ليلة الـ«إيمي»... Succession نافسَ نفسَه وفاز بالغالبيّة الساحقة

الجوائز التلفزيونية الأميركية كرّمت القديم والجديد في احتفاليّة لم تخلُ من دموع الحزن والفرح

TT

ليلة الـ«إيمي»... Succession نافسَ نفسَه وفاز بالغالبيّة الساحقة

فريق مسلسل Succession محتفلاً بفوزه الكبير في ليلة ال"إيمي" (رويترز)
فريق مسلسل Succession محتفلاً بفوزه الكبير في ليلة ال"إيمي" (رويترز)

بعد تأجيلٍ استمرّ 4 أشهر بسبب إضراب الكتّاب والممثلين في هوليوود، اجتمع شمل نجوم التلفزيون في مسرح "بيكوك" (Peacock) في لوس أنجلس الأميركية للاحتفاء بالنسخة ال75 من جوائز "إيمي".

الاحتفالية التي استمرت 3 ساعات وقدّمها الممثل الأميركي أنطوني أندرسون بالتعاون مع والدته، أفردت مساحة كبرى للنوستالجيا، فقدّمت التحيّة إلى نجومٍ غادروا هذا العالم، وإلى مسلسلاتٍ بارزة غابت عن الشاشة. أما التركيز الأكبر فكان بطبيعة الحال، على الأعمال التلفزيونية التي طبعت شاشة العام الماضي، وتحديداً تلك التي عُرضت ما بين يونيو (حزيران) 2022 ومايو (أيار) 2023.

مسرح بيكوك في لوس أنجليس الذي استضاف النسخة 75 من جوائز إيمي (إ.ب.أ)

كبار الفائزين

بجوائزَ بالجُملة، متوقَّعة إنما مستحَقّة، جاءت الصدارة لكلٍ من “Succession” عن فئة الدراما، و”The Bear” عن فئة الكوميديا، و”Beef” عن فئة المسلسلات القصيرة، وقد حصد كلٌ من تلك الأعمال العدد الأكبر من جوائز "إيمي".

كما سبق أن أشارت الترشيحات التي نالها، حصد الموسم الرابع والأخير من مسلسل “Succession” (الخلافة)، 6 جوائز من أصل 27 ترشيحاً عن فئة الدراما. جاء هذا الإجماع على العمل الذي تعرضه منصة HBO، بمثابة تكريمٍ له بعد 4 مواسم من النجاح التلفزيوني المنقطع النظير.

ودّع نجوم “Succession” جمهورَهم رافعين جوائز ال"إيمي" عن فئات: أفضل مسلسل درامي، أفضل ممثلة بدور رئيسي (ساره سنوك)، أفضل ممثل بدور رئيسي (كيران كالكن)، أفضل ممثل بدور مساعد (ماثيو ماك فايدن)، أفضل سيناريو (جيسي أرمسترونغ)، وأفضل إخراج (مارك ميلود).

وفيما أهدت سنوك جائزتها إلى ابنتها التي كانت حاملاً بها خلال التصوير، وجّه كالكن جزءاً من خطاب الفوز إلى زوجته مطالباً إياها بطفلٍ ثالث. أما الكاتب أرمسترونغ فقد خصّ الممثّل المخضرم براين كوكس بلفتةٍ قائلاً إن المسلسل دار حوله، حتى بعد وفاة شخصيته "لوغان روي" في الموسم الأخير.

الممثلان كيران كالكن وسارة سنوك مع جائزتَي أفضل تمثيل عن فئة الدراما (رويترز)

أما عن فئة الأعمال الكوميدية، فقد كانت الحصة الأكبر من الجوائز من نصيب “The Bear” (الدبّ). وقد تعادل الموسم الثاني من المسلسل مع “Succession”، حاصداً 6 جوائز هي: أفضل مسلسل كوميدي، إلى جانب جوائز أفضل ممثل بدور رئيسي لجيريمي ألان وايت، وأفضل ممثل بدور مساعد لإيبون موس باكراك، وأفضل ممثلة بدور مساعد لآيو إديبيري، وأفضل سيناريو وإخراج لمسلسل كوميدي.

الدراما العائلية التي تدور أحداثها في مطبخ مطعمٍ مغمور، نالت إعجاب النقّاد والمشاهدين على حدٍ سواء. وللغاية، قررت منصة “FX” تجديد المسلسل لموسمٍ ثالث يُعرض في وقت لاحق من هذه السنة.

فريق عمل مسلسل The Bear الذي حصد غالبية الجوائز عن فئة الكوميديا (أ.ف.ب)

بالانتقال إلى فئة المسلسلات القصيرة، وعلى غرار ما حصل في حفل جوائز ال"غولدن غلوب"، فقد تكرّر الإجماع على “Beef” (شكوى) الذي عرضته منصة "نتفليكس". إلى جانب فوزه ب"إيمي" أفضل مسلسل عن فئته، مُنحت كذلك جائزتا أفضل تمثيل لبطلَيه ستيفن يون وآلي وونغ. كما حصل المسلسل على جائزتَي أفضل سيناريو وإخراج، ليحلّ بذلك ثانياً بعد “Succession” و”The Bear” على مستوى عدد الجوائز.

تبلّل خطاب الممثلة الكورية – الأميركية وونغ بالدموع، تحديداً في اللحظة التي أهدت فيها الجائزة إلى ابنتَيها. أما زميلها يون فلم يبدُ أقلّ تأثراً، إذ شكر شخصية "داني" التي أدّاها في المسلسل قائلاً: "شكراً داني لأنك علّمتني أنّ إطلاق الأحكام على الناس وتعييرهم هو أشبَه بمكان ملؤه الوحدة، أما التعاطف مع الآخرين فهو المكان الذي يمكن أن نلتقي فيه جميعاً".

جوائز بالجملة للمسلسل القصير Beef الذي عرضته نتفليكس (إ.ب.أ)

مسلسلاتٌ أقلّ إجماعاً

رغم شعبيته الواسعة التي استدعت تجديده لموسمٍ ثانٍ، إلا أنّ “The Last of Us” (آخرُنا) اكتفى بجائزتَين عن فئتَي أفضل ممثلَين ضيفَين لكلٍ من ستورم ريد ونيك أوفرمان.

أما محبوبة الجماهير الأميركية الممثلة جنيفر كوليدج، فقد نالت جائزة أفضل ممثلة بدور مساعد ضمن فئة الدراما، عن دورها في مسلسل “The White Lotus” (زهرة اللوتس البيضاء).

الممثلة الأميركية جنيفر كوليدج وجائزة أفضل ممثلة بدور مساعد عن فئة الدراما (أ.ب)

بتأثّر كبير، تسلّمت الممثلة الشابة كوينتا برنسون "إيمي" أفضل أداء ضمن فئة الكوميديا، عن دورها في مسلسل “Abbott Elementary” (مدرسة أبوت الابتدائية).

وضمن باقي الفئات، فازت جوديث لايت بجائزة أفضل ممثلة ضيفة في الكوميديا عن إطلالتها ضمن “Poker Face” (وجه بلا تعبيرات). وعن الفئة ذاتها، فاز سام ريتشاردسون عن دوره في مسلسل “Ted Lasso” (تيد لاسو).

غلبت الدموع الممثلة كوينتا برنسون خلال استلامها جائزة أفضل ممثلة في مسلسل كوميدي (رويترز)

عن فئة الدور المساعد في مسلسل قصير، فاز كل من بول والتر هاوزر عن دوره في "Black Bird" (طير أسود)، ونيسي ناش بيتس عن مسلسل "وحش: قصة جيفري دامر". ولم يخلُ خطاب بيتس من التلميحات، إذ قالت إنها ترفع جائزتها نيابةً عن "النساء السوداوات اللواتي لم يسمعهنّ أحد وواجهن فائضاً من القمع".

نيسي ناش بيتس فازت بأفضل أداء ضمن عمل تلفزيوني قصير في مسلسل «دامر» (إ.ب.أ)

مزيدٌ من النوستالجيا والدموع

شهدت ليلة ال"إيمي" تكريم الفنان العالمي إلتون جون بجائزة أفضل عرض غنائي مباشر، عن جولته الموسيقية الوداعية في استاد دودجر في لوس أنجلس. ورغم غياب جون عن الحفل، إلا أنه نال تصفيقاً طويلاً من الحضور. وبهذه الجائزة، يكون جون قد جمع مجد الجوائز الفنية العالمية من أطرافها، هو الذي بات في حوزته "إيمي"، و"غرامي"، و"أوسكار"، و"توني".

ومن بين اللحظات الموسيقية المؤثّرة خلال الحفل، المقطع الغنائي الذي قدّمه تشارلي بوث، حيث أدّى شارة مسلسل "Friends" (فريندز)، في تحيّة إلى الممثل الراحل ماثيو بيري.

متّكئةً على عصاها، أطلّت الممثلة كريستينا آبلغيت على مسرح "إيمي" بعد أن كانت قد أعلنت اعتزالها جرّاء إصابتها بمرض التصلّب المتعدّد. لاقاها الجمهور بدقائق طويلة من التصفيق وقوفاً، أما هي فبادلتهم التحيّة بالمزاح، قبل أن تقدّم جائزة أفضل ممثلة كوميدية بدور مساعد.

الممثلة المعتزلة بداعي المرض كريستينا آبلغيت برفقة مقدّم الحفل أنطوني أندرسون (رويترز)

في يوبيلها الماسيّ، استرجعت احتفاليّة ال"إيمي" لحظات تلفزيونية خالدة من خلال دعوة مجموعة كبيرة من ممثّلي اشهر المسلسلات، مثل "Grey’s Anatomy"، و”The Sopranos”، و”Ally McBeal”، وغيرها.


مقالات ذات صلة

«تي شيرت» مثير للجدل يعيد مي كساب للأضواء

يوميات الشرق مي كساب (حسابها على فيسبوك)

«تي شيرت» مثير للجدل يعيد مي كساب للأضواء

عادت الفنانة المصرية مي كساب لدائرة الاهتمام على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما استوقف متابعين الرسومات المطبوعة على «تي شيرت» ارتدته خلال برنامج عبر الإنترنت

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)

فلورنس بيو تضيء «شرق عدن» رغم سواد شخصية «كاثي»

إجماع من الجمهور والنقّاد على مسلسل East of Eden لِما فيه من عناصر تُعيد إلى الذاكرة كبرى الإنتاجات الهوليوودية، والممثلة فلورنس بيو بشخصية «كاثي» تسرق الأضواء.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تنفرد «إم تي في» بعرض المسلسل المحلّي «بهو الست لميا» (إنستغرام)

من المنصات إلى الشاشة اللبنانية... مسلسلات تتصدَّر شبكة الخريف

تُحافظ المحطات على عرض أجزاء جديدة من مسلسلات تركية حقّقت نسب مشاهدة مرتفعة...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ميشيل ميلاد في أحد مَشاهد مسلسل «القصة الكاملة» (الشركة المنتجة)

ميشيل ميلاد يخرج من عباءة الكوميديا: «معتصم» اختبر قدراتي

ارتبط ميشيل ميلاد بالفنّ منذ طفولته، من خلال الراديو، إذ كان يستمع إلى البرنامج الثقافي الذي يعرض المسرحيات العالمية.

انتصار دردير (القاهرة)
أميركا اللاتينية صورة مدمجة تظهر الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يسار) ومرشح المعارضة فلافيو بولسونارو (أ.ف.ب)

لولا وبولسونارو يرفضان مناظرة تلفزيونية قبل انتخابات الرئاسة البرازيلية

أُلغيت مناظرة رئاسية في البرازيل بعد رفض المرشحَين لولا وفلافيو بولسونارو المشاركة، قبل أيام من الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية.

«الشرق الأوسط» (ساو باولو)

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
TT

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)

أثار دواءٌ يُساعد الأطفال المصابين بالنوع الأكثر شيوعاً من التقزم على زيادة طولهم جدلاً أخلاقياً واسعاً. ففي حين يأمل الآباء أن يُسهم هذا الدواء، إلى جانب زيادة الطول، في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة، يخشى المنتقدون أن يُوحي علاجٌ يركز على زيادة الطول بأنَّ التقزم حالةٌ تستدعي العلاج.

ويُستخدم دواء «فوسوريتيد»، الذي يُباع تحت اسم «فوكسزوغو»، لعلاج الأطفال المصابين بالودانة، وهي حالة وراثية تُعيق نمو العظام. وقد تمت الموافقة عليه في أوروبا عام 2021، وهو مُصرّحٌ به الآن للأطفال من عمر أربعة أشهر، في وقت لا تزال عظامهم في طور النمو.

وتُشير التجارب السريرية إلى أن «فوسوريتيد» يُسرِّع النمو. لكن يبقى من غير المؤكد ما إذا كان بإمكانه الوقاية من مضاعفات طبية خطيرة أو تحسين جودة الحياة على المدى الطويل.

ويثير هذا الأمر تساؤلات صعبة حول معايير العلاج الناجح، ومدى حقّ الأشخاص المصابين بالتقزم الغضروفي في تحديد نتائجه.

وأصبحت الأدلة على أن دواء «فوسوريتيد» يزيد النمو راسخة. ويأمل الآباء أن يُسهم العلاج أيضاً في الحدّ من بعض المضاعفات الطبية المرتبطة بالتقزم الغضروفي. وتُظهر نتائج تجربة أُجريت في عام 2026 مؤشرات أولية على أن العلاج المبكر بـ«فوسوريتيد» قد يُحسِّن نمو العمود الفقري. كما وجدت دراسة أخرى انخفاضاً في معدلات بعض المضاعفات بين الأطفال في تجارب «فوسوريتيد» مقارنة بالبيانات المنشورة عن الأشخاص الذين لم يتلقوا الدواء. هذه النتائج واعدة، لكنها لا تُثبت بعد ما إذا كان العلاج سيمنع المضاعفات الخطيرة طوال الحياة. تابعت دراسة العمود الفقري الأطفال لمدة عام واحد فقط، وشملت أعداداً قليلة نسبياً.

ووفق مقال مشترك لكل من إيرين بريتشارد، المحاضرة الأولى في دراسات الإعاقة بجامعة ليفربول هوب الإنجليزية، وسامانثا ليلي، مدرّسة الصحة والتنمية الاجتماعية بجامعة ديكين الأسترالية، نُشر، الأربعاء، على موقع «كونفيرزيشين»، تُصعّب الدراسات الصغيرة تحديد ما إذا كانت الاختلافات تعكس تأثيرات علاجية حقيقية، خصوصاً فيما يتعلق بالمضاعفات النادرة.

ووفق المقال، توجد أيضاً أسباب تدعو إلى الحذر عند افتراض أن بدء العلاج مبكراً جداً سيمنع حدوث مضاعفات خطيرة.

أظهرت الأبحاث التي أُجريت على أشخاص مصابين بالتقزم الغضروفي أنهم قد يواجهون صعوبات تتعلق بالصحة والوظائف البدنية، إلى جانب الحواجز الاجتماعية المرتبطة بالعيش في عالم مصمم وفقاً لأجسام متوسطة الطول.

وكما أوضحت الباحثتان، فإن تجربة تلقي العلاج تستحق اهتماماً خاصاً أيضاً. يتطلب دواء «فوسوريتيد» حقناً يومية طوال سنوات النمو. ووجدت دراسة أُجريت على سبع عائلات لأطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات أن الحقن قد تُسبب الخوف والألم والضيق لدى الأطفال.

ووفق المقال، تكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخ العلاجات التي تهدف إلى زيادة الطول. على سبيل المثال، لا تزال جراحة إطالة الأطراف مثيرة للجدل. فقد وجدت مراجعة منهجية أُجريت عام 2026 أنها قد تُحقق زيادات كبيرة في طول الأطراف، ولكنها تتطلب علاجاً طويل الأمد وتنطوي على مخاطر عالية لحدوث مضاعفات.

ويُولد نحو 80 في المائة من المصابين بالتقزم الغضروفي لآباء ذوي طول متوسط. وهذا ما يجعل تجارب البالغين المصابين بهذه الحالة ذات قيمة، خاصة عند تفكير العائلات في العلاج. ويتخذ الآباء عادةً قرارات بالموافقة على الرعاية الصحية لأطفالهم الصغار جداً. وهم في حاجة إلى معلومات واضحة تُفرِّق بين الفوائد المؤكدة والنتائج المرجوة أو غير المؤكدة.

لذا؛ يتجاوز النقاش الأخلاقي حول «فوسوريتيد» مجرد مسألة ما إذا كان الدواء يزيد من طول الأطفال، ليشمل أيضاً الفوائد الصحية التي تم إثباتها، وكيف يؤثر العلاج على الأطفال يومياً، ومن له الحق في تحديد مدى نجاحه.


«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
TT

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

يستقر «الزار» في المرويات الشعبية كأحد الطقوس العلاجية المرتبطة بالغناء والموسيقى وربما التعاويذ القديمة، لكن تظل سمات «الزار» متفردة بأدواتها من الدفوف والبخور وحلقات الرقص المتصاعدة لتشكل طابعاً خاصاً في بيئات معينة. ومع تقلص حضور هذه الظاهرة، تسعى أبحاث علمية مصرية لتوثيقها ضمن قوائم التراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

في هذا الإطار، عرضت الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» بحثاً بعنوان «الأصول الأثرية لطقوس الأداء الموسيقي الاستشفائي واستمراريتها الثقافية» ضمن مؤتمر عقده المجلس الأعلى للثقافة في مصر تحت عنوان «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» بمناسبة اليوم العالمي للتراث.

وربط البحث بين طقوس «الزار» في الثقافة الشعبية الحديثة وامتداد ممارساته أو الأشكال الشبيهة به في الطقوس الاستشفائية والعلاجية بمصر القديمة، داعية في نهاية بحثها إلى توثيق النظم الإيقاعية والشفهية لفرائق «الزار» بمصر، وتسجيلها ضمن قاعدة بيانات التراث غير المادي. وضم هذا العنصر «الزار» الذي يمثل جزءاً من الممارسات والطقوس الشعبية لقائمة الصون العاجل للتراث غير المادي بـ«اليونيسكو».

جانب من الطقوس المصرية القديمة (البحث المقدم بمؤتمر التراث اللامادي)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «دراسة (الزار) المعاصر في ضوء الممارسات الطقسية في مصر القديمة تفتح مجالاً مهماً لفهم جذور بعض المعتقدات الشعبية وتحولاتها عبر الزمن. فالمجتمع المصري القديم عرف طقوساً ارتبطت بالموسيقى والإيقاع والرقص والإنشاد، ولم تكن هذه العناصر مجرد وسائل للتعبير الفني، بل شاركت في سياقات دينية واحتفالية متعددة، ارتبط بعضها بعبادة الآلهة وبالتصورات المتعلقة بالحماية والتطهير والتعامل مع القوى غير المرئية».

وتتابع: «تأتي الإلهة حتحور في مقدمة الشخصيات الدينية التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق؛ فقد ارتبطت بالموسيقى والرقص والدفوف والاحتفالات، وظهرت في مناظر ونصوص تعكس حضور هذه العناصر في الممارسات الدينية المصرية القديمة. ومن هنا يمكن طرح تساؤلات حول أوجه التشابه بين بعض هذه الممارسات وبين (الزار)، الذي تتداخل فيه الإيقاعات المتكررة والرقص الجماعي والغناء وأداء طقوس ذات دلالات اعتقادية، في إطار التعامل مع ما يُعتقد أنه تأثير للأرواح أو القوى غير المرئية».

ورصدت الباحثة أوجه التشابه بين الطقوس المصرية القديمة والمظاهر الطقسية لـ«الزار» الحديث دون أن تقطع بالتطابق بينهما ولكن لفتح الباب لمعرفة الامتدادات التاريخية لهذه الفكرة وتأثيراتها وتمثلاتها المعاصرة.

د. دينا سليمان صاحبة البحث عن «الزار» وأصوله المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وقالت إن «مفهوم التطهير والحماية من القوى المؤذية أو استرضائها يمثل جانباً مهماً في دراسة المعتقدات القديمة والطقوس الشعبية، فقد عرفت مصر القديمة منظومة متنوعة من الممارسات الوقائية، شملت التعاويذ والتمائم والطقوس المرتبطة بالحماية من الأخطار، وهو ما يعكس أهمية التعامل مع العالم غير المرئي في التصورات الدينية آنذاك. أما (الزار)، فتتباين تفسيراته وممارساته بحسب البيئات والتقاليد المحلية، ولذلك ينبغي دراسة عناصره في سياقها الخاص، دون افتراض تطابقها مع الطقوس المصرية القديمة».

وتوضح أن أهمية هذا الموضوع تكمن في ضرورة التمييز بين التشابه في الأداء الطقسي والاستمرارية التاريخية الفعلية. ومن ثم، «فإن البحث في العلاقة بين طقوس مصر القديمة و(الزار) لا يقتصر على المقارنة الشكلية، بل يسعى إلى فهم كيفية تشكل الممارسات الطقسية وتغير وظائفها ودلالاتها عبر العصور»، على حد تعبيرها.

مجموعة آلات فرق «الزار» التراثية بمصر (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

وتؤكد أن قراءة «الزار» من منظور الآثار وتاريخ الأديان تمنحنا فرصة لفهم جانب من الموروث الشعبي المصري، وتطرح أسئلة مهمة حول الذاكرة الثقافية وإعادة إنتاج المعتقدات والممارسات. كما تؤكد أن دراسة الحضارة المصرية القديمة لا تقتصر على المعابد والمقابر والنصوص الدينية، بل تمتد إلى تحليل الطقوس والسلوكيات الإنسانية التي ارتبطت بالمعتقد، مع الالتزام بالفصل بين ما تثبته الأدلة ولا يزال في نطاق الفرضيات البحثية.

ونجحت مصر في سنوات سابقة في تسجيل 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونيسكو» للتراث غير المادي، من بينها «السيرة الهلالية» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«الخط العربي»، وغيرها من العناصر.


مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
TT

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

بعد سنوات من الإهمال أوصلته لحالة من التدهور كادت تؤدي إلى ضياعه وتهدمه تماماً عاد مدفن الإمام ابن حجر العسقلاني، الموجود في «قرافة الإمام الشافعي»، صاحب المصنفات الكثيرة وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، للظهور بحلة تليق به بعد ترميمه.

وكان قد وصف الباحث في شؤون القرافة والمدافن الإسلامية، إبراهيم طايع، تلك الأيادي التي قامت بالترميم بأنها «خبيرة وجديرة بالتصدي لمقابر تراثية أخرى للعديد من الأئمة والمحدثين وكبار العلماء والشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي»، مثل «مقبرة الإمام العز بن عبد السلام» التي لا تبعد خطوات من مدفن ابن حجر العسقلاني.

وقال طايع لـ«الشرق الأوسط» إن حالة المدفن قبل خمس سنوات كانت لا تليق بشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، ويضيف: «كنا عندما نذهب لزيارته نراه في وضع متردٍّ. ظهر المدفن بمرور الزمن واستمرار الإهمال بلا أبواب بعد اختفائها، ودون نوافذ، كما تهالكت الجدران والسقف، وكان يمكن أن تضيع معالم المقبرة لولا بقاء الشاهد والتركيبة الحجرية المكتوب عليها اسمه، والعمامة الحمراء التي تقلدها كشيخ للإسلام، والتي تشير إلى مكانته في عصره».

وكانت الجدران المتهالكة حسب قول طايع «لا تشير إلى مقبرة شخصية بقيمة ابن حجر العسقلاني؛ فلم يكن هناك شيء يشير له من الخارج سوى كلمات مكتوبة بخط أزرق وضعها أحدهم على الحائط الخارجي للتعريف به، وكان السقف الموجود من عروق الخشب المتهالكة، وظل الحال هكذا حتى قام مجموعة من الطلبة الدارسين في الأزهر التابعين لبعض دول شرق آسيا بتنظيفه وترميمه وأعادوا له بعضاً من رونقه، وظل الأمر على حاله حتى كانت منحة معهد الدراسات الكلاسيكية بالمملكة المتحدة، بإشراف وزارة الأوقاف، وتمت إعادة بنائه وترميمه بمعرفة خبير الترميم الدكتور إسماعيل أنور الحسيني، لكن المؤسف أن المرممين طمسوا اسم الخطاط الذي كتب شاهد تعريف مقبرة الشيخ».

مدفن ابن حجر العسقلاني قبل الترميم (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

ولفت طايع إلى أن الزخارف التي اعتمدها المرممون جاءت مناسبة لزمن ابن حجر العسقلاني، في العصر المملوكي، وجاءت على درجة عالية من الإتقان، وقد استخدم المرممون في تنفيذها مواد بألوان قادرة على مقاومة المطر وعوامل الزمن، وهو ما منح المدفن نوعاً من البهاء وأعاده لما كان عليه حين تُوفي الإمام قبل 6 قرون، ويضيف: «لا يساوي مدفن ابن حجر العسقلاني في مظهره بعد ترميمه سوى قبة الإمام الشافعي؛ فقد تصدى لها خبراء على مستوى لائق أتقنوا مراحل الترميم، ما جعل ظهور القبة والمدفن في النهاية بما يليق بالمكانة الكبيرة للإمامين الراحلين».

وُلد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني بمدينة الفسطاط زمن المماليك، سنة 773 هـجرية، وتُوفي في ذي القعدة سنة 852 هـجرية، وخلال حياته تولى مشيخة الحديث وتدريس الفقه بأماكن من الديار المصرية، وتولى نيابة القضاء بمصر مدة، ثم أعرض عنها، وفوّض إليه الملك المؤيد القضاء بالمملكة الشامية، فأصر على الامتناع، وفي عام 827 هـجرية فوّض إليه الملك الأشرف برسباي القضاء بالقاهرة وما معها، فأصبح قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، واستمر حتى عام 852 هجرية. كما تولى الإشراف على مكتبة المدرسة المحمودية، والإفتاء لمدة 41 عاماً. وخطب في عدة أماكن بالقاهرة وخارجها، من بينها الجامع الأزهر وجامع عمرو بن العاص والقلعة. ويعد ابن حجر العسقلاني، حسب ما ذكرته دار الإفتاء المصرية على صفحتها الرسمية، من المكثرين في التصنيف، حتى إنه يصعب حصر جميع مؤلفاته، وذكر السخاوي ما يزيد على 270 عنواناً لمؤلفاته، وكان أولها «المائة العشارية» الذي ألّفه سنة 796 هـجرية وعمره ثلاث وعشرون سنة، وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، ثم توالت بعد ذلك كتبه التي منها «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة»، و«لسان الميزان»، و«الإصابة في تمييز الصحابة»، و«رفع الإصر عن قضاة مصر»، و«بلوغ المرام من أدلة الأحكام».