قصائد سعيد عقل... باقةٌ تُوقع في عطرها

أمسية غنائية في الذكرى العاشرة لغيابه بصوت كارلا رميا الدافئ

قصائد غنّتها رميا من كلمات أحد أعظم شعراء لبنان (الجهة المنظّمة)
قصائد غنّتها رميا من كلمات أحد أعظم شعراء لبنان (الجهة المنظّمة)
TT

قصائد سعيد عقل... باقةٌ تُوقع في عطرها

قصائد غنّتها رميا من كلمات أحد أعظم شعراء لبنان (الجهة المنظّمة)
قصائد غنّتها رميا من كلمات أحد أعظم شعراء لبنان (الجهة المنظّمة)

10 قصائد نحتها الشاعر اللبناني سعيد عقل، ولحَّن معظمها الأخوان رحباني بما يليق بحنجرة فيروز؛ استُعيدَت في الذكرى العاشرة لغيابه بصوت كارلا رميا. على مسرح «غولبنكيان» في «الجامعة اللبنانية الأميركية»، ملأ المقاعد مَن سمّاهم مُنظّم الأمسية، الشاعر هنري زغيب، «الذوّاقة». الموسيقى المذهلة والشِعر الأسطوري، أتيا مكثّفَيْن بتقدير المغنّية لمنزلة الكلمة، وبوفاء الموسيقيين للنغم الخالد.

زاد لون الفستان النبيذي أناقة على إطلالة الفنانة اللبنانية الحائزة دبلوماً في الغناء الشرقي. تهامس حاضرون أنها تملك صوتاً يحلو انتظاره لقدرته على إتاحة المجال للعذوبة، وهو حين حُمِّل وزنَ القصائد ومسؤولية الألحان، أكد أنه بحجم الحِمْل. بجانبها المايسترو اللبناني أندريه الحاج يقود الفرقة الموسيقية. وإنْ اقتصرت على قلّة، فإنه يُخبر «الشرق الأوسط» عما يعنيه النوعُ أمام الكم، خصوصاً حين يخلُص إلى جمال النتيجة.

الفنانة اللبنانية الحائزة أستاذة الغناء الشرقي كارلا رميا (حسابها الشخصي)

10 قصائد غنّتها رميا، من كلمات أحد أعظم شعراء لبنان. 9 منها لحّنها الأخوان رحباني، وعاشرة من ألحان إياد كنعان. سمّاها هنري زغيب «باقة»، وتطلّع حوله في الوجوه وأشكال التفاعُل للتأكد من الوقوع في عطرها. كان له ما أراد، فالحضور صفّق وطُرِب، وردَّد القصائد بشغف التمسُّك بالنادر.

مرات سمعنا الأغنيات، منها «ردّني إلى بلادي» و«مشوار»، وسائر ما تردّد في الأمسية، لكنّ رميا تمنح إحساساً بالرغبة في سماعها بصوتها. امتاز كل شيء بالحميمية، وأصيب الحفل بلحظة التقاء الذروات. تصفها رميا بـ«اجتماع العناصر»، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ اللحن العظيم والشِعر الخلّاق شكّلا مع صوتها والموسيقى بقيادة الحاج حالة من العَبَق الفني.

يكترثُ أندريه الحاج لـ«إبقاء الإرث حياً فنقدّر مكانة كبارنا» (حسابه الشخصي)

يصبح سعيد عقل المُتيّم بلبنان «شِلْح زنبق» يشاء أن يُكسر على ثرى بلاده. في القصيدة انعكاس لتجليات ولاء الشاعر لأرضه، حدّ الاستعداد للتكسّر على ترابه. امتدّ الغناء متّخذاً شكل التدفّق. وبينما عصا المايسترو تلوّح للنغمات، مرةً إلى اليمين ومرةً إلى اليسار، والوسط، مُرشدةً أنامل الموسيقيين نحو مسار النوتة الأجمل، عَبَرت 10 قصائد، بينها ما يضاعفه صوت فيروز عذوبةً: «أمي يا ملاكي يا حبي الباقي إلى الأبد».

وغنّت رميا «يارا الجدايلها شقر»، فسعيد عقل أراد من الشَعر أن يصنع أبهى الشِعر، متيحاً للعمر التأرجح على «الجدّولة»، و«كل نجمة تبوح بأسرارها»، وهو ينادي جميلته يارا.

رميا تمنح إحساساً بالرغبة في سماع القصائد بصوتها (الجهة المنظّمة)

أغنيتها الخاصة «لعبة»، ألّفها عقل ضمن ديوان «قصائد من دفترها»، ولحّنها إياد كنعان، أدّتها رميا بارتقاء طربي. الحبّ نفسه وزّعته بين أغنيتها الشخصية والأغنيات المستعارة، فغنّت كأنّ كلّ شيء لها، تماماً مثل العزف الذي ظلَّ حريصاً على ألا يغدر اللحنَ أو يباغته بأي نشاز.

ألقى هنري زغيب قصيدة «مشوار»، قبل أن تُجمّلها الألحان. مرات أصغينا إلى هذه التحفة «السعيد عقلية»، بلحن الأخوين وذهب فيروز، واستوقفنا الجمال المقيم في الشِعر وانسياب النغمات. صفّق الحضور لزغيب وهو ينثر الأغنية مجرّدة من الزوائد، فكانت شِعراً خالصاً من ثقيل العيارات. «وقالوا غمرني مرتين وشَدْ/ شوفوا الكذب لوين/ مرّة منيح... اتنين؟/ ولا ردّتو إيدي ولا هو ارتَدْ/ شو بيفضحوا أسرار»، مختومةً بعبرة الحياة: «مشوار جينا عالدني مشوار».

ليس على المرء أن يكون لبنانياً ليقدّر بأي عظمة نحت سعيد عقل أشعاره. باللهجة المحكية، نقلت رميا عن فيروز أغنية «بحبك ما بعرف»، والمايسترو الحاج في حالة انخطاف؛ يده وعصاها تخوضان غوصاً ما. وإن صعُب فكّ اللهجة لغير ممارسيها، فتفسيرُ «لأ دخلك هيأتي رح طير/ مرجحتني بقلبك/ اتركني بعد بكير/ تركني بحبك يا حلو بحبك»، مفادُه أنّ شيئاً لا يضاهي وَقْع الحب على المرء، بقدرته على الرَفْع وإحداث التحليق في عمق الظنّ أنّ الارتطام قدر العشاق.

المايسترو اللبناني أندريه الحاج يقود الفرقة الموسيقية (حسابه الشخصي)

شمل الغناء قصيدة «دقيت طلّ الورد عالشباك»، بجمالها وعبرة مقطعها الأخير «علّمتني حلوة الحلوين/ إنْ فلّيت اترك عطر بهالكون». وأمام حضور، بينهم رئيس الجامعة ميشال معوّض، ارتدى الختام طعم المسك، فقدّم ثلاثيّ الصوت والموسيقى والشِعر واحدة من أجمل ما كتب سعيد عقل، «قصيدة لبنان»؛ بديعة الأبيات، خصوصاً الطافح بالإقدام: «أهلي ويَغلُون، يغدو الموتُ لُعبتَهُم/ إذا تطلَّعَ صوبَ السَّفحِ عدوانُ».

يكترثُ أندريه الحاج لـ«إبقاء الإرث حياً، فنقدّر مكانة كبارنا»، يقول لـ«الشرق الأوسط». يضرب مثلاً بالمصريين: «يتمسّكون بعظمائهم، وليتنا نسلك مسارَهم». اتّسمت قيادته الفرقة بالشغف لأنها قصائد سعيد عقل وألحان الأخوين: «لم يمُت أساطير الموسيقى لأنّ أوركسترات عظيمة لا تزال تعزف مقطوعاتهم. لبنان صنعه كباره، وعلينا التعريف بهم. هذا واجبنا».

منذ شهرين، وهو يُحضِّر. انتقى موسيقيين محترفين، وأوكلهم عزف الألحان العبقرية. برأيه، «المسألة أيضاً متعلّقة بقيمة الصوت الذي يُغنّي». محق. كارلا رميا ملأت المسرح بصوتها الدافئ.

تُخبر أستاذة الغناء الشرقي، «الشرق الأوسط»، أنّ أداء القصائد هو المفضّل لديها: «كنتُ أمام نخبة ما كُتِب ولُحِّن. الشعِر إبداعي والموسيقى عظيمة، وأحسستُ بصدق التفاعل. هذا تكثيف لما أرغب في إعطائه». تغرف من إحساسها، فيحلو الإصغاء: «أغنّي من داخلي، وأدرك بُعد القصيدة وجمالية لوحاتها. أحفظُ الأصل وأجنّبه التشويه».


مقالات ذات صلة

«عميد المنشدين» ياسين التهامي يختتم الليالي الرمضانية بالأوبرا المصرية

يوميات الشرق ياسين التهامي خلال الحفل (الأوبرا المصرية)

«عميد المنشدين» ياسين التهامي يختتم الليالي الرمضانية بالأوبرا المصرية

ليلة استثنائية قضاها محبو الإنشاد الديني والأشعار الصوفية مع «شيخ المنشدين» ياسين التهامي، ضمن ليالي رمضان بدار الأوبرا المصرية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)

فنانون مصريون يدعمون هاني شاكر في أزمته الصحية

توالت رسائل الدعم التي وجهها فنانون مصريون للفنان هاني شاكر في الأزمة الصحية التي يمر بها راهناً.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق رقصات وأغانٍ فولكلورية لفرقة كنعان (دار الأوبرا المصرية)

«كنعان» تستعيد التراث الفلسطيني في ليالي رمضان بالأوبرا المصرية

استعادت فرقة «كنعان» الفلسطينية للثقافة والفنون أغاني ورقصات الفولكلور الفلسطيني في ليلة رمضانية بدار الأوبرا المصرية، الجمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)

«ليلة مع الأساطير» بكت خلالها عبير نعمة وأبكت الجمهور على بيروت

غنت عبير نعمة في صالة «رويال ألبرت» بلندن، مساء الخميس الخامس من مارس (آذار)، فبكت مرات عدة على المسرح، وأبكت جمهورها معها...

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق محمد فوزي قدم مئات الألحان والأغاني (وزارة الثقافة)

«أرواح في المدينة» تنعش ذاكرة المصريين بألحان محمد فوزي

استعادت لقاءات «أرواح في المدينة» ضمن مبادرة «القاهرة عنواني» سيرة وألحان الموسيقار والمطرب المصري محمد فوزي في الذكرى الستين لرحيله (1918 – 1966).

محمد الكفراوي (القاهرة )

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.


حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».


حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
TT

حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)

يتنقل الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي بين المسارح الثلاثة التي يديرها في طرابلس وصور وبيروت، مطمئناً على حال رواده الذين أتوا هذه المرة لا لمشاهدة مسرحية ولا لمتابعة مهرجان، بل أتوا هاربين من القصف الإسرائيلي. عشرات النازحين وجدوا في هذه المسارح المكان الوحيد الذي استطاعوا الالتجاء إلى سقفه.

«المسرح الوطني اللبناني» بفروعه في المدن الثلاث تحوَّل إلى مأوى لنازحين من مختلف الجنسيات. في مدينة صور التي تلفّها النيران، تجد لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، وعاملات منزليات من إثيوبيا وبنغلاديش، إضافة إلى أطفال ومسنين. كلٌّ يمضي وقته بالطريقة التي تروق له. ومع النازحين في المسرح حيواناتهم الأليفة التي اصطحبوها معهم؛ فهناك من أتى بعصفور، وآخر يعتني بكلبه الذي رفض أن يتركه خلفه. 50 شخصاً في صور يعيشون معاً في هذا المسرح، ويحاولون إضفاء المرح على جلساتهم رغم الخطر المحدق بهم.

ورشة رسم في المسرح (المسرح الوطني اللبناني)

يخبرنا إسطنبولي أن الأمر ليس بالسوء الذي نتصوره. يقول: «ننظم أنشطة باستمرار، وثمة أطفال بالعشرات يأتوننا من خارج المسرح خصيصاً ليشاركوا في برامجنا خلال النهار رغم أجواء الحرب». وينوِّع القيّمون على المسرح وسائل التسلية المفيدة لتزجية الوقت. ويضيف: «ننتقل بين الرسم والقراءة والأشغال اليدوية، ونركز على السيكودراما كي نساعد الأولاد على التغلب على مخاوفهم التي لا يعبرون عنها. التمثيل كفيل بذلك، والحكواتي مفيد أيضاً في مثل هذه الظروف».

وحين نسأل إن لم يكن الخوف أقوى من الفن في مثل هذه اللحظات، يجيبنا إسطنبولي متفائلاً: «الله هو المسلِّم». ويستطرد ضاحكاً: «الغريب أنه بدلاً من الخوف نجد الناس في المسرح يتواطؤون ضمناً على خلق أجواء من البهجة والراحة مع بعضهم بعضاً. هناك ألفة وتعاطف. ثمة من يأتون لليلة واحدة ثم يغادرون لأنهم وجدوا مكاناً آخر، أو ارتأوا العودة إلى منازلهم».

ميزة أن تكون هارباً من الحرب إلى مسرح أنك تخرج من أجواء الحرب قسراً. ثمة نازح يجيد العزف على البيانو يرفّه عن الموجودين كل يوم بقدر استطاعته، كما تُعرض أفلام بشكل مستمر لتمضية الوقت، وتُنظَّم ورشات رسم وتمثيل. إنها طريقة للترفيه عن أناس تركوا بيوتهم ولا يعرفون إن كانوا سيجدونها عند عودتهم إليها، خصوصاً أن غالبية الموجودين في المسرح الوطني في صور هم من القرى الحدودية التي تتعرض لأشد أنواع القصف والتدمير.

النوم في المسرح شأن آخر (المسرح الوطني اللبناني)

الألم كبير والقلق دائم. الأطفال يجدون ضالتهم في المسرح، تحديداً في هذه المدينة المرهقة بالقصف، حيث يحرص إسطنبولي على البقاء مع النازحين. يقول: «ثمة من قال إنه ينسى أحياناً الحرب وهو يتابع فيلماً أو يسمع معزوفة. تلك طريقتنا في المقاومة».

ولا يكتفي إسطنبولي بالترفيه عن رواد مسرحه، بل يجول أيضاً في مراكز إيواء مختلفة مع أعضاء من «جمعية تيرو للفنون»، وينشّط ورشات عمل للأطفال في مراكز متعددة موزعة في هذه المدينة الجنوبية.

بين النازحين في المسارح الثلاثة من كانوا قد لجأوا إلى المكان نفسه في الحرب العام الماضي؛ فقد باتوا يعرفون العنوان ويأنسون له.

في «المسرح الوطني» في طرابلس تقيم عائلة من جنوب أفريقيا وأخرى فرنسية، إلى جانب 7 عائلات تضم 27 شخصاً. يقول إسطنبولي: «معنا شعروا بالأمان العام الماضي، وهم يقيمون اليوم معزَّزين مكرَّمين».

وتشرح سيدة سورية في المسرح أنها لم تتمكن من العودة إلى بلادها مع أولادها اللبنانيين، ففضَّلت البقاء هنا إلى أن تنجلي الغمة.

تمضي الأيام بطيئة على النازحين، لكنهم يتعاونون في تحضير الوجبات في مطبخ المسرح. فقد أمّنت هذه المراكز الثلاثة كل ما يلزم من ضروريات أولية: كهرباء، وماء ساخن، وإنترنت على مدار اليوم، إضافة إلى الكتب والألعاب. ويقول إسطنبولي: «من حسن حظنا أننا احتفظنا بالفرش والأغطية من حرب العام الماضي. بمجرد أن وصل الملتجئون إلينا، كنا في جاهزية».

بعض المساعدات تصل إلى النازحين؛ إذ بدأت جمعيات تعرف بالحاجة في طرابلس وتحاول تقديم العون، لكنها غير كافية. لذلك أطلق المسرح دعوة للتبرع، ووزّع أرقام هواتف لمن يريد تقديم المعونة، ومن يرد أن يتوجه إلى المسرح شخصياً ويتبرع لعائلة بعينها، فالأمر مفتوح ومتاح.

المسرح يتَّسع لرواده في كل الأوقات (المسرح الوطني اللبناني)

لكن هذا ليس ما يشغل المنظمين أساساً؛ فالمهم هو الإحساس بالراحة والتعاون بين المقيمين في المسرح الواحد، وروح الأخوّة بينهم.

الصعوبات مقدور عليها، والحرب كانت متوقعة؛ لذلك منذ اللحظات الأولى لاندلاعها بدأت الاجتماعات.

ويقول إسطنبولي: «كانت لدينا كميات من الماء، والعصير، والكيك، وبعض الأشياء الأخرى، وما يقارب من 50 فرشة جاهزة، لذلك جاءت الاستجابة سريعة».

يرى إسطنبولي أن «المسرح الوطني» و«جمعية تيرو للفنون» يعملان أقل من الواجب في ظروف تستدعي نخوة الجميع. ويوضح: «المسرح هو نبض الناس وصوتهم، وقد وُجِد في الأصل لخدمتهم. وهذه علاقة لا تتوقف على تقديم المسرحيات وتنظيم المهرجانات». ويضيف: «ما قيمة المسرح إن أغلق أبوابه في وجه رواده في الأوقات العسيرة التي يكونون فيها بأشد الحاجة إلى الدعم؟».

وحين سأل إسطنبولي امرأة نازحة إلى المسرح، في اليوم العالمي للمرأة، عمَّا تتمناه في عيدها، قالت: «أن يبقى لكل امرأة بيتها».