«أغمض عينيك»... دراما النُبل الإنساني

مسلسل سوري ينتصر للمصابين بالتوحُّد ويرتقي بالحب

المسلسل إنساني ينشر الدفء والنُبل (البوستر الرسمي)
المسلسل إنساني ينشر الدفء والنُبل (البوستر الرسمي)
TT

«أغمض عينيك»... دراما النُبل الإنساني

المسلسل إنساني ينشر الدفء والنُبل (البوستر الرسمي)
المسلسل إنساني ينشر الدفء والنُبل (البوستر الرسمي)

يؤكد مرور حلقات مسلسل «أغمض عينيك»، فرادته. ليست الأحداث الكبرى ما يُحرّكه، بل الدفء، وهذا يكفي. ينجو من المادة الخطابية المُرافِقة عادةً للموضوع المُتعلّق بالحالة الاجتماعية، ويحرص على بساطة تركيبته الدرامية لانطوائها على سحر عاطفي. حكاية الصبي المتوحِّد تُقدَّم بحب.

تَوزُّع المسلسل (تأليف أحمد الملا ولؤي النوري، إخراج مؤمن الملا، وإنتاج «الأدهم الدولية»)، على مرحلتين زمنيتين- تمتدّ الأولى حتى منتصف رمضان، لتُكمل الثانية السرد حتى النهاية - يُجزّئ المقاربة على مستوَيْين مهمَّين: الطفولة والشباب. القضية هي البطلة؛ ومن أجلها تُجنِّد أمل عرفة بشخصية «حياة»، وعبد المنعم عمايري بشخصية «مؤنس»، مع منى واصف بدور «أم رجا»؛ المشاعر والانفعالات وذروة الصدق. يقدّم العمل مشهدية بانورامية عن طيف التوحُّد ومعاناة المُصاب وعائلته، ضمن سياق اجتماعي مُجحِف عموماً مع بعض الاستثناءات.

وجوه المسلسل يؤدّون بصدق (مواقع التواصل)

سَجْن «حياة» لـ11 عاماً بدَفْع من افتراءات زميل ورَّطها وفرَّ، مقدّمةٌ للإشارة إلى ما يتجاوز قسوة القضبان. متعة المسلسل في إسقاطاته، وجماليته في المعاني بين السطور. تخطَّى المُستهلَك ولم يظهر السجون مقابرَ إنسانية، وارتقى بالمقاربة حين أضفى الرقّة على العلاقة بين السجينات. ليس السجن هو الحديد، بل الحياة؛ فمنَح بطلته هذا الاسم. والسجَّان ليس مَن يُقفل باب القفص بالمفتاح فقط، بل وحوش الخارج وممتهِنو الأذية والمجرَّدة أعماقهم من الرحمة.

العمل إنساني، يرفع أهمية الوعي حيال التعامل مع «المختلف»، ويُبيّن الفجوة العميقة المتعلّقة بالتواصل بين البشر. يمرّ بالرفض والنبذ والجَهْل بكيفية احتواء المصابين بالتوحّد، ويضيء على هشاشة ثقافة الدمج، وحصرها بالمتخصّصين. يَحذَر السوداوية والإفراط في الشكوى، فيمنح النُبل لشخصيات تُشكّل منارة بشرية. نرى الطيبة على هيئة الجدّة، وبديع العطاء على هيئة رجل جرَّب الخسارة وسعى إلى تعويضها. الإنسان وُجهة المسلسل ومساراته، والقيمة العليا الجديرة بالفرصة الثانية.

منى واصف بدور الجدّة المُنتصِرة بالحب على الخوف (الأدهم الدولية)

الأمومة في أقصاها، تختزلها أمل عرفة المتقلّبة بين سجونها. وكما الأم، تُطبِّق منى واصف المثل القائل «ما أحبَّ من الولد إلا ولده»، فتُقدّم أداء من صنف اللآلئ. يمنح الحبُ القوةَ رغم الخوف، فيعلو الصوت للمرة الأولى بعد صمت. تحدُث المواجهة المتأخّرة؛ بطلتُها واصف المتصدّية للرجل صاحب القلب الأسود. فايز قزق بشخصية «أبو رجا»، الحاقد على ابنته «حياة» لارتباطها، من دون موافقته، بزوج هجرها، يتمسّك بالقسوة حتى المشهد الأخير. فنانٌ مذهَّب عيار 24 قيراطاً، يُوظّف العبوس والانكماش لترجمة الحقد الداخلي. لا يرأف على طفل، ولا يسامح على ماضٍ. المواجهة مع واصف، قبل إسدال الستارة على دوره، «ماستر سين» بقيادة كبيرَيْن.

فايز قزق فنانٌ مذهَّب عيار 24 قيراطاً (مواقع التواصل)

على خطّ المواجهات أيضاً، تتألّق أمل عرفة. العتب وتبريراته، يؤجّجان نقاش الأم والابنة؛ ومتى عُرف السبب بطُلَ العجب. يجعل المسلسل من أمل عرفة ومنى واصف نموذجين للحبّ غير المشروط، المعزَّز برابط الدم، من دون تعميم القاعدة. فالجدّ مسلوخ العواطف رغم هذا الرابط؛ عاش ومات طافحاً بالسواد. عاملُ الدم يروي الجذور، وأحياناً يورّثها اليباس والسموم.

لا تأطير لمعادلة الحب وميزان العطاء ضمن الشكل الواحد. بنُبل مُحرَّر من الروابط، يؤدّي عبد المنعم عمايري شخصية «مؤنس». ليس الاسم عابراً، بل هو الآخر حمَّال دلالة. يمنح «جود» المُصاب بالتوحّد، حبَّ العائلة المحروم منها بمرحلة الطفولة، وسندَ الأب بمرحلة الشباب. في «مؤنس» لحظات أُنس لا تفضّلها دائماً صورة الرجل في المسلسلات. وإنْ كان بعضُ هذا الحب تُحرّكه رغبة مستترة في التملُّك، منبعها حاجته إلى طفل بديل عن ابنه المقتول بحادث سير، فإنّ الشخصية قدّمت نموذجاً بديعاً عن التفاني، يُضرَب المثل به. بإمكان التوق إلى التعويض التفوُّق على روابط الدم بأشكالها وأصنافها؛ والسعي الإنساني إلى المواساة أن يصنع العجائب. بإتقان فنان، يرفع عمايري من قيمة الدور، حين يشحذه بالعاطفة القصوى الممزوجة بالغِيرة والارتباك. يبدو أباً لا يحتاج إلى أوراق تُثبت حجم المسؤولية المُلقى عليه، ولا متاعب الأبوّة تزامناً مع عظمتها.

وفاء موصلّلي بشخصية جديدة ولافتة (الأدهم الدولية)

السياق غير محصور بالقضية وأطرافها، فتتشعّب مزيد من الخيوط. ثمة المرض النفسي حين يزجّ المرء بالموقف المحرج. وفاء موصللي بشخصية «أم سلام»، تؤدّي دوراً جديداً ولافتاً. يُراد القول إنّ المرض يتعدّد، وضحاياه البشر جميعاً، بنسب متفاوتة. بعضٌ مريض بالتملّك، وبعضٌ بالحقد، وآخرون بالطموح. حلا رجب بشخصية «سلام»، شكّلت للمُشاهد «صدمة» درامية عنوانها التشكيك بالنيّات. بمهارة أيضاً، تؤدّي شخصية تدفع ضريبة الأسرة المفكَّكة، وتحاول التعويض قدر الإمكان. قرارتها عنوانها «الإكستريم»، وبعد إدانة الزواج، تتزوّج، من دون أن يُغادرها الحنين لحب قديم (حضور رقيق لجابر جوخدار بشخصية «يامن»).

حلا رجب تؤدّي شخصية تدفع أثمان التفكّك الأُسري (الأدهم الدولية)

تَميُّز الشخصيات يشمل أحمد الأحمد بدور «زوربا». الرجل خمسينيّ، يتخلّى عن الآخرين تماماً، عدا حرّيته. شخصيةٌ ابنة الحياة، مُعمَّدة بنورها ونارها. باحتراف، يُبدّل النظرة النمطية المتعلّقة بالعُمر.

أحمد الأحمد بدور الخمسيني خارج التصنيفات السائدة (الأدهم الدولية)

الطفل زيد البيروتي والشاب ورد عجيب، بدورَي «جود» المتوحِّد في زمنَيْن؛ كلاهما موهوب. مُوفَّق المسلسل بلعبة الزمن، فلا يحصُر المعالجة بطفولة المتوحِّدين، بل يُوسّعها إلى المرحلة الجامعية الحسّاسة على مستوى التواصل والمواجهة حين يكثُر المُستَغلّون. أغنيات فيروز في الخلفية إعلانُ تغليب الدفء على الصقيع المتمادي.


مقالات ذات صلة

جوان خضر: لا تجوز المنافسة ضمن المسلسل الواحد

يوميات الشرق أتقن جوان رَسْم ملامح «فجر» وقدَّم مشهديات صامتة (مشهد من «تحت سابع أرض»)

جوان خضر: لا تجوز المنافسة ضمن المسلسل الواحد

أتقن الممثل السوري جوان خضر رَسْم ملامح «فجر» في مسلسل «تحت سابع أرض» الرمضاني وقدَّم مشهديات صامتة أغنت الحوار. نطق بعينيه. شخصية مُركَّبة حملت أكثر من تفسير.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق في فيلم «نهاد الشامي» تُجسّد جوليا قصّار شخصية الحماة المتسلّطة (إنستغرام)

جوليا قصّار لـ«الشرق الأوسط»: الكيمياء بين ممثل وآخر منبعُها سخاء العطاء

ترى جوليا قصّار أنّ مشاركة باقة من الممثلين في المسلسل أغنت القصّة، ونجحت نادين جابر في إعطاء كل شخصية خطّاً يميّزها عن غيرها، مما ضاعف حماسة فريق العمل.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق حسن عسيري خلال استضافته المطرب إيهاب توفيق (الشرق الأوسط)

حسن عسيري يستحضر حسَّه الكوميدي في برنامجه «بروود كاست»

في حواره مع «الشرق الأوسط» تحدّث الفنان والمنتج السعودي حسن عسيري عن كواليس برنامجه «بروود كاست».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق انتهت مسلسلات رمضان وبقيت تتراتها عالقة في الأذهان

انتهت مسلسلات رمضان وبقيت تتراتها عالقة في الأذهان

من مصر إلى لبنان وسوريا مروراً بالخليج، جولة على أكثر أغاني المسلسلات جماهيريةً واستماعاً.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق العمل أهلٌ بتصنيفه بين الأفضل (البوستر الرسمي)

«بالدم»... مخاطرةٌ رابحة مع ملاحظات ضرورية

العمل لم ينل التنويه لمجرّد عواطف وطنية، فذلك مُعرَّض لأنْ تفضحه ثغر ويدحضه افتعال. أهليته للإشادة به مردُّها أنه أقنع بكثير من أحداثه، ومنح شخصيات قدرة تأثير.

فاطمة عبد الله (بيروت)

كُتاب عرب وعالميون يشاركون في لقاءات مباشرة مع المؤلفين الشباب

مدير عام الإدارة لقطاع الأدب في هيئة الأدب والنشر والترجمة خالد الصامطي
مدير عام الإدارة لقطاع الأدب في هيئة الأدب والنشر والترجمة خالد الصامطي
TT

كُتاب عرب وعالميون يشاركون في لقاءات مباشرة مع المؤلفين الشباب

مدير عام الإدارة لقطاع الأدب في هيئة الأدب والنشر والترجمة خالد الصامطي
مدير عام الإدارة لقطاع الأدب في هيئة الأدب والنشر والترجمة خالد الصامطي

أكد مسؤول في برامج هيئة الأدب والنشر والترجمة في السعودية أن الهيئة تسعى ضمن خططها في العام الجديد لتخريج 20 كاتباً، وتعريف الجمهور بهم، كاشفاً أن الهيئة تعمل على ضخّ المزيد من الطاقات الشبابية لدعم الحراك الثقافي.

وقال مدير عام الإدارة لقطاع الأدب في هيئة الأدب والنشر والترجمة، خالد الصامطي، لـ«الشرق الأوسط» إن الهيئة تعتزم خلال العام الحالي 2026 تخريج 20 كاتباً من خلال برنامج «حاضنة كُتّاب» التي تهدف إلى دعم المؤلفين السعوديين، ومساعدتهم على إطلاق إصداراتهم الأولى، وتشجيع الإنتاج الثقافي، وتطوير المحتوى السعودي بما يتواءم مع احتياجات المشهد الثقافي المتجدد.

مدير عام الإدارة لقطاع الأدب في هيئة الأدب والنشر والترجمة خالد الصامطي

وأوضح الصامطي أن الهيئة تنفذ حزمة من البرامج، والمبادرات، من بينها «أسابيع الطفل الأدبية» التي تُقام في عدد من مناطق المملكة، وتُقدَّم من خلالها مادة ثقافية وأدبية موجهة للطفل، يتم من خلالها اكتشاف المواهب الجديدة في سن مبكرة، موضحاً أنه بعد رصد المواهب، وتسجيل بياناتهم ضمن قواعد بيانات مخصصة، ويجري التواصل مع أهالي الأطفال، مع تقديم ورش تعليمية للأسر حول كيفية التعامل مع الطفل الموهوب، ودعمه، وتوفير المواد التي يحتاجها في مجاله الإبداعي، والأدبي.

أجناس أدبية جديدة

في هذا السياق أشار الصامطي إلى أن هذه المبادرات لا يقتصر تفعيلها في المهرجانات، بل هي مستمرة ضمن برنامج «حاضنة كُتّاب» التي تخرّج سنوياً أكثر من 15 كاتباً في أجناس روائية غير شائعة يحتاجها المشهد الثقافي، وتُعد أكثر قدرة على جذب قراء جدد، مثل أدب «الجريمة والغموض، والرواية البوليسية»، مبيناً أن الكاتب ينهي رحلته في الحاضنة بكتاب مطبوع، ويحصل على عقد نشر مع دار نشر، ليصدر عمله الأول رسمياً عبر هذه الحاضنة.

المعرض يعد إحدى أدوات هيئة الأدب لإبراز الكُتاب وإيصالهم للجمهور (الشرق الأوسط)

منصات النشر

تهتم هيئة الأدب بدعم الكُتاب بشكل خاص، وفقاً للصامطي، الذي أوضح أن الهيئة تتيح مشاركتهم في المهرجانات الأدبية، وكان آخرها «مهرجان الطائف»، من خلال فرصة مقابلة الكُتاب الذين أثّروا في مسيرتهم القرائية، إضافة إلى المبادرات النوعية من بينها «مختبر النقد» الذي يتيح للكاتب الناشئ صاحب التجربة النقدية نشر عمله عبر المختبر من خلال رمز (كود) خاص.

وأشار إلى أنه في حال كان هناك مهتم بالقصة القصيرة، يمكنه نشر قصته عبر قنوات أجهزة «ق، ق»، بعد توقيع نموذج إلكتروني يمنح الحقوق اللازمة للنشر عبر هذه القنوات، موضحاً أن هذه الأجهزة تنتشر في معظم أماكن الانتظار في السعودية، وتُنظمها وتشرف عليها هيئة الأدب والنشر والترجمة.

الأدباء العالميون

عن الاستفادة من حضور الأدباء العالميين للسعودية، قال الصامطي إن أي فعالية تقيمها الهيئة ويستضاف خلالها كُتاب وأقلام عربية وعالمية، يجري الاتفاق مع هؤلاء الضيوف على تنفيذ جولات ثقافية من خلال «مبادرة الشريك الأدبي»، أو مبادرات أخرى، يلتقون خلالها بشكل مباشر مع الجمهور في مواقع مختلفة، ويقيمون ندوات في عدد من مدن المملكة، وهناك الكثير من الأسماء العربية والفرنسية التي حضرت إلى المقاهي الأدبية في السعودية، وتحدثت بفخر عن تجربة الشريك الأدبي واصفين إياها بالتجربة الناجحة.

برامج ومسابقات

وحول البرامج، قال الصامطي إن قطاع الأدب يركز على عدد من المسارات، من بينها الحاضنات التي يجري تقديم مخرجاتها ضمن فعاليات الشريك الأدبي، إلى جانب «أسابيع الطفل»، وكذلك «مسابقة الإبداع الأدبي» التي يُعلن عنها في أوساط الشباب، والجامعات السعودية، وأوضح أن المنافسة تُقام في 4 أجناس أدبية هي: «الرواية، والقصة القصيرة، والشعر الفصيح، والشعر النبطي» لتفرز في النهاية أسماء فائزة تشارك في فعاليات مختلفة، وتبرز إعلامياً، مع توفير منصات وفعاليات تمكّن هؤلاء الكُتاب الشباب من الاحتكاك بالكُتاب الكبار، والاستفادة من خبراتهم.

قدمت الهيئة في المهرجان الثالث العديد من الكتاب الشباب وأبرزت قدراتهم الفكرية (الشرق الأوسط)

المهرجانات الأدبية

وأكد الصامطي أن المهرجانات الأدبية تلعب دوراً مهماً، وتعد فرصة حقيقية للقاء الكُتاب، والأدباء الكبار مع الجمهور، وطرح أفكارهم عبر جلسات فردية واستشارية مباشرة مع زوار المهرجان، يجيبون خلالها عن تساؤلاتهم، معتبراً أن هذا الجانب يُعد من أهم أدوار المهرجانات.

وعرج الصامطي على مهرجان «الطائف» الذي أتيحت فيه للطفل فرصة التعرف على «المانغا» و«الكوميكس» واللتين تُعدان في الأساس أجناساً أدبية، وأن ما يشاهده على شاشة التلفاز من أفلام كرتونية قائم في جوهره على روايات أدبية، وهو ما قد يفتح عينيه على الأدب بطريقة غير مباشرة.

وتحدث مدير قطاع الأدب عن الكاتب الناشئ الذي يسجل في ذاكرته المهرجان بوصفه محطة أولى يكتشف فيها شغفه بالكتابة، ويقرر خلالها أن يصبح كاتباً، عندما يرى حجم الاهتمام بالأدب، وتنوع الفعاليات، وتعدد الأوعية والقنوات التي يصل من خلالها الأدب إلى الناس.

المدن الأدبية

يرى الصامطي أن المدن الأدبية اعتادت تنظيم مهرجانات قريبة من الشارع، وموجهة إلى مختلف الفئات الفكرية، والعمرية، وتتضمن فعاليات للأطفال، وأخرى للكبار، وفعاليات للعارف بالأدب، والمهتم به، وكذلك لغير المتخصصين، بما يسهم في تقليص الفجوة بين الأدب والثقافة العامة، ويكشف للفرد علاقة الأدب بمختلف الأجناس الفنية الأخرى.

لذا يأتي مهرجان «الكُتاب والقراء» الذي أقيم مؤخراً في الطائف ضمن هذا السياق الذي يتوافق مع العُرف الدولي القاضي بأن تتمتع المدن الأدبية بخصوصية ثقافية، وهو ما دفع لاختيار الطائف كونها مدينة إبداعية في مجال الأدب، وجرى تسجيلها قبل عامين بالتعاون بين الهيئة وأمانة ومحافظة الطائف في «اليونيسكو» بوصفها مدينة أدبية، كاشفاً أن المهرجان حظي بحضور كبير تفاعل مع كل الفعاليات، ومنها التي تُجسد الأساطير العربية المنتشرة في الجزيرة العربية، والشخصيات التي كُتبت عنها روايات، واستخدمت في الأدب العربي، حيث جرى تقديمها عبر الرسوم، والمسرحيات، واللوحات الرقمية.


استعادة سحر «دراويش المولوية» في قلب القاهرة التاريخية

«دراويش المولوية» في معرض نحتي بالقاهرة التاريخية (وزارة الثقافة)
«دراويش المولوية» في معرض نحتي بالقاهرة التاريخية (وزارة الثقافة)
TT

استعادة سحر «دراويش المولوية» في قلب القاهرة التاريخية

«دراويش المولوية» في معرض نحتي بالقاهرة التاريخية (وزارة الثقافة)
«دراويش المولوية» في معرض نحتي بالقاهرة التاريخية (وزارة الثقافة)

استعاد المعرض الفني «المسار» الطابع الفني المميز لـ«دراويش المولوية» وما يمثلونه من طاقة روحية محمّلة بسحر الماضي وجماله، عبر أعمال فنية جسدتهم في تماثيل من البرونز، مصاحبة بغناء صوفي ورقصات تعبيرية تحمل سمات تراثية، لاستعادة الماضي وربطه بالحاضر.

المعرض، الذي نظمه صندوق التنمية الثقافية بالتعاون مع غاليري «Le Lab» للنحات خالد زكي في قبة السلطان الغوري بالقاهرة التاريخية، جاء ضمن تجربة ثقافية متميزة تقوم على الشراكة بين قطاعات وزارة الثقافة والقطاع الخاص المعني بالفنون؛ بهدف إعادة قراءة التراث بصياغات معاصرة وتعزيز الحوار بين الماضي والحاضر.

ويعيد المعرض تعريف علاقة المصريين بالمواقع التراثية، لتكون ليست مجرد آثار جامدة، بل أماكن حية قادرة على التفاعل مع المجتمع والفعل الثقافي، وفق تصريحات صحافية لرئيس صندوق التنمية الثقافية حمدي السطوحي.

جانب من افتتاح المعرض (وزارة الثقافة المصرية)

وأوضح في بيان للوزارة، الاثنين، أن «قبة الغوري تشهد على مدار العام أنشطة ثقافية ينظمها صندوق التنمية الثقافية ممثلاً لوزارة الثقافة بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار، إلا أن هذا المعرض يكتسب خصوصية كونه تجربة جديدة للشراكة مع القطاع الخاص المتخصص في الفنون، حيث يتم العرض بطريقة مبتكرة تحقق تناغماً بين القيمة المعمارية للمكان والمنتج الفني المرتبط بهوية الموقع».

ويقدّم معرض «المسار» مجموعة من المنحوتات البرونزية للفنان خالد زكي، من سلسلتي «الصوفي» و«الرحلة»، حيث تستدعي الأجساد هيئة الدراويش في حالة عبور دائم، متأرجحة بين الأرض والسماء، وبين الثبات والدوران، في صياغة بصرية تسائل الزمن أكثر مما تمثله، وتتقاطع الأعمال بصرياً مع الخطوط الرأسية للعمارة المملوكية لقبة الغوري، لتعيد تفعيل المكان بوصفه عنصراً أساسياً وفاعلاً في التجربة الفنية، وتتيح للزائرين استكشاف التفاصيل والتفاعل مع الفن والتراث معاً.

وعدّ رئيس صندوق التنمية الثقافية المعرض «نموذجاً ناجحاً للتناغم بين الماضي والحاضر، بين الإرث التاريخي والمنتج الفني المعاصر، حيث يتمكن الزائر من التوغل داخل تفاصيل المكان والتفاعل مع الفن، بما يعزز شعور الفخر بالقيمة المعمارية والتراثية».

فعاليات للغناء الصوفي والتعبير الحركي صاحبت المعرض (وزارة الثقافة المصرية)

ويستضيف مركز إبداع قبة الغوري في القاهرة التاريخية أنشطة فنية عدّة ذات طابع تراثي ملائم لروح المكان، وفق مدير النشاط الفني بالمركز عبد الناصر ربيع، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض، الذي يستمر حتى 25 يناير (كانون الثاني) الحالي، يضم مجموعة من الأعمال المناسبة والمتناغمة مع روح المكان، والربط بين الحاضر والماضي، وصَاحَب افتتاح المعرض غناءٌ صوفي للفنانة التونسية غالية بن علي، بالإضافة إلى تعبير حركي مصاحب للغناء».

وأضاف أن الافتتاح، الذي شهده وزير الثقافة الدكتور أحمد فؤاد هنو ورئيس صندوق التنمية الثقافية المهندس حمدي السطوحي وعدد كبير من مسؤولي وزارتي الثقافة والآثار، شهد أيضاً حضوراً جماهيرياً كبيراً من جنسيات متعددة.

ويُقيم مركز إبداع قبة الغوري أنشطة فنية دورية لفرقة التنورة التراثية، وهو عرض دائم على الأجندة السياحية كل أسبوع يومي السبت والأربعاء، ومعظم جمهور هذه الفعالية من الأجانب، وفق تصريحات ربيع.

وأوضح أن «هناك فعاليات متنوعة يشهدها المركز الثقافي المجاور للجامع الأزهر والمواجه لمسجد الحسين في قلب القاهرة التاريخية، من بينها فرق الإنشاد الديني التي تشارك في فعاليات كثيرة، مثل فرقة (الحضرة المصرية) وفرقة (راحة الأرواح) من البحيرة، وفرقة (وصال) للإنشاد والرقص المولوي، وكذلك فرق للموسيقى العربية مثل فرقة (فلكلوريتا) وفرقة (دربكة) للفنانة منال محيي الدين عازفة الهارب، بالإضافة إلى فرقة (المولوية المصرية) التي ستقدّم حفلاً خلال شهر فبراير (شباط) المقبل».


عبد المحسن النمر... عمود الدراما السعودية

عبد المحسن النمر في مشهد من مسلسل «المرسى» الذي فاز عنه بجائزة «جوي أوردز» (شاهد)
عبد المحسن النمر في مشهد من مسلسل «المرسى» الذي فاز عنه بجائزة «جوي أوردز» (شاهد)
TT

عبد المحسن النمر... عمود الدراما السعودية

عبد المحسن النمر في مشهد من مسلسل «المرسى» الذي فاز عنه بجائزة «جوي أوردز» (شاهد)
عبد المحسن النمر في مشهد من مسلسل «المرسى» الذي فاز عنه بجائزة «جوي أوردز» (شاهد)

في كل مرة يظهر فيها الممثل السعودي عبد المحسن النمر على الشاشة، يتكرّر سؤال الجمهور عن سرّ الشباب الذي يرافقه، قبل أن ينتقل سريعاً إلى ما هو أعمق؛ من ثبات واستمرارية في الحضور، نابعين من روح شابة تبدو لدى «أبو بدر» وكأنها جزءٌ أصيل من تعريفه المهني. فالنمر في الدراما السعودية أشبه بعمود الخيمة؛ ثابت في المنتصف، يسمح للأطراف بأن تتحرّك وللشكل بأن يتبدّل، بينما يبقى التوازن قائماً. وبهذا الوصف، يظل حاضراً ومتجدّداً دائماً على الشاشة، بخلاف كثير من الممثلين السعوديين الذين مرّت مسيرتهم بفترات انقطاع وغياب.

يأتي فوزه في «جوي أوردز» 2026 عن فئة أفضل ممثل في المسلسلات، نظير تجربته في مسلسل «المرسى»، المعروض حالياً على «إم بي سي»، وكأنه تلخيص مكثّف لمسار طويل يقوم على الاستمرارية بوصفها قيمة فنية بحد ذاتها، وعلى الحضور بوصفه التزاماً تجاه المهنة والجمهور في آنٍ واحد.

تجارب فنية تعبر المراحل الزمنية

لطالما تميّز عبد المحسن النمر بقدرته على التنقّل بين مراحل الدراما السعودية المتعاقبة؛ من الأعمال الشعبية والبيئية، إلى الدراما ذات الطابع التاريخي، مروراً بالمسلسلات الاجتماعية الحديثة، ثم موجة «المسلسلات المعربة» التي فرضت إيقاعاً مختلفاً ومتطلبات أداء أكثر حساسية للتفاصيل اليومية. ومنذ ظهوره الأول في مسلسل «الشاطر حسن» عام 1981، تشكَّلت علاقة النمر بالدراما كمسار طويل النفس، يبدأ مبكراً وينمو مع الزمن، مواكباً تحوّلات المشهد من داخله.

قد يكون الجمع بين المرونة والثبات من أصعب المعادلات، وهي سمة بارزة في مسيرة النمر، فهو من الممثلين الذين يراهنون على الأداء من الداخل أكثر من الخارج؛ بنبرة محسوبة، ووقفة تملك ثقلاً، وإيقاع يترك مساحة للصمت بوصفه لغة. ومن هنا، يتعامل معه الوسط الفني والجمهور بوصفه ممثلاً قادراً على حمل الشخصيات التي تتطلب وقاراً وعمقاً، وفي الوقت نفسه تمرير لمعة إنسانية بسيطة تغيّر قراءة المشهد بأكمله.

«المرسى»... قبطان على حافة العاصفة

في مسلسل «المرسى» تحديداً، قدّم عبد المحسن النمر شخصية القبطان سلطان؛ رجل البحر الذي تقوده طبيعة عمله إلى السفر لفترات طويلة بعيداً عن المنزل، قبل أن يضعه القدر أمام علاقة عاطفية مع امرأة تُدعى نوال (ميلا الزهراني)، لتتفجّر صراعات قاسية بين الرغبة والعائلة، وبين حياة جديدة تلوّح بالإغواء وحياة قديمة تتمسّك بالمسؤولية.

يقدّم النمر في العمل صراعاً حساساً لرجل اعتاد القيادة والسيطرة في البحر، ثم يجد نفسه داخل برٍّ عاطفي متحرِّك، تفرض عليه أسئلة اعتاد تأجيلها. ومع تصاعد الأحداث، تتحوَّل العلاقة مع نوال إلى قوة ضغط، بينما تتحوّل الزوجة خولة (عائشة كاي) إلى مرآة أخرى للواجب العائلي، فتتشابك الخيوط وتتسارع الانفجارات داخل البيت وخارجه.

وتبرز براعة النمر في منطقة أداء صعبة، عبر شخصية تحمل سلطة «القبطان»، وتحتاج في الوقت نفسه إلى هشاشة داخلية تتسلّل عبر العينين وهدوء الصوت؛ إذ إن سلطان ليس شريراً بالمعنى التقليدي، بل رجل مرتبك، يقرّر كثيراً، ثم يكتشف أن القلب قادر على تعديل القرار في لحظة. ويأتي ذلك ضمن مسلسل يمتد لنحو 90 حلقة، ويحتل حالياً مكانة بارزة في قائمة الأعمال الأعلى مشاهدة في السعودية وفي دول عربية عدّة على منصة «شاهد» التابعة لشبكة «إم بي سي».

أدوار متنوّعة... من الشر إلى التعقيد الإنساني

إجمالاً، تتّسم أدوار عبد المحسن النمر بتنوّعها بين التاريخي والاجتماعي والكوميدي، في مسار يعكس مرونة أدائية وقدرة على التنقّل بين أنماط درامية مختلفة. ومن أبرز هذه الأدوار شخصية «أبو عيسى» في مسلسل «خيوط المعازيب» (2024)، حيث قدّم نموذجاً لشخصية تحمل ملامح الشر المرتبط بالبيئة والتراث الأحسائي، في أداء اعتمد على الثقل الداخلي والحضور المكثّف. كما قدَّم أدواراً بطولية ومعقَّدة، من بينها شخصية «راشد» في مسلسل «خريف القلب» (2024)، جامعاً بين البعد الإنساني وتعقيدات التحوّل الداخلي للشخصية.

في الدراما الخليجية، يتعزَّز هذا الحضور عبر قدرة واضحة على عبور الحدود السردية بين «المحلي» و«الخليجي»، وهو ما يتجلّى في محطّاته المتنوّعة، ومن أبرزها مسلسل «أم هارون» (2020)، حيث قدّم واحدة من أكثر شخصياته إثارة للنقاش من خلال دور «الحاخام داود»، الشخصية المحورية التي تمثّل يهودياً ينتقل إلى المنطقة في سياق درامي يستعيد حقبة تاريخية حسّاسة. واتسم أداء النمر بتركيب إنساني مزدوج، جمع بين ملامح الطيبة والشر داخل شخصية واحدة، مقدّماً نموذجاً درامياً يعتمد على التناقض الداخلي أكثر من الأحكام المباشرة.

أما في السينما، فقد سجَّل النمر حضوراً لافتاً من خلال أفلام ذات طابع إنساني وبصري، يتصدرها فيلم «هجّان» (2023)، الذي شكّل محطة مهمة في مسيرته السينمائية، وشارك في عدد من المهرجانات الدولية؛ أبرزها «مهرجان تورنتو السينمائي الدولي»، مؤكداً قدرة أدائه على الانتقال إلى الشاشة الكبيرة بنفس الهدوء والكثافة.

وعلى صعيد حضوره السينمائي، حظي الفنان عبد المحسن النمر بتكريم خاص من «مهرجان أفلام السعودية» في دورته العاشرة عام 2024، بوصفه أحد الأسماء التي شكَّلت ملامح التمثيل المحلي على مدى عقود. ويأتي هذا التكريم، الصادر عن منصة تُعنى بالتوثيق والذاكرة، ليضع تجربته في سياق أوسع من موسم درامي أو دور ناجح، ويثبَّت اسمه ضمن المسارات التي أسهمت في بناء المشهد الفني السعودي المعاصر.