«مجتمع الثلج»... مشاهَدة شاقّة وشاهقة

الفيلم الإسباني يستعيد كارثة طائرة جبال الأنديز ويترشح إلى الأوسكار

فيلم الإسباني خوان أنطونيو بايونا يعيد إحياء قصة الطائرة التي تحطمت في جبال الأنديز عام 1972 (نتفليكس)
فيلم الإسباني خوان أنطونيو بايونا يعيد إحياء قصة الطائرة التي تحطمت في جبال الأنديز عام 1972 (نتفليكس)
TT

«مجتمع الثلج»... مشاهَدة شاقّة وشاهقة

فيلم الإسباني خوان أنطونيو بايونا يعيد إحياء قصة الطائرة التي تحطمت في جبال الأنديز عام 1972 (نتفليكس)
فيلم الإسباني خوان أنطونيو بايونا يعيد إحياء قصة الطائرة التي تحطمت في جبال الأنديز عام 1972 (نتفليكس)

يمتدّ حبل القصة في «Society of the Snow» (مجتمع الثلج) من أقصى الكارثة إلى أقصى الأعجوبة، مروراً بقضيّة أخلاقيّة مثيرة عنوانها: أكل لحوم البشر.

الفيلم الذي بدأت منصة «نتفليكس» عرضه بعد إطلاقه في دور السينما العالمية، يصوّر قصةً واقعية، فيعود إلى جبال الأنديز في أميركا الجنوبية، وتحديداً إلى الجمعة 13 أكتوبر (تشرين الأول) 1972، يوم تحطّمت طائرة على متنها 45 راكباً كان من المفترض أن ينتقلوا من الأوروغواي إلى تشيلي.

اصطدمت الطائرة بإحدى القمم الثلجية الشاهقة قبل الهبوط في العاصمة التشيلية سانتياغو بنصف ساعة، وذلك بفعل خطأ ارتكبه مساعد الطيّار. أدّى الأمر إلى مقتل عدد من الركّاب على الفور، فيما بقي القسم الأكبر منهم على قيد الحياة، بعد أن حماهم الجزء المتوسط من الطائرة والذي لم يُصب بأذى.

يستقي المخرج الإسباني خوان أنطونيو بايونا من القصة الحقيقية ومن شهادات الناجين، ليصنع فيلمه. بواقعيةٍ فاقعة ينقل الفاجعة، ويقتبس للغاية من كتاب الصحافي الأوروغوياني بابلو فييرشي، والذي يحمل العنوان نفسه. يستعين بايونا بممثلين صاعدين، ويصرّ على أن ينطق فيلمه بلغة الحكاية الأصليّة، أي الإسبانيّة.

في موقع الكارثة، يمتزج جسم الطائرة الأبيض بمشهد الثلج اللامتناهي، ما يعوق عمليات البحث ويدفع بالفِرَق الطيّارة للعودة أدراجها بعد 8 أيامٍ من التفتيش، تاركةً الركّاب الناجين لمصيرهم المُرعب، على ارتفاع 3500 متر ووسط حرارة تتدنّى إلى 35 درجة تحت الصفر.

تنوّعت مواقع التصوير بين جبال سييرا نيفادا الإسبانية ومونتي فيديو في الأوروغواي وجبال الأنديز بين تشيلي والأرجنتين (نتفليكس)

لا شيء سوى الثلج حولهم، وبقايا أمتعة فيها من المكسّرات والشوكولا والحلويات ما يكفي أسبوعاً للناجين الـ28. بعد مرور 6 أيام ونفاد الطعام، ووسط طبيعة لا نبتة تُقطف فيها ولا يوجد حيوان يُصطاد، يحاول الركّاب أن يقتاتوا من أربطة أحذيتهم وأعقاب السجائر وأقمشة مقاعد الطائرة. يبدو الأمر مستحيلاً بالنسبة إليهم، هم الذين يحتاجون إلى طاقةٍ تقيهم البرد القارس وتمنحهم أياماً إضافية وقوةً في حال كُتبت لهم العودة إلى ديارهم.

حولهم كذلك جثامينُ رفاق الرحلة الذين فارقوا الحياة بفعل صدمة السقوط وإصاباتهم البالغة. يقترح البعض أنّه لم يبقَ أمامهم سوى اللجوء إلى لحم أصدقائهم إذا أرادوا الاستمرار. رغم قواهم الخائرة والأجواء الجليديّة المحيطة بهم، يشتعل السجال بين معترضٍ وموافقٍ على الطرح. بين الأخلاق، والقانون، والدين، يدخل كل واحد من الناجين في صراعٍ مع نفسه ومع الآخرين حول ما هو حلال وما هو حرام.

صورة من الأرشيف للناجين الحقيقيين من حادثة الطائرة (نتفليكس)

منذ تلك اللحظة الفاصلة، تتّخذ القصة منحىً جديداً، يتأرجح بين الاستسلام الكئيب وغريزة البقاء البشرية رغم الفظائع. يتذكّر المخرج بايونا حديثاً له مع أحد الناجين حول قرار الأكل من أجساد رفاق الرحلة، حيث قال له ذلك الناجي: «في اليوم الأول الذي قمنا بذلك، كان الأمر مروّعاً. شعرنا بالتعاسة. أما في اليوم الثاني فوقفنا في الصف، منتظرين حصّتنا من الطعام...»...

لاحقاً، صار الأمر روتينياً إلى درجة أنّ كل واحد من الركّاب كان يشعر بأنه شارف على الموت، يسمح سلفاً لرفاقه بأن يتصرفوا بجثّته.

صحيح أن هذا الموضوع يأخذ حيّزاً كبيراً من الفيلم، لكن يُحسب للمخرج وفريقه أنهم لم يستثمروا بصرياً فيه، ولم يوظّفوا مشاهد نافرة مرتبطة به، بل اكتفوا بالحدّ الأدنى منه. ثمّ إنّ هذا ما حصل فعلاً خلال تلك الفاجعة الجويّة، وبايونا كان حريصاً على نقل الواقع بصِدق.

المخرج الإسباني خوان أنطونيو بايونا في موقع التصوير (نتفليكس)

لا بدّ من الإقرار بأنّ مشاهَدة «Society of the Snow» مهمّة شاقّة، وقد يصعب على أصحاب القلوب الضعيفة أن يكملوا الفيلم بساعتَيه الطويلتَين. تبدو المتابعة صعبة ومتعبة، ليس بسبب جزئيّة أكل لحوم البشر فحسب، بل لفرط قسوة الظروف التي يمرّ بها ناجو جبال الأنديز. في الشكل يبدو الأمر كمغامرة حياة أو موت وسط طبيعة موحشة، لكن في المضمون هي دراما نفسيّة عن أقسى التحديات التي قد تمرّ بها نفسٌ بشريّة؛ من اليأس، إلى الانهزام، والتضحية، والوقوف وجهاً لوجه مع الموت.

تلاحقهم العواصف والانهيارات الثلجيّة فتحصد مزيداً منهم. لكن رغم كل قسوة الدنيا التي تجتمع في الرقعة حيث سقطوا، هم لا يتجردون من عواطفهم بل تجمعهم لحظاتٌ على درجة عالية من الإنسانية، لا يخلو بعضها من الضحك والشِعر والمزاح والتقاط الصور... للذكرى.

تخطّت كلفة إنتاج الفيلم 70 مليون دولار وجرى اختيار معظم الممثلين من الجيل الجديد (نتفليكس)

معظم مَن نجَوا من كارثة الرحلة 571 المتّجهة من مونتي فيديو إلى سانتياغو، هم أعضاء فريق أوروغوياني لكرة القدم الأميركية (الرغبي)، وعلى الأرجح فإنّ روح الفريق التي تجمعهم، إضافةً إلى قدراتهم البدنيّة، لعبت دوراً أساسياً في بقائهم على قيد الحياة.

هذه القوّة الخارقة هي التي دفعت بهم مراتٍ عدّة إلى تحدّي الثلوج والطبيعة الوعرة من أجل إيجاد مخرج، وقد نجحوا في ذلك. تنكسر رتابة المأساة عندما يأخذ اثنان من «مجتمع الثلج» على عاتقهما الانطلاق في رحلة نزولاً باتّجاه تشيلي بحثاً عن النجاة. وبعد 10 أيام تسلّقا خلالها الجبال المثلجة الشاهقة وتزحلقوا في وديان سحيقة من دون معدّات خاصة، عثر الناجيان روبيرتو كانيسا وناندو بارادو على الخلاص. حدث ذلك بعد أن كان قد انقضى أكثر من شهرَين على الكارثة الجويّة، وبعد أن كان قد قضى 29 من ركّابها.

رحلة البحث عن الخلاص التي استمرت 10 أيام (نتفليكس)

ليست المرة الأولى التي تتحوّل فيها كارثة طائرة جبال الأنديز إلى فيلم، إلا أن بايونا وفريقه أنجزوا المهمة باحتراف وإتقان وحرصٍ بالغ على التفاصيل؛ من التصوير، إلى الموسيقى، مروراً بالمؤثرات البصرية، وأداء الممثلين الذين أمضوا شهرَين وهم يتدرّبون، كما أنهم التقوا بالناجين الحقيقيين.

كل هذا المجهود والشغف كوفئ بـ4 ترشيحاتٍ إلى جوائز الأوسكار عن فئات: أفضل فيلم بلغة أجنبية، أفضل مؤثرات بصرية، أفضل مكياج وتصفيف شعر، وأفضل موسيقى تصويرية.


مقالات ذات صلة

«خروج آمن» ينكأ جراح الطفولة والاضطهاد الديني

يوميات الشرق لقطة من فيلم «خروج آمن» تجمع بين بطليه (الشركة المنتجة)

«خروج آمن» ينكأ جراح الطفولة والاضطهاد الديني

يستعيد الفيلم المصري «خروج آمن» جراح الطفولة، ومخاوف الاضطهاد الديني.

انتصار دردير (الجونة (مصر))
يوميات الشرق جمع الفيلم بين الأرشيف واللقطات الجديدة (الشركة المنتجة)

بارني ريفيل: وثّقت «صداقة العمر» بين عَالِمة سويسرية وعائلة دلافين

قال المخرج البريطاني بارني ريفيل إن أكثر من ربع قرن أمضاها في صناعة أفلام الطبيعة لم تجعله يتوقع ما رآه في البحر الأحمر.

أحمد عدلي (الجونة (مصر))
يوميات الشرق يشهد المؤتمر مشاركة نخبة من النقاد والباحثين وصنّاع الأفلام والمهتمين بالسينما (واس)

مؤتمر دولي يناقش دور النقد في قراءة الأعمال السينمائية

يناقش «مؤتمر النقد السينمائي الدولي 4» يومي 5 و6 نوفمبر (تشرين الأول) دور النقد في قراءة الأعمال السينمائية، واستكشاف أبعاده الفنية والثقافية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق 12 فيلماً مدعوماً من مؤسسة البحر الأحمر السينمائي دخل سباق جوائز الأوسكار لأفضل فيلم دولي (واس)

«البحر الأحمر السينمائي» تسجل حضوراً قياسياً في سباق الأوسكار

سجّلت «مؤسسة البحر الأحمر السينمائي» حضوراً قياسياً في سباق جوائز الأوسكار بمشاركة 12 فيلماً مدعوماً في التنافس على جائزة أفضل فيلم دولي في الدورة الـ99.

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق الفيلم العراقي عُرض ضمن مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)

هلكوت مصطفى: «لن تدخل الجنة إذا قتلتك امرأة» يبرز شجاعة الكُرديات

قال المخرج العراقي النرويجي هلكوت مصطفى إن تصوير فيلمه «لن تدخل الجنة إذا قتلتك امرأة» في المُوصل ارتبط بعلاقته الشخصية مع المدينة.

أحمد عدلي (الجونة (مصر))

انتهى الأمر... علامات تدل على فتور العلاقة الرومانسية

الانفصال العاطفي يحدث تدريجياً قبل الوصول إلى نهاية العلاقة (بيكسباي)
الانفصال العاطفي يحدث تدريجياً قبل الوصول إلى نهاية العلاقة (بيكسباي)
TT

انتهى الأمر... علامات تدل على فتور العلاقة الرومانسية

الانفصال العاطفي يحدث تدريجياً قبل الوصول إلى نهاية العلاقة (بيكسباي)
الانفصال العاطفي يحدث تدريجياً قبل الوصول إلى نهاية العلاقة (بيكسباي)

بعد مواعدة شخص ما لفترة من الوقت، قد تصل إلى نقطة تشعر فيها أن الأمور مختلفة. ربما تشعر بمزيد من عدم الأمان أو القلق، أو أنك لم تعد تنظر إلى المستقبل بأي ثقة، وتعد هذه الأمور دلائل على أن العلاقة الرومانسية تقترب من نهايتها، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بأخبار الصحة النفسية والعقلية.

فما علامات فتور العلاقة الرومانسية وفقاً للأبحاث؟

اكتشاف الانفصال عن العلاقة

استكشفت دراسة أجريت عام 2025 كيفية اكتشاف الانفصال العاطفي من خلال دراسة نماذج التعلم الآلي التي تمكنت من تحديد المؤشرات السلوكية والنفسية المتعلقة بالتواصل بدقة.

ومن خلال دراسة 156 زوجاً كندياً، وجدوا أن أفضل مؤشر للانفصال العاطفي هو الانسحاب العاطفي، يليه اندثار السلوكيات الداعمة اليومية، وانخفاض الاستجابة للتواصل، وتجنب الارتباط، وتكرار الصراع.

ويشير اكتشاف الانفصال عن العلاقة العاطفية، أو ما يُعرف بـ«الانفصال النفسي والعاطفي»، إلى المرحلة التي يبدأ فيها أحد الشريكين أو كلاهما بالانسحاب تدريجياً من العلاقة قبل حدوث الانفصال الفعلي.

وغالباً ما تبدأ هذه العملية بشكل غير واعٍ، وتظهر على شكل علامات سلوكية ونفسية واضحة. ومن أبرز علامات الانفصال العاطفي: التباعد في التواصل وتناقص الحديث اليومي، البرود العاطفي وغياب مظاهر المودة، زيادة المشاحنات أو الصمت التام، قضاء وقت أطول خارج العلاقة، غياب الخطط المستقبلية.

الاعتراف بتلاشي العلاقة

الاعتراف بتلاشي العلاقة هو أحد أصعب مراحل العلاقة العاطفية. وهناك عدة علامات تدل على تلاشي العلاقة بالفعل، منها: غياب التواصل الحقيقي والتحول من الأحاديث العميقة إلى الإجابات المقتضبة والروتينية، تلاشي الشغف والاهتمام واختفاء الرغبة في قضاء الوقت معاً، انخفاض الدعم اليومي، كثرة الخلافات التافهة أو الصمت التام، وأخيراً، التخطيط للمستقبل من دون الطرف الآخر.

ووفق «سيكولوجي توادي»، فإن الانفصال يحدث تدريجياً، حيث يمكن رصد العلامات المبكرة من خلال تراجع التعبير عن التعاطف، وزيادة التجنب، وانخفاض الحضور والانخراط في العلاقة.

ويشير الموقع إلى أهمية إدراك علامات قرب انهيار العلاقة في وقت مبكر، بما يتيح الوقت الكافي لاتخاذ قرار بشأن ما إذا كانت العلاقة تستحق الإنقاذ أم لا.


نسي أسراراً حكومية في القطار ودُمرت حياته... فكيف تعافى وعاد ليُعلم الناس التخطي؟

هناك دائماً طريق للرجوع عن أكبر خطأ في حياتك (بيكسباي)
هناك دائماً طريق للرجوع عن أكبر خطأ في حياتك (بيكسباي)
TT

نسي أسراراً حكومية في القطار ودُمرت حياته... فكيف تعافى وعاد ليُعلم الناس التخطي؟

هناك دائماً طريق للرجوع عن أكبر خطأ في حياتك (بيكسباي)
هناك دائماً طريق للرجوع عن أكبر خطأ في حياتك (بيكسباي)

كانت رحلة عادية بالقطار إلى العمل عندما ارتكب الموظف الحكومي البريطاني ريتشارد جاكسون أكبر خطأ في حياته. وبحلول الوقت الذي أدرك فيه خطأه، كان الأوان قد فات. لقد نسي وثائق حكومية سرية للغاية في القطار.

وأصبح الخطأ الذي وقع في جزء من الثانية «خبراً وطنياً»، ودخلت حياة جاكسون في حالة من الاضطراب. «لقد نهشه العار والذل»، وفق ما ذكرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).

وبعد مرور ما يقرب من 20 عاماً، روى جاكسون تفاصيل هذا اليوم المشؤوم وتداعياته، وتحدث إلى إذاعة «بي بي سي 4»، مؤكداً أن ما حدث له يعد دليلاً على أنه حتى عندما ترتكب أسوأ خطأ، يمكنك إعادة بناء حياتك.

قبل أن تنهار حياته، كان جاكسون يبلغ من العمر 37 عاماً ويعيش في هامبشاير مع زوجته مادي وابنة زوجته شارلوت (15 عاماً). وكانت ابنة زوجته الأخرى بيكي (20 عاماً) في الجامعة. يقول: «كنا سعداء للغاية، لكنني كنت أركز بشدة على مسيرتي المهنية». ويضيف: «لقد وجدت نفسي أعمل لمدة 100 ساعة في الأسبوع لفترة من الوقت».

تم انتداب جاكسون من وزارة الدفاع إلى مكتب مجلس الوزراء لوظيفة في مجال الإرهاب العالمي، حيث يتعامل مع المعلومات الاستخبارية المباشرة من أهم أجهزة الأمن والاستخبارات البريطانية.

وفي أثناء مغادرته مكتبه في أحد الأيام، أخذ كومة من الأوراق التي تخصه إلى المنزل، وبعدها أدرك أن هناك «ورقتين مدفونتين داخل الحزمة حول موضوعين سريين للغاية».

اتهامات وتغريم وإفلات من السجن

وضع جاكسون الأوراق السرية للغاية في مجلد من الورق المقوى وجلس في القطار في صباح اليوم التالي وهو يفكر مراراً وتكراراً «لا تنس هذا». لكنه نزل من القطار وسار نحو المكتب، ثم أدرك أنه نسي المجلد وشعر للحظة و«كأن العالم قد توقف».

ذهب جاكسون إلى كل محطة توقف فيها القطار، وسأل عما إذا كان شخص ما قد قام بتسليم الملف. وكانت النتيجة «لا شيء». ولم ينهر ظاهرياً حتى رأى مادي. يقول: «أخبرتها أنني دمرت حياتنا. لقد احتضنتني فحسب. وأخبرتني أن الأمر سيكون على ما يرام وسنتجاوز هذا الأمر».

وفي العمل في اليوم التالي، اكتشف جاكسون أنه تم العثور على الوثائق وتم تسليمها إلى «بي بي سي». يقول إن شعوره الأول كان «الارتياح لأن الأوراق عادت إلى مكان آمن» قبل أن يدرك «أنها الآن ستصبح علنية». ويضيف: «كنت القصة الرئيسية في نشرة أخبار الساعة السادسة تلك الليلة. وقد أوقفوني عن العمل على ذمة التحقيق».

اختبأ جاكسون في المنزل ووجدته مادي جالساً يبكي. يقول: «لقد أمضيت الصباح محاولاً العثور على طريقة غير مؤلمة للموت». ويضيف: «لقد أمضينا فترة ما بعد الظهر نتحدث... وأعتقد أن هذه كانت المرة الأولى التي فكرت فيها، إذا كنت سأتجاوز هذا الأمر، فلن أستطيع القيام بذلك بمفردي».

وجد مكتب مجلس الوزراء أن ذلك كان عملاً من أعمال سوء السلوك الجسيم، وقام بخفض رتبة جاكسون ثلاث درجات. وتم اتهامه بموجب «قانون الأسرار الرسمية»، وتجنب السجن، لكن تم تغريمه.

على الورق انتهى الأمر. لكن جاكسون لم يستطع أن يهزم مشاعر الخجل والندم والمهانة بسهولة. وهو ينسب الفضل إلى العديد من الأشخاص الذين اهتموا به.

وبعد عودته إلى وزارة الدفاع، ثم انتقاله إلى وزارة الثقافة والإعلام والرياضة، ترك جاكسون العمل في الخدمة المدنية، ثم تولى بعد ذلك دوراً في إدارة فريق من المحللين الذين يبحثون في مخاطر الإرهاب العالمي، وبدأ التدريب كمدرب للحياة في أوقات فراغه، كما أنشأ شركة تدريب تساعد الأشخاص على التغلب على الضغط الناتج عن التعامل مع المواقف المؤلمة.

فكيف تغلب جاكسون على ذلك؟

يريد جاكسون أن يعرف الناس أن هناك طريقاً للرجوع عن أكبر خطأ في حياتك. ويقول: «يمكن أن تكون في مكان سيئ حقاً، لكن، لا يزال بإمكانك الوقوف، ويمكنك التغلب على ذلك، وهناك طرق لمساعدة نفسك على القيام بذلك والحصول على المساعدة».

وشارك جاكسون الخطوات التي ساعدته على تجاوز نوبة الصدمة التي تعرض لها، وهي:

أخرج أفكارك من رأسك

في مكان مظلم، يقفز عقلك من «لقد ارتكبت خطأ فادحاً» إلى «أنا شخص لا قيمة له». إن تدوين هذه الأفكار أو التحدث إلى شخص ما قد يؤدي إلى إبطاء الأمور ويمنحك فرصة لملاحظة القفزات غير المنطقية.

استمر في الأنشطة التي تستمتع بها

عندما تشعر بأنك لا تستحق، تتوقف عن فعل الأشياء التي تبهجك. اكتشف ماهية هذه الأنشطة، سواء كانت صالة الألعاب الرياضية، أو كتاباً، أو المشي لمسافات طويلة، واجعلها أجزاء غير قابلة للتفاوض في روتينك.

تذكر قيمتك ونجاحك

احتفظ بورقة تحتوي على ملاحظات عن الأشياء التي حققتها والأشياء الطيبة التي قالها الناس عنك. إنه تذكير ملموس بأنك لست ذلك الخطأ، بل أنت أكبر من ذلك بكثير.

ابحث عن صديقك الناقد

أنت بحاجة إلى شخص يكون بمثابة المشجع لك، ولكنه سيتصل بك أيضاً عندما تتخلى عن العادات الجيدة.

اكتشف ما يمكنك إصلاحه وما لا يمكنك إصلاحه

إذا تسببت في ضرر، تحمل المسؤولية. اعتذر وَأَعِد الأمور إلى نصابها الصحيح حيثما أمكنك ذلك. لكن لا تتحمل مسؤولية الأشياء التي لم يكن من حقك أن تحملها.

لا تخلط بين أسوأ لحظاتك وقصة حياتك بأكملها

أنت لست هذا الخطأ. أنت لا تزال الشخص الذي كان موجوداً قبل ذلك، ولا يزال هناك شخص بعده لم تقابله.


«الموسيقى العربية» المصري يتجاوز الأزمات و«يرد الجميل» لـهاني شاكر

أرملة هاني شاكر تتسلم تكريمه بالمهرجان (دار الأوبرا المصرية)
أرملة هاني شاكر تتسلم تكريمه بالمهرجان (دار الأوبرا المصرية)
TT

«الموسيقى العربية» المصري يتجاوز الأزمات و«يرد الجميل» لـهاني شاكر

أرملة هاني شاكر تتسلم تكريمه بالمهرجان (دار الأوبرا المصرية)
أرملة هاني شاكر تتسلم تكريمه بالمهرجان (دار الأوبرا المصرية)

أثار بكاء السيدة نهلة توفيق أرملة الفنان الراحل هاني شاكر خلال حفل افتتاح مهرجان ومؤتمر «الموسيقى العربية» الـ34، الثلاثاء، الذي احتفي باسم هاني شاكر رداً للجميل، «تعاطفاً واسعاً»، وكان لظهورها العلني عقب مرور 6 أشهر على رحليه وقْع مختلف على الحضور؛ كونها المرة الأولى التي تظهر فيها دون «شريك العمر»، بعدما كانت رفيقته الدائمة في جولاته وحفلاته، متصدرة الصفوف الأمامية لتستمع إليه وهو يغني «هو أنتِ لسه بتسألي».

وأضفى الظهور الأول لأرملة «أمير الغناء العربي» الذي اعتاد الوقوف على خشبات مسارح «الأوبرا المصرية» على الحفل شجناً عميقاً ومؤثراً بعدما وقفت مكانه لأول مرة، حيث سبقتها دموعها على استحياء؛ حرصاً على عدم إفساد أجواء الاحتفالية الأهم والأعرق بالدار.

أنوشكا في افتتاح المهرجان (دار الأوبرا المصرية)

لم تتحدث أرملة هاني شاكر باستفاضة لكنها تسلمت تكريمه، واكتفت بالشكر والثناء والإشارة لرغبته في ترك ذكرى طيبة لدى جمهوره ومحبيه، فتحولت أجواء الحفل لشعور موجع بالفقد، بعكس طبيعة حفلات هاني شاكر المليئة بالبهجة وأسلوبه الذي جسده في «علّي الضحكاية» كما اعتاد على ممازحة جمهوره حتى بات أسلوبه «ماركة مسجلة».

وبالتزامن مع إقامة أولى حفلات «الموسيقى العربية» أسدل الستار على كواليسه الشائكة بعد أن تجاوز أزماته المتتالية أخيراً، والتي شهدت جدلاً واسعاً خلال الأيام الماضية بسبب الاعتذارات والاعتراضات على ميزانية المهرجان ومواعيد الحفلات، وغيرها من الأسباب اللوجستية التي خرجت للعلن عقب انتهاء المؤتمر الصحافي الذي أقيم للإعلان عن برنامجه اعتراضاً على بعض تصريحات رئيس الأوبرا المصرية.

من حفل افتتاح مهرجان الموسيقى العربية (دار الأوبرا المصرية)

اللافت بالحفل وجود نخبة من أصوات الأوبرا المصرية الذين قدموا مجموعة من أغنيات هاني شاكر، ونالوا إعجاب الحضور، إلى جانب منشورات «سوشيالية» أشادت بأصواتهم، وهم: أشرف وليد، ومحمد طارق، وأحمد عصام، وأحمد سعيد، وياسر سعيد، ومحمد الخولي، وأحمد عفت، وأحمد صبري، وأحمد حسن، ومحمد حسن، الذين قدموا أغنيات من بينها: «الحلم الجميل»، و«لو بتحب حقيقي»، و«يا ريتني»، «نسيانك صعب أكيد»، و«أصاحب مين»، و«غلطة»، و«جرحى أنا».

وقدم محمد شاهين أغنية «يا ريتك معايا»، وغنت أنوشكا «أنا قلبي ليك»، كما تضمن برنامج الحفل تقديم نيفين رجب لأغنية جديدة بعنوان «فيه ناس بتغيب» إهداءً لاسم هاني شاكر، وبالختام غنت نادية مصطفى «مشتريكي»، «وكده برضه يا قمر» للفنان الراحل، وفي الختام الجماعي قُدمت الأغنية الوطنية «بلدي»، التي غناها شاكر عبر «ديو» جمعه بالفنان محمد ثروت الذي اعتذر عن الغناء بالمهرجان.

وفي كلمته بالافتتاح، أكد الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، والقائم بأعمال وزير الثقافة، أن المهرجان يجسد مكانة «الموسيقى العربية» في وجدان المصريين والعرب، كما حرص على تكريم نخبة من القامات بالمجال إلى جانب اسم هاني شاكر، والإعلان عن تدشين تمثال له في ساحة دار الأوبرا تكريماً وتخليداً لإبداعه.

نادية مصطفى وأنوشكا ونجوم الأوبرا خلال الافتتاح (دار الأوبرا المصرية)

وأشار الدكتور رضا الوكيل، رئيس دار الأوبرا المصرية، إلى أن المهرجان يجسد مكانة الموسيقى العربية في الوجدان، ويؤكد قدرتها على التواصل مع الأجيال، وصون الهوية والتراث، بينما أكد المايسترو محمد الموجي مدير المهرجان «أن الدورة الـ34 من (الموسيقى العربية) تواصل مسيرة الإبداع والاحتفاء بالطرب الأصيل».

من جانبه، أكد الناقد الموسيقي المصري أحمد السماحي أن «مهرجان الموسيقى العربية من أهم الفعاليات المصرية الراقية التي تقام بأروقة الأوبرا المصرية العريقة»، لافتاً إلى أن المهرجان ليس فعالية فنية لاستضافة نجوم الغناء فقط، لكنه يحمل مسؤولية الحفاظ على التراث وإتاحة الفرصة للأصوات القادرة والمميزة، وفتح المجال أمام التجارب المعاصرة التي تمتلك مشروعاً فنياً.

وأشاد السماحي، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بالأصوات الطربية المشاركة بالمهرجان من مصر والعالم العربي، مؤكداً قدرتها وتنوعها الكبير في المدارس الغنائية وأداء الأغنيات التراثية.

وتستمر ليالي «الموسيقى العربية» حتى 30 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، على مسارح الأوبرا بالقاهرة والإسكندرية، وتتضمن 24 حفلاً بمشاركة 91 فناناً، وتشمل الفعاليات ندوة ثقافية حول مسيرة هاني شاكر، بينما تمتد جلسات «المؤتمر العلمي» المصاحب لأربعة أيام بمشاركة 35 باحثاً من 15 دولة.