاهد ومستفزة لآخر، ولا يستطيع صانع الفيلم معرفة النتيجة مسبقاً، لكنه يفضّل اختيار تقديم أفلام ذات موقف سياسي؛ لأنه يرى حاجة إلى الوعي في العالم الذي يعيش فيه، مع احترامه حق كل فنان في تحديد طبيعة أعماله.

وأوضح أنه يبحث عن هذه المساحة أثناء العمل، ويقبل أن يختلف الناس حول ما يقدمه؛ لأن تجربة فكرة جديدة تستلزم الاستعداد لاحتمال رفضها، مشيراً إلى أن رغبته في المجازفة كانت جزءاً من الدافع وراء قراراته الفنية في «رسائل صفراء».


أنجلينا جولي تبيع قصرها... والعيش خارج أميركا يعود إلى الواجهة

ليست كل النساء يحظين بجينات أنجلينا جولي وفكها المتناسق (د.ب.أ)
ليست كل النساء يحظين بجينات أنجلينا جولي وفكها المتناسق (د.ب.أ)
TT

أنجلينا جولي تبيع قصرها... والعيش خارج أميركا يعود إلى الواجهة

ليست كل النساء يحظين بجينات أنجلينا جولي وفكها المتناسق (د.ب.أ)
ليست كل النساء يحظين بجينات أنجلينا جولي وفكها المتناسق (د.ب.أ)

باعت الممثلة الأميركية أنجلينا جولي قصرها في لوس أنجليس مقابل 24.75 مليون دولار، في صفقة أعادت تسليط الضوء على خططها للعيش خارج الولايات المتحدة، وهي رغبة سبق أن عبّرت عنها، من دون أن تعلن حتى الآن موعداً محدداً للانتقال أو وجهتها النهائية.

ووفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز»، اشترت جولي العقار عام 2017 مقابل 24.5 مليون دولار، قبل أن تعرضه للبيع في ربيع عام 2026 بسعر 29.85 مليون دولار. وانتهت الصفقة بسعر يقل بأكثر من 5 ملايين دولار عن السعر المطلوب، لكنه يزيد بنحو 250 ألف دولار على قيمة الشراء الأصلية.

ويمتد العقار على مساحة 2.1 فدان، وكان في السابق ملكاً للمخرج السينمائي سيسيل بي. ديميل، أحد الأسماء البارزة في تاريخ هوليوود. ويتميز بمساحته الواسعة وموقعه في لوس أنجليس، المدينة التي شكّلت محطة أساسية في حياة جولي الشخصية والمهنية.

الممثلة أنجلينا جولي تظهر برفقة أطفالها في أثناء حضورها العرض الأول لفيلم «ماليفيسنت: سيدة الشر» في لندن عام 2019 (رويترز)

رغبة في العيش خارج الولايات المتحدة

ويأتي البيع وسط تقارير إعلامية، من بينها ما نشره موقع «رادار أونلاين»، عن رغبة جولي في الانتقال إلى الخارج، في ظل عدم رضاها عن المناخ السياسي الأميركي.

وكانت الممثلة قد تحدثت في وقت سابق عن تطلعها إلى العيش خارج الولايات المتحدة، لكنها أوضحت أن التزاماتها العائلية تفرض عليها البقاء في كاليفورنيا إلى حين بلوغ أصغر أبنائها سن الرشد.

وبلغ التوأمان نوكس وفيفيان الثامنة عشرة في يوليو (تموز) 2026؛ ما يزيل أحد القيود الزمنية التي سبق أن أشارت إليها جولي عند حديثها عن خططها. ومع ذلك، لم تعلن الممثلة تفاصيل نهائية بشأن موعد انتقالها أو البلد الذي قد تختاره للإقامة.

وبينما تمثل صفقة البيع تغييراً ملموساً في ممتلكاتها العقارية، لا تكفي وحدها للجزم بأنها تستعد لمغادرة الولايات المتحدة نهائياً. أما خطوتها المقبلة، فستتضح مع أي تصريحات أو قرارات تعلنها بنفسها في شأن مكان إقامتها.