في مركز «ريبيرث بيروت» الفني بالجميزة، انطلق معرض الرسم «هروب عابر» للفنانة التشكيلية راوية غندور زنتوت. وتضمن 30 لوحة أكليريك بأحجام ضخمة نقلت رؤيتها الإبداعية للطبيعة، وتعكس فيها بريقاً لبيئة تحلم بها خاليةً من السموم والفوضى، وتصوّرها بفعل طبقات متراكمة من الطلاء وألوان زاهية. ومرصَّعة بجزيئات صغيرة من الذهب والفضة، وكأنها مجوهرات غالية الثمن وحلي أنيقة.
تستكشف لوحات المعرض بتأنٍّ؛ فضخامة أحجامها تفرض نفسها على ناظرها، تبهرك بمشهديتها منمنمة المحتوى المتلألئة كأنها مقتطَعة من الكون، فتشكل فضاءات فنية؛ كلّما اقتربت منها تلمس الدهشة.

عناوين اللوحات تتمحور حول الطبيعة: «حديقتي الملوَّنة»، و«الربيع في الهواء»، و«شروق الشمس الباكر»، و«يوم عاصف»، و«الشلالات» وغيرها. تستوقفك واحدة بعنوان «الأرزة اللبنانية» الخضراء المطلية بالذهب. وتوضح زنتوت لـ«الشرق الأوسط»: «الأرزة بالنسبة لي رمز من رموز لبنان الذي أعشقه. صوّرتها بخلفية خضراء ومطلية بالذهب لأنها بنظري تساوي بقيمتها أطناناً من هذا المعدن الثمين».

تتبع راوية في لوحاتها طريقة حديثة في الرسم ابتكرتها شخصياً لتطبع أعمالها. «اليوم وعندما ترين هذه اللوحات، ولو من بعيد تدركين أنها تعود لي. فهي تحمل هويتي الفنية التي لا تشبه غيرها». وعن التقنية التي تعتمدها في لوحاتها، تتابع: «إنها ترتكز على طبقات متراكمة يتجاوز عددها الـ15 طبقة. وهو ما يولّد هذا الشعور بأنها حقيقية. وفي الوقت نفسه تنقل الناظر إلى الخيال والحلم، فيعيش عبرها اللحظة التي تسرقه من عالم مثقل بالهموم إلى آخر مريح وفرح».
تبحث زنتوت في أعمالها دائماً عمّا يبثّ موجات إيجابية لدى مشاهدها. «أحبها أن تفرض نفسها وأن تترك بصمة البهجة لدى الآخر. وأحمّلها في الوقت نفسه رسالة بيئية توعوية؛ فهي دعوة مباشرة للحفاظ على طبيعتنا الخلابة التي ندمّرها يوماً بعد يوم. وكما يشعر ناظر اللوحات بحب الاقتراب من كل لوحة لاسكتشافها، ولا يجرؤ على لمسها، هكذا يجب أن نتعامل مع طبيعتنا».

فضاءات واسعة تؤلّف لوحات معرض «هروب عابر»، تذكرك تلقائياً بالمجرّات والنجوم والكواكب والمذنَّبات الكونية، تبهر الناظر إليها بمجازية المشهد، وكأن ونتوت تضعه تحت المجهر مباشرة؛ فتقف مندهشاً أمام منظر الشّلالات الفضية المتدفقة، وكأنها تجمدت للحظة. يجذبك شروق شمس ذهبية ضخمة تطل على بحر يعكس لون السماء الزرقاء. وتكمل المشوار لتطلّ عليك لوحة أخرى عنونتها بـ«أرزة لبنان»، فتصوّرها خضراء كثيفة تقف منتصبة كجبل صلب لا يهتز عبر الزمن. «تنقل عيناي ما أشعر به تجاه طبيعة تأخذني إلى الحلم. هكذا أرى الأمور شاسعة وفضفاضة، مقدمة في محتوى منمنم يبرز هويتي الفنية. فنقطة فوق نقطة تؤلف لوحاتي، التي تستغرق مني وقتاً طويلاً لا يمكنني أن أعد ساعاته. والطلاء يكون سميكاً جداً كي يبرز موضوع العمل الغني بمكوناته».
قد لا نجد فنانين كثيرين يطبقون تقنية زنتوت لعدم توفر الوقت الكافي لإنجازها، «ولأن هذه التقنية تستهلك كميات هائلة من الطلاء. ولكن حبي الكبير وشغفي لفني يدفعانني لتقديمه بهذه الطريقة بلا تردد».

هي قفزة نحو المستقبل قلّما يملك أحدهم الجرأة للقيام بها، في ظل عالم مثقَل بالأزمات والحروب. «أتمنى أن تكون أعمالي مقدِّمة لمستقبل مشرق يطل منه الإنسان على كوكب ملوَّن، وليس رمادياً كالذي نعيش فيه اليوم. أحاول أن أخاطب ما بعد اللحظة بألوان قوية وزاهية؛ فهي تعكس التفاؤل والفرح فيجذبان الناظر إليهما لخوض لحظات حلوة».
وبين «براعم الورد الكثيفة» و«أمواج المحيط» والعيون «التركواز» و«المدينة الذهبية» و«ألوف الظلال من العاطفة» تختم رحلتك في معرض «هروب عابر».



