«ع أمل»... صوتٌ درامي صدَحَ بالعدالة للنساء

مسلسل لبناني بحضور سوري رسالتُه تغفر الهفوة

المسلسل يحرّكه ضميره ويسمو بالنُبل (ماغي بو غصن في لقطة منه)
المسلسل يحرّكه ضميره ويسمو بالنُبل (ماغي بو غصن في لقطة منه)
TT

«ع أمل»... صوتٌ درامي صدَحَ بالعدالة للنساء

المسلسل يحرّكه ضميره ويسمو بالنُبل (ماغي بو غصن في لقطة منه)
المسلسل يحرّكه ضميره ويسمو بالنُبل (ماغي بو غصن في لقطة منه)

حوَّل مسلسل «ع أمل» ما يظنّه البعض «مُستهلكاً» إلى مادة جدلية تستدعي إعادة النظر. فالحُكم على إشكالية العنف ضدّ المرأة بأنها «قديمة» و«محفوظة»، تبيَّن أنه مُتسرِّع. استطاع العمل مَنْح الصوت النسائي مزيداً من القيمة، وشدّ الانتباه إلى القسوة الكبرى. النساء مُحرّكه وضميرُه. يشفع له نُبل ما يحاول قوله وجرأة تبنّي قضية. يترافق ذلك مع إيقاع مُتسارع ضمَنَ متابعة المُشاهدة والتشوُّق لنهايات الظالمين والمظلومين.

حَمَلت «ثقلُ» المسلسل (إنتاج «إيغل فيلمز») شخصيات قرية «كفرحلم» الافتراضية القابلة للإسقاط على مجتمعات أخرى. الندوب الممتدّة من ماضيها إلى حاضرها، وسُلطة الرجل أباً وأخاً وزوجاً، تمدّانها بواقعية مريرة. المسرح بأكمله لتجسُّد مفهوم «القوّة» ولإسقاط حصره بممارسي العنف، فتصدح أصواتٌ من عمق خفوتها. فمن خلال شخصية «يسار/ سهاد» (ماغي بو غصن)، تتأكد القوّة بوصفها الانتصار على الخوف والقرار بالمواجهة حين تقلّ الخيارات، ولا تبقى سوى الورقة الأخيرة.

منح العمل الصوت النسائي مزيداً من القيمة (البوستر الرسمي)

كتبت اللبنانية نادين جابر نصاً واثقاً بأنه سيُعلِّم، وحمَّلت مع المخرج السوري رامي حنا شخصياته مَهمّة إيصاله بعيداً. وإنْ كان وراء عودة الماضي بأشكال كابوسية، أبٌ مُنتقِم هو «نبال» (مهيار خضور)، فالانتظار على أشدّه ليكون السرّ المؤدّي إلى ذلك الخراب بحجم تداعياته.

بإخراج شيِّق تبرع به كاميرا حنا، تُروى حكاية نساء يجدن في شخصيات المسلسل أصداء لعذابات صامتة، لا تعبُر الغرف المغلقة، ولا تجد مَن يحيلها على الخلاص. كان مُخيفاً تصديق أنّ ذلك يحدُث. بدا «أسهل» على العقل البحث عن المبالغة والتقاط الهفوة، من تقبُّل الحقيقة. لا يعني ذلك خلوَّ النصّ من نقاط ضعف. فبطلته تحوَّلت تماماً إلى هيئة امرأة «أخرى»، ولم يتعرّف أحد إلى صوتها. وأوكِل لأستاذ قيل إنه يحمل الجنسية الأميركية التعليم في «الجامعة الأميركية ببيروت»، حيث لا يتردّد بإقامة «علاقة» مع طالبة لأغراضه الانتقامية، من دون الاكتراث إلى سمعته ومكانته! فإنْ أُعطي أي مهنة أخرى، لما لاحظنا الفارق، فالدكتور ترك أشغاله وتفرّغ بالكامل للثأر. ذلك، وسواه، بانتظار أن يجيب المسلسل عن سؤال يتعلّق بكيفية دخول «ريا» (ريان حركة بأداء مُتقَن ومُبشِّر) «الجامعة الأميركية»، وتسديد قسطها وسط سرّية تحرّكاتها؟

ريان حركة من المبشّرين بمستقبل الدراما اللبنانية (حسابها الشخصي)

أمام القضية النبيلة، قد تتراءى الاستفهامات «تفاصيل» لا بأس بالتغاضي عنها. وإنْ فعلنا، يصعُب صرف النظر عن بناء المنعطف الدرامي الكبير على قتل سببه «رفض تزويج الأخت الصغرى وفق عادات تنصّ على بذل حياتها لخدمة والديها». ثمة خلطٌ أضرَّ بحجم «تصديق» العمل، حين أبقى هامشاً للظنّ أنّ «هذه دراما فقط». لتصديقه «بالكامل»، وجب تجنُّب وَضْع المُشاهد أمام الشكّ. الوقوف في الوسط بين الواقع والخيال، في هذه الحالة، سيجعل الأخير يبدو غالباً، وإن كانت النوايا عكس ذلك. خطّ «رهف» (أداء مميّز لسيرينا الشامي) مؤثّر وحزين، لكنّ بناءه على قصّة رفض تزويجها لأنها الصغرى، بدا «مبالغة». فعادة المجتمع الذكوري ألا يعفو امرأة من الزواج، أياً كان ترتيبها الأسري.

من اليمين كارول عبود وإلسا زغيب بدور زوجتَي عمار شلق (مواقع التواصل)

النقد لا يرجم المسلسل بحجر، لثقته بأنّ له دوراً يغفر هفواته. ليست الرسالة المؤثّرة فحسب، بل أيضاً مفاجآته وأحداثه وتواصُل صعوده نحو الذروة. قلّما خانه إيقاعه وباغتته الرتابة. عصبه مشدود من البداية إلى النهاية، ويملك المفاتيح لدخول المنازل. تناغُم ثلاثية النصّ- الإخراج- التمثيل، أثمر حصاداً مُشتهى.

قصص النساء هذه «ينبغي» أن تخرج إلى العلن، فتهزّ ضمائر وتحرّك قوانين مُهمَلة لتنصف وتردّ الاعتبار. للمسلسل دور، وزَّع من أجله الأدوار على أسماء لمع أداؤها. لم يكن عمار شلق بشخصية «سيف حلم» نموذجاً للرجل الذكوري أسير عادات مجحفة، تطمس كينونة النساء وتُصادر أحلامهنّ، بل أحد أبرز نجوم رمضان.

بشخصية مكروهة، قبيحة، يدعو لها الجميع بالموت، أوصل مآسي المرأة في مجتمعات تقهرها بلا شفقة، وتدوسها بلا تأنيب ضمير، وتصيب وجودها بالامّحاء بشتّى أشكال العنف.

سيرينا الشامي مجسِّدة مشهد قتلها بسلاح أخيها (لقطة من المسلسل)

عند هذا المستوى، تتكامل سلسلة الظلم، فلا يغدو الفارق كبيراً بين المُتحايلة على قدرها مثل «ريا»، وضحية أحكام الآخرين مثل «ملاك» (المميّزة جوي حلّاق)، ما دام السكّين يحزّ الرقاب متى تجرأت إحداهنّ وواجهت. ولا فوارق كبرى بين مَن تحبّ بصمت، وتتألّم بلا مجاهرة، مثل «ضحى» (أحد أجمل أدوار كارول عبود)، لمجرّد أنه يُحرَم على المرأة الانصياع لقلبها؛ ومَن تنعكس أوجاعها الداخلية، الواعية واللاواعية، على جسدها مثل «صفاء» (إلسا زغيب بأداء متفوّق)، بمقابل مَن تدّعي النجاة وهي تغرق (رنين مطر بأداء مجتهد لشخصية «تينا» المتستّرة على وجعها)، ومَن تُغنّي فواق الجراح الساخنة، فتؤدّي الفنانة ماريلين نعمان دوراً مكتمل الصدق والعفوية والبراعة والرقّة، يتيح للمسلسل مساحة دفء تبلسم الوحشة، وفسحة حميمية على وَقْع الموسيقى، بمثابة استراحة من ظلم الدنيا.

ماريلين نعمان مفاجأة المسلسل والموسم الرمضاني (حسابها الشخصي)

رجال المسلسل مؤثّرون في حياكة مصائر النساء، بعضهم يشكّل عناقاً (نقولا دانيال مجسّداً اللطافة الإنسانية، وإيلي متري مجسّداً بعفوية عذبة الكتف التي تُلقى عليها الرؤوس المتعبة، وطلال الجردي مقدّماً أحد أجمل أدواره بشخصية «رباح» النادم على الماضي والمُحتضِن قبل فوات الأوان)؛ وبعضهم يُعمّق الندبة، من «سيف» إلى «عقيل» (حسن حمدان بدور متقَن)، و«نبال». الممثل السوري مهيار خضور أمسك الشخصية، وإنْ لم تُفهم تماماً خلفيات وسواسه القهري (كدنا ننساه بعدما شدّدت عليه الحلقات الأولى، لمصلحة إظهار نوبات هلع تصيبه حين يشتدّ تسبّبه بالأذى). في الحلقات الأخيرة، بدا مستفزّاً، نذلاً، فصدّقنا استفزازه ونذالته، وهذا يكفي للاعتراف بالشطارة.

طلال الجردي بشخصية لن تُنسى قريباً (من بوسترات المسلسل)

مهيار خضور بدور مُستفزّ أحسن أداءه (حسابه الشخصي)

مرور الممثلة السورية ديما الجندي بشخصية «ورد» ترك لطفاً، من دون أن يحرّك ما يُذكر درامياً (حتى الآن). وبديع أبو شقرا بشخصية «جلال» أدّى بمهارة التخبُّط والتلوُّع والخسارة العاطفية مقابل بعض التعويض.

بديع أبو شقرا ماهر في تجسيد التخبُّط (لقطة مع ماغي بو غصن)

الأمومة في المسلسل نجمة أيضاً؛ مرةً بأحد أجمل أدوار نوال كامل بشخصية «رجاء»، ومرّة باستماتة «يسار» لاحتواء ابنتيها. ماغي بو غصن قدَّمت ذروة عطاءاتها التمثيلية. وفاؤها للشخصية يُحسب لها. منحتها ضميرها وقلبها، حيث الصدق والأمل بعدالة الأرض.


مقالات ذات صلة

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

خاص الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

حديث خاص مع الممثلة السورية كاريس بشَّار عن شخصية «سماهر»، وتفاصيل عن الوصلات الغنائية المباشرة واللهجة الخاصة ببطلة مسلسل «بخمس أرواح».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

في المَشاهد الأولى، لم يتعرّف الجمهور سريعاً إلى رندة كعدي، وبدت كأنها قشّرت جلدها وأعادت تشكيل ملامحها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي حصدا إشادات لافتة (الشركة المنتجة)

نقاد مصريون يقيّمون «نجاحات» و«إخفاقات» موسم دراما رمضان

حققت الدراما المصرية رقماً قياسياً في عدد المسلسلات المعروضة خلال رمضان، الذي وصل إلى 38 عملاً.

انتصار دردير (القاهرة)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

الملك سلمان: السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم

أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أن السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم، ومنها مواقفها تجاه الأحداث المؤسفة التي تمر بها المنطقة

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

تعدّ «الحوامة» مشهداً اجتماعياً يعيد للأذهان دفء الأحياء القديمة، وبدأت فعالياتها التي انتشرت مؤخراً في أحياء عديدة بالعاصمة الرياض خلال العشر الأواخر من رمضان.

فاطمة القحطاني (الرياض)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.