«ع أمل»... صوتٌ درامي صدَحَ بالعدالة للنساء

مسلسل لبناني بحضور سوري رسالتُه تغفر الهفوة

المسلسل يحرّكه ضميره ويسمو بالنُبل (ماغي بو غصن في لقطة منه)
المسلسل يحرّكه ضميره ويسمو بالنُبل (ماغي بو غصن في لقطة منه)
TT

«ع أمل»... صوتٌ درامي صدَحَ بالعدالة للنساء

المسلسل يحرّكه ضميره ويسمو بالنُبل (ماغي بو غصن في لقطة منه)
المسلسل يحرّكه ضميره ويسمو بالنُبل (ماغي بو غصن في لقطة منه)

حوَّل مسلسل «ع أمل» ما يظنّه البعض «مُستهلكاً» إلى مادة جدلية تستدعي إعادة النظر. فالحُكم على إشكالية العنف ضدّ المرأة بأنها «قديمة» و«محفوظة»، تبيَّن أنه مُتسرِّع. استطاع العمل مَنْح الصوت النسائي مزيداً من القيمة، وشدّ الانتباه إلى القسوة الكبرى. النساء مُحرّكه وضميرُه. يشفع له نُبل ما يحاول قوله وجرأة تبنّي قضية. يترافق ذلك مع إيقاع مُتسارع ضمَنَ متابعة المُشاهدة والتشوُّق لنهايات الظالمين والمظلومين.

حَمَلت «ثقلُ» المسلسل (إنتاج «إيغل فيلمز») شخصيات قرية «كفرحلم» الافتراضية القابلة للإسقاط على مجتمعات أخرى. الندوب الممتدّة من ماضيها إلى حاضرها، وسُلطة الرجل أباً وأخاً وزوجاً، تمدّانها بواقعية مريرة. المسرح بأكمله لتجسُّد مفهوم «القوّة» ولإسقاط حصره بممارسي العنف، فتصدح أصواتٌ من عمق خفوتها. فمن خلال شخصية «يسار/ سهاد» (ماغي بو غصن)، تتأكد القوّة بوصفها الانتصار على الخوف والقرار بالمواجهة حين تقلّ الخيارات، ولا تبقى سوى الورقة الأخيرة.

منح العمل الصوت النسائي مزيداً من القيمة (البوستر الرسمي)

كتبت اللبنانية نادين جابر نصاً واثقاً بأنه سيُعلِّم، وحمَّلت مع المخرج السوري رامي حنا شخصياته مَهمّة إيصاله بعيداً. وإنْ كان وراء عودة الماضي بأشكال كابوسية، أبٌ مُنتقِم هو «نبال» (مهيار خضور)، فالانتظار على أشدّه ليكون السرّ المؤدّي إلى ذلك الخراب بحجم تداعياته.

بإخراج شيِّق تبرع به كاميرا حنا، تُروى حكاية نساء يجدن في شخصيات المسلسل أصداء لعذابات صامتة، لا تعبُر الغرف المغلقة، ولا تجد مَن يحيلها على الخلاص. كان مُخيفاً تصديق أنّ ذلك يحدُث. بدا «أسهل» على العقل البحث عن المبالغة والتقاط الهفوة، من تقبُّل الحقيقة. لا يعني ذلك خلوَّ النصّ من نقاط ضعف. فبطلته تحوَّلت تماماً إلى هيئة امرأة «أخرى»، ولم يتعرّف أحد إلى صوتها. وأوكِل لأستاذ قيل إنه يحمل الجنسية الأميركية التعليم في «الجامعة الأميركية ببيروت»، حيث لا يتردّد بإقامة «علاقة» مع طالبة لأغراضه الانتقامية، من دون الاكتراث إلى سمعته ومكانته! فإنْ أُعطي أي مهنة أخرى، لما لاحظنا الفارق، فالدكتور ترك أشغاله وتفرّغ بالكامل للثأر. ذلك، وسواه، بانتظار أن يجيب المسلسل عن سؤال يتعلّق بكيفية دخول «ريا» (ريان حركة بأداء مُتقَن ومُبشِّر) «الجامعة الأميركية»، وتسديد قسطها وسط سرّية تحرّكاتها؟

ريان حركة من المبشّرين بمستقبل الدراما اللبنانية (حسابها الشخصي)

أمام القضية النبيلة، قد تتراءى الاستفهامات «تفاصيل» لا بأس بالتغاضي عنها. وإنْ فعلنا، يصعُب صرف النظر عن بناء المنعطف الدرامي الكبير على قتل سببه «رفض تزويج الأخت الصغرى وفق عادات تنصّ على بذل حياتها لخدمة والديها». ثمة خلطٌ أضرَّ بحجم «تصديق» العمل، حين أبقى هامشاً للظنّ أنّ «هذه دراما فقط». لتصديقه «بالكامل»، وجب تجنُّب وَضْع المُشاهد أمام الشكّ. الوقوف في الوسط بين الواقع والخيال، في هذه الحالة، سيجعل الأخير يبدو غالباً، وإن كانت النوايا عكس ذلك. خطّ «رهف» (أداء مميّز لسيرينا الشامي) مؤثّر وحزين، لكنّ بناءه على قصّة رفض تزويجها لأنها الصغرى، بدا «مبالغة». فعادة المجتمع الذكوري ألا يعفو امرأة من الزواج، أياً كان ترتيبها الأسري.

من اليمين كارول عبود وإلسا زغيب بدور زوجتَي عمار شلق (مواقع التواصل)

النقد لا يرجم المسلسل بحجر، لثقته بأنّ له دوراً يغفر هفواته. ليست الرسالة المؤثّرة فحسب، بل أيضاً مفاجآته وأحداثه وتواصُل صعوده نحو الذروة. قلّما خانه إيقاعه وباغتته الرتابة. عصبه مشدود من البداية إلى النهاية، ويملك المفاتيح لدخول المنازل. تناغُم ثلاثية النصّ- الإخراج- التمثيل، أثمر حصاداً مُشتهى.

قصص النساء هذه «ينبغي» أن تخرج إلى العلن، فتهزّ ضمائر وتحرّك قوانين مُهمَلة لتنصف وتردّ الاعتبار. للمسلسل دور، وزَّع من أجله الأدوار على أسماء لمع أداؤها. لم يكن عمار شلق بشخصية «سيف حلم» نموذجاً للرجل الذكوري أسير عادات مجحفة، تطمس كينونة النساء وتُصادر أحلامهنّ، بل أحد أبرز نجوم رمضان.

بشخصية مكروهة، قبيحة، يدعو لها الجميع بالموت، أوصل مآسي المرأة في مجتمعات تقهرها بلا شفقة، وتدوسها بلا تأنيب ضمير، وتصيب وجودها بالامّحاء بشتّى أشكال العنف.

سيرينا الشامي مجسِّدة مشهد قتلها بسلاح أخيها (لقطة من المسلسل)

عند هذا المستوى، تتكامل سلسلة الظلم، فلا يغدو الفارق كبيراً بين المُتحايلة على قدرها مثل «ريا»، وضحية أحكام الآخرين مثل «ملاك» (المميّزة جوي حلّاق)، ما دام السكّين يحزّ الرقاب متى تجرأت إحداهنّ وواجهت. ولا فوارق كبرى بين مَن تحبّ بصمت، وتتألّم بلا مجاهرة، مثل «ضحى» (أحد أجمل أدوار كارول عبود)، لمجرّد أنه يُحرَم على المرأة الانصياع لقلبها؛ ومَن تنعكس أوجاعها الداخلية، الواعية واللاواعية، على جسدها مثل «صفاء» (إلسا زغيب بأداء متفوّق)، بمقابل مَن تدّعي النجاة وهي تغرق (رنين مطر بأداء مجتهد لشخصية «تينا» المتستّرة على وجعها)، ومَن تُغنّي فواق الجراح الساخنة، فتؤدّي الفنانة ماريلين نعمان دوراً مكتمل الصدق والعفوية والبراعة والرقّة، يتيح للمسلسل مساحة دفء تبلسم الوحشة، وفسحة حميمية على وَقْع الموسيقى، بمثابة استراحة من ظلم الدنيا.

ماريلين نعمان مفاجأة المسلسل والموسم الرمضاني (حسابها الشخصي)

رجال المسلسل مؤثّرون في حياكة مصائر النساء، بعضهم يشكّل عناقاً (نقولا دانيال مجسّداً اللطافة الإنسانية، وإيلي متري مجسّداً بعفوية عذبة الكتف التي تُلقى عليها الرؤوس المتعبة، وطلال الجردي مقدّماً أحد أجمل أدواره بشخصية «رباح» النادم على الماضي والمُحتضِن قبل فوات الأوان)؛ وبعضهم يُعمّق الندبة، من «سيف» إلى «عقيل» (حسن حمدان بدور متقَن)، و«نبال». الممثل السوري مهيار خضور أمسك الشخصية، وإنْ لم تُفهم تماماً خلفيات وسواسه القهري (كدنا ننساه بعدما شدّدت عليه الحلقات الأولى، لمصلحة إظهار نوبات هلع تصيبه حين يشتدّ تسبّبه بالأذى). في الحلقات الأخيرة، بدا مستفزّاً، نذلاً، فصدّقنا استفزازه ونذالته، وهذا يكفي للاعتراف بالشطارة.

طلال الجردي بشخصية لن تُنسى قريباً (من بوسترات المسلسل)

مهيار خضور بدور مُستفزّ أحسن أداءه (حسابه الشخصي)

مرور الممثلة السورية ديما الجندي بشخصية «ورد» ترك لطفاً، من دون أن يحرّك ما يُذكر درامياً (حتى الآن). وبديع أبو شقرا بشخصية «جلال» أدّى بمهارة التخبُّط والتلوُّع والخسارة العاطفية مقابل بعض التعويض.

بديع أبو شقرا ماهر في تجسيد التخبُّط (لقطة مع ماغي بو غصن)

الأمومة في المسلسل نجمة أيضاً؛ مرةً بأحد أجمل أدوار نوال كامل بشخصية «رجاء»، ومرّة باستماتة «يسار» لاحتواء ابنتيها. ماغي بو غصن قدَّمت ذروة عطاءاتها التمثيلية. وفاؤها للشخصية يُحسب لها. منحتها ضميرها وقلبها، حيث الصدق والأمل بعدالة الأرض.


مقالات ذات صلة

جوان خضر: لا تجوز المنافسة ضمن المسلسل الواحد

يوميات الشرق أتقن جوان رَسْم ملامح «فجر» وقدَّم مشهديات صامتة (مشهد من «تحت سابع أرض»)

جوان خضر: لا تجوز المنافسة ضمن المسلسل الواحد

أتقن الممثل السوري جوان خضر رَسْم ملامح «فجر» في مسلسل «تحت سابع أرض» الرمضاني وقدَّم مشهديات صامتة أغنت الحوار. نطق بعينيه. شخصية مُركَّبة حملت أكثر من تفسير.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق في فيلم «نهاد الشامي» تُجسّد جوليا قصّار شخصية الحماة المتسلّطة (إنستغرام)

جوليا قصّار لـ«الشرق الأوسط»: الكيمياء بين ممثل وآخر منبعُها سخاء العطاء

ترى جوليا قصّار أنّ مشاركة باقة من الممثلين في المسلسل أغنت القصّة، ونجحت نادين جابر في إعطاء كل شخصية خطّاً يميّزها عن غيرها، مما ضاعف حماسة فريق العمل.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق حسن عسيري خلال استضافته المطرب إيهاب توفيق (الشرق الأوسط)

حسن عسيري يستحضر حسَّه الكوميدي في برنامجه «بروود كاست»

في حواره مع «الشرق الأوسط» تحدّث الفنان والمنتج السعودي حسن عسيري عن كواليس برنامجه «بروود كاست».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق انتهت مسلسلات رمضان وبقيت تتراتها عالقة في الأذهان

انتهت مسلسلات رمضان وبقيت تتراتها عالقة في الأذهان

من مصر إلى لبنان وسوريا مروراً بالخليج، جولة على أكثر أغاني المسلسلات جماهيريةً واستماعاً.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق العمل أهلٌ بتصنيفه بين الأفضل (البوستر الرسمي)

«بالدم»... مخاطرةٌ رابحة مع ملاحظات ضرورية

العمل لم ينل التنويه لمجرّد عواطف وطنية، فذلك مُعرَّض لأنْ تفضحه ثغر ويدحضه افتعال. أهليته للإشادة به مردُّها أنه أقنع بكثير من أحداثه، ومنح شخصيات قدرة تأثير.

فاطمة عبد الله (بيروت)

لكم ساعة يمكنك ممارسة ألعاب الفيديو «دون آثار سلبية خطيرة»؟

شخص يجلس أمام شاشة خلال المشاركة في لعبة إلكترونية (رويترز)
شخص يجلس أمام شاشة خلال المشاركة في لعبة إلكترونية (رويترز)
TT

لكم ساعة يمكنك ممارسة ألعاب الفيديو «دون آثار سلبية خطيرة»؟

شخص يجلس أمام شاشة خلال المشاركة في لعبة إلكترونية (رويترز)
شخص يجلس أمام شاشة خلال المشاركة في لعبة إلكترونية (رويترز)

كشفت دراسة حديثة أن قضاء أكثر من عشر ساعات أسبوعياً في ممارسة ألعاب الفيديو قد يكون له تأثير ملحوظ على النظام الغذائي، وجودة النوم، ووزن الجسم لدى فئة الشباب.

وتوضح الدراسة أن اللعب بشكل متقطع أو معتدل لا يبدو ضاراً إلى حد كبير، غير أن التأثيرات الصحية السلبية تبدأ في الظهور بشكل واضح فور تجاوز مدة اللعب حداً معيناً، بحسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وأجرى الدراسة باحثون من جامعة كورتين في مدينة بيرث الأسترالية، حيث شملت دراسة استقصائية 317 طالباً من خمس جامعات أسترالية، بمتوسط أعمار بلغ 20 عاماً.

وقسّم الباحثون المشاركين إلى ثلاث فئات، اعتماداً على عدد الساعات التي أفادوا بقضائها أسبوعياً في ممارسة ألعاب الفيديو. وضمت الفئة الأولى «لاعبين قليلين» ممن يقضون من صفر إلى خمس ساعات أسبوعياً، بينما شملت الفئة الثانية «لاعبين متوسطين» يقضون ما بين خمس وعشر ساعات، أما الفئة الثالثة فكانت «لاعبين كثيرين» ممن يمارسون الألعاب لأكثر من عشر ساعات أسبوعياً.

ولم يرصد فريق البحث فروقاً تُذكر بين اللاعبين القليلين ومتوسطي الوقت فيما يتعلق بجودة النظام الغذائي أو النوم أو وزن الجسم. إلا أن النتائج اختلفت بشكل واضح لدى الطلاب الذين يقضون أكثر من عشر ساعات أسبوعياً في اللعب، إذ أظهرت هذه الفئة مؤشرات صحية أسوأ بصورة ملحوظة.

وقال البروفسور ماريو سيرفو، الباحث في مجال صحة السكان والمؤلف الرئيسي للورقة البحثية، في بيان: «ما لفت انتباهنا هو أن الطلاب الذين يمارسون ألعاب الفيديو لمدة تصل إلى عشر ساعات أسبوعياً بدوا متشابهين للغاية من حيث النظام الغذائي والنوم ووزن الجسم».

وأضاف: «لكن الاختلافات الحقيقية ظهرت لدى أولئك الذين تجاوزوا عشر ساعات أسبوعياً، حيث برز تباين واضح بينهم وبين بقية العينة».

وأشارت النتائج إلى تراجع كبير في جودة النظام الغذائي لدى اللاعبين الذين يقضون الكثير من الوقت على الألعاب الإلكترونية، كما كانوا أكثر عرضة للتصنيف ضمن فئة السمنة.

ووفقاً للباحثين، ارتبطت كل ساعة إضافية يقضيها المشاركون في ممارسة ألعاب الفيديو أسبوعياً بانخفاض ملحوظ في جودة النظام الغذائي، حتى بعد أخذ عوامل أخرى في الاعتبار، مثل مستويات التوتر، والنشاط البدني، وأنماط الحياة المختلفة.

أما جودة النوم، فكانت ضعيفة نسبياً لدى جميع المشاركين، إلا أن اللاعبين الذين يقضون ساعات متوسطة أو مرتفعة في اللعب أبلغوا عن نوم أسوأ مقارنةً بأولئك الذين يقضون وقتاً أقل. كما أظهر التحليل وجود علاقة وثيقة بين فترات اللعب الطويلة واضطرابات النوم، خصوصاً عندما يمتد اللعب إلى ساعات متأخرة من الليل.

ورغم أن الدراسة لم تثبت وجود علاقة سببية مباشرة، فإن الباحثين وصفوا هذه النتائج بأنها مثيرة للقلق.

وأوضح المؤلفون أيضاً أن ألعاب الفيديو في حد ذاتها ليست ضارة بالضرورة، بل يمكن أن تقدم فوائد اجتماعية أو معرفية. غير أن الخطر الحقيقي يكمن في الإفراط في ممارستها، إذ يؤدي ذلك إلى إهمال عادات صحية أساسية، مثل ممارسة النشاط البدني بانتظام، وتناول وجبات متوازنة، والحصول على قدر كافٍ من النوم.


لماذا نشعر بالراحة عند إعادة مشاهدة مسلسلاتنا المفضلة؟

عند مشاهدة مسلسل جديد نحتاج إلى متابعة جميع خيوط الحبكة والتعرّف على شخصيات جديدة (بيكسلز)
عند مشاهدة مسلسل جديد نحتاج إلى متابعة جميع خيوط الحبكة والتعرّف على شخصيات جديدة (بيكسلز)
TT

لماذا نشعر بالراحة عند إعادة مشاهدة مسلسلاتنا المفضلة؟

عند مشاهدة مسلسل جديد نحتاج إلى متابعة جميع خيوط الحبكة والتعرّف على شخصيات جديدة (بيكسلز)
عند مشاهدة مسلسل جديد نحتاج إلى متابعة جميع خيوط الحبكة والتعرّف على شخصيات جديدة (بيكسلز)

تخيّل هذا المشهد: مررتَ بيومٍ شاق شعرت خلاله أنه لن ينتهي، وعندما تصل أخيراً إلى المنزل، لا ترغب في فعل أي شيء سوى مشاهدة التلفاز. تجلس على الأريكة، تشغّل مسلسل «فريندز»، وفجأةً تشعر بأن الحياة أصبحت أخفّ وأكثر سعادة. لقد شاهدت هذه الحلقات آلاف المرات، لكن ذلك لا يهم إطلاقاً.

جميعنا نملك تلك المسلسلات التي نعود إليها مراراً وتكراراً لأنها تمنحنا شعوراً بالراحة والدفء. تقول كلاريسا سيلفا، عالمة السلوك: «قد يكون روتين الحياة اليومي مُرهقاً ذهنياً، ولهذا السبب تمنحنا المسلسلات القديمة شعوراً بالراحة. فبدلاً من أن تزيد من أعبائنا الذهنية، توفر لنا متنفساً نحن في أمسّ الحاجة إليه».

من جانبها، تقول الدكتورة إيمي داراموس، اختصاصية علم النفس السريري بمدينة شيكاغو: «أحياناً، نحتاج إلى أن تبقى حياتنا كما هي لبضع ساعات فقط، كي نشعر بالأمان والاستقرار».

لماذا نعيد المشاهدة؟ الجوانب النفسية وراء ذلك

في عالم يفيض بعدد لا حصر له من المسلسلات والأفلام الجديدة، قد نشعر أحياناً بالذنب لأننا نعود إلى مسلسل قديم نفضّله، وكأننا نختار الطريق الأسهل أو نتهرب من الجديد. إلا أن الحقيقة أعمق بكثير من مجرد الكسل.

فيما يلي مجموعة من الأسباب التي تدفعنا للعودة مراراً إلى قصص وشخصيات مألوفة، بحسب موقع «فيري ويل هيلث»:

الاسترخاء

عند مشاهدة مسلسل جديد، نحتاج إلى متابعة جميع خيوط الحبكة، والتعرّف على شخصيات جديدة، وفهم دوافعها، ومواكبة تطور الأحداث. أما عند إعادة مشاهدة مسلسل شاهدناه من قبل، فلا يوجد ضغط ذهني، ولا يحتاج عقلنا إلى بذل جهد كبير. فالنكات والعبارات والشخصيات المألوفة قادرة على رفع معنوياتنا ومساعدتنا على الاسترخاء.

الراحة والتنبؤ

حياتنا اليومية غالباً ما تكون مليئة بالضغوط والمفاجآت. في المقابل، تمنحنا المسلسلات القديمة شعوراً بالراحة والتنبؤ، لأننا نعرف تماماً ما سيحدث. لا مفاجآت صادمة، ولا نهايات حزينة تثير القلق. معرفة ما سيجري بالتحديد تجعلنا نشعر بالأمان والطمأنينة، خاصة عندما تبدو الحياة فوضوية ومربكة.

الحنين إلى الماضي

تعيدنا المسلسلات القديمة إلى نسخ سابقة من أنفسنا، وتذكّرنا بمن كنا عليه وكيف كانت تبدو حياتنا عند مشاهدتها للمرة الأولى. وتُظهر الأبحاث أن مشاهدة المحتوى الكلاسيكي تُعيد إلى الأذهان ذكريات من أوقات أبسط وأسعد، مثل مراحل الطفولة.

الارتباط العاطفي

تُعرف الروابط التي نكوّنها مع شخصياتنا الخيالية المفضلة بالعلاقات شبه الاجتماعية، وهي علاقات عاطفية من جانب واحد. ومع مرور الوقت، نتعلق بهذه الشخصيات، لذا فإن إعادة مشاهدة مسلسل ما قد تمنحنا شعوراً يشبه قضاء الوقت مع أصدقاء قدامى، مما يوفر إحساساً بالرفقة والانتماء. وتشير الأبحاث إلى أن كثيرين يعودون إلى المحتوى المألوف بسبب هذه التفاعلات شبه الاجتماعية.

الصداقة

توضح الدكتورة داراموس أن الشخصيات الخيالية تمنح شعوراً بالراحة لأنها تفعل وتقول الأشياء نفسها بالطريقة نفسها دائماً، وهي متاحة لنا باستمرار بطرق لا يستطيع الأصدقاء الحقيقيون توفيرها. وتضيف: «ستكون كل حلقة متطابقة تماماً، وستكون الشخصيات دائماً موجودة من أجلك».

الضوضاء الخلفية

أحياناً لا يكون الهدف هو التركيز الكامل، بل تشغيل شيء مألوف في الخلفية أثناء الطهي، أو التنظيف، أو تصفح الإنترنت.

الرعاية الذاتية

يساعد تخصيص وقت للاسترخاء ومشاهدة مسلسل قديم على استعادة النشاط والهدوء. وتقول سيلفا إن هذا السلوك يُعدّ أحد أشكال الرعاية الذاتية التي يمكن أن تكون مُجددة للطاقة.

تفاصيل جديدة

سواء كانت عبارة ذكية، أو تعبيراً مضحكاً، أو إشارة لم ننتبه لها سابقاً، فإن إعادة مشاهدة مسلسل ما تتيح لنا اكتشاف تفاصيل جديدة وممتعة.

ثقافة مشتركة

مشاركة مسلسلنا المفضل مع شخص مقرّب تعتبر تجربة خاصة. كما أن مناقشة الحلقات، واقتباس العبارات، والتوصية بالمسلسل للآخرين، أو تبادل النكات الخاصة، كلها أمور تقرّبنا من المعجبين الآخرين وتعزّز شعورنا بالتواصل والانتماء.

فوائد الصحة النفسية المدعومة علمياً

فيما يلي بعض الفوائد النفسية لإعادة مشاهدة برامجك المفضلة:

تقليل الجهد الذهني

تقول سيلفا: «يحتاج دماغنا إلى فترات راحة من التحفيز المفرط الذي نتعرض له طوال اليوم». فمشاهدة برنامج جديد تتطلب جهداً ذهنياً كبيراً، بينما تمنحنا إعادة المشاهدة فرصة لإراحة عقولنا عند الشعور بالإرهاق.

تخفيف التوتر والقلق

يمكن لمشاهدة التلفاز أن تكون وسيلة للهروب من ضغوط الحياة وقلقها. فالقصص المألوفة تمنحنا شعوراً بالاستقرار عندما تبدو الحياة غير متوقعة، بخلاف التقلبات العاطفية التي ترافق المحتوى الجديد. وبما أننا شاهدنا هذه البرامج من قبل، فإننا نعرف تماماً كيف تنتهي الحلقات، وكيف تُفهم النكات، وكيف تُحل المفاجآت الكبرى. وتقول سيلفا: «عندما نشعر بالتوتر والإرهاق، فإن إعادة المشاهدة تمنحنا إحساساً بالسيطرة».

المساعدة على تنظيم المشاعر

عندما نشعر بالضيق أو الإرهاق، قد تساعدنا إعادة مشاهدة برنامج ما على تنظيم مشاعرنا. نعرف أن الشخصيات ستتجاوز تحدياتها، وأن النهاية ستكون سعيدة، ما يمنحنا شعوراً بالراحة والأمل في حياتنا الواقعية.

مكافحة إرهاق اتخاذ القرارات

حياتنا اليومية مليئة بالقرارات، بدءاً من اختيار الملابس صباحاً وصولاً إلى تحديد وجبة العشاء. هذا الكم من القرارات مُرهق ذهنياً. وعندما تتعدد الخيارات على منصات البث، فإن العودة إلى محتوى مألوف تساعدنا على تجنب إرهاق اتخاذ القرارات. وتقول سيلفا: «من المفيد ألا نُضطر إلى اتخاذ المزيد من القرارات خلال يومنا».

تحسين المزاج

مشاهدة اللحظات المضحكة أو المؤثرة التي نحبها كفيلة برفع معنوياتنا فوراً. وتوضح سيلفا أن هذا لا يمنحنا شعوراً بالراحة فحسب، بل يزوّد أدمغتنا أيضاً بجرعة من الدوبامين.

تعزيز الشعور بالانتماء

قد لا تكون هذه الشخصيات حقيقية، لكننا نشعر تجاهها بروابط قوية. وهذه الروابط تمنحنا الطمأنينة وتعزز شعورنا بالانتماء.

التخفيف من الملل والوحدة

تشير الأبحاث إلى أن الحنين الذي نشعر به عند إعادة مشاهدة مسلسل ما يمكن أن يساعد في مكافحة الملل والوحدة، بل وحتى الشعور بالحنين إلى الوطن لدى الأشخاص الذين يعيشون بعيداً عن ديارهم.


أكثر من تسلية… كيف تفيد ألعاب الطاولة الدماغ على المدى البعيد؟

ممارسة ألعاب الطاولة تُحسّن مهارات الحساب لدى الأطفال (بيكسلز)
ممارسة ألعاب الطاولة تُحسّن مهارات الحساب لدى الأطفال (بيكسلز)
TT

أكثر من تسلية… كيف تفيد ألعاب الطاولة الدماغ على المدى البعيد؟

ممارسة ألعاب الطاولة تُحسّن مهارات الحساب لدى الأطفال (بيكسلز)
ممارسة ألعاب الطاولة تُحسّن مهارات الحساب لدى الأطفال (بيكسلز)

لطالما كانت ألعاب الطاولة نشاطاً أساسياً تجتمع حوله العائلات، أو وسيلة ممتعة للتواصل مع الأصدقاء في أمسية هادئة، ما دامت لا تُسبب فوضى أو جدالاً حول القواعد.

لكن الأبحاث الحديثة تُظهر أن بضع دقائق فقط من ممارسة ألعاب الطاولة قد تُحقق فوائد طويلة الأمد للدماغ، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وقامت الدراسة، التي أجرتها جامعة أوريغون الأميركية، بتحليل 18 دراسة تناولت ألعاب الطاولة التي تعتمد على الأرقام ومهارات الرياضيات المبكرة لدى الأطفال، من مرحلة ما قبل المدرسة وحتى الصف الثالث الابتدائي.

وبيّنت النتائج أن هناك احتمالاً بنسبة 76 في المائة بأن ممارسة هذه الألعاب تُحسّن مهارات الحساب لدى الأطفال عندما يُحرّك اللاعبون قطعاً على مسار مُرقم مستقيم.

وقالت الدكتورة جينا نيلسون، إحدى مُعدّات التقرير: «اخترنا هذا الموضوع لأن مهارات الرياضيات المبكرة تُعدّ مؤشراً قوياً على نجاح الأطفال لاحقاً في المدرسة، كما أن ألعاب الأرقام سهلة الاستخدام وميسورة التكلفة».

وتابعت: «تُظهر هذه المراجعة أن جلسات اللعب القصيرة باستخدام ألعاب لوحية ذات أرقام خطية يمكن أن تُحسّن بشكل كبير المهارات الرياضية الأساسية المبكرة، مثل العد، والتعرّف على الأرقام، وفهم الكمية».

ومن جهة أخرى، أوضحت ناتالي ماكنزي، خبيرة الدماغ والإدراك التي تتمتع بخبرة تمتد عشرين عاماً وتدير شركتها الخاصة، كيف يمكن لألعاب الطاولة أن تفيد البالغين، من خلال دعم التركيز، وتنشيط الذاكرة، وتحسين مهارات حل المشكلات.

وأضافت أن القواعد المنظمة وما وصفته بـ«السلوكيات الممتعة الموجهة نحو تحقيق الأهداف» يمكن أن تكون مجزية، كما توفر فرصاً قيّمة للتواصل الاجتماعي.

وشرحت: «تُفعّل هذه الألعاب وتُشغّل عدداً من مناطق وأنظمة الدماغ في آنٍ واحد. إذ تصبح قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن الوظائف التنفيذية مثل التخطيط واتخاذ القرارات والتحكم في الاندفاع، نشطةً أثناء عدّ المسافات، وتذكّر القواعد، وتخطيط الحركات. وفي الوقت نفسه، يُشارك الحُصين، وهو المركز المسؤول عن الذاكرة والتعلم، في استرجاع وتكرار التسلسلات والأنماط».

وأشارت ماكنزي إلى أن الألعاب توفر «مدخلات حسية متعددة» تشمل المعالجة البصرية، والإدراك المكاني، والحركة الجسدية، وهو ما يُسهم في تقوية الدماغ، وأضافت: «في الدماغ الشاب سريع التكيّف، تُعدّ هذه ممارسة قيّمة للغاية. فالخلايا التي تنشط معاً تتصل ببعضها، وكلما زاد تكرار فعل أو عملية ما، ازداد الترابط العصبي قوة على المدى الطويل».

وفي سياق متصل، يعمل الباحثان اللذان أجريا الدراسة على الأطفال، الدكتورة نيلسون والدكتورة مارا ساذرلاند، حالياً على اختبار مجموعة من ألعاب الأرقام الأصلية، وكتب قصصية ذات طابع رياضي، ومحفزات حوارية، بهدف استخدامها في المنزل مع أولياء أمور الأطفال ذوي الإعاقة، الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاث وخمس سنوات.

ويأمل الفريق في دمج خصائص من أفضل ألعاب الأرقام اللوحية في لعبة خاصة يصممونها لدراستهم البحثية حول ألعاب الطاولة للأطفال ذوي الإعاقة. ولهذا الغرض، أضافوا مستويات مختلفة وتحديات رياضية اختيارية ليستخدمها أولياء الأمور بما يتناسب مع مهارات أطفالهم.

وقالت ساذرلاند: «من بين ما تعلمناه من تحليلنا الشامل، تبرز ضرورة أن تكون أنشطة الرياضيات المبكرة قابلة للتعديل بدرجة كبيرة، بناءً على استعداد الأطفال لتعلم الأعداد المختلفة. وقد كانت ردود فعل أولياء الأمور إيجابية للغاية بشأن استخدام أنشطة الرياضيات القابلة للتعديل في المنزل مع أطفالهم ذوي الاحتياجات التعليمية المتنوعة».