تشارلز مغرم بالباذنجان بكل وصفاته

عماد الأرنب لـ«الشرق الأوسط»: الملك فاجأنا بزيارة مطعمنا وسط لندن

تشارلز مغرم بالباذنجان بكل وصفاته
TT

تشارلز مغرم بالباذنجان بكل وصفاته

تشارلز مغرم بالباذنجان بكل وصفاته

زار الملك تشارلز، الأربعاء، الطاهي السوري عماد الأرنب في مطعمه «عماد سيريان كيتشان (Imad’s Syrian Kitchen)» الواقع في منطقة سوهو بوسط لندن، قبل أيام من قدوم شهر رمضان الفضيل، بحضور كوكبة من الشخصيات السورية من أطباء وناشطين في جمعيات خيرية يعمل فيها الشيف عماد الأرنب، وتعنى بتقديم المساعدات ليس فقط للسوريين إنما لبلدان أخرى مثل فلسطين ولبنان وأوكرانيا وغيرها. وهنّأ الملك تشارلز المخرجة وعد الخطيب التي كانت من بين الحضور الحائزة على جائزة «البافتا» لعام 2020 عن فيلمها الوثائقي الحربي «من أجل سما».

جاءت زيارة الملك إلى المطعم بعد لقاء جمعه بعماد الأرنب، حيث لبّى الأخير دعوة لزيارة قصر باكنغهام في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2023 تقديراً له على جهوده التي يبذلها في سبيل الأعمال الخيرية ومساعدة اللاجئين ومساهمته في المجتمع البريطاني، خاصة أنه جاء إلى البلاد في عام 2015 لاجئاً، ليصبح بعدها مالكاً لمطعم معروف في وسط لندن.

وفي اتصال لـ«الشرق الأوسط» مع الشيف عماد الأرنب، قال إن زيارة الملك لمطعمه الواقع في مبنى كينغسلي كورت في شارع كارنابي كانت من شبه المستحيلات، خاصة أنه يقع في الطابق الأخير، مما يجعل الناحية اللوجيستية للزيارة صعبة، وشرح الأرنب ترتيبات الزيارة، قائلاً: «عندما تمت دعوتي لقصر باكنغهام عام 2023 أعربت عن رغبتي في استقبال الملك تشارلز في مطعمي، وأجابني حينها بأنه يود ذلك إلا أن الأمر سيكون صعباً جداً من ناحية الترتيبات الأمنية». وتابع الأرنب أنه لم يصدق أذنيه عندما سمع من ممثلين عن القصر منذ نحو الشهر أن الملك ينوي تلبية الدعوة والقدوم إلى المطعم.

الملك تشارلز خلال زيارته لمطعم عماد الأرنب في لندن (أ.ف.ب)

وعن الأشخاص الذين شاركوا في لقاء الملك تشارلز في المطعم، قال الأرنب: «زوجتي وبناتي كن على رأس الحاضرين والحاضرات، واخترت شخصيات سورية فاعلة في المجتمع البريطاني لجأت إلى هنا هرباً من النظام السابق، واستطاعت أن تنجح في مجالات عدة مثل الطب والهندسة».

ووصف الأرنب الملك تشارلز بالشخصية المرحة والملمة بالعديد من المواضيع على رأسها السياسة في الشرق الأوسط والعالم، وتابع: «الملك تشارلز لم يستطع تذوق الطعام السوري الذي أقوم بتحضيره إلى جانب فريق العمل المؤلف من جنسيات مختلفة بما فيها البريطانية وعدد من اللاجئين، وذلك بسبب ارتباطه بزيارة أخرى، ولكنه تناول الشاي وأعرب عن حبه الشديد للباذنجان بكل وصفاته وحبه أيضاً للبابا غنوج أو الباذنجان المتبل».

وقدّم الشيف الأرنب نسخة من كتابه الذي يحمل اسم مطعمه للملك الذي كان سعيداً للغاية بتلقيه تلك الهدية التي حملت توقيع الأرنب مع رسالة له بالعربية، وعلق الملك هنا بالقول: «يبدو اسمي جميلاً وهو مخطوط بالحرف العربي».

الملك تشارلز يتلقى نسخة من كتاب الشيف عماد الأرنب (الشرق الأوسط)

وتابع الأرنب حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن الملك تكلم كثيراً في المواضيع السياسية بما فيها وضع اللاجئين في بريطانيا وسوريا ما بعد الأسد، كما شدد الشيف الأرنب على أنه أراد أن يظهر للملك الوجه المشرق لبلده، وطالب المجتمع العالمي من خلال لقائه الملك بالتطلع لسوريا ودعمها لكي تنهض من جديد، لأن الشعب السوري يستحق الدعم لأنه دؤوب في العمل ومحب للحياة، كما أن اللاجئين في بريطانيا أثبتوا أنهم ناجحون ويقدمون الأفضل لأي مجتمع يحلون فيه.

وقال الأرنب إن الزيارة كانت سرية للغاية ولم يعرف بها أي شخص، بمَن فيهم فريق العمل في مطعمه، ولكنه تم التنسيق مع المسؤولين عن مبنى كينغسلي كورت، وذلك لتسهيل قدوم الملك مع مرافقيه.

مَن هو عماد الأرنب؟

عماد الأرنب طاهٍ سوري هرب من الحرب في بلده بعدما دمر القصف مطاعمه ولم يعد أمامه أي أمل غير الرحيل وبدء رحلة الخوف والمجهول من لبنان وصولاً إلى مخيم «كاليه»، وكان حلمه الوصول إلى لندن، انتظر في مخيم اللاجئين في فرنسا 65 يوماً، يصفها بالأيام السوداء التي تتشابه بلونها الداكن ومرارتها مع مرارة الغربة والمصير والمجهول ووجع العيش في السراب بعيداً عن عائلته المؤلفة من زوجته وبناته الثلاث.

الشيف السوري عماد الأرنب في استقبال الملك تشارلز (أ.ف.ب)

خلال أيام الانتظار وتقرير المصير أراد أن يكون لاجئاً مفيداً، فبدأ بطهي الطعام البسيط للاجئين أمثاله الذين ينتظرون مصيرهم مثله تماماً، لم يملك إلا وعاءً واحداً وملعقة وسكيناً، ولكنه كان يملك في جعبته المخفية وصفات أمه السورية التقليدية والبسيطة، الذي حلم في الوقت الذي لم يكن لديه الحق بالحلم وهو يعيش أسير القرار والوجهة التي سينتهي به المطاف ليحط رحاله الأخيرة فيها، حلمه كان الوصول إلى لندن وفتح «مطبخ» يطبق فيه وصفات والدته.

وأخيراً تحقق حلمه ووصل إلى لندن عام 2015، وعمل في مجالات كثيرة، من بينها بيع السيارات، ولكنه لم يتخلَّ عن شغفه في الطهي حتى بدأ بالتعاون مع مؤسّسات خيريّة تدعم اللاجئين عام 2017، مثل مشروع «الجيل الجديد» التابع لـ«يونيسيف»، وجمعية «اختر الحب» لمساعدة اللاجئين في المملكة المتحدة. وبموجب هذا التعاون، أُطلقت سلسلة مطاعم مؤقتة، ونوادي عشاء، بالإضافة إلى أكشاك لبيع الفلافل.

ذاع صيته في العاصمة البريطانية ونفدت تذاكر نوادي العشاء بسرعة غير مسبوقة، وتجمهر الناس أمام أكشاك الفلافل التي يقوم بتحضيرها بعدما أصبحت نكهتها على كل لسان.

مهارته في الطهي جعلت شهرته تسبقه، فاستضافته أهم برامج الطهي التي تذاع على القناة البريطانية الرسمية، عرّف العالم من خلال إطلالاته الإعلامية على المطبخ السوري الذي أراد الاحتفال به من خلال افتتاح «مطبخ» وليس «مطعماً» ليحيي فيه ذكرى والدته التي توفيت مباشرة بعد وصوله إلى بر الأمان في المملكة المتحدة.


مقالات ذات صلة

الشيف مايكل رفيدي يقدم نكهات رام الله بواشنطن

مذاقات مطبخ مفتوح وروائح فواحة تنبعث منه (نيويورك تايمز)

الشيف مايكل رفيدي يقدم نكهات رام الله بواشنطن

خلال العشاء في مطعم «ألبي» الفلسطيني بواشنطن العاصمة، يقدم أحد النُدل صينية عليها مناشف يد ساخنة. عند فتح إحداها، فاجأتني تلك الرائحة العطرة التي فاحت منها؛

ليغايا ميشان (واشنطن)
مذاقات ما ميزة القطفة الأولى من شاي دارجيلنغ؟

ما ميزة القطفة الأولى من شاي دارجيلنغ؟

مع بداية الربيع في مرتفعات دارجيلنغ عند سفوح جبال الهيمالايا، تبدأ أول براعم الشاي الظهور بعد أشهر من السكون الشتوي. وتُعرَف هذه المرحلة باسم «القطفة الأولى»،

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات الجزر... لون ونكهة

الجزر... لون ونكهة

قد يبدو الجزر مكوناً عادياً في المطبخ، لكنه قادر على لعب أدوار متعدِّدة في أطباق لا حصر لها، مانحاً إياها اللون والنكهة والقيمة الغذائية في آنٍ واحد.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات أوباما وعائلته من الذواقة الرفيعين الذين مروا على البيت الأبيض (نيويورك تايمز)

باراك أوباما وآراؤه الحازمة في البرغر بالجبن

«لا أريد شيئاً فاخراً؛ أريد شيئاً جيداً». مثل هذا التعليق الصريح من أي ضيف كفيل بأن يدفع الطاهي إلى إعادة النظر في طبقه مرتين.

كورشا ويلسون (نيويورك)
مذاقات جانب من الحضور المشارك في الافتتاح (الشرق الأوسط)

افتتاح أول مطعم لـ«نوبو» في القاهرة... والإعلان عن مشروع سكني جديد بالساحل الشمالي

افتتحت شركة «سوديك» أول مطعم يحمل علامة «نوبو» العالمية في القاهرة، داخل مشروع «EDNC».

«الشرق الأوسط» (لندن)

تداعيات استقالة وزيرة الثقافة المصرية تثير جدلاً «أدبياً»

د. جيهان زكي خلال افتتاحها أحد المعارض الفنية قبل الاستقالة (وزارة الثقافة المصرية)
د. جيهان زكي خلال افتتاحها أحد المعارض الفنية قبل الاستقالة (وزارة الثقافة المصرية)
TT

تداعيات استقالة وزيرة الثقافة المصرية تثير جدلاً «أدبياً»

د. جيهان زكي خلال افتتاحها أحد المعارض الفنية قبل الاستقالة (وزارة الثقافة المصرية)
د. جيهان زكي خلال افتتاحها أحد المعارض الفنية قبل الاستقالة (وزارة الثقافة المصرية)

على الرغم من مضي نحو 5 أيام على قبول الحكومة المصرية استقالة الدكتورة جيهان زكي من منصبها كوزيرة للثقافة على خلفية حكم محكمة النقض بإدانتها بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية للكاتبة الصحافية سهير عبد الحميد؛ إذ صدر الحكم بدفع تعويض لصالح الكاتبة قدره مائة ألف جنيه (الدولار يوازي نحو 49 جنيهاً مصرياً)، كما قضت المحكمة بسحب كتاب الوزيرة من التداول؛ فإن الجدل تواصل حول هذه الأزمة، وتردد صداها في أوساط ثقافية وصحافية مصرية، وظهرت تداعياتها في ادعاءات بوجود ما يمكن تسميته «كاتب ظل» تدخل في متن الكتاب، وربما تسبب في هذه الأزمة، حسب ما أُشيع.

ونشر عدد من الشخصيات العامة، من بينهم المخرج خالد يوسف، ما يشير إلى وجود «شخص آخر كان يقوم بمراجعة كتاب الوزيرة، وأن هذا الشخص ربما قام بإضافة فقرات دون علمها أو بعلمها، ولم تقدر حجم المشكلة» وفق ما ذكر عبر حسابه بـ«فيسبوك»، مؤكداً أن «الوزيرة مسؤولة في الحالتين».

في حين نشر الصحافي والناقد بـ«الأهرام» سيد محمود مقالاً بصحيفة «الشروق» بعنوان «الآن أتكلم»، نفى فيه مسؤوليته عن محتوى الكتاب، وقال إنه كتب فقط مقدمته بطلب من الدكتورة جيهان زكي التي كان يعرفها منذ رئاستها الأكاديمية المصرية للفنون بروما، وذكر أنه ركز في مقدمته التي تصدرها اسمه على فكرة المقارنة بين شخصية تنتمي للثقافة الغربية وأخرى تنتمي للثقافة الشرقية، وأنه انتبه بطبيعة الحال إلى ذكر اسم الأستاذة سهير عبد الحميد في أكثر من موضع بكتاب الوزيرة، وكذلك في قائمة المراجع التي جاءت في خاتمة الكتاب، وبالتالي لم يكن لديه شكوك في نسبة الكتاب لمؤلفته، مشدداً على أن مهمته لم تكن تقتضي البحث في مدى مطابقة المحتوى، أو مقارنة نسب الاقتباس، أو كشف عدد الفقرات التي ضمّنتها الدكتورة جيهان في كتابها، ولا سيما أنه لم يطالع كتاب الأستاذة سهير، وهدد محمود بملاحقة كل من يزج باسمه بغير دليل يعزز اتهامه، وفق ما جاء في مقاله.

الصحافية والكاتبة سهير عبد الحميد (حسابها على «فيسبوك»)

ويرى الناقد الأدبي مصطفى عبد الله أن «هذا الجدل اتسعت دائرته لطبيعة القضية وارتباطها بوزيرة الثقافة، وبحقوق ملكية مؤلفة الكتاب سهير عبد الحميد»، وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أنه «كانت هناك وجهات نظر بين من قاموا بمضاهاة الكتابين وإبداء الرأي بالإدانة، وبين من قالوا إن الفاعل هو فلان بعينه، ومن وقفوا إلى جانب الوزيرة مدافعين عنها».

وتابع عبد الله: «لقد تعلمنا أن نحترم أحكام القضاء، وأرى أن تداول هذا الموضوع بهذا الشكل ستكون له آثار سيئة جداً»، مطالباً بـ«إغلاق هذا الملف؛ لأن حكم القضاء أدان الوزيرة، وقدمت استقالتها احتراماً لهذا الحكم».

وكانت وزيرة الثقافة قد أكدت في تصريحات لها بعد يومين من استقالتها أنها من الآن فصاعداً ستتصدى للدفاع عن حقها كمواطنة وعالمة مصريات ومحاضِرة دولية، وكذلك كأم، مشيرة إلى أنها سترد على ما وصفتها بـ«الافتراءات والمغالطات والأكاذيب» التي تعرضت لها، وأنها ستواصل «جميع السبل التي يكفلها القانون، بما في ذلك التماس إعادة النظر في الأحكام التي صدرت».

وقالت الكاتبة فاطمة المعدول: «لا بد من وقف هذا الجدل والصراع وحالة الانقسام التي نشهدها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وخصوصاً أن هناك حكماً قضائياً حسم المسألة»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «الوزيرة استقالت، والأستاذة سهير عاد لها حقها الأدبي والتعويض المادي، والأستاذ سيد محمود كتب مقالة مؤثرة نفى فيها أنه (كاتب ظل)، وأكد أنه كتب المقدمة فقط، وبذلك يكون كل شيء قد حُسم واتضح للجميع».


مصر: الكشف عن مقبرة أثرية بالبر الغربي في الأقصر

المقبرة المكتشفة في الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)
المقبرة المكتشفة في الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: الكشف عن مقبرة أثرية بالبر الغربي في الأقصر

المقبرة المكتشفة في الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)
المقبرة المكتشفة في الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أعلنت البعثة الأثرية الهولندية العاملة في جبانة طيبة عن اكتشاف مقبرة بمنطقة الشيخ عبد القرنة السفلى بالبر الغربي بمدينة الأقصر، يرجح أنها تعود لعصر الرعامسة، وتتكون المقبرة الموجودة ضمن مقابر طيبة من فناء خارجي، ومقصورة منحوتة في الصخر على شكل حرف (T) مقلوب، بالإضافة إلى حجرات للدفن تحت سطح الأرض، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار، الأحد.

وأكد رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع، أن التخطيط المعماري للمقبرة يتوافق مع الطراز المعتاد لمقابر الأفراد في طيبة خلال عصر الدولة الحديثة، موضحاً في البيان أن «فناء المقبرة يضم عدداً من العناصر المعمارية المحفوظة بحالة جيدة، من بينها مصطبة من الطوب اللبن تتوسطها فجوة مخصصة لتثبيت لوحة جنائزية إلى جانب سلم تحيط به منحدرات من الجانبين يؤدي إلى مدخل المقبرة».

وأشار إلى أن المقبرة تضم عدداً من المناظر التي تحمل اسم صاحبها ويدعى «باسر»، بينما تغطي طبقة رقيقة من الأتربة أجزاءً من الرسوم الجدارية الملونة، والتي تُظهره وهو يتعبد أمام عدد من المعبودات داخل مقاصير، كما تصوره مع زوجته أمام مائدة للقرابين.

نقوش جنائزية على حائط المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

من جانبه، ثمّن وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، جهود البعثات الأثرية العاملة في مصر، مؤكداً في البيان أنها «تسهم في الكشف عن مزيد من أسرار الحضارة المصرية القديمة، بما يعزز من مكانة مصر كوجهة عالمية».

وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أن المقبرة المكتشفة تقع إلى الشرق من المقبرة الطيبية رقم (45) حيث ينفذ الفريق مشروعاً بحثياً وميدانياً منذ عام 2018، بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار، بهدف تنفيذ برامج للحفاظ الوقائي وإدارة المخاطر بالمنطقة، إلى جانب إعداد أول دراسة أثرية متكاملة لها، ولفت إلى أنه من الأسلوب الفني لنقوش المقبرة فمن المرجح أنها تعود لعصر الرعامسة.

مؤكداً أن فريق العمل سيواصل أعمال الدراسة والتوثيق داخل المقبرة، بهدف تحديد هوية الأشخاص الذين دُفنوا بها وإعادة بناء سيرهم الشخصية، إلى جانب دراسة المقبرة في سياقها التاريخي والأثري، بما يسهم في تقديم فهم أعمق للعلاقة بين مقابر المنطقة والبيئة المحيطة بها، وإلقاء الضوء على التطور التاريخي والثقافي لمنطقة الشيخ عبد القرنة السفلى.

وأكدت الدكتورة كارينا فان دن هوفن، رئيسة البعثة من جامعة لايدن، أن البعثة ستبدأ خلال المواسم المقبلة تنفيذ أعمال التدعيم الإنشائي والصيانة والترميم للزخارف الملونة بالمقبرة، معربة عن تطلعها إلى مواصلة أعمالها بالموقع وتحقيق المزيد من الاكتشافات الأثرية خلال المواسم المقبلة.

لوحات تصور مشاهد تقديم القرابين (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ويرى عالم المصريات، الدكتور حسين عبد البصير، هذا الكشف «يمثل إضافة مهمة إلى سلسلة الاكتشافات الأثرية في البر الغربي بالأقصر، الذي لا يزال يثبت أنه من أغنى المواقع الأثرية في العالم»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «العثور على مقبرة تضم مشاهد جنائزية يرجح أنها من عصر الرعامسة يمنح الباحثين فرصة جديدة لدراسة الفن والعقيدة الجنائزية والحياة اليومية في الدولة الحديثة».

وتكمن أهمية مثل هذه المقابر، بحسب عبد البصير، في أن «مناظرها ليست مجرد زخارف، بل هي وثائق تاريخية تسجل أسماء أصحاب المقابر ووظائفهم، وتصور الطقوس الجنائزية والمعتقدات الدينية، وتكشف كثيراً من التفاصيل المتعلقة بالمجتمع المصري القديم».

وفي النهاية، يؤكد هذا الاكتشاف أن البر الغربي في الأقصر لا يزال يخفي الكثير من أسراره، وأن العمل الأثري المنهجي يواصل إثراء فهمنا لحضارة مصر القديمة وإبراز مكانتها العالمية.

وتضم الأقصر العديد من الآثار المصرية الشهيرة من بينها معابد الأقصر والكرنك وحتشبسوت ووادي الملوك وجبانة طيبة، وتعمل بالأقصر في مواسم مختلفة، العديد من البعثات الأثرية المصرية والأجنبية والمشتركة وفق بروتوكولات تعاون علمي وبحثي بين مصر وجامعات ومؤسسات علمية متخصصة في علم الآثار.

وترى المتخصصة في في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، أن هذا الكشف الأثري وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، هذا الكشف الأثري «إضافة علمية مهمة إلى سجل مقابر الأفراد في جبانة طيبة»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «قيمته لا تكمن في العثور على مقبرة جديدة فحسب، وإنما فيما تحمله من شواهد قادرة على إعادة قراءة جانب من المجتمع الطيبي خلال عصر الرعامسة»، وأوضحت أن «المقابر الخاصة كانت بمثابة سجل بصري يجمع بين العقيدة، والوظيفة، والمكانة الاجتماعية، وهو ما يجعل كل عنصر معماري أو نقش أو منظر جداري مصدراً تاريخياً قائماً بذاته».

وتكتسب المقبرة أهمية خاصة؛ لأن أسلوبها المعماري ينسجم مع تقاليد مقابر النخبة في الدولة الحديثة، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى، «بينما تعكس مناظرها الجنائزية استمرار المفاهيم الدينية المرتبطة بالبعث والخلود، حيث لم تكن مشاهد التعبد والقرابين مجرد زخارف فنية، بل كانت تؤدي وظيفة عقائدية تضمن لصاحب المقبرة استمرار الحياة في العالم الآخر، وفق التصور المصري القديم».


مصر لإعادة إنشاء مقابر تراثية بشواهدها القديمة

إعادة إنشاء مقابر لها طابع تراثي بمصر (الباحث إبراهيم طايع)
إعادة إنشاء مقابر لها طابع تراثي بمصر (الباحث إبراهيم طايع)
TT

مصر لإعادة إنشاء مقابر تراثية بشواهدها القديمة

إعادة إنشاء مقابر لها طابع تراثي بمصر (الباحث إبراهيم طايع)
إعادة إنشاء مقابر لها طابع تراثي بمصر (الباحث إبراهيم طايع)

بدأت مصر إنشاء مقابر تراثية بشواهدها الأصلية وطرزها المعمارية المميزة، تعويضاً عما تمت إزالته ضمن خطط توسعة المحاور المرورية في مناطق الإمام الشافعي والسيدة عائشة والسيدة نفيسة، وكانت تضم رفات شخصيات ورموز مهمة في تاريخ مصر. ومن بين هذه المقابر مدافن محمد فاضل باشا الدرملي، والسردار راتب باشا، والأمير يوسف كمال. ورآها الباحث في الشؤون التاريخية إبراهيم طايع خطوة مهمة ومُقدَّرة، تُعيد الأمور، بصورة من الصور، إلى نصابها.

وقال طايع لـ«الشرق الأوسط» إن المدافن الجديدة التي بُنيت في منطقة الإباجية حافظت على الطراز المعماري نفسه الذي كانت عليه المدافن الأصلية من حيث البناء، والأجمل من ذلك حرص القائمين على إنشائها على الحفاظ على الشواهد والتراكيب الأصلية والنصوص التأسيسية، باستثناء باب مدفن السردار راتب الذي لم يعد موجوداً، وكان يضم كثيراً من النقوش والتركيبات والمشغولات النحاسية ذات القيمة الفنية الكبيرة. وأشار إلى أن هذا المدفن هو الوحيد الذي قارب على اكتمال إنشائه، أما مدافن الدرملي والأمير يوسف كمال فما زالت تحت الإنشاء.

مدفن الدرملي تحت الإنشاء (الباحث إبراهيم طايع)

وقال الباحث التاريخي، صاحب الكتابات المتخصصة عن القرافات التاريخية، إن التركيبات أُعيد تجميعها بطريقة جيدة تليق بقيمتها التاريخية والأثرية في مدفن راتب باشا. وأضاف أن بناء المدافن الجديدة بجوار مدفن عميد الأدب العربي طه حسين بمنطقة الإباجية، الذي لم تطله معاول الهدم، يجعل من المنطقة مركزاً لإعادة بناء باقي المدافن التي تم هدمها، بالقدر نفسه من الاهتمام والتقدير الذي جرى في حالتي الدرملي وراتب باشا، اللذين كانا موجودين من قبل في شارع عين الحياة بمنطقة الإمام الشافعي، أما الأمير يوسف كمال فكان مدفنه بالقرب من شارع الطحاوية.

وكان محمد راتب باشا القائد العام للجيش المصري في عهد الخديو إسماعيل، وقاد الحملة العسكرية المصرية في حرب الحبشة عام 1875، كما تولّى رئاسة مجلس شورى النواب (البرلمان المصري) لفترتين. أما الأمير يوسف كمال فكان واحداً من أهم رواد الثقافة والفنون في مصر، وقد أسس مدرسة الفنون الجميلة (كلية الفنون الجميلة حالياً) عام 1908، وأسهم كذلك في تأسيس «جمعية محبي الفنون الجميلة». وكان محمد فاضل الدرملي (المتوفى عام 1870) من كبار رجال الدولة، إذ تولّى منصب مفتش عام الصعيد وحاكم (مأمور) قنا لمدة تصل إلى 20 عاماً، ونُسب إليه الإشراف على بناء وتطوير عدد من الموانئ البحرية، وتدشين المنشآت الحيوية في صعيد مصر وساحل الجيزة. وكانت مقبرته ذات طراز معماري مميز وقيمة تاريخية في منطقة الإمام الشافعي (قرافة القاهرة).

مدفن السردار راتب باشا بعد الانتهاء من بنائه (الباحث إبراهيم طايع)

ولم يتوقف دور الحكومة المصرية عند هذا الحد، بل قامت ببناء مقابر أخرى أُعيد إنشاؤها، وفق ما قاله طايع، في متحف الخالدين، وتضم عدداً قليلاً من مقابر رموز وشخصيات مصرية، أمثال أمير الشعراء أحمد شوقي. وهناك مدافن بُنيت خلف قبة الإمام الشافعي للإمام ورش، أحد أعلام القرّاء السبعة، وصاحب الرواية الشهيرة «ورش عن نافع» المنتشرة في دول المغرب العربي وشمال أفريقيا. والأمر نفسه حدث مع الإمام وكيع، أحد كبار المحدّثين وشيوخ الإمام الشافعي؛ حيث أُنشئت المقبرتان بقبتين حديثتين تختلفان، وفق طايع، عن قبتيهما الأصليتين.