غبريال يمين لـ«الشرق الأوسط»: أتمنى أن أكون نجحت في قراءة رأس جبارة هذه المرة

يوقّع إخراج مسرحية «تحت رعاية زكور» من ضمن «4 لريمون»

مسرحية «4 لريمون» تحية تكريمية للراحل ريمون جبارة (مسرح «مونو»)
مسرحية «4 لريمون» تحية تكريمية للراحل ريمون جبارة (مسرح «مونو»)
TT

غبريال يمين لـ«الشرق الأوسط»: أتمنى أن أكون نجحت في قراءة رأس جبارة هذه المرة

مسرحية «4 لريمون» تحية تكريمية للراحل ريمون جبارة (مسرح «مونو»)
مسرحية «4 لريمون» تحية تكريمية للراحل ريمون جبارة (مسرح «مونو»)

ترك المسرحي الراحل ريمون جبارة بصمته على عالم الخشبة اللبنانية، فكان قلمه ساطعاً كما أسلوبه في الإخراج المسرحي. وشكّل جبارة مدرسة في مجال التمثيل وإجادته الكوميديا السوداء. كانت الخشبة امتداداً صادقاً لمعاناته من الفساد كأي لبناني آخر. كان باحثاً عن الصدق وأهله حتى اللحظة الأخيرة من حياته. استخدم جبارة الخشبة للتعبير عن هواجسه واعتمد الصراعات جوهراً لأعماله.

مضى على رحيل جبارة نحو 9 سنوات منذ عام 2015 حتى اليوم. لكن ذكراه بقيت نابضة في قلوب محبيه لا سيما الرعيل المسرحي الذي واكبه في مسيرته، ومن بين هؤلاء الممثل والمخرج والكاتب المسرحي غبريال يمين الذي حزن حزناً عميقاً على رحيل رفيق الدرب. وكان هاجسه الأكبر يكمن في كيفية إيصال فكر ريمون جبارة إلى الجيل الجديد.

غبريال يمّين خلال التمرينات على مسرحية «تحت رعاية زكور» (مسرح «مونو»)

فكّر يمّين في الأمر منذ سنوات طويلة، إلا أن إصابته بمرض السرطان أخّرته عن تحقيق حلمه هذا، وبعدها جاءت الجائحة وتوالت الأزمات على لبنان، مما زاد الأمر تعقيداً.

مؤخراً حزم يميّن أمره وقرر الانطلاق بحلمه حتى النهاية. ومن خلال تقديم استعادات لـ4 مسرحيات للراحل جبارة بدأ المشوار. وعلى هذا الأساس يستضيف «مسرح مونو» في بيروت وعلى مدى 4 أسابيع متتالية الأعمال الأربعة. وهي تتألف من «تحت رعاية زكور»، و«بيكنيك عخطوط التماس»، و«زردشت صار كلباً»، و«قندلفت يصعد إلى السماء».

ويتولى إخراج المسرحيات الأربع كل من غبريال يمين وجوليا قصار وأنطوان الأشقر ورفعت طربية. وابتداءً من 28 فبراير (شباط) لغاية 7 أبريل (نيسان) المقبل تجري عروض المسرحيات الأربع على أن يحمل كل أسبوع عرض واحدة منها.

وصف كثيرون فكرة غبريال يمين بتحية تكريمية لصديق عمره جبارة. ولكنه يبادر «الشرق الأوسط» بالقول: «لا أرى هذه العروض تكريماً له بقدر ما هي وسيلة لإيصال فكره المسرحي للجيل الجديد. فهم لا يملكون أي فكرة عن عَلَمٍ من أعلام لبنان المسرحيين. وهو أمر لا يجوز التغاضي عنه ولا الاستخفاف به. فريمون رجل مسرحي لن يتكرر، ورغبتُ في أن تبقى ذكراه حيّة ليس فقط من قِبَل مَن عرفه. ولتكون هذه الذكرى فعالة، كان لا بد من تحقيقها على الأرض وليس في كتب وأطروحات».

طلاب معهد التمثيل في الجامعة اللبنانية يشاركون فيها (مسرح «مونو»)

اختيار يمين 4 مسرحيات من مشوار الراحل ريمون جبارة، جاء على قاعدة معينة؛ «أردت تقديم عملين من مسرحه القديم الذي لم أواكبه، مقابل آخرَين شاركت بهما. ومن هنا وُلدت فكرة أسماء المسرحيات الأربع. هناك أعمال مسرحية كثيرة قدمها جبارة في مشواره. وكنت أنوي أن تكون «دكر النحل» واحدة منها. ولكنّ المخرج والممثل رفعت طربية فضّل استبدال «قندلفت يصعد إلى السماء» بها. فطربية يتذكرها جيداً، ويعرفها عن كثب، لذلك سيتولى إخراجها وعرضها على خشبة مونو».

يقول يمين إنه بحث كثيراً عمّن يستطيع أن يرافقه في هذا المشروع؛ «وبالفعل توفقت بعدد منهم وبينهم جوليا قصار وطوني الأشقر ورفعت طربية. فهم تعرفوا إلى جبارة عن قرب وواكبوه في محطات من مسيرته».

يتعاون يمين مع مجموعة من ممثلين شباب لم يسبق لهم أن عرفوا جبارة. فكيف استطاع أن يقرّبهم من فكر وأسلوب جباره المسرحي؟ يرد لـ«الشرق الأوسط»: «في الصفوف الجامعية التي أعلّم فيها، لطالما تحدثت عن بصمات جبارة على المسرح. وبما أن هدفي الأول والأخير من هذا المشروع تقريب المسافات بين زمنين وجيلين اعتمدت البساطة والخبرة المباشرة على الأرض. وحالياً، أكتشف معهم (تحت رعاية زكور). فهي من أعمال جبارة القديمة التي لم أشاهدها أو أشارك فيها. لم يكن من الصعب عليّ اكتشافها خصوصاً، أنني استعنت بالرعيل القديم للمسرح أمثال كميل سلامة لأستعيد خطوطها كما يجب».

ولماذا لا يشارك سلامة في أحد الأعمال الأربعة لا سيما أنه يشكل مدماكاً أساسياً في بعض منها؟ يرد: «لأنه مع الأسف له ارتباطات أخرى لم تسمح له بذلك وسيكون خلال العروض في باريس».

التحية بمثابة تعريف جيل الشباب على فكر ريمون جبارة المسرحي (مسرح «مونو»)

عندما نفكر في استعادة 4 عروض مسرحية سبق وقُدمت في زمان ومكان مختلفين، لا بد من طرح السؤال، عمّا إذا كانت هذه المسرحيات ستُحدّث بنسخاتها الجديدة.

في رأي غبريال يمين إن لكل مسرحي طريقته وأسلوبه في تناول عمل ما. ويمكن للاختلاف أن يكون حاضراً، خصوصاً في عملية الإخراج.

لكنه تمسك بنُسخ ريمون جبارة كما هي من دون زيادة أو نقصان. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «اجتمعت ورفاقي في هذا المشروع، وتحدثنا حول هذا الأمر. وكان اتفاقنا بالإجماع على نقل العمل كما هو وعلى طريقة جبارة. فهدفنا الأساسي تعريف جيل الشباب على أسلوبه وفكره المسرحي. ورغبنا في أن نكون مخلصين له إلى آخر حد فننقلها بنزاهة. وأحجمنا عن التصرف في المسرحيات منفّذين رغبة الراحل ريمون جبارة فيما لو كان لا يزال حاضراً بيننا».

مسرحية «تحت رعاية زكور» يُخرجها غبريال يمين ويستهلّ معها موسم جبارة للمسرح «4 لريمون» في 28 فبراير الحالي. وتشارك باقة من الممثلين ومن بينهم طلاب معهد التمثيل في الجامعة اللبنانية، فيجتمع فيها كل من ماريا الدويهي ورانيا مروة وطارق يعقوب وعامر فياض وجو رميا ووسيم ريدان ومابيل طوق وغيرهم. كما يطلّ فيها الممثل كارلوس عازار، ضيف شرف في أول تجربة مسرحية له. ويشاركه في هذه الإطلالة كل من طارق تميم وجورج دياب.

أما موضوع المسرحية، كما يذكره البيان الموزّع من «مسرح مونو»، فيدور حول افتتاح مسرحية برعاية إحدى الشخصيات اللبنانية المعروفة «زكور بيك». ويطرح خلالها مؤلفها جدلية مثيرة متناولاً مواضيع قديمة من عمر أهل الكهف. فهي لطالما كانت تشكّل عبئاً عليه وتُحدث عبقة على قلبه، ومن بينها تلك المتعلقة بإبراهيم وإسحاق وهاملت وغيرهم.

«تحت رعاية زكور» تفتتح موسم «4 لريمون» على مسرح مونو (مسرح «مونو»)

كان الراحل ريمون جبارة يردّد دائماً أنه عمل في الفن لأنه لا يجيد غيره، وأن شخصين فقط يستطيعان قراءة خطه وهما غبريال يمين وعقل العويط. ويعلق يمين: «لقد كنت محظوظاً لامتلاكي هذه الموهبة تجاهه. واليوم ريمون رحل وأتمنى أن أكون قد عرفت قراءة ما يدور في رأسه».

يقول يمين إنه يتخيل جبارة دائماً حاضراً في التمرينات الخاصة بالمسرحيات الأربع: «أحياناً أسمع صوته وأشعر كأنه يجلس بقربي. وفي إحدى المرات عندما دخلت المسرح أتفرج على تمرينات الممثلين لـ(بيكنيك عخطوط التماس) خرجت فوراً. لم أستطع أن أتمالك نفسي، تذكرته وتأثرت كثيراً وسمعت ضحكته. ومخرجة العمل جوليا قصار أصابها الأمر نفسه تأثراً».

ويقول يمين لـ«الشرق الأوسط»: «كل ما أرغب به من هذه العروض هو أن أعيد إحياء ذكرى ريمون جبارة عند جيل الشباب. أردت أن يكرّم بأعماله على أرض الواقع، فتكون هناك استمرارية وامتداد لفكره المسرحي». وعن إمكانية تقديم مجموعة أعمال أخرى لجبارة في موسم آخر يرد: «بالطبع سأتمسك بهذه الاستعدادات وإلا كيف سيتعرف إليه شباب اليوم؟».


مقالات ذات صلة

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يوميات الشرق يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

في عمل مسرحي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

«حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق جانب من عرض «متولي وشفيقة» (وزارة الثقافة)

المسرح المصري لاستعادة بريقه بعروض شبابية ومغامرات «تراثية»

يسعى المسرح المصري إلى استعادة بريقه عبر عروض مسرحية تراهن على الشباب وعلى المغامرات التراثية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق «كافيه مونو» يستضيف نجوم المسرح (مونو)

«كافيه مونو» فسحة ثقافية بيروتية تتحدَّى واقع الحرب

هذه المبادرة «خرقت العتمة» التي فرضتها الحرب، ووفَّرت متنفَّساً كان الناس في أمسّ الحاجة إليه...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الكاتب والممثل المسرحي زياد نجار (زياد نجار)

 «إلكُنْ»... مشروع مسرحي لزياد نجار في مواجهة الحرب

مشروع «إلكُنْ» فضاء مسرحي تفاعلي يوفِّر للناس متنفساً بعيداً عن الأجواء القاتمة... بل مساحة حرَّة للتعبير.

فيفيان حداد (بيروت)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.