منيرة الصلح تعيد أوروبا لموطنها في الشرق

عبر عملها «رقصة من حكايتها» في الجناح اللبناني ببينالي فينيسيا

القارب الفينيقي يتوسط الجناح اللبناني (الشرق الأوسط)
القارب الفينيقي يتوسط الجناح اللبناني (الشرق الأوسط)
TT

منيرة الصلح تعيد أوروبا لموطنها في الشرق

القارب الفينيقي يتوسط الجناح اللبناني (الشرق الأوسط)
القارب الفينيقي يتوسط الجناح اللبناني (الشرق الأوسط)

يمتزج الحاضر مع الأسطورة في جناح لبنان ببينالي فينيسيا، هنا نرى تنويعات على أسطورة أوروبا الأميرة الفينيقية التي اختطفها زيوس، كبير آلهة الأولمب في الميثولوجيا الإغريقية، من شواطئ مدينة صور. لا نرى هنا الأسطورة التي كتبها اليونان، حيث يظهر «زيوس» على شكل ثور أبيض يختطف أوروبا ويحملها على ظهره نحو شواطئ جزيرة كريت. الأسطورة التي اختارتها الفنانة اللبنانية منيرة الصلح موضوعاً لعملها في البينالي، تكتسب أبعاداً جديداً ولمحات طريفة خطتها يدها على الورق، وعلى القماش وعبر الفيلم.

قارب فينيقي

تمتد تصورات منيرة الصلح على كامل مساحة الجناح، وترتكز على القطعة الأساسية المتمثلة في قارب خشبي بسيط على الطراز الفينيقي، احتفظ بهيكله التاريخي كما ورد في المراجع والرسوم القديمة، ولكن يد الفنانة أضافت له الكثير من القطع تخرج به من مساحة التاريخ لتدخله واقعاً خاصاً أرادت تصويره لزوار العرض.

الأقنعة المنتظمة على الممشى الخشبي ترمز للمجتمع المحافظ (الشرق الأوسط)

الأجواء بحرية بامتياز انطلاقاً من اللون الأزرق على الجدران الذي يربط الجناح وموقعه في مدينة البندقية العائمة، مع البحر المتوسط الذي شهد حمل أوروبا لموطنها الجديد، وفي جانب من القاعة نرى ممراً خشبياً زينه الطلاء الأزرق ينساب متعرجاً، وكأنه مقام على الماء. لماذا الأسطورة القديمة وما علاقة أسطورة أوروبا وزيوس بالجناح اللبناني؟ سؤال مستحق إذ إن أسطورة أوروبا وزيوس هي من أهم الأساطير اليونانية التي ترتبط بوجهٍ عام بالقارة العجوز أوروبا أكثر منها بلبنان. تقول ندى غندور، المفوضة العامة والقيمة الفنية للجناح، إن منيرة الصلح اختارت العودة بأوروبا لأصولها الفينيقية، فهي اختطفت من شواطئ مدينة صور بلبنان، ومن هنا نرى أن الصلح قررت إعادة استملاك الأسطورة. إعادة القصة لأصولها المنسية قد يكون في حد ذاته كافياً للعمل الفني، ولكن لمنيرة الصلح هنا نظرة أخرى قلبت بها الأسطورة على رأسها لتصور من خلالها حركة احتجاج تعيد للمرأة السلطة على حكايتها، فأوروبا هنا ليست الأميرة المغلوبة على أمرها بحسب تصوير الفن الأوروبي لها في أعمال شهيرة، بل هي هنا المسيطرة، وهي من اختطفت زيوس. بحسب غندور، تقترح الفنانة قراءة بديلة معاكسة للرواية، وتضيف لمسة من الفكاهة تظهر في الرسوم المعروضة في أرجاء الجناح، وفي تفاصيل القارب وسط القاعة.

جانب من الجناح اللبناني في بينالي فينيسيا (الشرق الأوسط)

في حديث مع «الشرق الأوسط» تقول ندى غندور إن التحضير للجناح اللبناني أخذ في الاعتبار أن يكون العرض متعلقاً بلبنان وأن يكون له جانب عالمي أيضاً. ومن هنا جاء تصور الفنانة منيرة الصلح لعمل «رقصة من حكايتها»: «نحكي هنا عن فينيقيا بوصفها من حضارات البحر المتوسط وأيضاً عن حضارات اليونان والرومان». تشير إلى أن «أسطورة أوروبا عدّت جزءاً من التراث اليوناني، ولم يفكر أحد في القول إنها في الأصل من الميثولوجيا الفينيقية. من أجل ذلك كان يهمنا أن نعيد الحضارة الفينيقية لمكانها الحقيقي». بصرياً تطرح الصلح صلة الأميرة الفينيقية أوروبا بلبنان عبر تصويرها، وهي تحمل فرعاً من شجرة الأرز، وهو رمز للبنان، ونرى ذلك مكرراً في الرسومات المحيطة بنا. تضع الصلح رسوماتها لأوروبا الفينيقية في مواجهة لوحات أوروبية شهيرة للأسطورة اليونانية التي سجلها المؤرخ اليوناني هيرودوت والكاتب الروماني أوفيد وغيرهم، وخلدتها لوحات كبار الفنانين في العالم، ومن أشهرهم الفنان تيشيان والفنان الإيطالي فيرونيزي. تتحدث ندى غندور عن لوحة فيرونيزي قائلة: «تصور لوحة (اختطاف أوروبا) لفيرونيزي، الأميرة، وقد حملها زيوس متخفياً في هيئة ثور أبيض، تلقي ببصرها إلى الشاطئ الذي اختطفت منه، تلتفت هنا لبلدها، وهو ما تصوره منيرة الصلح أيضاً فأوروبا تركت بلدها في صور بجنوب لبنان مرغمة». عمل الفنانة هنا يدعو زوار الجناح للمشاركة في «رحلة البحث عن أوروبا... وفي صنع مصير أنثوي متحرر دون الخضوع للرجال والسعي إلى حالة تكافؤ بين الجنسين».

تقدم الصلح رؤية للمرأة على أنها قوية ليست الأسيرة المغلوبة على أمرها كما تحكي الأسطورة (الفنانة وغاليري صفير- زملر بيروت/هامبورغ - © LVAA تصوير: ©Quinn Oosterbaan)

بحسب غندور، فالقصة القديمة التي نظمها رجال «تعبر عن الرغبة في السيطرة على المرأة وإخضاعها. تذكرنا رحلة أوروبا إلى جزيرة كريت، بداهة، بغنائم الحرب التي أخذها الكريتيون من الفينيقيين. على مر القرون، لا سيما في الرسم الغربي، تتطور تصورات الأسطورة من فعل الاختطاف إلى حالة من الموافقة والرضا»، وهو ما ترفضه الفنانة هنا عبر رؤيتها للأسطورة من وجهة نظرها فهي تختار إنشاء علاقة مساواة بين المرأة، وتمثلها أوروبا، وزيوس، ويمثل الرجال، ولكنها أيضاً تقدم بلمحة فكاهية أوروبا وهي تتلاعب بزيوس، وفي جانب آخر وهي تختطفه.

تنسيق الجناح

عند الحديث عن تأثير العمل لا يمكننا أن نغفل دور مصمم السینوغرافیا المھندس المعماري كریم بكداش وتقديم أجزاء العمل الفني لتصبح عملاً واحداً مركباً يربط بين أطرافه عبر اختيار اللون الأزرق للحوائط أو الممر الخشبي المتعرج الذي يربط بين عناصر فنية استخدمتها الفنانة، وهي الأقنعة الطينية. ترتبط كل هذه العناصر مع القارب الذي يتوسط مساحة العرض. تعلق ندى غندور قائلة: «كل العناصر هنا تتمحور حول الزورق»، حالة الزورق وهو في منتصف اكتماله تمكنه من أخذ المشاهد في رحلة رمزية لصلب موضوع الجناح، وهو التعادل بين المرأة والرجل، وهي أيضاً رحلة لم تكتمل بعد. هنا نرى نحن المشاهدين الرموز المستخدمة تمسك بيد بعضها على طريق واحد ونحو غاية محددة.

الجناح اللبناني في بينالي البندقية (الفنانة وغاليري صفير- زملر بيروت/هامبورغ - تصوير: Federico Vespignani)

تشير منسقة الجناح إلى أن القارب ورمز الرحلة المستمرة تسانده مجموعة من الرسومات واللوحات المعروضة، إضافة إلى الأقنعة الموزعة بشكل نصف دائري. معاً، تقدم اللوحات والأقنعة أكثر من إجابة عن السؤال «لماذا لم نصل للغاية المنشودة؟». اللوحات المعروضة على يسار الداخل للقاعة تمثل تصور الفنانة للانعتاق، أما الأقنعة على اليمين والمنتظمة على الممشى الخشبي فترمز للمجتمع المحافظ الممانع لهذا التقدم.

تستخدم الصلح مفردات بصرية جديدة لتقدم رؤية للمرأة على أنها صاحبة شخصية قوية وليست الأسيرة المغلوبة على أمرها كما تحكي الأسطورة. تحكي المنسقة أن إحدى زائرات العرض سألتها «إن كانت أوروبا مختطفة فالتصوير لم يظهرها وهي تقاوم أو تدفع زيوس بعيداً عنها؟» وكان رد غندور: «الفكرة من خلف عمل منيرة هو الحلم بالتعادل والمساواة وليس المعركة».

منيرة الصلح: غيرت الأسطورة

منيرة الصُّلح (الفنانة ومن غاليري صفير- زملر بيروت/هامبورغ - تصوير: Federico Vespignani) ©️ LVAA

تختار الفنانة أن تبدأ حديثها معي حول سبب اختيارها أسطورة أوروبا: «عند القراءة أو البحث عن الفينيقيين، نرى أشياء متفرقة عن تاريخهم ولكن لا نجد ذكراً لأسطورة أوروبا، وربما يعود ذلك لأنها اختطفت وكأن الأمر فيه وصمة عار ولا يدعو للفخر مثل أساطير أليسا أو أدونيس. لهذا أخذت هذه الأسطورة وغيّرتها، فجعلت أوروبا هي من تختطف زيوس وتحمله معها، وتقرر مصيره».

تقول: «أريد أن يرى الزائر أنني أعيد كتابة أسطورة أوروبا التي نقلها لنا كتاب رجال من اليونان، أعدت كتابة الأسطورة اليونانية من وجهة نظري من الجانب الآخر من البحر المتوسط. قمت باستعادة قصة الأميرة الفينيقية أوروبا، نحن أحق بالقصة لأن معظم اللوحات الشهيرة عنها تصورها كضحية، أريد أن أغير هذا الأمر».

حرصت الفنانة على إظهار العنصر الفينيقي في الرموز والصور وأيضاً في المواد المستخدمة مثل ورق البردي، مشيرة إلى أن استخدامه في لبنان كان نتيجة للتجارة مع مصر الفرعونية، وهو تعاون امتد لتصميم القوارب الخشبية. تظهر في رسوماتها هنا أيضاً إشارات إلى الزهور والمثلثات والحيوانات المأخوذة من الأساطير الفينيقية، كما استوحت في عملها الألوان التي استخدمها الفينيقيون مثل اللون الذي تنتجه صدفة الموريكس.

الجناح اللبناني في بينالي البندقية (الفنانة ومن غاليري صفير- زملر بيروت/هامبورغ - تصوير: Federico Vespignani)

وبالنظر إلى القارب الخشبي المعروض هنا، فنلحظ أن الفنانة أضافت له الكثير من لمساتها الخاصة التي تعبر عن موضوعات وهواجس تهمها، مثل استخدام قوارير الماء البلاستيكية على جوانب القارب في إشارة إلى أزمة المناخ.

تمد الفنانة حبل السرد من الماضي السحيق المتمثل في الأساطير، للحاضر الذي تنشد تغييره لتصل للمستقبل، حيث التعادل بين الجنسين والعناية بكوكب الأرض.


مقالات ذات صلة

«بيبلوس في باريس»... معرض يولد تحت القصف ويحمل ذاكرة لبنان إلى العالم

يوميات الشرق قطع أثرية في معهد العالم العربي معظمها من لبنان وأخرى مُعارة من «اللوفر» (أ.ب)

«بيبلوس في باريس»... معرض يولد تحت القصف ويحمل ذاكرة لبنان إلى العالم

في الكلمة التي ألقاها، قال ماكرون إنّ المعرض «يروي كثيراً عن مصير لبنان ومقاومته للإمبراطوريات»...

ميشال أبونجم (باريس )
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً خلال زيارته لمعرض «جبيل، مدينة لبنان الألفية»، في معهد العالم العربي في باريس 23 مارس 2026 (أ.ب)

ماكرون يحذّر من «احتلال» لبنان خلال افتتاحه معرضاً عن مدينة جبيل الأثرية

أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين، أن أي «احتلال» لا يضمن «أمن أيّ شخص كان»، محذراً إسرائيل من مخاطر عملياتها البرية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق لوحات المعرض تضمَّنت قصصاً من فسطين (الشرق الأوسط)

«الاسم: فلسطين»… فنانون بالقاهرة يواجهون حذف الاسم من المتحف البريطاني

الفن يعرف ما لا تقوله الخرائط؛ لذلك اجتمع فنانون ليشهدوا على أرضٍ وشعبٍ وذاكرة… ذاكرة لا يمكن لأي بطاقة تعريف على جدار متحف أن تمحوها.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

«مدد مدد»... لوحات فطرية لتجليات الفلكلور في عالم حسن الشرق

 يبدو عالم الفنان المصري الراحل حسن الشرق، بفضائه الحالِم المشبع بموتيفات الفلكلور الشعبي، متناغماً مع الأصداء الروحية التي يستدعيها معرض «مدد... مدد».

منى أبو النصر (القاهرة )
يوميات الشرق طقوس رمضان والفوانيس في لوحات المعرض (الشرق الأوسط)

«رمضانيات»... معرض قاهري يحتفي بـ«نوستالجيا» شهر الصوم

تحت عنوان «رمضانيات» استضاف غاليري «دروب» وسط القاهرة معرضاً فنياً يستلهم فضاءات ومشاهد تستدعي روح الشهر، وتعيد قراءتها بصرياً عبر حالة من «النوستالجيا».

نادية عبد الحليم (القاهرة )

عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)

كشفت خريطة حديثة لقارة الأرض الواقعة في أقصى الجنوب عن تفاصيل غير مسبوقة للعالم الكامن تحت الجليد في القارة القطبية الجنوبية، مقدّمةً بيانات جديدة قد تساعد العلماء على فهم التغير المناخي بشكل أعمق والتعامل معه بفاعلية أكبر.

وعلى الرغم من أن مساحة القارة تعادل ضعف مساحة أستراليا، فإن ما يوجد تحت الطبقة الجليدية السميكة التي تغطيها لا يزال مجهولاً إلى حد كبير. بل إن العلماء يعرفون عن سطح كوكب المريخ الذي يبعد نحو 140 مليون ميل أكثر مما يعرفونه عن تضاريس القارة القطبية الجنوبية. وفقاً لمجلة «نيوزويك».

وتحتوي الصفيحة الجليدية في القارة القطبية الجنوبية على نحو 70 في المائة من المياه العذبة على كوكب الأرض، ما يجعلها أكبر كتلة جليدية في العالم. ويختلف سُمك هذه الطبقة الجليدية، إذ يبلغ متوسطه نحو كيلومترين، وقد يتجاوز خمسة كيلومترات في أعمق مناطقها.

الموقع «ليتل دوم سي» في القارة القطبية الجنوبية (أ.ب)

لكن ماذا يكمن تحت هذا الغطاء الجليدي الهائل؟

نظراً لصعوبة الرصد بسبب الامتداد الواسع للجليد، تمكن فريق دولي من الباحثين بقيادة جامعة إدنبرة من إعداد أدق خريطة حتى الآن للمناظر الطبيعية المخفية تحت الجليد في القارة.

واعتمد الفريق على تقنية تُعرف باسم «تحليل اضطراب تدفق الجليد» (IFPA)، التي تستخدم فيزياء حركة الجليد لاستنتاج شكل التضاريس أسفله، من خلال تتبّع الأنماط السطحية التي تتكوّن عندما يتحرك الجليد فوق التلال والوديان. ثم دمجوا هذه البيانات مع أحدث صور الأقمار الاصطناعية للكشف عن ملامح القارة بأكملها.

وقال أستاذ علوم الأرض وأحد مؤلفي الدراسة، البروفسور أندرو كيرتس: «تتيح هذه الطريقة، التي تسقط معلومات سطح الجليد الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية إلى قاعدته، أسلوباً جديداً تماماً لرؤية ما تحت الصفائح الجليدية. وعلى مدار عدة سنوات أثبتنا فاعليتها من خلال اختبارات دقيقة، ويؤكد تطبيقها على مستوى القارة بأكملها قوتها الكبيرة».

وكشفت الدراسة عن تفاصيل جغرافية في مناطق لم تُستكشف سابقاً، بما في ذلك سلاسل جبلية ضخمة، وأودية عميقة، وسهول واسعة، إضافة إلى عشرات الآلاف من التلال والوديان التي لم تكن معروفة من قبل.

وقالت الباحثة هيلين أوكيندن، المشاركة في إعداد الدراسة: «بسبب صعوبة إجراء القياسات العلمية عبر الجليد، فإن معرفتنا بالمناظر الطبيعية المخفية تحت القارة القطبية الجنوبية أقل من معرفتنا بأسطح كوكبي المريخ أو الزهرة. لذلك، من المثير للغاية أن تتيح لنا هذه الطريقة الجديدة استخدام قياسات الأقمار الاصطناعية لسطح الجليد لسد الفجوات في خرائطنا، والكشف عن تفاصيل جديدة للسلاسل الجبلية والأودية والحدود الجيولوجية».

وقد أظهرت دراسات سابقة أن المناطق الوعرة تحت الجليد مثل المنحدرات الصخرية الحادة وسلاسل الجبال يمكن أن تُبطئ تراجع الصفائح الجليدية في القارة، إذ توفّر مقاومة احتكاكية تحدّ من اندفاع الجليد نحو البحر.

وتُعد هذه الخريطة الجديدة دليلاً مهماً للعلماء، إذ تساعد في تحديد المناطق التي ينبغي التركيز عليها في الدراسات المستقبلية، كما تدعم تطوير توقعات أكثر دقة بشأن ارتفاع مستويات سطح البحر ومقدار هذا الارتفاع في المستقبل.


دراسة تكشف: الحديث عن السياسة في العمل قد يعزز رفاهيتك النفسية

النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم (رويترز)
النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم (رويترز)
TT

دراسة تكشف: الحديث عن السياسة في العمل قد يعزز رفاهيتك النفسية

النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم (رويترز)
النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم (رويترز)

في وقتٍ تزداد فيه التحذيرات من تجنّب النقاشات السياسية في بيئة العمل، خشية إثارة الخلافات أو التوتر، تكشف دراسة جديدة عن جانب غير متوقَّع لهذا النوع من الأحاديث. فبدلاً من أن تكون مصدراً للانقسام فقط، قد تسهم المناقشات السياسية - في ظروف معينة - في تحسين الحالة النفسية للموظفين، وتعزيز شعورهم بالارتياح.

ووفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت»، يشير هذا البحث إلى نتائج لافتة، رغم أن كثيراً من الأميركيين يرون أن بلادهم تعيش حالة انقسام غير مسبوقة منذ الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1861 و1865، وذلك حسب بيانات مركز «بيو» للأبحاث (Pew Research Center).

ولا تخلو النقاشات السياسية من آثار سلبية محتملة؛ إذ قد تثير مشاعر غير مريحة. وتشير جامعة ميشيغان إلى أن هذه النقاشات قد تؤدي أحياناً إلى ارتفاع ضغط الدم، وتقلبات في الوزن، والشعور بالقلق وتذبذب المزاج، فضلاً عن اضطرابات النوم وحتى إساءة استخدام المواد المخدرة.

غير أن تحليلاً جديداً لاستطلاعات رأي واستبانات سابقة أجرته جامعة ولاية واشنطن، يقدّم صورة أكثر توازناً؛ إذ يشير إلى أن الحديث عن السياسة في مكان العمل قد يساعد الموظفين فعلياً على إدارة ضغوطهم النفسية بشكل أفضل، شريطة أن يتم في بيئة يشعر فيها الأفراد بالدعم والتفهّم.

وفي هذا السياق، أوضحت كريستين كوهن، أستاذة الإدارة في كلية كارسون للأعمال التابعة للجامعة، في بيان لها: «تشير نتائجنا إلى أن غالبية الموظفين لا يسعون إلى افتعال الخلافات في مكان العمل. ففي العينات التي شملتها دراستنا، كان الأفراد يتسمون بالانتقائية؛ إذ يميلون إلى مناقشة الأخبار السياسية ذات الطابع العاطفي مع زملاء يتوقعون منهم التعاطف، أو يشاركونهم وجهات نظر متقاربة».

وقد شمل التقييم إجابات استطلاعات ورسائل أدلى بها نحو 500 موظف، شاركوا في ثلاث دراسات منفصلة.

وتضمنت هذه الردود معلومات حول الأوقات التي ناقش فيها الموظفون الأخبار السياسية داخل مكان العمل، وكيف ارتبطت تلك المحادثات بمستوى رفاههم الوظيفي، ودرجة الإرهاق لديهم، وطبيعة تفاعلاتهم مع زملائهم.

كما أخذ الباحثون في الحسبان الهوية السياسية للمشاركين، ومدى توافقها مع هويات زملائهم في بيئة العمل، مع الإشارة إلى أن الدراسة لم تكشف عن التوجهات السياسية التفصيلية للأفراد.

وقد أتاحت هذه المعطيات فهماً أعمق للكيفية التي تؤثر بها هذه الديناميكيات في طبيعة هذه النقاشات واحتمالات حدوثها.

وأظهرت النتائج أن النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متوافقين ومتعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم - مثل الإحباط - وتمنحهم إحساساً بأن مشاعرهم محل تقدير وتفهّم.

وفي هذا الصدد، قالت كوهن: «تُظهر الأبحاث أنه عندما يمر الأشخاص بمشاعر قوية في العمل - كما يحدث بعد التعامل مع عميل صعب - فإنهم غالباً ما يسعون إلى التحدث مع شخص ما حول ذلك».

وأضافت: «ما يختلف هنا هو السياق؛ فالأحداث الإخبارية التي تثير هذه المشاعر تقع خارج نطاق المؤسسة، لكنها تظل تؤثر في كيفية شعور الأفراد وتفاعلهم داخل بيئة العمل».

كما يشير الباحثون إلى أن تحليلهم لاستجابات العاملين يُظهر أن الأحداث الاجتماعية والسياسية قد تسهم في توليد ضغط عاطفي وإرهاق مهني داخل مكان العمل، وهو ما يجعل طريقة التعامل معها عاملاً حاسماً في الحد من آثارها السلبية.


قبل الزراعة بآلاف السنوات... البشر والكلاب أصدقاء منذ العصر الجليدي

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
TT

قبل الزراعة بآلاف السنوات... البشر والكلاب أصدقاء منذ العصر الجليدي

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)

أظهرت دراسة جديدة أنّ العلاقة الوثيقة بين البشر والكلاب استمرّت لأكثر من 14 ألف عام، واكتشف باحثون أدلة على أنّ الكلاب كانت تعيش جنباً إلى جنب مع البشر خلال العصر الجليدي، أي قبل أكثر من 5 آلاف عام من الاعتقاد السائد بشأن تدجينها.

وتعود عظام عُثر عليها في كهف غوف في سومرست، وفي بينارباشي في تركيا، إلى أواخر العصر الحجري القديم الأعلى، أي قبل ظهور الزراعة بزمن طويل. وفي هذا السياق، أوضح البروفسور أوليفر كريغ، من قسم الآثار بجامعة يورك أنه: «لطالما اعتقدنا أن الكلاب تطوّرت من الذئاب الرمادية خلال العصر الجليدي الأخير، لكن الأدلة المادية على ارتباطها بالبشر كان من الصعب تأكيدها».

وخلال المراحل الأولى من التدجين، كانت الكلاب والذئاب متطابقة تقريباً في الشكل، ولم تظهر اختلافات سلوكية واضحة في السجل الأثري. واعتمدت الدراسات السابقة على أجزاء صغيرة من الحمض النووي وقياسات الهياكل العظمية، لكن هذه الدراسة الأخيرة تمكنت من إعادة بناء جينومات كاملة من بقايا يزيد عمرها على 10 آلاف عام.

وبعد ذلك، قارن علماء جامعة يورك هذه البقايا بأكثر من ألف نوع حديث وقديم من فصيلة الكلاب، مما أكَّد أنّ الكلاب كانت منتشرة على نطاق واسع في أوروبا وغرب آسيا منذ 14 ألف عام على الأقل.

كما قاس تحليل غذائي نظائر الكربون والنيتروجين المحفوظة في كولاجين العظام، ما أظهر أنّ الكلاب كانت تتبع نظاماً غذائياً يُشبه النظام الغذائي لدى البشر.

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، قالت طالبة الدكتوراه ليزي هودجسون التي أسهمت في الدراسة: «جاءت إحدى أهم النتائج من بينارباشي، إذ أظهرت البيانات أن الكلاب المنزلية كانت تستهلك نظاماً غذائياً غنياً بالأسماك، يُشابه إلى حد كبير النظام الغذائي للسكان المحليين»، مضيفةً أنه «من غير المرجَّح أنّ الكلاب كانت تصطاد كميات كبيرة من الأسماك بنفسها، ما يُشير إلى أنّ البشر كانوا يُطعمونها بنشاط».

كما تُشير الدراسة، التي نُشرت في مجلة «نيتشر» ونقلتها «الإندبندنت»، إلى أنّ الكلاب كانت موجودة بين مجموعات مختلفة من الصيادين وجامعي الثمار قرب نهاية العصر الجليدي، وأنها كانت أقرب صلةً بسلالات الكلاب الأوروبية والشرق أوسطية الحديثة منها بالكلاب القطبية.

وعلَّق الدكتور ويليام مارش، من متحف التاريخ الطبيعي: «سمحت لنا هذه العيّنات بتحديد أنواع إضافية من الكلاب القديمة من مواقع في ألمانيا وإيطاليا وسويسرا، ما يُظهر أنها كانت منتشرة على نطاق واسع في جميع أنحاء أوروبا وتركيا منذ 14 ألف عام على الأقل».

بدوره، قال الدكتور لاكي سكارزبروك، من جامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونيخ، إنّ هذا يشير إلى أنّ سلالات الكلاب الرئيسة كانت موجودة بالفعل منذ نحو 15 ألف عام. وأضاف: «كانت الكلاب ذات الأصول المختلفة موجودة بالفعل في جميع أنحاء أوراسيا، من سومرست إلى سيبيريا».

ويرى خبراء أنّ هذا يثير احتمال أن تكون الكلاب قد استُؤنست قبل أكثر من 10 آلاف عام من استئناس أيّ حيوانات أو نباتات أخرى.