أوراق وردة الصحراء تنتصر للمرأة السعودية في بينالي فينسيا

الفنانة منال الضويان في رابع مشاركة للمملكة في عرس الفنون بإيطاليا

تحرص الفنانة على صبغ أطراف عملها بالأسود
تحرص الفنانة على صبغ أطراف عملها بالأسود
TT

أوراق وردة الصحراء تنتصر للمرأة السعودية في بينالي فينسيا

تحرص الفنانة على صبغ أطراف عملها بالأسود
تحرص الفنانة على صبغ أطراف عملها بالأسود

في ساعات الصباح، قبل موعد افتتاح بينالي فينسيا للفنون أبوابه للإعلام والمدعوين، بدأت أعداد الزوار بالتوافد أمام البوابات بانتظار بداية الرحلة الفنية الموسمية، وهذا العام لم يختلف الأمر، غير أن طابور الزوار، الذي بدا صغيراً أمام بوابة قاعات مجمع «الآرسنالي» حيث يقع جناح السعودية، حمل أجواء احتفالية خاصة.

في الطابور، انطلقت السلامات بين المعارف والأصدقاء الذين قدموا من أماكن مختلفة، سرعان ما تعارف الغرباء منهم، وتحول الانتظار إلى لحظات حميمية، حملت نسائم الأوطان معها، وطافت اللغة العربية مثل السحر على ألسنة الواقفين تغزل الصلات بينهم، وتحول الغرباء لمعارف.

تبادل الواقفون الحديث حول سبب وجودهم هنا مبكراً، والإجابة بالتأكيد كانت لوجود أجنحة عربية، منها أجنحة السعودية والإمارات ولبنان.

ترتفع أصوات بالتحيات والسلامات، مع ظهور الفنانة السعودية منال الضويان، التي ترحب بأصدقاء ومعارف وأقارب جاؤوا لمساندتها معنوياً وللفخر بها.

«قبيلة منال الضويان» هو التعريف الأقرب للجمع الموجود، الذي أطلقه أحد الواقفين، وبدا أن المناسبة تحولت لـ«فرح» واحتفاء بالفنانة وعملها المعروض في قاعة داخل مساحة «آرسنالي».

الفنانة منال الضويان مع فريق التقييم جيسيكا سيرازي ومايا الخليل والقيّمة المساعدة شادن البليهد (الشرق الأوسط)

معزوفة الرمال والنساء في الصحراء

عنوان الجناح السعودي هذا العام هو «نطقت الرمال فتحرك الصوت»، وهو عنوان شاعري معبر خارج من قاموس منال الضويان، ويعبر عن تفكيرها دائماً.

التكوينات الضخمة أمامنا باهرة وجاذبة بشكلها الجمالي الذي يماثل الورود المتفتحة، تتداخل طبقات عملاقة من أوراق الورد أمامنا، غير أنها ليست كأي ورود، بل هي ما يسمى بورود الصحراء، ذلك التكوين المعدني الذي يتكون في الصحراء، واعتمدته الضويان كأحد الرموز الأساسية في أعمالها.

العمل مألوف وقريب للنفس، ليس لأن الضويان استخدمته في أعمال سابقة لها فقط، ولكن الألفة هنا مضاعفة لكل امرأة سعودية حاضرة، منهن من شاركن في العمل عبر كلماتهن ورسوماتهن المطبوعة على أوراق الورد العملاقة أمامنا.

وتعود قصص الرسوم لعدد من ورش العمل، أقامتها الفنانة في الخبر وجدة والرياض، حيث شاركت فيها ما يقارب ألف امرأة وفتاة، عبر رسوم وكتابات، عبرن فيها عن أنفسهن. وطلبت منهن الفنانة التفاعل مع موضوع عملها، بالردّ على تصويرهن في الإعلام الغربي.

كل ما كتبته، وخطته المشاركات في تلك الورش، حاضر هنا أمامنا. هن حاضرات هنا بالرسم والخط وبالكتابات المطبوعة على الحرير. نسمع أصواتهن في مكبرات الصوت تطوف بالعمل عبر الهمهمة التي سجلنها في ورش العمل على وقع هدير الرمال، «قامت الفنانة بتسجيل حساس لمعزوفة الرمال الصادرة عن كثبان الربع الخالي عندما تتحرك فيقع الرمل بعضه على بعض».

رسائل النساء السعوديات في عمل الفنانة منال الضويان (الشرق الأوسط)

جميل جداً تضفير الصوت مع العمل المرئي، تمنح الأصوات النسائية بنعومتها وصلابتها أيضاً إحساساً مختلفاً للعمل، وتلقي عليه بخصوصية وحميمية أيضاً.

رقصة الحرب وهمهمة النساء

أتحدث مع مايا الخليل، من منسقي العرض، التي تشير إلى أن الفنانة تستخدم الصوت في أعمالها للمرة الأولى، وتشير إلى أن صوت الهمهمة ترى فيه الفنانة نوعاً من تصور لرقصات الحرب في السعودية، مثل «العرضة» و«الدحة». حيث يقف الرجال في صفين، وبينهما يقف شخص يلقي بالقصائد والكلمات الحماسية لتشجيعهم، «ترى المنسقة مايا الخليل أن هناك سابقة لقيام نساء بهذا الدور في رقصات الحرب في الصحراء». وهنا يمكننا تخيل الهمهمة النسائية مصحوبة بهدير الرمال على أنها ذلك الشخص الذي من مهمته التحفيز وبثّ الحماسة.

تقول الخليل: «في ورش العمل كانت المشاركات يرتدين سماعات تبثّ صوت (غناء كثبان الصحراء) كما سجلته منال، وقمن بالهمهمة، كمن يقول: نحن هنا، نحن موجودون، لدينا صوت، وهذا هو صوتنا».

جانب من عمل الفنانة منال الضويان في الجناح السعودي ببينالي فينيسيا 2024 (أ.ف.ب)

تعرج الخليل إلى تركيب العمل وأجزائه، قائلة: «ينقسم العمل أمامنا لعدة أجزاء. هناك الجانب الصوتي، وهناك جانب النحت الناعم المتجسد في تكوينات بتلات الورود، هناك نتائج ورشات العمل من الكتابات والرسوم. كل تلك العناصر مجتمعة تخلق صورة واضحة لعمل الفنانة».

ورود الصحراء الحريرية في عمل الفنانة منال الضويان (الشرق الأوسط)

نقف في منتصف القاعة، نرى إلى اليمين، وعلى اليسار منحوتات الحرير، المجموعة الأولى مطبوعة عليها نصوص مأخوذة من صحف ومجلات غربية، تتحدث عن المرأة في السعودية، كتابات تحمل أفكاراً نمطية عن المرأة، تقلل منها، ومن مكانتها، وتعكس آراء متحيزة.

«لقد أرادت في الواقع من ورش العمل أن تتفاعل مع النساء، وأن تطلب منهن الرد على الطريقة التي تصورهن بها وسائل الإعلام الدولية، حتى الإقليمية والمحلية» تقول الخليل، وتستكمل: «أرادت أن تتصدى لذلك من خلال تشجيعهن على التعبير عن أنفسهن والرد على السرد الذي دأب على تهميش النساء في المملكة».

عمل الفنانة منال الضويان «نطقت الرمال فتحرك الصوت» في الجناح السعودي (الشرق الأوسط)

تشير الخليل إلى الاختلاف الذي يحدث في ديناميكية العرض، ففي القسم الأول من العرض حيث المنحوتات الناعمة مثبتة على الأرض، تعكس جمود الأفكار الغربية، بعدها ترى منحوتات الحرير تتحول، وتتغير بفعل رسوم فيها حياة وجرأة وفخر، إلى جانب كلمات قوية ومعبرة، خطتها سيدات السعودية في ورشات الضويان: «لديك 4 منحوتات ناعمة لورود الصحراء، الأولى والأخيرة مطبوعتان بهذه العناوين متراكبة، واحدة فوق أخرى، ما يجعلها غير مرئية تغوص في البتلات، وتكاد تختفي، وهذه هي طريقة منال في استخلاص قوتها. تواجهها في المنتصف وردتان صحراويتان معلقتان مملوءتان بالحركة، وعليهما بوضوح رسوم وكلمات هؤلاء النساء التي تطورت في ورش العمل استجابة لهذه العناوين».

يمكن أيضا أن نرى أن تلك المنحوتات المعلقة على أنها ذلك الشخص أو المرأة التي تلقي بالأشعار والكلمات الحماسية في أثناء رقصة الدحة، «نقرأ الكلمات على وقع أصوات الهمهمة وهدير الرمال، هنا يتحول العمل، وينبض بالحياة ليصبح كائناً متحركاً حماسياً».

حرير السلام ووردة الصحراء

المواد المستخدمة في صنع العمل لها رمزيتها أيضاً، بحسب الخليل، فالحرير الذي كوّن بتلات ورود الصحراء صنع في الهند، ويطلق عليه «حرير السلام» حيث تتم المحافظة على دود القزّ بعد الحصول على الحرير منه.

وتشير أيضاً إلى أطراف بتلات الورود الملطخة بالسواد، وتقول إن ذلك جانب مهم في عمل الفنانة التي حرصت على تلطيخ الأطراف باللون الأسود بيدها. تعود تلك الممارسة إلى ما نصحتها به إحدى معارفها في بداية عملها وانشغالها بقضايا المرأة، حيث قالت لها: «أنت كمن يمسك بقطع الفحم، ستتلطخين بلونه». وكان ردّ فعل الفنانة هو «أريد أن ألطخ يدي بالسواد».

عمل الفنانة منال الضويان «نطقت الرمال فتحرك الصوت»

لماذا وردة الصحراء؟ تقول الخليل إن النساء يشبّهن دائماً بالورود في هشاشتها، ولكن ورود الضويان ليست هشة، ولكنها قوية بحكم ظروف نشأتها في الصحراء، هذه التكوينات المعدنية تتشكل في ظروف شديدة، وتأتي بعد تدفق كثيف جداً للمطر، يتبعه جفاف شديد، ولهذا تتصف التكوينات الكريستالية الشكل التي يطلق عليها اسم «وردة الصحراء» بالجمال والصلابة والقدرة على البقاء على قيد الحياة.

من ورش العمل التي أقامتها الضويان في السعودية (تصوير: إيمان الدباغ)

هل ما تعرضه الضويان هنا يختلف عن ممارستها الإبداعية عبر السنوات؟ الإجابة بسيطة، وهي «لا»، فما نراه أمامنا في الجناح السعودي هو محصلة أعمال سابقة وورشات عمل وأبحاث كثيرة، يمكننا رؤية العمل على أنه تتويج لأعمال الضويان حتى الآن، وأنها أصبحت ناقلة للتجربة النسائية تنسجها، وتنسقها، لتخلق منها عملاً لا يشبه غيره.

منال الضويان:

«أحاول في العمل الذي أقدمه في (بينالي الفنون 2024) تمثيل المرحلة التي وصلتُ إليها الآن في مسيرتي الفنية، انطلاقاً من مجتمعي وبلدي والعالم كله. وهو عمل استوحيتُه من الدور المتطور للمرأة في المجال العام في بلدي، وسعيها المستمر لإعادة تعريف المساحة المادية التي تعيش فيها، والسرديات التي حددتها تاريخياً. يجمع هذا العمل بين الأصوات والمجسمات من حيث إن فضاءه الصوتي يتضمن صوت رمال الربع الخالي وغناء النساء والفتيات المتناغم معه. فالصوت أداة غير مرئية تشغل الفضاء، ولها حضور كبير. نعم، تتعذّر رؤيته، ولكن المرء لا يمكنه إنكار وجود ما لا يراه. أما المجسمات المركزية المصنوعة من الحرير فتمثّل بتلات وردة الصحراء التي ركّزتُ عليها في أعمالي منذ عدة أعوام».

دينا أمين، المديرة التنفيذية لهيئة الفنون البصرية، مفوضة الجناح السعودي:

«يسلّط عمل الضويان الضوء على مسيرة المرأة السعودية في الأعوام الأخيرة، حيث إن الفنانة توجّه من خلاله الدعوة للجمهور إلى التفكير في الصور النمطية التي عفا عليها الزمن، وتسعى في الوقت نفسه إلى إيصال صوت المرأة السعودية، الذي أصبح اليوم عابقاً بالحيوية والرقة والطموح. فضلاً عن ذلك، يرمي عمل الضويان هذا إلى تمكين المرأة السعودية من استرداد تحكّمها بالسرديات التي تخصّها، على نحو يعكس التغييرات الحاصلة في المجتمع السعودي، حيث أصبحت المرأة قادرة على العمل في جميع المجالات، ورسم معالم مصيرها بحرية».


مقالات ذات صلة

سعيد قمحاوي في «بقاء مؤقت»: تجربة مفتوحة على تحوّلات المادة

يوميات الشرق عمل «زولية أمي» يستعيد الذاكرة عبر عرض بصري وصوتي على أرضية رملية (صور الفنان)

سعيد قمحاوي في «بقاء مؤقت»: تجربة مفتوحة على تحوّلات المادة

معرض سعيد قمحاوي الفردي يرتكز على مجموعة من الأعمال التركيبية واللوحات التشكيلية التي تتمحور حول الفحم ليس بوصفه وسيطاً...

عبير بامفلح (الرياض)
يوميات الشرق علاقة الإنسان بالطبيعة ضمن أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

«إلى العمق»... معرض يحتفي بالطقوس والأشكال الطوطمية في مصر القديمة

يحتفي معرض «إلى العمق» للفنان المصري ناثان دوس بالحضارة المصرية القديمة من خلال العديد من الأشكال الطقوسية، والطوطمية التي تعود إلى فترة «الأم الكبرى».

محمد الكفراوي (القاهرة )
خاص رمزي ملاط أثناء تركيب عمله في قاعة العرب بمتحف «ليتون هاوس» بلندن (الفنان)

خاص ثريا العيون الزرقاء في متحف «ليتون هاوس» بلندن: تعويذة ضد العنف والمحو

يحتفل متحف «ليتون هاوس» في لندن بالذكرى المئوية لإنشائه، وهو المنزل الذي بناه اللورد فريدريك ليتون في القرن الماضي، وبث فيه حبه للأسفار في الشرق الأوسط.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

يتحدى المعرض النظرة التقليدية للسنوات «الأخيرة» من حياة أي فنان كفترة اضمحلال فنرى هنا دافعاً مزدهراً دؤوباً لتجربة وسائط جديدة وبساطة شديدة يتطلب إنجازها عمراً

إميلي لابارج (باريس)
يوميات الشرق الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)

«أمومة» في القاهرة... الهميم الماحي يستحضر الوطن عبر صورة الأم

على المستوى الثقافي، تلعب الأم دور الحارس الأمين للتراث؛ فهي التي تحفظ الحكايات الشعبية...

نادية عبد الحليم (القاهرة )

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير والتشكيك في قراراتهم، والانشغال بأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو ما قد يستهلك طاقتهم ويبطئ أداءهم ويجعل الاستمتاع بالحياة أكثر صعوبة. لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

يرى أليكس كورب، عالم الأعصاب وأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن تحسين أداء الدماغ يبدأ بتجنّب بعض العادات الشائعة التي تستنزف الطاقة الذهنية. وبعد أكثر من 20 عاماً من البحث في علم الأعصاب، يؤكد أن التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقاً كبيراً في تعزيز التركيز والشعور بالهدوء ومقاومة الإرهاق، حسب ما أورده في تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وفيما يلي أبرز 6 أمور ينصح كورب بتجنّبها للحفاظ على قوة الدماغ وصحته:

1. تجاهل القلق

يُنظر إلى القلق غالباً بوصفه أمراً سلبياً، لكن كورب يعتبره بمثابة «نظام إنذار» يصدر إشارات من الجهاز الحوفي- مركز العواطف في الدماغ- لينبّهك إلى ما هو مهم. تجاهل هذا الشعور قد يجعلك غير قادر على التمييز بين المواقف التي تتطلب استجابة فورية وتلك التي لا تستدعي القلق. لذلك، من الأفضل التوقف لحظة عند الشعور بالقلق، ومحاولة فهم مصدره، وطرح سؤال بسيط: ماذا يخبرني هذا الشعور عن أهمية هذا الموقف؟ هذا الوعي يساعد على التعامل معه بفعالية بدلاً من الانفعال أو التجمّد.

2. الاعتماد على النقد الذاتي بوصفه وسيلةً للتحفيز

في حالات الضغط، يفرز الدماغ مواد كيميائية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، ما يعزز التركيز مؤقتاً. لكن هذا النوع من التحفيز يأتي على حساب مواد أخرى مرتبطة بالسعادة، مثل السيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين. لذلك، فإن الاعتماد على النقد الذاتي قد يمنح دفعة قصيرة المدى، لكنه يؤدي في النهاية إلى استنزاف الطاقة والشعور بالإرهاق. وعند الشعور بالإحباط، يُنصح بتحويل التركيز من النتائج السلبية إلى الأهداف الإيجابية التي تسعى لتحقيقها.

3. الهوس بتتبع جودة النوم

قد يبدو تتبع النوم باستخدام الأجهزة الذكية مفيداً، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للقلق، خصوصاً عندما تنشغل ببيانات لا يمكنك التحكم بها مباشرة. بدلاً من ذلك، يُفضّل التركيز على العادات التي تدعم نوماً جيداً، مثل التعرض لضوء الشمس صباحاً، والحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وممارسة الرياضة، واتباع روتين مسائي هادئ يساعد على خفض مستويات التوتر.

4. تعدد المهام عند الحاجة إلى تركيز عميق

قد يعطي التنقل بين المهام المختلفة شعوراً زائفاً بالإنتاجية، نتيجة دفعات صغيرة من الدوبامين. لكن في الواقع، يؤدي ذلك إلى إرهاق قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن اتخاذ القرارات وحل المشكلات. هذا الإرهاق قد ينعكس في صورة أخطاء متكررة وإجهاد ذهني. لذا، عند الحاجة إلى التركيز، يُفضّل تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة، والتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

5. تجاهل المشاعر بحجة التفاؤل الدائم

رغم أهمية التفكير الإيجابي، فإن تجاهل المشاعر السلبية أو إنكارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمحاولة فرض التفاؤل قد تعيق القدرة على التعامل مع الواقع. الأفضل هو الاعتراف بالمشاعر وتسميتها بوضوح، إذ يساعد ذلك على تخفيف الضغط عن اللوزة الدماغية، ويمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه والتعامل مع الموقف بوعي أكبر.

6. ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية فقط

يرتكب كثيرون خطأ ربط قيمتهم الذاتية بمدى إنتاجيتهم أو إنجازاتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق على المدى الطويل. ويشير كورب إلى أن هذا النمط قد يمنح دفعات مؤقتة من التحفيز، لكنه يستنزف الطاقة النفسية مع الوقت. لذلك، من المهم تذكير النفس بأن القيمة الذاتية لا تقتصر على الإنجاز، وأن بذل الجهد بحد ذاته أمر كافٍ.


من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.