«مجتمع الثلج»... مشاهَدة شاقّة وشاهقة

الفيلم الإسباني يستعيد كارثة طائرة جبال الأنديز ويترشح إلى الأوسكار

فيلم الإسباني خوان أنطونيو بايونا يعيد إحياء قصة الطائرة التي تحطمت في جبال الأنديز عام 1972 (نتفليكس)
فيلم الإسباني خوان أنطونيو بايونا يعيد إحياء قصة الطائرة التي تحطمت في جبال الأنديز عام 1972 (نتفليكس)
TT

«مجتمع الثلج»... مشاهَدة شاقّة وشاهقة

فيلم الإسباني خوان أنطونيو بايونا يعيد إحياء قصة الطائرة التي تحطمت في جبال الأنديز عام 1972 (نتفليكس)
فيلم الإسباني خوان أنطونيو بايونا يعيد إحياء قصة الطائرة التي تحطمت في جبال الأنديز عام 1972 (نتفليكس)

يمتدّ حبل القصة في «Society of the Snow» (مجتمع الثلج) من أقصى الكارثة إلى أقصى الأعجوبة، مروراً بقضيّة أخلاقيّة مثيرة عنوانها: أكل لحوم البشر.

الفيلم الذي بدأت منصة «نتفليكس» عرضه بعد إطلاقه في دور السينما العالمية، يصوّر قصةً واقعية، فيعود إلى جبال الأنديز في أميركا الجنوبية، وتحديداً إلى الجمعة 13 أكتوبر (تشرين الأول) 1972، يوم تحطّمت طائرة على متنها 45 راكباً كان من المفترض أن ينتقلوا من الأوروغواي إلى تشيلي.

اصطدمت الطائرة بإحدى القمم الثلجية الشاهقة قبل الهبوط في العاصمة التشيلية سانتياغو بنصف ساعة، وذلك بفعل خطأ ارتكبه مساعد الطيّار. أدّى الأمر إلى مقتل عدد من الركّاب على الفور، فيما بقي القسم الأكبر منهم على قيد الحياة، بعد أن حماهم الجزء المتوسط من الطائرة والذي لم يُصب بأذى.

يستقي المخرج الإسباني خوان أنطونيو بايونا من القصة الحقيقية ومن شهادات الناجين، ليصنع فيلمه. بواقعيةٍ فاقعة ينقل الفاجعة، ويقتبس للغاية من كتاب الصحافي الأوروغوياني بابلو فييرشي، والذي يحمل العنوان نفسه. يستعين بايونا بممثلين صاعدين، ويصرّ على أن ينطق فيلمه بلغة الحكاية الأصليّة، أي الإسبانيّة.

في موقع الكارثة، يمتزج جسم الطائرة الأبيض بمشهد الثلج اللامتناهي، ما يعوق عمليات البحث ويدفع بالفِرَق الطيّارة للعودة أدراجها بعد 8 أيامٍ من التفتيش، تاركةً الركّاب الناجين لمصيرهم المُرعب، على ارتفاع 3500 متر ووسط حرارة تتدنّى إلى 35 درجة تحت الصفر.

تنوّعت مواقع التصوير بين جبال سييرا نيفادا الإسبانية ومونتي فيديو في الأوروغواي وجبال الأنديز بين تشيلي والأرجنتين (نتفليكس)

لا شيء سوى الثلج حولهم، وبقايا أمتعة فيها من المكسّرات والشوكولا والحلويات ما يكفي أسبوعاً للناجين الـ28. بعد مرور 6 أيام ونفاد الطعام، ووسط طبيعة لا نبتة تُقطف فيها ولا يوجد حيوان يُصطاد، يحاول الركّاب أن يقتاتوا من أربطة أحذيتهم وأعقاب السجائر وأقمشة مقاعد الطائرة. يبدو الأمر مستحيلاً بالنسبة إليهم، هم الذين يحتاجون إلى طاقةٍ تقيهم البرد القارس وتمنحهم أياماً إضافية وقوةً في حال كُتبت لهم العودة إلى ديارهم.

حولهم كذلك جثامينُ رفاق الرحلة الذين فارقوا الحياة بفعل صدمة السقوط وإصاباتهم البالغة. يقترح البعض أنّه لم يبقَ أمامهم سوى اللجوء إلى لحم أصدقائهم إذا أرادوا الاستمرار. رغم قواهم الخائرة والأجواء الجليديّة المحيطة بهم، يشتعل السجال بين معترضٍ وموافقٍ على الطرح. بين الأخلاق، والقانون، والدين، يدخل كل واحد من الناجين في صراعٍ مع نفسه ومع الآخرين حول ما هو حلال وما هو حرام.

صورة من الأرشيف للناجين الحقيقيين من حادثة الطائرة (نتفليكس)

منذ تلك اللحظة الفاصلة، تتّخذ القصة منحىً جديداً، يتأرجح بين الاستسلام الكئيب وغريزة البقاء البشرية رغم الفظائع. يتذكّر المخرج بايونا حديثاً له مع أحد الناجين حول قرار الأكل من أجساد رفاق الرحلة، حيث قال له ذلك الناجي: «في اليوم الأول الذي قمنا بذلك، كان الأمر مروّعاً. شعرنا بالتعاسة. أما في اليوم الثاني فوقفنا في الصف، منتظرين حصّتنا من الطعام...»...

لاحقاً، صار الأمر روتينياً إلى درجة أنّ كل واحد من الركّاب كان يشعر بأنه شارف على الموت، يسمح سلفاً لرفاقه بأن يتصرفوا بجثّته.

صحيح أن هذا الموضوع يأخذ حيّزاً كبيراً من الفيلم، لكن يُحسب للمخرج وفريقه أنهم لم يستثمروا بصرياً فيه، ولم يوظّفوا مشاهد نافرة مرتبطة به، بل اكتفوا بالحدّ الأدنى منه. ثمّ إنّ هذا ما حصل فعلاً خلال تلك الفاجعة الجويّة، وبايونا كان حريصاً على نقل الواقع بصِدق.

المخرج الإسباني خوان أنطونيو بايونا في موقع التصوير (نتفليكس)

لا بدّ من الإقرار بأنّ مشاهَدة «Society of the Snow» مهمّة شاقّة، وقد يصعب على أصحاب القلوب الضعيفة أن يكملوا الفيلم بساعتَيه الطويلتَين. تبدو المتابعة صعبة ومتعبة، ليس بسبب جزئيّة أكل لحوم البشر فحسب، بل لفرط قسوة الظروف التي يمرّ بها ناجو جبال الأنديز. في الشكل يبدو الأمر كمغامرة حياة أو موت وسط طبيعة موحشة، لكن في المضمون هي دراما نفسيّة عن أقسى التحديات التي قد تمرّ بها نفسٌ بشريّة؛ من اليأس، إلى الانهزام، والتضحية، والوقوف وجهاً لوجه مع الموت.

تلاحقهم العواصف والانهيارات الثلجيّة فتحصد مزيداً منهم. لكن رغم كل قسوة الدنيا التي تجتمع في الرقعة حيث سقطوا، هم لا يتجردون من عواطفهم بل تجمعهم لحظاتٌ على درجة عالية من الإنسانية، لا يخلو بعضها من الضحك والشِعر والمزاح والتقاط الصور... للذكرى.

تخطّت كلفة إنتاج الفيلم 70 مليون دولار وجرى اختيار معظم الممثلين من الجيل الجديد (نتفليكس)

معظم مَن نجَوا من كارثة الرحلة 571 المتّجهة من مونتي فيديو إلى سانتياغو، هم أعضاء فريق أوروغوياني لكرة القدم الأميركية (الرغبي)، وعلى الأرجح فإنّ روح الفريق التي تجمعهم، إضافةً إلى قدراتهم البدنيّة، لعبت دوراً أساسياً في بقائهم على قيد الحياة.

هذه القوّة الخارقة هي التي دفعت بهم مراتٍ عدّة إلى تحدّي الثلوج والطبيعة الوعرة من أجل إيجاد مخرج، وقد نجحوا في ذلك. تنكسر رتابة المأساة عندما يأخذ اثنان من «مجتمع الثلج» على عاتقهما الانطلاق في رحلة نزولاً باتّجاه تشيلي بحثاً عن النجاة. وبعد 10 أيام تسلّقا خلالها الجبال المثلجة الشاهقة وتزحلقوا في وديان سحيقة من دون معدّات خاصة، عثر الناجيان روبيرتو كانيسا وناندو بارادو على الخلاص. حدث ذلك بعد أن كان قد انقضى أكثر من شهرَين على الكارثة الجويّة، وبعد أن كان قد قضى 29 من ركّابها.

رحلة البحث عن الخلاص التي استمرت 10 أيام (نتفليكس)

ليست المرة الأولى التي تتحوّل فيها كارثة طائرة جبال الأنديز إلى فيلم، إلا أن بايونا وفريقه أنجزوا المهمة باحتراف وإتقان وحرصٍ بالغ على التفاصيل؛ من التصوير، إلى الموسيقى، مروراً بالمؤثرات البصرية، وأداء الممثلين الذين أمضوا شهرَين وهم يتدرّبون، كما أنهم التقوا بالناجين الحقيقيين.

كل هذا المجهود والشغف كوفئ بـ4 ترشيحاتٍ إلى جوائز الأوسكار عن فئات: أفضل فيلم بلغة أجنبية، أفضل مؤثرات بصرية، أفضل مكياج وتصفيف شعر، وأفضل موسيقى تصويرية.


مقالات ذات صلة

6 أوسكارات لـ«معركة بعد أخرى»

يوميات الشرق بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)

6 أوسكارات لـ«معركة بعد أخرى»

لم تكن هناك مفاجآت كبيرة ليلة الأحد عندما أُعلن عن الفائزين بجوائز «الأوسكار» في الحفل الـ98، فمعظم الأفلام التي كان متوقعاً فوزها في وسائل التواصل والصحف فازت

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق صوَّرت المخرجة الإسبانية فيلمها في لبنان (الشركة المنتجة)

إرينه بارتولوميه: انفجار مرفأ بيروت دفعني لصناعة «حلم صيف آخر»

قالت المخرجة الإسبانية إرينه بارتولوميه إن فيلمها «حلم صيف آخر» جاء نتيجة تجربة شخصية عميقة عاشتها أثناء إقامتها في بيروت، متحدثة عن علاقتها بالمدينة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المخرج والمنتج السينمائي الأميركي رايان كوغلر (أ.ف.ب)

«معركة بعد أخرى» يحصد ستة أوسكارات

معظم الأفلام التي كان متوقعاً فوزها في وسائل التواصل والصحف فازت بالفعل، وكذلك معظم المرشحين من المخرجين والممثلين وأبناء المهن المختلفة.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق الملصفق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

بيتر يان دي بوي: «ماريينكا» يعالج تأثير حرب أوكرانيا في مصائر الناس

أراد المخرج البلجيكي بيتر يان دي بوي أن يروي الحرب من خلال حياة الناس لا عبر الأخبار العسكرية أو السياسية.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق  سينما «ذا كاسل» في شرق لندن. (سينما ذا كاسل)

سينما لندن واحدة «من أعظم الدور في العالم»

قد تبدو السينما للبعض وكأنها أثر من الماضي - لحظة من زمن ما قبل أن تُتاح الأفلام بضغطة زر في المنزل.

«الشرق الأوسط» (لندن)

6 أوسكارات لـ«معركة بعد أخرى»

بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)
بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)
TT

6 أوسكارات لـ«معركة بعد أخرى»

بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)
بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)

لم تكن هناك مفاجآت كبيرة ليلة الأحد عندما أُعلن عن الفائزين بجوائز «الأوسكار» في الحفل الـ98، فمعظم الأفلام التي كان متوقعاً فوزها في وسائل التواصل والصحف فازت بالفعل، وحصد «معركة بعد أخرى» 6 جوائز، أهمها جائزتا أفضل فيلم وأفضل مخرج لبول توماس أندرسن.

ودخلت السياسة بقوة على الخط نظراً لتزامن الحفل مع أصوات المعارك الضارية في المنطقة العربية.

وقال يواكيم تراير، مخرج «قيمة عاطفية» الذي فاز بأوسكار أفضل فيلم أجنبي، وهو يتسلم جائزته: «لدي ولدان، وعندما أشاهد ما يحدث لأطفال غزة وأوكرانيا والسودان أبكي أنا وزوجتي».

وقبله وقف الممثل الإسباني خافيير باردِم (الذي قدّم الجائزة لتراير) ليقول: «لا للحرب، وفلسطين حرّة». (تفاصيل ص 22)


«صوت هند رجب»... لماذا خسر التتويج بـ«الأوسكار»؟

لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
TT

«صوت هند رجب»... لماذا خسر التتويج بـ«الأوسكار»؟

لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)

بعد الإعلان عن جوائز «الأوسكار»، الأحد، وفوز الفيلم النرويجي الاجتماعي الكوميدي «قيمة عاطفية» بجائزة أفضل فيلم أجنبي، وخسارة الفيلم التونسي «صوت هند رجب» المنافسة، بوصفه الفيلم العربي الوحيد الذي خاض تصفيات أشهر مسابقة عالمياً، ظهرت تساؤلات عن سبب خسارة الفيلم الذي يتناول واقعة حقيقية خلال «حرب غزة» تمثل مأساة إنسانية، ما بين من اعتبروا الجائزة قد تحمل أبعاداً سياسية، خصوصاً مع رفض مخرجة الفيلم تسلم جائزة سابقاً في مهرجان برلين احتجاجاً على تكريم جنرال إسرائيلي، وبين من رأوا الجائزة تحتكم للمعايير الفنية.

ودعم هذه التساؤلات تعليقات «سوشيالية» حول عدم فوز الفيلم التونسي، خصوصاً مع إعلان كوثر بن هنية في لقاء متلفز خلال حفل «الأوسكار» أن بطل فيلمها الفلسطيني لم يتمكن من الحضور بسبب قرار الرئيس ترمب منع منح تأشيرات للفلسطينيين.

وتناول فيلم «صوت هند رجب» محاولة إنقاذ الطفلة الفلسطينية هند رجب التي تبلغ من العمر 6 سنوات، وظلت لفترة عالقة داخل سيارة بها جثث أهلها الذين قتلتهم القوات الإسرائيلية، وقضت الطفلة خلال أحداث الحرب على غزة عام 2024. والفيلم يمزج بين الوثائقي والدرامي عبر التسجيلات الحقيقية لصوت هند رجب وهي تتحدث إلى مسؤولي الإسعاف الفلسطينيين الذين يحاولون إنقاذها. وشارك في بطولة الفيلم سجى كيلاني، ومعتز ملحيس، وعامر حليحل، وكلارا خوري. وشارك الفيلم في العديد من المهرجانات الدولية، وحاز العديد من الجوائز والإشادات النقدية، بل رفضت مخرجته كوثر بن هنية جائزة «السينما من أجل السلام» في مهرجان برلين احتجاجاً على تكريم جنرال إسرائيلي سابق صوّر الحرب على غزة باعتبارها دفاعاً عن النفس.

جانب من حفل جوائز «الأوسكار» (أ.ب)

واستبعد الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، أن يكون عدم فوز «صوت هند رجب» بـ«الأوسكار» لأسباب سياسية، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «حفل (الأوسكار) نفسه شهد العديد من مظاهر التضامن مع القضية الفلسطينية، فهناك أكثر من فنان عبروا عن ذلك بشكل معلن، ولكن المعيار هنا فني بالدرجة الأولى».

وتابع الشناوي: «أرى أن (قيمة عاطفية) فيلم جدير بالجائزة، وهذا لا يعني الطعن أو التقليل من فيلم (صوت هند رجب)؛ فقد حصل هذا الفيلم على (الأسد الفضي) في (فينيسيا) في يوليو (تموز) الماضي، وقوبل بحفاوة كبيرة، وحصد جوائز عديدة من المهرجانات، ووصل إلى قائمة الأفلام الخمسة المرشحة لـ(أوسكار)، وكان من بين هذه الأفلام أيضاً الفيلم الإيراني (حادث بسيط)، ولو كان هناك تدخل للسياسة في الجائزة لكان من (الأبدى) حصول الفيلم الإيراني على الجائزة».

ووصف الشناوي الفيلم النرويجي «قيمة عاطفية» بأنه «يستحق الجائزة فنياً»، مستبعداً ربط القيمة الفنية بمفردات اللحظة الراهنة، وقال: «إذا اعتبرنا فيلم (صوت هند رجب)، أو أي فيلم آخر، خسر لأسباب سياسية، فهذا يضعنا في ورطة، وهي أنه يمكن الادعاء بفوز أي فيلم آخر لنا يكون لأسباب سياسية أيضاً، وهذا أمر أستبعده وأرفضه من حسابات صناعة السينما»، مؤكداً جدارة الفيلم النرويجي دون التقليل أبداً من قيمة الفيلم التونسي الذي حظي بحفاوة كبيرة يستحقها.

وكانت منافسات «الأوسكار» هذا العام في الدورة 98 شهدت حضور 4 أفلام عربية في القائمة الأولية هي أفلام: «اللي باقي منك» للمخرجة الأميركية - الأردنية من أصل فلسطيني شيرين دعيبس، و«فلسطين 36» للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، و«كعكة الرئيس» للمخرج العراقي حسن هادي،

وفيلم «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، وهو الوحيد الذي نجح في التأهل للقائمة النهائية في المنافسات.

وهي المرة الثالثة التي يشارك فيها عمل من إخراج كوثر بن هنية في منافسات الفيلم الأجنبي على «الأوسكار» بعد فيلمَي «الرجل الذي باع ظهره» و«بنات ألفة».


نزيه يوسف: أُغرمت بنص كارين رزق الله منذ اللحظة الأولى

في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)
في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)
TT

نزيه يوسف: أُغرمت بنص كارين رزق الله منذ اللحظة الأولى

في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)
في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)

تشكل إطلالة الممثل نزيه يوسف بشخصية «عمر» في مسلسل «المحافظة 15» عودة لافتة إلى الساحة الفنية بعد فترة غياب. وقد أتاح له العمل مساحة درامية أوسع مما حظي به في أعماله السابقة. ومن خلال شخصية متعددة الاتجاهات، كما يصفها لـ«الشرق الأوسط»، نجح في إقناع المشاهد وأثبت قدرته على أداء الأدوار الجادة والملتزمة. ورغم اشتهاره بتقديم الأدوار الكوميدية ومشاركته في أعمال درامية ومسرحية عدة، فإن تلك التجارب لم تمنحه الفرص التي تبرز كامل قدراته.

يقدّم يوسف دوره بمرونة وعفوية، مستفيداً من حرفيته لإقناع المشاهد بوفائه المتفاني لمديرته النائبة «منية» (كارين رزق الله). وقد أثار هذا الارتباط تساؤلات كثيرة لدى الجمهور في طبيعة علاقته بها، خصوصاً مع تطور الأحداث واقتراب العمل من حلقاته الأخيرة، حيث يُتوقع أن تنكشف حقيقة الشخصية ويسقط القناع عن وجهها البريء.

عن مشاركته في «المحافظة 15»، يؤكد أنه وافق سريعاً على الدور فور تلقيه اتصالاً من المخرج مكرم الريس. ويقول: «عندما تواصل معي مكتب المنتج مروان حداد وشرحوا لي تفاصيل العمل، لم أتردد لحظة. أعتقد أن هذا الاتفاق كان الأسرع في مسيرتي التمثيلية. فمجرد أن عرفت أن النص من كتابة كارين رزق الله والإخراج لسمير حبشي، أدركت أن العرض لا يمكن تفويته».

في كواليس تصوير «المحافظة 15» (نزيه يوسف)

ويشير إلى أنه عادةً ما يتأنى في دراسة العروض التي تُقدم له، فيدقق في تفاصيل الدور والأجر وطبيعة العمل قبل اتخاذ قراره. إلا أن الأمر كان مختلفاً هذه المرة، إذ لم يشغل نفسه بكل تلك التفاصيل، ويقول إن قراءته للنص جعلته يتعلق به سريعاً، مؤكداً أن حدسه في الموافقة السريعة كان في مكانه.

وعن عودة الثنائية بين بطلي العمل يورغو شلهوب وكارين رزق الله، يعلّق قائلاً: «قبل الحديث عن هذه الثنائية الناجحة، لا بد من الإشادة بأجواء العمل ككل. فقد كان الفريق متجانساً ويسعى إلى إنجاح المسلسل بكل ما يملك. كنا أشبه بعائلة صغيرة تجمعها غاية واحدة، وهو ما انعكس إيجاباً على العمل».

ويضيف: «أما ثنائية يورغو وكارين فهي حكاية بحد ذاتها. كان الجمهور ينتظر عودتهما بفارغ الصبر. يورغو يتمتع بسحر خاص في الأداء يجعل المشاهد أسيراً لجاذبيته، فيما تقدم كارين أداءً صادقاً ومحترفاً، ما يصنع بينهما تناغماً واضحاً يحفّز المشاهد على متابعتهما دون ملل».

وقد أتاحت شخصية «عمر» لنزيه يوسف إبراز جانب مهم من موهبته التمثيلية، إذ لا يزال يحتفظ بطاقة فنية وشغف واضحين، ويأمل أن تفتح له هذه المشاركة أبواباً جديدة لإظهار قدراته على نطاق أوسع.

نزيه يوسف خريج معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، وشارك في أعمال تلفزيونية بارزة لا تزال حاضرة في ذاكرة المشاهد اللبناني، من بينها «مرتي وأنا»، و«عيلة ع فرد ميلة»، إضافة إلى «أماليا»، و«جوليا»، و«الكاتب». كما يمتلك تجربة سينمائية مهمة بعد مشاركته في عدد من الأفلام اللبنانية مثل «رصاصة طايشة»، و«مدام بامبينو»، و«حبّة لولو»، و«عطلة نهاية الأسبوع». أما على المسرح فقد شارك في أعمال يعتز بها، منها «آخر أيام سقراط»، و«أبو الطيب المتنبي» مع الرحابنة.

ويصف يوسف قصة العمل بأنها جديدة، عولجت بأسلوب ذكي رغم صعوبتها، إذ تتخللها محاذير حساسة.

وعن اعتباره الدور فرصة طال انتظارها، يقول: «لا شك أن مساحة الدور وطبيعته تختلفان عما قدمته سابقاً. فالشخصية تحتمل تأويلات متعددة وتفتح المجال أمام مفترقات درامية عدة، لأنها غنية بطبقاتها. والأهم أنها شخصية محورية في بناء العمل وحبكته».

مع كارين رزق الله وتربطه بها علاقة مهنية طويلة (نزيه يوسف)

ويضيف: «المسلسل يطرح أبعاداً اجتماعية ووطنية، ويسعى إلى إبراز العلاقة بين الشعبين السوري واللبناني بالصورة التي طالما تمنيناها. كانت تجربة مميزة وتستحق الجهد الذي بذلناه كفريق عمل».

ولا يرى يوسف أن ما كتبته كارين رزق الله مجرد قصة جريئة، بل يراها معالجة دقيقة لموضوع حساس، ويوضح: «استوحت كارين الحكاية من حادثة حقيقية في عائلتها، إذ اختفى ابن خالتها قبل 28 عاماً أثناء رحلة غطس في البحر. ومن هذه الحادثة بنت المسلسل وأضافت إليها أبعاداً درامية أخرى».

ويتابع: «حرصت المؤلفة أيضاً على إدخال تفاصيل إنسانية صغيرة لكنها مؤثرة، تلامس مشاعر المشاهد. كما تطرقت إلى قضايا عدة، منها الأزمة الاقتصادية في لبنان، والحرب، وإسقاط النظام السوري، إضافة إلى موضوعات اجتماعية مثل الوحدة وأحلام الشباب وتأثير أخطاء الأهل في الأبناء، ما جعل الحبكة متماسكة وغنية».

وقد لاقت شخصية «عمر» ترحيباً لدى الجمهور، الذي تأثر بوفائه وصدقه تجاه شخصية «منية». وعن تحضيره للدور يقول: «شعرت في البداية بالخوف من حجم المسؤولية، فالشخصية تتولى منصباً سياسياً حساساً يتطلب دقة في الأداء. وبما أن الكوميديا طبعت جزءاً كبيراً من مسيرتي، كنت حريصاً على ألا ينعكس ذلك على الشخصية. حتى إن المخرج كان متخوفاً من هذا الأمر».

ويضيف: «لذلك حضّرت للدور بجدية كبيرة، وكنت ألتزم بالنصيحة التي كررها المخرج لي دائماً: تذكّر أنك تؤدي شخصية جدية. وكنت أكرر لنفسي دائماً: أنا عمر».

ويتوقع كثير من المشاهدين أن يحمل المسلسل نهاية تراجيدية، وفق مسار الأحداث وتطوراتها.

ويختم نزيه يوسف قائلاً: «لا أستطيع الكشف عما ستؤول إليه النهاية. لكن أحياناً تحمل الأحداث التراجيدية جوانب إيجابية. لذلك أدعو الجمهور إلى متابعة العمل حتى النهاية لاكتشاف المفاجأة المنتظرة».

Your Premium trial has ended