مارون الحكيم «ينير وجه الأرض» بلوحات ومنحوتات تمنح العزاء

التشكيلي اللبناني لـ«الشرق الأوسط»: اللون ابن الشمس

التشكيلي اللبناني مارون الحكيم في معرضه «منير وجه الأرض» (حسابه الشخصي)
التشكيلي اللبناني مارون الحكيم في معرضه «منير وجه الأرض» (حسابه الشخصي)
TT

مارون الحكيم «ينير وجه الأرض» بلوحات ومنحوتات تمنح العزاء

التشكيلي اللبناني مارون الحكيم في معرضه «منير وجه الأرض» (حسابه الشخصي)
التشكيلي اللبناني مارون الحكيم في معرضه «منير وجه الأرض» (حسابه الشخصي)

يهجس التشكيلي اللبناني مارون الحكيم بالطبيعة والموضوع الإنساني المُحرِّك. حياته مزيج من أفراح وآلام؛ يُسيِّر الإحساسُ ريشته. يعمل على منحيَي الضوء والعتمة، وحين يعرض، يفضّل فرز الأعمال وفق المفهوم الواحد؛ كما في معرضه «مارون وجه الأرض»، المستمر حتى 9 مارس (آذار) المقبل في غاليري «إسكايب» بالأشرفية البيروتية، وفيه يشاء إعلاء مقام الأمل. أراد مَنْحه لنفسه والآخرين، مُعانداً السواد العميم. تُمثّل أعماله نور الطبيعة تماهياً مع الرجاء الإنساني بواقع أفضل. اختزال آخر للقلق البشري ومشهدية الأرق اليومي «عرضي»، فالفسحة الأعظم للضوء واللون، معجزتَي الحياة.

اللوحات بجانب المنحوتات تعبير عن الأنين الصامت (مارون الحكيم)

يظهر رابط بين عظمة الطبيعة ومكنوناته الداخلية، حيث الحسرات والأسى، فتُعبّر اللوحات الـ43، ومعها 12 تمثالاً برونزياً، عما يئنّ بصمت. يقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ تنفيذ العمل الفني ليس مسألة بسيطة، لاتصاله بالوحي والإلهام القادرَيْن على إتاحة إنجاز أشكال الحياة: «أترك نفسي على سجيّتي، وأسلّمها لإحساسي المباشر بالعمل، وهو آني وليد اللحظة. عواطفي وتفكيري يتحكّمان برسمي ونحتي. العملية معقّدة، ولا أدري بأي وقت يحدُث ذلك. ولكن متى باشرتُ، يصبح الموضوع ذريعة، ويتكثّف التركيز على المعايير الجمالية الخالصة، والأُسس الفنية المرتكِزة على قواعد ونظم، والمُستنِدة على التجارب والبحث والخبرة الطويلة».

العمل الفني عند مارون حكيم ليس موضوعاً فحسب. هو أوركسترا، وتفاعلات بين الإحساس والمادة المُخوَّلة التعبير، والمطلوب دائماً تطويرها. عمرٌ في الرسم والنحت، هذه خلاصته: «التشكيل بعناصره ومبادئه وأسسه أهم من الموضوع. في النهاية، تسقط المواضيع إن لم تُشكّلها يد خبيرة تسحر الألوان وتمنحها الشكل الآخر».

الطبيعة هاجس فني لقدرتها على توليد النور (مارون الحكيم)

تسيطر الطبيعة بإشراقها وألوانها واختزالها إرادة البقاء، فإذا بوجوه تخترق هذه السكينة بمزاجها المضطرب وأشكالها الشائكة. يتطلّع مارون الحكيم إلى الجسد الإنساني، مُتضمّناً الوجه - كاشفَ المشاعر - ويقول إنه خزان حركاته وتعابيره وألغازه النفسية. الوجوه في معرضه قلقة، حزينة، مسكونة بالتمويه واللاوضوح. ملامحها ضبابية بمثابة أقنعة حائرة أمام تيه الاتجاه والمصير. بالكاد تظهر، كأنها تجتهد لتأكيد حضور الإنسان ومواصلة عناده الحياة ومكابرته على المآسي.

يمتلك مارون الحكيم في معرضه متّسعاً من الضوء لخوض ركام العتمة وهلاك الضياع، فيتيح تدفّق الأفكار والمشاعر بأساليب وتقنيات مُستحدثة. هل نعدُّ هذا المعرض خلاصاً شخصياً لذاكرته ووعيه وتأملاته؟ يجيب أنّ فنّه بالفعل خلاصة شخصيته، ووعيه، وذاكرته، وتأمّلاته، وحياته اليومية، ومتابعته للأحداث ومصير شعوب المنطقة ومعاناة إنسانها وألمه. برأيه، «لا يمكن للفنان العيش خارج الزمن. حينها، لن يكون حقيقياً. الفنان ابن يومه، وشعبه، وذاكرته، وتاريخه، وثقافته. أهجسُ بالتعبير الحضاري الراقي، لكنني أواصل السعي خارج الاستسهال، فأبتكر دائماً مناحيَ جديدة تتعلّق بطريقة وضعي للخطوط والألوان، وكثافتها، وتدرّجاتها، وحركتها. هذا المهم في العمل الفني. الموضوع يحمل بصماتنا وآلامنا وأفراحنا، لكن تنفيذه ينبغي أن يحمل خبرة الفنان وتطوّره وأحلامه، فيُبرز شخصيته وخصوصيته الفريدة».

مارون الحكيم مع صاحبة الغاليري سناء جابر وزوجته سمر الحكيم في الخلف (صور الفنان)

رأت الناقدة الفرنسية والمُحاضرة في الفنون فرنسواز بارب غال أنّ رسوم مارون الحكيم ومنحوتاته «تُضمّد جراح الأرض». كيف تشفي الريشة الندوب، ويُهدّئ اللون قسوة العنف والانشقاقات؟ يستبق الإجابة بالإشارة إلى سروره لإدراكها المُبتغى من أعماله، وإحساسها أنّ فنه يمنح العزاء وينشد الرجاء، بعدما التفتت إلى هذه البقعة الجغرافية الرازحة تحت أشكال المعاناة والحروب وعذابات الشعوب وتشرّد الإنسان. ثم يستوقفه اللون: «هو الشفاء ودواء أنفسنا وحياتنا. الألوان في المستشفيات مثلاً، وفي البيوت، تُهدّئ روعنا. يستطيع اللون التعبير عن الحزن بانفلاش أشكاله الداكنة، وعن البهجة بطغيان الشكل الزاهي. اللون في العمل الفني له دور تشكيلي وحضاري، أعمق أحياناً من الرموز. في جميع حالاته، يبقى سيد حياتنا. اللون ابن النور، والحياة، والشمس، لذا لا تراه عيوننا إلا في الضوء. أركّز على الإشراق منقِذاً ومسعِفاً للإنسان للنجاة من قلقه وضياعه».

فن يشكّل عزاء وينشد الرجاء (مارون الحكيم)

أمضى عمراً ينحت بالمواد الصلبة كالرخام والصخر والخشب والحديد، وفي معرضه هذا، تطرّق إلى مادة البرونز بتقنياتها المختلفة عن النحت التقليدي. يشرح أنها تُنحَت على مراحل، فيصنع المنحوتة بالطين أو الحجر أو الجفصين أو الخشب، ثم يقولبها كما هي الحال مع الشمع، ومنها تتشكل قوالب داخلية وخارجية، توضع في الفرن ليذوب الشمع ثم ينسكب المعدن الذائب على درجة 1500. هنا، ينظّف مارون الحكيم التمثال، ويُلمّعه، ويمنحه لونه الأخضر أو البني. يقول: «شئتُ عرض التماثيل مع اللوحات لتناسُق الموضوع بين أعمال النحت والرسم على مستوى الوجوه. البرونز مادة صلبة لا تُكسَر. بإمكان الفنان سَكْب أكثر من تمثال بشكل واحد، مما يوسّع انتشاره ويُسهِّل عمليه التسويق بسعر أقل. أنا في سنّ بتُّ فيها أتيح لنفسي إصدار مجموعة قوامها الشكل الواحد لوضعها في المتناول العام».

الوجوه المُتّسمة بالقلق وآهات الحياة (مارون الحكيم)

لعلّه حين يتأمّل لوحاته المستريحة على جدران المعرض بجوار المنحوتات، يفكّر في نُبل الفن وقدرته على مَنْح الألق لمبدعين خلّدوا أسماءهم عبر العصور بأعمالهم الحضارية والمتجاوِزة للزمن. هذا الجمال يزيح العتمة ليبعث الحلم والضوء والحياة الجديدة.


مقالات ذات صلة

«جوهرة الحِداد» تفكّ شفرة لوحة غامضة بعد 400 عام

يوميات الشرق قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)

«جوهرة الحِداد» تفكّ شفرة لوحة غامضة بعد 400 عام

أُعيد اكتشاف «جوهرة حداد» تعود إلى عصر «هامنيت» (نجل شكسبير)، بعد مرور 4 قرون على تخليدها في إحدى أكثر اللوحات العائلية غموضاً وشهرة في بريطانيا...

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على…

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)

«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

«جدارية غزة» هو اسم العمل الرئيسي الذي يمتدُّ لنحو 30 متراً، للفنان التشكيلي المصري عبد الرازق عكاشة، ضمن معرضه الأحدث.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق لوحات الفنانة تحمل زخماً في الألوان والشخوص والرموز (الشرق الأوسط)

«إلى أين؟»... معرض فني يحتفي بسحر النوبة والهوية

بألوان تشع بهجة ولوحات تحمل أبعاداً أسطورية عن النيل والروح المصرية الأصيلة، تحتفي الفنانة رندا إسماعيل بسحر النوبة والهوية المصرية عبر معرضها الأحدث.

محمد الكفراوي (القاهرة )
لمسات الموضة لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من…

«الشرق الأوسط» (لندن)

عطلة تتحوَّل إلى كابوس... دببة تلاحق الزوار في أشهر متنزه أميركي

في المتنزه... الهدوء قد ينقلب والطبيعة تفرض كلمتها (شاترستوك)
في المتنزه... الهدوء قد ينقلب والطبيعة تفرض كلمتها (شاترستوك)
TT

عطلة تتحوَّل إلى كابوس... دببة تلاحق الزوار في أشهر متنزه أميركي

في المتنزه... الهدوء قد ينقلب والطبيعة تفرض كلمتها (شاترستوك)
في المتنزه... الهدوء قد ينقلب والطبيعة تفرض كلمتها (شاترستوك)

أغلقت إدارة المتنزهات الوطنية الأميركية أجزاء من متنزه «غريت سموكي ماونتنز» أمام الجمهور، في أعقاب سلسلة من المواجهات العنيفة مع دببة عدوانية شهدتها منطقتان خلال عطلة نهاية الأسبوع، وصلت في بعض الحالات إلى حد مطاردة الزوار وعقرهم.

ووفق بيان للإدارة نقلته «سي بي إس نيوز»، استجاب الحراس لـ3 حوادث منفصلة على مسار «رامزي كاسكيدز» الشهير المؤدّي إلى شلالات المياه، بالإضافة إلى 3 حوادث أخرى على مسار «أبرامز فولز» المؤدّي إلى شلالات أخرى.

وفي تفاصيل المواجهات بالقرب من «رامزي كاسكيدز»، أفادت السلطات بأنّ دبَيْن «اقتربا من الزوار واستوليا على حقيبتي ظهر»، بينما أظهر دبّ ثالث «سلوكاً هجومياً وطارد مجموعة من المتنزهين لمدّة وجيزة». وبناءً على ذلك، ظلَّ مسار «رامزي كاسكيدز» والطريق المؤدّي إليه مغلقَيْن حتى يوم الاثنين، مع استمرار الحراس في مراقبة المنطقة بحثاً عن أي نشاط للدببة.

أما الحوادث الثلاثة الأخرى التي وقعت قرب «أبرامز فولز»، فقد كان بطلها «دبّ أسود عدواني»، عقر زائراً داخل منطقة مغلقة في إحدى المرات. ورغم إغلاق المسار والطريق المؤدّي إليه لأيام، فقد أُعيد فتحهما يوم الاثنين، بعد استقرار الأوضاع وعدم رصد أيّ نشاط عدائي جديد.

ويحتضن متنزه «غريت سموكي ماونتنز»، وهو محمية طبيعية شاسعة تمتد عبر ولايتَي كارولاينا الشمالية وتينيسي، نحو 1900 دبّ أسود. ويُعدّ المتنزه الأكثر زيارة في الولايات المتحدة، وهو ما تعزوه إدارة المتنزهات إلى «مزيج من كثافة الزوار وازدهار عشيرة الدببة، ممّا يرفع احتمال حدوث مواجهات بين البشر والحيوانات».

وتوضح إدارة المتنزهات أنّ نشاط الدببة السوداء يزداد في المتنزه خلال فصل الربيع؛ حيث تخرج الأمهات من أوكارها برفقة صغارها بحثاً عن الطعام الذي قد يكون شحيحاً في وقت مبكر من الموسم.

وحذرت الإدارة قائلةً: «بما أنّ هذه المدّة تُعدّ حسّاسة جداً للأمهات وصغارها، فإنّ الاقتراب الزائد قد يسبب لها توتراً ويؤدّي إلى مواجهات غير آمنة». وناشدت الزوار ضرورة «ترك مسافة كافية» للدببة، وتخزين الطعام والنفايات بـ«مسؤولية»، وتوخّي الحذر التام خلال السير في المسارات.

يُذكر أنّ إدارة المتنزهات كانت قد حذَّرت الصيف الماضي من إطعام الدببة السوداء، بعد رصد ازدياداً في الحالات التي يُقدّم فيها السياح الطعام للحيوانات عمداً، ووصل الأمر إلى حدّ تحرير مخالفة بحق أحد الزوار لإطعام أم وصغيريها.

وأوضحت السلطات حينها أنّ إطعام الدببة يُعرّض حياتها للخطر، لأنّ اعتيادها على طعام البشر، وعلى البشر أنفسهم، قد يدفعها للبحث عنهم واعتراض طريقهم، ممّا يضع الزوار والحيوانات على السواء في دائرة الخطر.


«الشجرة المعجزة» تتحدَّى البلاستيك

بذور تعيد إلى الماء صفاءه (شاترستوك)
بذور تعيد إلى الماء صفاءه (شاترستوك)
TT

«الشجرة المعجزة» تتحدَّى البلاستيك

بذور تعيد إلى الماء صفاءه (شاترستوك)
بذور تعيد إلى الماء صفاءه (شاترستوك)

كشفت دراسة حديثة، استغرقت سنوات من البحث، عن أنّ بذور نوع شائع من الأشجار تتفوَّق في كفاءتها على البدائل الكيميائية المُستخدمة في تنقية المياه من الملوّثات البلاستيكية الدقيقة.

ويمكن لبذور شجرة «المورينغا» (أو الأكاسيا البيضاء)، وموطنها الأصلي دول آسيوية، أن توفّر وسيلة مُبتكرة لترشيح الجسيمات البلاستيكية الدقيقة (الميكروبلاستيك) التي يتزايد وجودها في إمدادات مياه الشرب البشرية.

ويُستخدم مُستخلص ملحي من هذه البذور لتعزيز عملية «التخثر»، ممّا يؤدّي إلى تكتل الميكروبلاستيك داخل المياه وحبسه، ليسهل التخلص منه.

وتُعرف «المورينغا» بـ«الشجرة المعجزة»، نظراً إلى استخدام أوراقها وبذورها الغنية بالعناصر الغذائية غذاءً للبشر، وإنما الباحثون عكفوا لسنوات على دراسة إمكانات بذورها في معالجة المياه.

وفي هذا السياق، قالت الباحثة المشاركة في الدراسة التي نقلتها «الإندبندنت» عن دورية «إيه سي إس أوميغا»، من جامعة ولاية ساو باولو، غابرييل باتيستا: «أثبتنا أنّ المُستخلص الملحي للبذور يؤدّي دوراً مماثلاً لكبريتات الألمنيوم المستخدمة في محطات معالجة المياه لتخثير المياه المحتوية على الجزيئات البلاستيكية الدقيقة. بل إنّ أداءه تفوَّق على المنتج الكيميائي في المياه الأكثر قلوية».

النبات حين يهزم البلاستيك (شاترستوك)

وركزت الدراسة على معالجة المياه عبر تقنية «الترشيح المباشر»، حيث يجري تخثّر المياه لزعزعة استقرار الجزيئات الملوّثة قبل تمريرها عبر مرشح رملي.

وتُعدّ عملية التخثر ضرورية، لأنّ الملوّثات، مثل الميكروبلاستيك، تحمل شحنة كهربائية سالبة على أسطحها، ممّا يجعلها تتنافر مع بعضها ومع رمال المرشحات. وهنا يأتي دور «المورينغا»، التي يمكن صنع مستخلصها الملحي في المنزل، لتُعادل هذه الشحنات وتسمح للملوّثات بالتكتُّل والترسُّب.

من جانبه، صرَّح منسق البحث البروفسور أدريانو غونسالفيس دوس ريس: «هناك رقابة تنظيمية متزايدة ومخاوف صحية بشأن استخدام المخثرات القائمة على الألمنيوم والحديد، لكونها غير قابلة للتحلُّل الحيوي، وتترك سموماً متبقّية، وقد تشكل خطراً للإصابة بالأمراض. لهذا السبب، يتكثَّف البحث عن بدائل مستدامة».

ولاختبار كفاءة «المورينغا»، استخدم الباحثون مياه صنبور ملوثة عمداً بمادة «بوليفينيل كلوريد» (PVC)، وهي أحد أخطر أنواع البلاستيك على صحة الإنسان، نظراً إلى قدرتها الموثَّقة على إحداث طفرات جينية وأورام سرطانية. ويا للأسف، تنتشر هذه المادة بكثافة في المسطَّحات المائية، وحتى في المياه المعالجة بالعمليات التقليدية.

وعرّض الفريق أيضاً مادة «بوليفينيل كلوريد» لتقادم اصطناعي باستخدام الأشعة فوق البنفسجية، لمحاكاة العمليات الطبيعية، مثل التحلُّل الناتج عن ضوء الشمس والمياه، وإعادة إنتاج خصائص الجسيمات البلاستيكية الدقيقة المتقادمة طبيعياً.

بعد ذلك، عُولجت المياه الملوّثة بعملية التخثر باستخدام بذور «المورينغا»، ثم تصفيتها بواسطة «اختبار الوعاء»، وهو جهاز يُحاكي عمليات معالجة المياه على نطاق صغير.

وقُورنت النتائج بعد ذلك بنتائج الاختبارات عينها التي أُجريت على مياه عُولجت باستخدام كبريتات الألمنيوم.

واستخدم الفريق المجهر الإلكتروني الماسح (SEM) لإحصاء جزيئات الميكروبلاستيك قبل المعالجة وبعدها. وأفاد الفريق بأنه لم يُعثَر على «أي اختلافات جوهرية» في كفاءة إزالة الجزيئات.

ويختبر الفريق حالياً مستخلص بذور «المورينغا» باستخدام مياه الأنهار، وذكر الباحثون أنّ تجاربهم أظهرت حتى الآن أنّ منتج «المورينغا» «أثبت فاعلية كبيرة في معالجة المياه الطبيعية» أيضاً.

Your Premium trial has ended


في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)
بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)
TT

في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)
بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)

لم تعد الملوخية مجرد طبق تقليدي على موائد السكان في قطاع غزة، بل تحوّلت، تحت وطأة الحرب وشحّ التبغ، إلى بديل غير مألوف للسجائر، بعدما بات مدخنون يجففون أوراقها ويخلطونها بسائل النيكوتين قبل لفّها وتدخينها.

وبحسب «وكالة الصحافة الفرنسية»، فقد ازداد انتشار هذا البديل بين المدخنين بعدما قفز سعر السيجارة الواحدة من نحو شيقل (0.33 دولار) إلى ما يعادل أربعين ضعفاً، بعد أكثر من عامين من الحرب الإسرائيلية في القطاع الذي يعاني نقصاً حاداً في المواد الأساسية.

وفي أحد شوارع مدينة غزة، يخلط البائع المتجوّل أبو يحيى حلس أوراق الملوخية المجففة والمفتتة مع سائل النيكوتين داخل كيس صغير، قبل أن يرجّه للحصول على مادة خضراء تُلفّ كسجائر وتُباع للزبائن.

ويقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لا تُعدّ هذه بديلاً عن السجائر، إذ تتكون من أوراق الملوخية المُطعّمة بالنيكوتين، خلافاً للسجائر المصنوعة من التبغ»، مضيفاً أنّ الناس يلجأون إليها كخيار اضطراري في ظل غياب السجائر المستوردة وارتفاع أسعارها، رغم اعتقاده بأنها لا تُحدث التأثير ذاته.

بائعون فلسطينيون يبيعون السجائر المصنوعة من الملوخية (رويترز)

وتشهد شوارع المدينة ازدحاماً بالمارة والزبائن، فيما تنتشر بسطات لبيع هذه السجائر بين خيام النازحين وأكوام الركام التي خلّفتها الحرب.

ويقول بائع آخر، يدعى محمد حلس، إنّ «تدخين الناس لسجائر الملوخية ليس خياراً بل ضرورة بالنسبة لهم، لو توفرت السجائر لن نرى سجائر الملوخية».

غير أنّ هذا البديل نفسه لا يتوافر دائماً، سواء المنتج محلياً أو المستورد، في ظل القيود التي تفرضها إسرائيل على دخول البضائع إلى القطاع. ولا تصلح للزراعة سوى نحو أربعة في المائة من الأراضي، وفق منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة.

مواد سامة؟

يثير تدخين هذه السجائر مخاوف متزايدة بشأن مخاطرها الصحية، في ظل غياب معلومات واضحة عن مكوّناتها.

ويقول وليد النعيزي: «تُصنع هذه السجائر من أعشاب مثل الملوخية وأوراق الخروع وأصناف أخرى، ولا نعلم ما إذا كانت سامة أم لا»، مضيفاً أنّ مواد سائلة مجهولة تُضاف إليها، «ولا نعرف إن كانت نيكوتين أو سموماً أو حتى مبيدات حشرية».

رجل فلسطيني يلفّ السجائر باستخدام أوراق الملوخية المجففة (رويترز)

ورغم هذه المخاوف، يؤكد أنّ كثيرين يجدون أنفسهم مضطرين لتدخينها.

وقال أبو محمد صقر (47 عاماً): «أنا لا أستمتع بها لكنني أمسك سيجارة وأنفث دخاناً... ليس الوقت مناسباً للإقلاع عن التدخين في ظل ما نعيشه».

من جهتها، تقول نيفين سمير (53 عاماً) إنها غيّرت عاداتها، موضحة: «كنت أدخن علبة يومياً منذ عشرين عاماً، أما الآن فأدخن بضع سجائر من الملوخية».

وتضيف النازحة في خيمة في خان يونس: «طعمها ورائحتها سيئان، وأدخنها ربما للتنفيس عن الغضب أو لمجرد الإحساس المصاحب لفنجان قهوة سيئ المذاق أيضاً».

المدخنون باتوا يجففون أوراقها ويخلطونها بسائل النيكوتين قبل لفّها وتدخينها (رويترز)

ومنذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تتبادل «حماس» وإسرائيل الاتهامات بخرقه، فيما قُتل ما لا يقل عن 784 فلسطينياً منذ سريانه، وفق وزارة الصحة التابعة لـ«حماس» في غزة.

واندلعت الحرب إثر هجوم غير مسبوق شنّته «حماس» على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، أسفر عن مقتل 1221 شخصاً، بحسب أرقام إسرائيلية رسمية.

وردّت إسرائيل بحملة عسكرية واسعة خلّفت أكثر من 72 ألف قتيل في القطاع.