«انشالله ولد»... عندما تضع السينما الأردنيّة المرأة في عين العدسة وتتبنّى قضاياها

المخرج أمجد الرشيد: أنطلق من الواقع لأحثّ المجتمع على النقاش وطرح الأسئلة

يطرح الفيلم الأردني «انشالله ولد» مجموعة من القضايا الاجتماعية والقانونية المرتبطة بالمرأة العربية (صور المخرج)
يطرح الفيلم الأردني «انشالله ولد» مجموعة من القضايا الاجتماعية والقانونية المرتبطة بالمرأة العربية (صور المخرج)
TT

«انشالله ولد»... عندما تضع السينما الأردنيّة المرأة في عين العدسة وتتبنّى قضاياها

يطرح الفيلم الأردني «انشالله ولد» مجموعة من القضايا الاجتماعية والقانونية المرتبطة بالمرأة العربية (صور المخرج)
يطرح الفيلم الأردني «انشالله ولد» مجموعة من القضايا الاجتماعية والقانونية المرتبطة بالمرأة العربية (صور المخرج)

«نوال» امرأة عاديّة. ملامحها عاديّة، لغتها عاديّة، وكل ما فيها يمكن أن تتماهى معه نساءٌ عربيّاتٌ كثيرات. لكنّ ثقلَ حكايتها غير عاديّ على الإطلاق. بعد أن يفارق زوجها الحياة بشكلٍ مفاجئ، تصبح نوال مهدّدة بخسارة بيتها وطفلتها. يبدو كل مَن وما حولها متآمراً عليها، من قوانين الأحوال الشخصية المجحفة بحقّ النساء، إلى رجال العائلة الذين لا يرحمون ظرفها الأليم، وليس انتهاءً بأرباب عملها القُساة، ولا ما خلّفه زوجها من ديون وأسرار صادمة.

«سنسمح لكِ»...

«نوال» هي بطلة فيلم «انشالله ولد» للمخرج الأردني أمجد الرشيد، والذي ينافس على جائزة «السوسنة السوداء» في الدورة الخامسة من «مهرجان عمّان السينمائي الدولي»، عن فئة أفضل فيلم روائي طويل. يتحدّث الرشيد لـ«الشرق الأوسط» عن رحلته مع هذا الفيلم الطويل الأول في مسيرته، كاشفاً عن أن القصة التي كتبها وأخرجها مستوحاة من حادثة حقيقية حصلت مع إحدى نساء عائلته.

بعد وفاة زوجها، سمعت الأرملة وأمّ البنات من أهله أقسى العبارات: «طبقاً للقوانين، لنا نصيب من البيت حيث تعيشين، لكن سنسمح لك بأن تبقي فيه»، مع العلم بأنها كانت قد اشترته من مالها وسجّلته باسم زوجها. كان لجملة «سنسمح لك بالبقاء في بيتك» وقع الصاعقة على المخرج الشابّ، الذي بدأت تدور أسئلة كثيرة في رأسه. يقول الرشيد إنّ «فكرة الفيلم انطلقت من فرضيّة ماذا لو لم يسمحوا لها بالبقاء في منزلها».

المخرج والكاتب السينمائي الأردني أمجد الرشيد (صور المخرج)

قصص من الواقع

استحالَ هذا السؤال مَشاهدَ في مخيّلته فقرر تحويلها فيلماً، مضيفاً عناصر روائيّة منبثقة هي الأخرى من الواقع. يوضح أنه أجرى أبحاثاً كثيرة خلال عمليّة تطوير السرديّة، عن حالاتٍ مشابهة تتعرّض لها النساء في الأردن والعالم العربي. لم يتعمّد الرشيد صناعة فيلمٍ نسويّ وهو لا يصنّفه كذلك، بل يُدخله ضمن خانة الأفلام الاجتماعية التي تحكي قصصاً إنسانيّة.

إلّا أنّ «انشالله ولد» يضع قضايا المرأة في عين العدسة ويتبنّاها، رافعاً صوت النساء المظلومات والمقموعات. يُرجع الرشيد جزءاً من ذلك إلى ظروف تربيته، حيث كان محاطاً منذ الصغر بسيّداتٍ غالباً ما يحكين عن أحزانهنّ المرتبطة بالرجال.

الممثلة منى حوّا والطفلة سيلينا ربابة بشخصيتَي «نوال» وابنتها «نورا» (صور المخرج)

جرأة «لورين»

شخصية «لورين» مثلاً، وهي ابنة أرباب عمل «نوال»، تحمل في حكايتها قضايا شائكة وعلى لسانها مواقف حادّة وبالغة التحرّر والجرأة. فمن خلالها، يتطرّق الفيلم إلى مواضيع مثل الخيانة الزوجيّة، والطلاق، والإجهاض، والتعنيف الأسريّ. تكاد شخصيتها توازي أهميةً الشخصية الرئيسية، ويلفت المخرج الأردني في هذا السياق إلى أنّ «الكلام الذي تقوله لورين في الفيلم منقول بحذافيره عن أحاديث سمعتُها من نساء وصديقات حولي».

صحيحٌ أن «لورين» تمثّل الطبقة المتوسطة العليا في الأردن في حين تنتمي «نوال» إلى الطبقة الفقيرة، «لكن أياً تكن الخلفيّة الاجتماعية أو الثقافية أو الدينية للمرأة في مجتمعنا، فإنّ معاناتها واحدة والأغلال هي ذاتها»، وفق ما يقول الرشيد. في لحظةٍ حرجة من لحظات الفيلم، تجمع المصلحة المشتركة ما بين المرأتَين، إلّا أن تلك العلاقة لا تتحوّل أبداً صداقة، فهما تنتميان إلى عالمَين مختلفَين.

الممثلة يمنى مروان بشخصية «لورين» (صور المخرج)

«خلطة شاميّة»

أدّت شخصية «نوال» الممثلة الفلسطينية منى حوّا، أما «لورين» فمن تمثيل اللبنانية يمنى مروان. أتقنت الاثنتان أداءيهما وأظهرتا إمكانياتٍ استثنائيّة أمام الكاميرا. وقد تعمّد الرشيد تنويع هويّات الممثلين على أن يشكّلوا «خلطة شاميّة» تعكس تركيبة المجتمع الأردنيّ، بما فيها من أردنيّين وفلسطينيين ولبنانيين.

هذا التنوّع ميّز إنتاج الفيلم كذلك؛ إذ إنه أردنيّ - سعوديّ - قطريّ - مصريّ - فرنسيّ مشترك. كانت لكلٍ من الهيئة الملكيّة الأردنيّة للأفلام، وصندوق دعم الأفلام في الأردن، وصندوق البحر الأحمر السعودي، اليد الطولى في دعم الفيلم، إلى جانب عددٍ من شركات الإنتاج والمؤسسات التي تُعنى بالشأن السينمائي. يعلّق الرشيد قائلاً إنه فخور بكون فيلمه من إنتاجٍ عربيّ متعدّد الهويات.

أمجد الرشيد في كواليس تصوير «انشالله ولد» مطلع 2022 (صور المخرج)

أمنيات الفوز بـ«السوسنة»

في رصيد «انشالله ولد» حتى اليوم أكثر من 25 جائزة عربية وعالمية، وأكثر من 100 محطة في مهرجانات المنطقة والعالم، كما أنه مثّل الأردن في السباق إلى الأوسكار عام 2023. كان عرضُه العالميّ الأول في مهرجان «كان» العام الماضي، أما العرض العربي الأول فجرى في «مهرجان البحر الأحمر» السعودي في جدّة.

«أنا سعيد جداً بكل إنجازات الفيلم وبالجوائز التي حصدها، لكن للنجاح في بلدي نكهة مختلفة»، يجيب الرشيد رداً على سؤال حول توقّعاته بالفوز بجائزة «السوسنة السوداء». يتابع: «أتمنّى ذلك من قلبي فهذا يعني لي الكثير».

في رصيد «انشالله ولد» حتى الآن أكثر من 25 جائزة عربية وعالميّة (صور المخرج)

عروض عربية قريبة

الفيلم منبثقٌ عن المجتمع الأردني وهو يتوجّه إليه. يوضح المخرج أنه لم يرد توجيه رسائل من خلال عمله السينمائي، بل رغبَ في طرح الأسئلة التي تحثّ المجتمعَين الأردني والعربي عموماً على التفكير والنقاش؛ أسئلة مثل: «ألم يحِن الوقت لإعادة تقييم بعض العادات والتقاليد، لنرى ما إذا كانت ما زالت مناسبة لمجتمعاتنا العصريّة أم يجب تعديلها وتطويرها؟».

على الرغم من صراحة «انشالله ولد»، فإنّ الرشيد لا يحبّذ وصف نفسه أو فيلمه بالجريء. يفضّل القول إنه يعالج بصِدقٍ قصصاً طالعة من الواقع، من دون افتعال الجرأة. أما المشاهدون العرب الراغبون في اكتشاف الفيلم وما يخبّئ لغز عنوانه، فيعطيهم المخرج موعداً ابتداءً من منتصف هذا الشهر، انطلاقاً من دور العرض الأردنيّة وصولاً إلى المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، ومصر، وتونس.

يبدأ عرض الفيلم في الصالات العربية خلال هذا الصيف (صور المخرج)

على قدر فخره بفيلمه، يفتخر أمجد الرشيد بالسينما الأردنيّة التي، «ورغم كونها فتيّة، فإنها ترتكز إلى مواهب فريدة وقصص مميّزة ومواضيع مهمّة» وفق تعبيره. وكما يحلم لفيلمه بتكريمٍ في بلده، فإنه يحلم بمستقبل لامع للإنتاجات السينمائية الأردنية، من خلال أفلام محترفة وقادرة على المنافسة العالميّة.


مقالات ذات صلة

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

سينما «العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

تقع أحداث «العميل السري» في البرازيل عام 1977. خلال تلك الفترة هيمنت الديكتاتورية العسكرية على الحياة المدنية، وبسطت سلطتها عبر الخوف والعنف معاً.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

في فيلم «الطيور» (The Birds)، لم يكترث ألفرد هيتشكوك بتوفير سبب لثورة طيور النورس والغربان على سكان بلدة ساحلية في ولاية كاليفورنيا.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق ما غاب... يتقدَّم في المشهد (الشرق الأوسط)

«?Do You Love Me»... مونتاج الذاكرة في هدنة غير مستقرّة

يعتمد الفيلم (يُعرض حصرياً في سينما «متروبوليس») بنية مونتاجية مُحكَمة المعالم، حيث تتوالى اللقطات من دون روابط سببية مباشرة...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة بالمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

إرجاء جديد لـ«القومي للسينما» في مصر يثير تساؤلات

أثار قرار إرجاء المهرجان القومي للسينما في مصر مجدداً تساؤلات عن مدى إمكانية عودة المهرجان المتوقف منذ 4 سنوات.

أحمد عدلي (القاهرة )

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.