سبتيموس يعود لـ«ميدان الشهداء» مخالفاً تعليمات القذافي

تمثال الإمبراطور الروماني... من المخازن إلى مكانه الأول وسط اعتراضات

تمثال الإمبراطور الروماني سبتيموس سيفيروس أمام متحف مدينة لبدة الكبرى الأثرية (الشرق الأوسط)
تمثال الإمبراطور الروماني سبتيموس سيفيروس أمام متحف مدينة لبدة الكبرى الأثرية (الشرق الأوسط)
TT

سبتيموس يعود لـ«ميدان الشهداء» مخالفاً تعليمات القذافي

تمثال الإمبراطور الروماني سبتيموس سيفيروس أمام متحف مدينة لبدة الكبرى الأثرية (الشرق الأوسط)
تمثال الإمبراطور الروماني سبتيموس سيفيروس أمام متحف مدينة لبدة الكبرى الأثرية (الشرق الأوسط)

انتصب تمثال الإمبراطور الروماني سبتيموس سفيروس، من دون حصان، على قاعدة خرسانية سنوات طوالاً على مدخل سوق المشير المطل على «الساحة الخضراء» وسط العاصمة، قبل أن يأمر الرئيس الراحل معمر القذافي بنقله إلى موطنه الأصلي في لبدة الكبرى، القريبة من الخُمس، شرق طرابلس. ويُذكر أنه بعد اندلاع الثورة التي أطاحت بنظام القذافي تغير اسم «الساحة الخضراء» إلى «ميدان الشهداء».

أمام «باب المشير» المجاور للسراي الحمراء

وراجت روايات عدة في حياة القذافي، تحكي أن الليبيين استخدموا اسم سبتيموس للتورية على تداول الأخبار والمعلومات التي تعكّر صفو السلطة، دون تعقّب أو مطاردة، وإذا سأل أحدهم الآخر: كيف عرفت هذه المعلومات؟ أجاب: «قالها لي سبتيموس»!

وقضت الظروف والملابسات أن يقبع تمثال الإمبراطور، الذي وُلد في مدينة لبدة الليبية سنة 145 وحكم الإمبراطورية الرومانية من عام 193 إلى 211 ميلادية، في مخازن مصلحة الآثار، جزاءً لما نُسب إليه من «شائعات مغرضة» في حق القذافي ونظامه.

د. حافظ الولدة مندوب ليبيا السابق لدى «يونسكو» (الشرق الأوسط)

والسرديات التي يتناقلها ليبيون، وأكدها الدكتور حافظ الولدة، مندوب ليبيا السابق لدى «يونسكو»، تحكي بفخرٍ تاريخ سبتيموس، وكيف وُلد وعاش بينهم، قبل تنصيبه إمبراطوراً، ويوثّقونها بذكرياتهم المصوّرة مع التمثال في فترة السبعينات، وهم يرتدون السراويل «شارلستون»، والآن وبعد اتخاذ قرار رسمي بإعادة التمثال إلى طرابلس، ضجَّت مدينة الخُمس رافضةً القرار.

ونظّم عدد من أهلي الخُمس وقفة احتجاجية مساء (الأحد)، تنديداً باعتزام سلطات طرابلس نقل تمثال سبتيموس من «منشئه الأصلي» إلى طرابلس، وعدّوا القرار «تعدياً صارخاً على الإرث التاريخي والحضاري، ويفتح الباب أمام العبث بالآثار».

ووسط حالة جدل، طالب أهالي الخُمس بضرورة إجراء تحقيق شفاف حول قرار نقل تمثال الإمبراطور من البلدة التي وُلد بها. غير أن الدكتور الولدة قال إن أهالي الخُمس «يخشون فقدان التمثال أو تعرضه للتلف أو السرقة في حال نقله إلى مكان غير معلوم؛ لكنه قال في حديث إلى «الشرق الأوسط»: «بعد اتصال برئيس مصلحة الآثار؛ أكد أن التمثال يخضع راهناً لرعاية المصلحة وستُدرَس إعادته إلى مقره الأصلي أمام السراي الحمراء في طرابلس».

ولبدة مدينة ليبية تقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وتعد من أهم المدن الأثرية في شمال أفريقيا، أسَّسها الفينيقيون في القرن السابع قبل الميلاد، وازدهرت في فترة حكم الإمبراطور الروماني سبتيموس سيفيروس.

«قوس النصر» المشيَّد احتفاءً بالإمبراطور الروماني في لبدة الليبية (الشرق الأوسط)

وتضم المدينة الكثير من الآثار الرومانية المهمة، من بينها المسرح الروماني، والحمامات، والقصر، والكثير من المعابد والقصور. تم إدراجها على قائمة التراث العالمي لـ«يونسكو» في عام 1982.

وقبيل أن يوارى تمثال سبتيموس سيفيروس المخازن زَيَّن لفترة مدخل متحف مدينة لبدة، الذي كان سيفتتحه القذافي آنذاك. لكن حسب الولدة، عندما أُخبر بوضعية التمثال تجاهل افتتاحه، فكان مصير سبتيموس المخازن مذَّاك الزمان.

ورأى الولدة أن اعتراض أهالي الخُمس على نقل التمثال «يعكس اهتمامهم بالحفاظ على تراث بلدهم التاريخي والأثري»، لكنه قال: «عملية نقله التي يُرتَّب لها الآن شأنٌ وإجراءٌ داخلي لمصلحة الآثار ولا أحد يستطيع تغيير ذلك».

وسبتيموس، الذي يوصف بأنه من أقوى الأباطرة الرومان، قاد الكثير من الحملات العسكرية الناجحة، وأجرى أيضاً -حسب رصد الولدة- عملية توسيع مدينة لبدة وتجميلها، وأصبحت من أهم المدن في الإمبراطورية الرومانية.

وُلد سبتيموس في لبدة الكبرى في 11 أبريل (نيسان) 145 بإقليم طرابلس، عندما كانت مستعمرة رومانية ضمن ولاية أفريقيا الرومانية. وهنا يلفت الولدة إلى أنه أخذ اسم جده من جهة الأب، وبعد مرور خمسين عاماً، اختار أن يلقب نفسه بـ«ابن ماركوس المؤلّه» بدلاً من «ابن بوبليوس».

وأمام عاصفة الجدل التي صاحبت قرار نقل التمثال، دخل ليبيون كثيرون على خط الأزمة خوفاً عليه من مصير مجهول سبق وواجه «الحسناء العارية».

ودعا المخرج الليبي أسامة رزق، عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، إلى ترك تمثال الإمبراطور سبتيموس في مدينته «مرتاحاً حتى لا يحدث له ما حدث للغزالة». وقال: «أخذتم من مدينة الخمس كل شيء؛ اتركوا لها تاريخها».

وأنجب الإمبراطور سبتيموس ولدان، الأول «كاركالا» والثاني «غيتا». ويروى أن الأول قتل الثاني خوفاً على ملكه، وعمد فيما بعد إلى قطع رأس كل تماثيل شقيقه.

وحسب مؤرخين شيَّدت لبدة في القرن الثاني الميلادي «قوس النصر» في مدخلها احتفالاً باستقبال ابنها سبتيموس.

تمثل لرأس غيتا نجل سبتيموس كانت حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة قد استردته من الخارج

وفي ظروف غامضة، اختفى تمثال «الحسناء العارية» البرونزي من وسط طرابلس، عقب الانفلات الأمني الذي ساد ليبيا بعد اندلاع «ثورة 17 فبراير»، ولا تزال الروايات تتهم تيارات متشددة بنزع التمثال الذي يعود لفترة الاحتلال الإيطالي لليبيا ويجسد امرأة عارية بجوار غزالة.

وإرث سبتيموس سيفيروس الحضاري لا يزال شاهداً على فترته في لبدة الكبرى، إذ يمكن لزائريها مشاهدة كثير من الآثار الرومانية التي تعود إلى عصره، مثل المسرح الروماني، والحمامات الضخمة، وقوس النصر.


مقالات ذات صلة

تمثال في مدخل طريق الإسكندرية الصحراوي يثير جدلاً في مصر

يوميات الشرق التمثال الذي شهد جدلاً في مدخل طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي (فيسبوك)

تمثال في مدخل طريق الإسكندرية الصحراوي يثير جدلاً في مصر

ما بين محتفٍ بمستواه الفني، ومنتقد يرى أنه لا يصل لأن يكون في مفتتح طريق يؤدي إلى المتحف الكبير، دار جدل حول تمثال بطريق القاهرة - الإسكندرية.

حمدي عابدين (القاهرة )
يوميات الشرق تمثال برونزي للسيدة الأولى الأميركية ميلانيا ترمب يظهر في مسقط رأسها بسلوفينيا (أ.ف.ب)

سرقة تمثال ميلانيا ترمب في سلوفينيا... والشرطة تحقق

دُمر أول تمثال للسيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب في موطنها سلوفينيا جراء حريق، وفُقد الآن التمثال البرونزي البديل له، مما دفع الشرطة إلى فتح تحقيق.

«الشرق الأوسط» ( ليوبليانا)
يوميات الشرق تمثال الدكتور مجدي يعقوب بسيمبوزيوم أسوان (فيسبوك الفنان ناثان دوس)

«الثقافة المصرية» ترد على شائعة تحطيم تمثال مجدي يعقوب

أصدرت وزارة الثقافة المصرية بياناً للرد على ما أشيع عن تحطيم تمثال جراح القلب العالمي الدكتور مجدي يعقوب.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق مُرمّمة تنظف تمثال «دافيدي» لميكيلانجيلو في «غاليريا ديل أكاديميا» بفلورنسا (أ.ف.ب)

في فلورنسا... عملية تنظيف كل شهرين لتمثال «دافيدي» الشهير (صور)

يستلزم الغبار الذي يعشش في ثنايا منحوتة «دافيدي» (داود) الرخامية الشهيرة للفنان ميكيلانجيلو إجراء عمليات تنظيف دورية.

«الشرق الأوسط» (فلورنسا (إيطاليا))
يوميات الشرق احتفال «غوغل» بتماثيل عين غزال الأثرية (صورة من صفحة «دودل» التابعة لـ«غوغل»)

تماثيل عين غزال الأردنية... لم يعرفها كثيرون إلا بعد احتفاء «غوغل» بها

ربما لا يعرف رجل الشارع الأردني أن بعضاً من أقدم التماثيل الآدمية اكتُشفت على مقربة منه، بل وربما لم يعلم البعض عنها شيئاً قبل أن يحتفي بها محرك البحث «غوغل».

«الشرق الأوسط» (عمان)

مصر تنتهي من تجميع وترميم رأس تمثال لرمسيس الثاني بسوهاج

رأس تمثال رمسيس الثاني بعد الترميم (وزارة السياحة والآثار)
رأس تمثال رمسيس الثاني بعد الترميم (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر تنتهي من تجميع وترميم رأس تمثال لرمسيس الثاني بسوهاج

رأس تمثال رمسيس الثاني بعد الترميم (وزارة السياحة والآثار)
رأس تمثال رمسيس الثاني بعد الترميم (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية عن الانتهاء من ترميم رأس تمثال من الجرانيت للملك رمسيس الثاني داخل معبده بمدينة أبيدوس بمحافظة سوهاج (جنوب مصر)، ضمن أعمال البعثة الأثرية الأميركية التابعة لجامعة نيويورك، في إطار التعاون العلمي القائم بين المجلس الأعلى للآثار وعدد من البعثات الأثرية الدولية العاملة في مصر.

وتأتي أعمال ترميم رأس تمثال الملك رمسيس الثاني ضمن استراتيجية الوزارة الرامية إلى صون التراث الأثري المصري وإبرازه بالصورة اللائقة أمام الزائرين. وصرّح وزير السياحة والآثار، في بيان صدر يوم الأربعاء، بأن «هذه الجهود تعكس نجاح التعاون العلمي مع البعثات الأثرية الدولية، بما يُسهم في إحياء مزيد من عناصر المواقع الأثرية، وتعزيز التجربة السياحية فيها، لا سيما في المواقع ذات القيمة التاريخية الكبرى، مثل أبيدوس بمحافظة سوهاج».

وأشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إلى أن أعمال الترميم تمت تحت الإشراف الكامل للمجلس، ووفق أحدث الأساليب العلمية المتبعة عالمياً في مجال صون الآثار وترميمها؛ حيث نجح فريق العمل في إعادة تجميع الوجه والرأس بدقة بعد أن كانت منفصلة عن غطاء الرأس الملكي المعروف باسم «النمس»، موضحاً أنه «عقب الانتهاء من أعمال الترميم تم تثبيت الرأس فوق قاعدة حجرية عند مدخل الصرح الثاني للمعبد على ارتفاع مناسب يتيح للزائرين مشاهدتها بوضوح، بما يُسهم في تحسين التجربة السياحية بالموقع الأثري، وإبراز القيمة الفنية والجمالية له».

رأس تمثال الملك رمسيس في معبده في أبيدوس (وزارة السياحة والآثار)

وشيّد رمسيس الثاني معبده في أبيدوس بين عامي (1303 - 1214 قبل الميلاد) لتقديس الآلهة الثلاثة الرئيسية في المنطقة «أوزوريس، وإيزيس، وحورس» وليُخلّد فيه ذاته إلهاً. وفي وقت سابق، كشفت بعثة أثرية مصرية أميركية تابعة لجامعة نيويورك في محيط المعبد عن عدد من رؤوس الكباش المحنطة تعود للعصر البطلمي.

وحول ترميم رأس تمثال رمسيس الثاني، يلفت رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع، إلى أن وجه التمثال كان قد اكتشف عام 1994 داخل الفناء الأول للمعبد بواسطة فريق من الآثاريين بالمجلس الأعلى للآثار، وتم نقله إلى المخازن لإجراء أعمال الترميم والدراسة.

وبعد الفحص والدراسة، تبين أن الوجه يتطابق مع غطاء الرأس الملكي «النمس» الذي كان قد عُثر عليه سابقاً بالمعبد، الأمر الذي دفع البعثة إلى ترميم الوجه وإعادة تركيبه مع باقي الرأس.

ويبلغ قياس الوجه نحو 67 سم، ويزن نحو 300 كيلوغرام، وقد عُثر عليه في حالة جيدة من الحفظ، مع بقايا واضحة من الألوان الحمراء والصفراء، فيما لا يزال جزء من اللحية الملكية محفوظاً، وفق بديع.

ويزن غطاء الرأس الملكي «النمس»، نحو طن، ولا تزال به بقايا من اللون الأصفر الذي يحاكي طيات القماش المخطط أسفل التاج الملكي المفقود، كما لا تزال بقايا حية الكوبرا الملكية «الأورايوس» مثبتة في مقدمة «النمس»، وفق البيان.

تمثال رمسيس الثاني في معبده بسوهاج (وزارة السياحة والآثار)

في السياق، أوضح مدير بعثة جامعة نيويورك، الدكتور سامح إسكندر، أن أجزاء من التمثال كانت قد اكتُشفت بواسطة الفريق المصري خلال موسمي حفائر 1994–1995، وتشمل الساقين وقاعدة التمثال.

كما كشفت البعثة خلال مواسم سابقة عن أجزاء أخرى من التمثال، مع وضع خطة لاستكمال أعمال الحفائر بالموقع خلال المواسم المقبلة، أملاً في العثور على بقية أجزاء التمثال وإعادة تركيبه كاملاً.

وتولى الملك رمسيس الثاني الحكم في الدولة الحديثة في عمر يتراوح بين 25 و30 عاماً، خلفاً لوالده الملك سيتي الأول، وامتد حكمه الطويل لنحو 67 عاماً، ترك خلالها إرثاً كبيراً من الآثار والنقوش. ويعد معبده في أبو سمبل بأسوان من أشهر المعابد، وكذلك معبد زوجته نفرتاري.


علاج جديد يحد من انتشار سرطان العظام

سرطان العظام يظهر عادة في الأطراف مثل عظام الساق (جامعة كيس ويسترن ريزيرف)
سرطان العظام يظهر عادة في الأطراف مثل عظام الساق (جامعة كيس ويسترن ريزيرف)
TT

علاج جديد يحد من انتشار سرطان العظام

سرطان العظام يظهر عادة في الأطراف مثل عظام الساق (جامعة كيس ويسترن ريزيرف)
سرطان العظام يظهر عادة في الأطراف مثل عظام الساق (جامعة كيس ويسترن ريزيرف)

توصل باحثون من جامعة كيس ويسترن ريزيرف الأميركية إلى نتائج وصفوها بـ«الواعدة»، لعلاج جديد يستهدف الساركوما العظمية، أكثر أنواع سرطان العظام شيوعاً لدى الأطفال والشباب.

وأوضح الباحثون أن هذا العلاج يُمثل خطوة مهمة بعد عقود من محدودية الخيارات العلاجية الفعالة ضد هذا المرض، ونُشرت النتائج، الثلاثاء، في دورية (BMC Medicine).

والساركوما العظمية هي أكثر سرطانات العظام الأولية انتشاراً، ويصيب غالباً الأطفال والمراهقين خلال فترات النمو السريع. وينشأ هذا السرطان في الخلايا المسؤولة عن تكوين العظام، ويظهر عادة في الأطراف مثل عظام الساق أو الذراع.

وعلى الرغم من عدم وضوح أسبابه بدقة، فإنه يرتبط بتغيرات جينية في الخلايا، وأحياناً بعوامل وراثية نادرة. ووفق الباحثين، تكمن خطورته في قدرته على الانتشار إلى أعضاء أخرى، خصوصاً الرئتين، ما يجعل علاجه أكثر تعقيداً. ويعتمد العلاج حالياً بشكل رئيسي على مزيج من الجراحة والعلاج الكيميائي.

ويعتمد العلاج الجديد، المعروف باسم (OSM CAR-T)، على إعادة برمجة الخلايا المناعية لدى المريض لتتعرف على الخلايا السرطانية وتهاجمها وتدمرها بدقة.

ورغم نجاح تقنية هذه التقنية في علاج سرطانات الدم مثل اللوكيميا واللمفوما، فإن فاعليتها ضد الأورام الصلبة مثل الساركوما العظمية كانت محدودة بسبب تعقيد هذه الأورام وتنوع خصائصها.

وتمكن الفريق البحثي من تجاوز هذه العقبة عبر تصميم خلايا مناعية مُعدّلة تسمى (CAR-T) تستهدف بروتيناً يظهر على سطح خلايا الساركوما العظمية، ما يتيح للخلايا المناعية التعرف على عدة مستقبلات في وقت واحد ومهاجمة الورم بفاعلية أكبر.

وأظهرت التجارب المعملية وعلى النماذج الحيوانية نتائج إيجابية، إذ نجحت الخلايا المناعية المُعدّلة في القضاء على خلايا الساركوما العظمية في جميع العينات التي خضعت للاختبار، وقلصت حجم الأورام بشكل ملحوظ. والأهم من ذلك، وفق الفريق، أظهر هذا النهج قدرة العلاج على استهداف الخلايا السرطانية المنتشرة إلى أعضاء أخرى في الجسم، وهي من أخطر مراحل المرض وأكثرها مقاومة للعلاج.

وقالت الدكتورة ريشمي باراميسواران، الباحثة الرئيسية في الدراسة: «العلاجات التقليدية للساركوما العظمية، التي تعتمد على الجراحة والعلاج الكيميائي، لم تشهد أي تطور يُذكر منذ أكثر من 40 عاماً».

وأضافت عبر موقع الجامعة، أن النهج الجديد يفتح الباب أمام علاج موجه يستخدم جهاز المناعة لمهاجمة السرطان، مع احتمالية تحقيق نتائج أفضل وآثار جانبية أقل.

وأشارت إلى أنه من المتوقع أن يبدأ اختبار العلاج في تجارب سريرية خلال العامين المقبلين، وإذا أثبت نجاحه لدى البشر، فقد يوفر خياراً علاجياً جديداً يقلل الحاجة إلى الجراحة، ويمنح أملاً أكبر للمرضى، خصوصاً أولئك الذين يعانون من انتشار السرطان إلى أجزاء أخرى من الجسم.


«كذبة بيضا» تكسر إيقاع الحرب بشريط ذكريات موجع

العمة والأب والأم في مشهد من المسرحية (مسرح مونو)
العمة والأب والأم في مشهد من المسرحية (مسرح مونو)
TT

«كذبة بيضا» تكسر إيقاع الحرب بشريط ذكريات موجع

العمة والأب والأم في مشهد من المسرحية (مسرح مونو)
العمة والأب والأم في مشهد من المسرحية (مسرح مونو)

لم تستسلم جوزيان بولس، مديرة «مسرح مونو»، أمام واقع حرب يلفّ لبنان من شماله إلى جنوبه. تحدَّت أصوات الصواريخ والانفجارات، ومشهد تشتُّت اللبنانيين، عبر مقاومة ثقافية وفنية، فدعت هواة المسرح إلى حضور العرض الأول من مسرحية «كذبة بيضا». لبَّى الدعوة جمهورٌ ملأ مقاعد صالة «مونو»، مشدوداً إلى مبادرتها، ومعبِّراً عن امتنانٍ لمساحة ضوءٍ تستحدثها وسط ظلمة حرب قاتمة.

وعلى مدى نحو ساعة، تابع الحاضرون عملاً مسرحياً متقناً صاغه الكاتب ألكسندر نجار، وأدَّته على الخشبة مجموعة من الممثلين، من بينهم جو أبي عاد، وجوزيان بولس، ومايا يمِّين، وجاك مارون، وغيرهم. وجاء العمل ضمن مشهدية بصرية لافتة، تتضمن ديكورات تتقاطع مع زمن الحرب الأهلية في سبعينات القرن الماضي.

تفاصيل حرب السبعينات حضرت على الخشبة (مسرح مونو)

تتمحور قصة العمل حول الشاب العشريني «جينو» (أنطوني توما)، الضائع بين مصيرين: أحدهما مجهول والآخر موجع؛ فإما أن يغادر البلد لإكمال دراسته بعيداً عن وطأة الحرب، وإما أن ينخرط في ميليشيا تقاتل على الأرض.

وتطرح مخرجة العمل، لينا أبيض، الدوامة نفسها التي يعيشها شباب اليوم، مبرزة تأثير قرارات الأهل على أبنائهم، بما يزيد من ضياعهم، ومسلِّطة الضوء على القرارات المصيرية التي كثيراً ما تُفرَض عليهم من عائلاتهم. فيعيش الحضور تجربة مسرحية تتراوح بين الحنين إلى الوطن وفكرة الصمود رغم كل شيء.

ومنذ اللحظة الأولى لدخول صالة المسرح، حرصت لينا أبيض على إشعار الجمهور بالحقبة التي يدور فيها العمل؛ فكانت أغنيات سبعينات القرن الماضي تصدح في الأرجاء. يخرج صوت كلود فرنسوا تارة، ليلاقيه نجم سبعيني آخر هو جان فرنسوا ميكايل، ما أيقظ مشاعر الحنين لدى الحضور من جيل الحرب، الذين أدركوا أنهم على موعد مع أيامٍ خلت.

موضوع المسرحية يعود إلى سبعينات القرن الماضي، لكنه يقيم مقاربة موضوعية بين ما حدث وما يجري اليوم؛ فالسلام لا يزال مفقوداً في بلد عانى الأمرَّين لأكثر من نصف قرن. وتأخذنا لينا أبيض في رحلة ذكريات تختلط فيها المتعة بالوجع، فتغمر المشاهد بأحاسيس متناقضة.

بالعربية والفرنسية تدور حوارات المسرحية، ناقلةً يوميات عائلة لبنانية تنتمي إلى طبقة رأسمالية؛ فالأب والأم يخططان لمستقبل ابنهما ليتسلَّم إدارة المصنع الذي يملكانه، فيما تحاول العمة تقريب وجهات النظر بينهما وبين الابن الشاب الذي يحلم بأن يصبح مغنياً. وفي نهاية المطاف، يتفق الجميع على أن سفره هو الحل الأفضل، إذ لا يرغبون في أن يقاتل ويعود إليهم في صندوق خشبي.

بطل العمل أنطوني توما أعاد الحضور بأغنياته إلى زمن السبعينات (مسرح مونو)

يوهم «جينو» والديه بأنه غادر إلى آسكوتلندا، لكنه في المقابل يلتحق بالمقاتلين في ثكنة تقع على خطوط التماس في منطقة السوديكو. هناك نتابع إيقاع يوميات المقاتلين وما يتعرضون له من مخاطر، كما نتعرَّف إلى القنَّاص الذي يتلذذ باصطياد الناس في بيوتهم من سكان الحي الغربي لمنطقتهم، وكذلك إلى الممرضة الفرنسية المتطوعة لمساعدة جرحى الحرب.

تستعيد مشاهد «كذبة بيضا» تفاصيل الحرب الأهلية اللبنانية، فتعود بنا إلى الألقاب التي كان يحملها المقاتلون لتكون أسماء تمويهية لهم، مثل: «راسبوتين»، و«أسبيرين»، و«العميد»، و«شاكوش»، إضافة إلى «أزنافور»، وهو الاسم الحركي للشاب «جينو».

كما تستحضر لينا أبيض متاريس الرمل، التي كانت تفصل بين شارع وآخر، وانقطاع التيار الكهربائي والأدوية، وتعيد إلى الذاكرة أسلوب التواصل مع المغتربين اللبنانيين عبر رسائل البريد والتسجيلات الصوتية، التي كانت تُرسل إلى بلاد الاغتراب لتشكِّل، آنذاك، صلة التواصل الوحيدة بين المقيمين والمغتربين.

وكما الانفجارات وأزيز الرصاص المنتشر في الأجواء، نستعرض خسائر الحرب البشرية والمادية. ويتردد في الآذان صوت المذيعة في نبأ إخباري: «مكتب التحرير في خبر جديد». كما يستمع الحضور إلى قصة أحد المقاتلين، وكيف خسر ابنه وزوجته في 26 يونيو (حزيران) عام 1975 على خطوط التماس، فقرَّر الانتقام لهما عبر التحاقه بإحدى الميليشيات، حيث صار يملك سلطة منع أي شخص من دخول منزله والدوس على ذكرياته المحروقة.

تضع المسرحية إصبعها على الجرح عندما يتحدث المقاتلون عن الإحباط، وعن عالمٍ نسي لبنان وتركه يواجه مصيره وحيداً من دون أي مساعدة.

يصدح صوت أنطوني توما بأغنيات السبعينات، منها «لا بوهيم» لشارل أزنافور، و«يسترداي» لفرقة البيتلز، و«Je lui dirai des mots bleus» للمغني الفرنسي كريستوف، موقظاً مشاعر مختلطة لدى الحضور، بعدما أعادهم إلى حقبة أليمة محفورة في ذاكرتهم.

«كذبة بيضا» من تأليف ألكسندر نجار وإخراج لينا أبيض (مسرح مونو)

يبقى شريط الذكريات حاضراً طوال العرض، ويستوقف الجمهور مشهد العمة «ريموند» التي نمَّت موهبة «جينو» عندما كانت تشتري له مجلة «Salut les copains»، فتعود بالذاكرة إلى جيلٍ كان يبني أحلامه الفنية على مجلات فرنسية لمواكبة تطورات الساحة الفنية بطريقته الخاصة.

في «كذبة بيضا»، لا يروي ألكسندر نجار قصة الشاب «جينو» فحسب، بل يفتح الباب على حكايات جيلٍ بأكمله تكسَّرت أحلامه، وبقيت جروح الحرب ندوباً في ذاكرته.

حاول نجار أيضاً تلوين القصة بمواقف مضحكة تخفف من وطأة الأحداث، إلا أنه حافظ في الوقت نفسه على إبراز شعب أتعبته الحروب، فبدا منهكاً وضائعاً بين خيارين لا يقلُّ أحدهما قسوة عن الآخر، ليُقنع نفسه في النهاية بأنه بخير، مكتفياً بما يشبه «كذبة بيضاء» لا أكثر.