جينا أبو زيد لـ«الشرق الأوسط»: ما زلت أنتظر الفرص... والآتي أحلى

تتألق بدور «أمل» في مسلسل «الخائن»

تجسد جينا أبو زيد دور «أمل» في «الخائن» (جينا أبو زيد)
تجسد جينا أبو زيد دور «أمل» في «الخائن» (جينا أبو زيد)
TT

جينا أبو زيد لـ«الشرق الأوسط»: ما زلت أنتظر الفرص... والآتي أحلى

تجسد جينا أبو زيد دور «أمل» في «الخائن» (جينا أبو زيد)
تجسد جينا أبو زيد دور «أمل» في «الخائن» (جينا أبو زيد)

تجسد الممثلة جينا أبو زيد في مسلسل «الخائن» شخصية الفتاة «أمل»، فتؤدي دوراً محورياً على مدى 90 حلقة متتالية. لم يسبق لجينا أن نالت فرصة مماثلة من قبل. فأدوارها السابقة كانت تنحصر في مشاهد أقل، كما في «حادث قلب»؛ أول أعمالها الدرامية؛ ولكنها استطاعت وبعد نحو 6 سنوات من خوضها غمار التمثيل أن ترتقي بأدائها. وشكّل لها «الخائن» قفزة نوعية كانت تستحقها.

مع خالد شباط تشكل ثنائياً ناجحاً (جينا أبو زيد)

«لا أحب العمل الروتيني؛ ولا يلائم تطلعاتي. والتمثيل يدفع بصاحبه لاكتشاف طاقات متعددة الجوانب. وفي كل دور يؤديه ينتقل إلى عالم مختلف بعيداً عن أي مهنة آلية».

الممثلة جينا أبو زيد

تقول لـ«الشرق الأوسط» إنه عندما اتصلوا بها للمشاركة في هذا المسلسل فوجئت. وتابعت: «لم أتوقعه بتاتاً، سيما أني كنت منشغلة في عمل آخر. لم أستوعب بدايةً طبيعة الدور، ولكن بعدما اطلعت على تفاصيله وافقت. فإضافة لشخصية (أمل) التي ألعبها، جذبني مضمون المسلسل والأسماء الكبيرة المشاركة فيه. قلت لنفسي إنها الفرصة المنتظرة، وبالتالي التحدي المطلوب. ففي أعماقي طاقة تمثيلية كبيرة خدمني دور (أمل) في إخراج جزء منها».

منذ صغرها اتخذت جينا أبو زيد قرارها بدخول عالم التمثيل. درست الإخراج والتمثيل بعد أن شاركت في تصوير إعلانات وأفلام قصيرة. «منذ تصوير أول إعلان تجاري أدركت مدى حبي لهذا المجال، صقلته بالدراسة الجامعية، واليوم أعيش اللحظة؛ لأنه لا يزال يلزمني الجهد وتجارب أهم».

تقول إن السبب وراء دخولها هذا المجال يعود إلى عدم رتابته... «لا أحب العمل الروتيني؛ ولا يلائم تطلعاتي. والتمثيل يدفع بصاحبه لاكتشاف طاقات متعددة الجوانب. وفي كل دور يؤديه ينتقل إلى عالم مختلف بعيداً عن أي مهنة آلية».

تقول جينا إنها في حالة بحث مستمرة عن دور يحاكي طموحها... «لا أحب أن أنظر إلى الوراء وأتأسف لأمر ما. فما أقوم به أحبه من قلبي. أستمتع بكل لحظة، ويمدني بجرعات فرح لن أجدها في مهنة أخرى».

وعن شخصية «أمل» التي تجسدها في «الخائن» تقول: «لا تشبهني بتاتاً؛ لا بل حاولت أن أمدها ببعض القوة؛ لأنها ضعيفة ورقيقة في آن. لن أتصرف مثلها أبداً لو واجهت مواقفها نفسها في حياتي. ولكنني استطعت فهمها واستيعاب طريقة تفكيرها. فإذا لم يستطع الممثل تبرير أداء الشخصية التي يلعبها، فهو بالتأكيد لن يفلح في تقمصها».

«في التمثيل يجب التحضير بشكل ممتاز للدور كي تولد علاقة وطيدة بينه وبين صاحبه»... هكذا تصف جينا القاعدة الأساسية في تجسيد دور ما. وتتابع: «علي أن أدرس الشخصية بكل جوانبها وأتعرف على نقاط ضعفها وقوتها، فأتماهى معها إلى أبعد حدود ليصدقني المشاهد».

وفق جينا؛ فإن دورها ستكبر مساحته، وستشوبه طلعات ونزلات؛ توضح: «ستستغرق (أمل) في المسلسل وقتاً لتغيّر حياتها، ستمرّ بمراحل كثيرة لتصل إلى قرار نهائي يولد عندها الاستقرار الذي نتحدث عنه».

تعدّ نفسها محظوظة بفرص كثيرة (جينا أبو زيد)

لم تنزعج جينا أبو زيد من تجربتها الأولى ضمن عمل درامي طويل من نوع الـ«سوب أوبرا»... «على العكس تماماً؛ كانت الأيام تمر بسرعة هائلة، وقد يعود ذلك لحبي الكبير للدور. كما أن الأجواء العامة التي خيمت على تنفيذ المسلسل كانت رائعة». في رأيها هذا النوع من الأعمال الدرامية هو الأكثر رواجاً اليوم؛ لأنه يولد علاقة طويلة بينه وبين مشاهده... «لقد تعلمت الكثير من هذه التجربة، وأعرف تماماً أنه لا يزال تنقصني خبرة أكبر بعد. فالوصول إلى حالة من الرضا هو أمر صعب، وقد لا يساورني يوماً».

تتحدث جينا بحماس عن علاقتها بالممثلة سلافة معمار خلال هذه التجربة؛ فقد اجتمعتا معاً في كثير من المشاهد؛ تعلق: «في الحقيقة الفريق بأكمله كان متناغماً وقريباً بعضه من بعض. ولكني لم أتوقع مطلقاً أن تكون سلافة معمار متواضعة إلى هذا الحد، فقد تملكني إحساس بالرهبة عندما عرفت أني سأشاركها مشاهد كثيرة، فهي إنسانة جميلة من الخارج والداخل وتعطي من دون حدود، أما الهدوء الذي تتمتع به، فهو لافت، ولا بد من أن يتأثر به من يتعرف إليها». وماذا تعلمت منها؟ ترد: «الحرفية بالهدوء، فهو ليس مجرد تصرف تتبعه، بل أسلوب أداء في الحياة. إنها جاهزة دوماً لتقمص شخصيتها، وفي الوقت نفسه تعرف متى تفصل وتتصرف على طبيعتها. وأعتقد أن هذا الأمر رائع ولا نراه دائماً عند النجوم».

تصف سلافة معمار بالمحترفة والهادئة (جينا أبو زيد)

الكلام الجميل عن نجوم العمل ترفقه جينا أيضاً بشخصيات أخرى مثل قيس الشيخ نجيب، وتصفه بأنه من الممثلين المحترفين جداً. أما عن خالد شباط فتقول: «هو ممثل بكل ما للكلمة من معنى، وموهوب جداً، وكما في (كريستال) كذلك في (الخائن) عرف تجسيد دوره بحرفية لا مثيل لها».

تعدّ جينا أنها أنجزت الكثير في مشوارها التمثيلي على الرغم من قصره، وترى أنها كانت محظوظة لتلقفها كل تلك الفرص التي اقتنصتها... «هناك متسع من المساحات للجميع، ولا أزال أنتظر الأفضل، وأنا متأكدة من أن الآتي أحلى».

تقول جينا إنها لا تزال تقرأ وتشاهد وتتابع بعين الطالب الشغوف بدراسته... «أحب أن أسأل كثيراً، وأن أقف على كل شاردة وواردة أستفيد منها في مهنتي». وعن الشخصية الفنية التي تركت أثرها عليها، تقول: «هناك أمثلة كثيرة ولا يمكنني حصرها، ولكني معجبة بشكل كبير بالممثلة رندة كعدي وألقبها بـ(ميريل ستريب العرب)، فهي تعرف كيف تتحول من شخصية إلى أخرى بانسيابية مطلقة، ولا تزال، على الرغم من تجسيدها مئات الأدوار، تملك سحراً خاصاً على الشاشة». ومن بنات جيلها تختار الممثلة كارمن بصيبص: «تلفتني لأنها ممثلة ممتازة تتمتع بالطبيعية في أدائها، وأكن لها كل الإعجاب والاحترام».


مقالات ذات صلة

غادة عبد الرازق تنسحب من مسلسل «عاليا»... وتقاضي الشركة المنتجة

يوميات الشرق أطلقت غادة عبد الرازق مسلسل «شباب امرأة» في رمضان الماضي (الشركة المنتجة)

غادة عبد الرازق تنسحب من مسلسل «عاليا»... وتقاضي الشركة المنتجة

أعلنت الفنانة غادة عبد الرازق انسحابها من مسلسلها الرمضاني «عاليا» مع مقاضاة الشركة المنتجة، وطلب إيقاف التصاريح الخاصة بالعمل.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق من كواليس تصوير المسلسل (حساب صدقي صخر على «فيسبوك»)

«لا تُرد ولا تُستبدل»... دراما مصرية ترصد قضية التبرع بالأعضاء

يناقش المسلسل المصري «لا تُرد ولا تُستبدل» مشاكل اجتماعية عدة مرتبطة بمرض الفشل الكلوي وصعوبة العثور على متبرعين.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أقوى مسلسلات 2025... عودة الوهج إلى دراما المنصات بعد سنتَين من الرتابة

أقوى مسلسلات 2025... عودة الوهج إلى دراما المنصات بعد سنتَين من الرتابة

في 2025 استعادت منصات البثّ بعضاً من تألّقها، بفضل مسلسلات شكّلت مفاجأة للجمهور والنقّاد. اخترنا لكم 7 من بين الأفضل.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق شريف سلامة وهنادي مهنا في لقطة من مسلسل «سنجل ماذر فاذر» (إم بي سي)

«سنجل ماذر فاذر»... كوميديا عائلية عن التعايش بعد الانفصال

بعد 8 سنوات من الزواج، يقرر كل من «شريف» -الذي يقوم بدوره شريف سلامة- و«سلمى» -ريهام عبد الغفور- الانفصال، أملاً في فرصة ثانية لبدء حياة جديدة.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق طارق الأمير مع أحمد حلمي في لقطة من فيلم «عسل إسود» (يوتيوب)

طارق الأمير يرحل بعد بصمات مميزة رغم قلة الظهور

غيّب الموت الفنان المصري، طارق الأمير، الأربعاء، بعد مشوار فني قدم خلاله العديد من الأدوار اللافتة.

داليا ماهر (القاهرة )

«صوت الموسيقى» في «متروبوليس»: قراءة جديدة لفيلم يتجاوز نوستالجيا الغناء

الموسيقى تفتح شقّاً في نظام صارم (الشرق الأوسط)
الموسيقى تفتح شقّاً في نظام صارم (الشرق الأوسط)
TT

«صوت الموسيقى» في «متروبوليس»: قراءة جديدة لفيلم يتجاوز نوستالجيا الغناء

الموسيقى تفتح شقّاً في نظام صارم (الشرق الأوسط)
الموسيقى تفتح شقّاً في نظام صارم (الشرق الأوسط)

يبدو فيلم «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) عملاً غنائياً عائلياً ينتمي إلى زمن السينما الكلاسيكية الوديعة، لكن إعادة مشاهدته اليوم تكشف عن أنه أحد الأفلام القليلة التي استطاعت أن تُخفي داخل بساطتها الظاهرية قراءة دقيقة لمسائل السلطة والطاعة والاختيار الأخلاقي، من دون أن تتحوّل إلى بيان سياسي مباشر.

العمل الذي أخرجه روبرت وايز عام 1965 لا يبني قوته على الحبكة بقدر ما يبنيها على تحوّلات داخلية بطيئة، وعلى إعادة تعريف العلاقة بين النظام والإنسان. فالموسيقى، التي تبدو في الواجهة مساحة فرح وبهجة، تتحوّل تدريجياً من عنصر تسلية إلى أداة تفكيك تُستَخدم لخلخلة البُنى الصلبة التي تحكم الشخصيات، سواء داخل البيت أو خارجه. الغناء يُعيد طرح ثقل الواقع من زاوية أخرى.

يُقدّم «صوت الموسيقى» قراءة لسلطة تُمارَس باسم الانضباط وتتجسَّد على هيئة آلية حماية من الفوضى والفقدان. غير أنّ الفيلم يُظهر بهدوء محسوب كيف يمكن لهذا الانضباط أن يتحوّل إلى قناع يُخفي الخوف من المواجهة، ويُقصي العاطفة، ويُفرغ العلاقات من بُعدها الإنساني. السلطة، في هذا السياق، تُمارَس بالروتين، وبالقواعد، وبإلغاء الصوت الفردي تحت ذريعة الاستقرار.

الأغنيات التي بدت بريئة تُسمع اليوم بوعي مختلف (الشرق الأوسط)

الموسيقى لغة بديلة تُعيد تعريف هذا الانضباط. حين يغنّي الأطفال، يستعيدون علاقتهم بأنفسهم وبالعالم من حولهم. وحين يُستعاد الغناء داخل البيت، يُعاد توزيع الأدوار داخل البنية العائلية ليؤكّد الفيلم أنّ النظام الذي لا يتّسع للفرح محكوم بالتحوّل إلى قمع، حتى لو بدأ بحُسن نيّة.

هذه الثنائية بين الانضباط والموسيقى لا تبقى محصورة في الفضاء العائلي، فتمتدّ إلى السياق السياسي الذي يحيط بالشخصيات. صعود النازية في الخلفية اختبار أخلاقي يتقاطع مع ما جرى داخل البيت. يربط الفيلم بين التربية المنزلية والطاعة السياسية من دون أن يُعلن ذلك صراحة. فالشخص الذي تعلّم أن يقول «نعم» بلا نقاش داخل الجدران الأربعة، سيُطلَب منه لاحقاً أن يقولها في الفضاء العام. يُظهر «صوت الموسيقى»، عبر مسار شخصياته، أنّ التمرّد الحقيقي هو الذي يبدأ بإعادة النظر في معنى الطاعة نفسها.

الطاعة تختبر نفسها أمام الاختيار (الشرق الأوسط)

ينجح روبرت وايز في موازنة هذا الثقل الفكري من دون التضحية بجاذبية العمل. اختياره للفضاءات المفتوحة، والطبيعة التي تتّسع كلّما ضاق العالم الداخلي للشخصيات، جمالي ودلالي. فيُرافق الانغلاق لحظات القمع والامتثال، وتتمدَّد الجبال والحقول والسماء في الكادر كلّما خفَّ ضغط النظام والخوف.

أداء جولي أندروز محوري في المعادلة. حضورها يقوم على مزيج من الثقة والوعي، من دون فرض نموذج بديل بالقوة. يكفيها أن تقترح إمكانية أخرى للعيش. في المقابل، يمنح كريستوفر بلامر الشخصية المقابلة عمقاً إنسانياً يُجنّبها التحوّل إلى رمز جاهز للسلطة. التحوّل الذي يمرّ به لا يحدث دفعة واحدة. إنه نتيجة تراكم إدراك بطيء بأنّ النظام حين يُستخدم للهروب من الألم قد يتحوّل إلى مصدر ألم جديد. أما الأطفال، فهم قوة درامية حقيقية، يحافظ أداؤهم على توازن نادر بين العفوية والانضباط، ويُسهم في ترسيخ صدقية العالم الذي يبنيه الفيلم.

فيلم عن النظام حين يضيق وعن الإنسان الباحث عن مساحة في هذا الضيق (الشرق الأوسط)

قد يُنتقد «صوت الموسيقى» اليوم بسبب نبرته المتفائلة، أو ميله إلى تسوية بعض التناقضات لمصلحة نهاية أكثر إشراقاً. وإنما هذه الملاحظة لا تُقلّل قيمته ولا تُخرجه من سياقه القائم على الإيمان بإمكانية القرار الأخلاقي، حتى في لحظات الضغط الجماعي وفي مجتمعات تُطالَب بالطاعة باسم الاستقرار.

وبعرضه على شاشة سينما «متروبوليس»، بدا الفيلم جزءاً من دور أوسع تؤدّيه هذه الصالة في المشهد الثقافي البيروتي. فقد جمعت، على مدى أمسيتَيْن وفي صالتَيها، أجيالاً مختلفة في التجربة السينمائية نفسها. حضور أطفال في الصالة كان دلالة على معنى العرض ذاته. فالفيلم الذي وُلد قبل عقود عاد ليُشاهَد بعيون جديدة، تُقبِل عليه بوصفه اكتشافاً أولياً قبل أن يتحوّل إلى «ذاكرة». هنا تتجلّى وظيفة «متروبوليس» بعدم الاكتفاء بحفظ التراث السينمائي. إنها تُعيد إدخاله في دورة الحياة، حيث يصبح الفيلم مناسبة مشتركة، لا حكراً على جمهور النوستالجيا.

حين يُسمح للصوت أن يعلو... يتغيّر كلّ شيء بهدوء (الشرق الأوسط)

وفي الوقت نفسه، حرّك العرض ذكريات أجيال تربَّت على أغنيات الفيلم وحفظتها قبل أن تفهم سياقها. نوستالجيا تقوم على المزاج الذي تُخلّفه الموسيقى، بفرحها الهادئ ونبرتها التي تُخفّف وزن العالم من دون إنكاره. الأغنيات، التي رافقت طفولات كثيرة، عادت وقد اكتسبت طبقات جديدة من المعنى. وبين ضحكة طفل يسمعها للمرة الأولى، وذاكرة بالغ يستعيدها بعد سنوات، تشكّل في الصالة إحساس نادر بالاستمرارية، وبجمال إعادة مُشاهدة ما نعرفه بوعي مختلف.


بعد الستين تبدأ الحكاية... معرض لوجوه عاشت كثيراً

غراهام هول أحد «الأبطال غير المقدَّرين» (مجلس الفنون في جزيرة مان)
غراهام هول أحد «الأبطال غير المقدَّرين» (مجلس الفنون في جزيرة مان)
TT

بعد الستين تبدأ الحكاية... معرض لوجوه عاشت كثيراً

غراهام هول أحد «الأبطال غير المقدَّرين» (مجلس الفنون في جزيرة مان)
غراهام هول أحد «الأبطال غير المقدَّرين» (مجلس الفنون في جزيرة مان)

ضُمّت صورة لفنان من جزيرة مان، كان قد أبدع هدية تتويج للملك، إلى معرض مُقام للاحتفاء بكبار السنّ ممن تتجاوز أعمارهم الستين على الجزيرة. وتضمّنت أعمال المعرض -الذي يحمل اسم «60 وجهاً لأشخاص تتجاوز أعمارهم الستين»، ويُقام في قرية لاكسي- صورة شخصية لغراهام هول، وهو أيضاً مؤسِّس جمعية «مانكس باسكينغ شارك ووتش» الخيرية.

وفي هذا السياق، نقلت «بي بي سي» عن ديبرا تريسي، التي نظّمت المعرض، قولها بهدف الإضاءة على قصص الأشخاص، إنّ هول «شخص شهير ومحبوب جداً» على الجزيرة، وكذلك «متواضع جداً». وكان هول، وهو في الأصل من مقاطعة نورثمبرلاند، قد انتقل إلى الجزيرة عام 2000، وبعد 4 سنوات أسَّس جمعية «مانكس باسكينغ شارك ووتش» مع زوجته جاكي للمساعدة في حماية القرش المتشمّس. وأثمر ذلك وضع برنامج تعقُّب واسع النطاق، وهو عمل زاد من فهم الباحثين لأسماك القرش المتشمّس.

وعام 2022 تقاعد وزوجته، وتتولّى مؤسسة «مانكس ويل آند دولفين ووتش» حالياً تسجيل المشاهدات العامة. وعام 2023 طُلب من هول، الذي يدير حالياً ورشة أعمال خشبية، صنع إناء خشبي لإهدائه إلى الملك تشارلز هديةَ تتويج من الجزيرة. وكان الإناء المُصنّع يدوياً مرصّعاً بصقور الشاهين المُصنّعة من الفضة المُعاد تدويرها، والتي أنجزتها كلير بالتعاون مع سكوت بيرس، في إشارة إلى تقليد لأهل جزيرة مان، يتضمَّن إهداء صقور الشاهين إلى الملك الإنجليزي الجديد خلال حفل تتويجه. وقال هول إن صناعة الإناء كانت شرفاً له، مشيراً إلى أنّ إنجازه «قد تطلّب جهداً كبيراً».

البورتريه شهادة على حياة كاملة (مجلس الفنون في جزيرة مان)

كذلك كان هول عضواً مؤسِّساً ورئيساً لمؤسسة «مين إن شيدز»، التي تعمل على جمع الرجال معاً للتغلُّب على الوحدة. وقال: «من الأمور التي تلاحظها عندما تتقدَّم في العمر هو قدرتك على أن تصبح غير مرئي سريعاً، وهذه إحدى الأمور التي أحبّها في معرض ديبرا. إنه يُضيء على الأشخاص الذين أدّوا عملاً مثيراً للاهتمام».

وقالت تريسي، التي تعرف هول جيداً: «إنه رجل متواضع، ويطلب منه الناس القيام بأمور وهو ينجز ذلك بشكل مبهر». وقد استغرق العمل، المصنوع من الزجاج، نحو 3 أسابيع. وقالت إنها حاولت إظهار طيبة قلب هول، وما يتمتع به من حسّ الدعابة، في الصورة.

وكان هناك رجل آخر ظهر في المعرض، هو الجرّاح شون كريراند، الذي انتقل إلى الجزيرة قادماً من دبلن منذ نحو 40 عاماً، وعمل منذ ذلك الحين في مستشفى «نوبل». وقال إنه خلال بقائه على الجزيرة تعامل مع «أجيال من أهل جزيرة مان»، ورشّحه أحد الأطباء في مستشفى «نوبل» للمشاركة بصورته في المشروع.

وقال كريراند: «سعدت وشُرّفت باختياري، ثم قابلت الشخص الذي كان يرسمُني واندمجنا معاً، فقد كان مريضاً لديّ في الماضي». وقال إنها كانت سنة صعبة، بعدما ظلَّ في المستشفى أشهراً إثر حادث تصادم بدراجة، لكنه عاد إلى العمل تدريجياً. وقال في إطار حديثه عن العمل الفني: «شعرت بالسعادة عندما ذهبت إلى المعرض ورأيته، وأعتقد أنّ ما قام به عمل رائع حقاً».

على الجانب الآخر، قال الرسام مارتن فون إنه «شُرّف» بالمشاركة في هذا المشروع، وأشار إلى أنّ كريراند قد عمل على علاج إصاباته الرياضية خلال العقدين أو الثلاثة الماضية. وقال: «كان لديّ كثير من الأطباء الاستشاريين على مدى سنوات في مستشفى (نوبل) بسبب إصاباتي الرياضية المتعدّدة، لكن كان شون كريراند هو الأفضل، والأكثر تميّزاً. إنها شهادة تقدير واستحقاق لذلك الرجل، فهو يُجيد مهنته، ويتمتع بطبيعة لطيفة وهادئة ومريحة». وأضاف فون: «إذا كنت سترسم شخصاً، فمن الجيد أن تربطك به علاقة».


«جيم 1983»... المدينة المدمّرة في قبضة «غرندايزر» وخيالِ طفلٍ سلاحُه الألوان

فيلم «جيم 1983» الحائز على تنويه خاص من «مهرجان البحر الأحمر» (فريق الإنتاج)
فيلم «جيم 1983» الحائز على تنويه خاص من «مهرجان البحر الأحمر» (فريق الإنتاج)
TT

«جيم 1983»... المدينة المدمّرة في قبضة «غرندايزر» وخيالِ طفلٍ سلاحُه الألوان

فيلم «جيم 1983» الحائز على تنويه خاص من «مهرجان البحر الأحمر» (فريق الإنتاج)
فيلم «جيم 1983» الحائز على تنويه خاص من «مهرجان البحر الأحمر» (فريق الإنتاج)

لولا خيالُه المتّقد الذي أنزل له «غرندايزر» من الفضاء، لَما نجا «جيم» ربما من أهوال حربٍ مسحت مدينته، واقتلعت عمود بيته.

إنه عام 1983، و«جيم» ذو السنوات السبع يعدو في شوارع بيروت المشتعلة. يزرع زهرةً في فوهة بندقيّة. يعلّق أرجوحةً على قذيفة. يحوّل طفلةً بُترت ساقُها إلى راقصة باليه. يرسم طائرةً من ورق على حائطٍ مشظّى. ثم يستقلّ الصحن الطائر معايناً الدمار من فوق.

على الشاشة، يحصل ذلك في فيلم الرسوم المتحركة «جيم 1983» الحائز قبل أسابيع على تنويه خاص من لجنة تحكيم «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» عن فئة الأفلام القصيرة. أما على أرض الواقع، فقد حصل ذلك فعلاً عندما أصابت الحرب الأهلية اللبنانية عقر دار المؤلّف والرسّام جورج مكتبي فخطفت والده. «هي قصة أكثر من 150 ألف بيتٍ لبناني، وليست قصتي وحدي»، يقول كاتب الفيلم في حوار مع «الشرق الأوسط».

غفت الأحداث في ذاكرة جورج مكتبي، إلى أن أيقظتها قبل مدّة مجموعة صور التقطتها عدسة المصوّر الصحافي رمزي حيدر خلال الحرب اللبنانية. هنا طفلٌ يسند الحائط بجسده الصغير، وببندقيّة تعادلُه طولاً، وهناك فتاةٌ بُترت ساقُها فاستندت إلى عكّازَين، فيما الولد الذي إلى جانبها في الصورة يستند إلى سلاحٍ رشّاش.

كانت تلك اللقطات هي المحفّز لقلم مكتبي الأسوَد، المعتاد على رسم الخطوط المتراصّة، وتحويلها إلى بيوتٍ، وبناياتٍ، وبشَرٍ بحكاياتٍ كثيرة. أعاد رسم بعض صور حيدر، وبنى حولها قصةً مستمدّة من ذاكرته. ثم انضمّ إلى المشروع المخرج جورج أبو مهيّا الذي استكمل الحكاية رسماً، وتحريكاً، مستلهماً أسلوب مكتبي، والروح التي سكبَها في القصة. كما وضعت فرح شقير أفكارها كتابة، وتنقيحاً، وإنتاجاً، إلى جانب فريق متكامل من الفنانين، والتقنيين.

استلهمَ جورج مكتبي رسومه من مجموعة صور لرمزي حيدر التقطها خلال الحرب اللبنانية (فريق الإنتاج)

مَن يُشاهد «جيم 1983»، سيلاحظ حتماً التناغم بين القصة والصورة. لا عرضَ عضلاتٍ في الرسم هنا، ولا في المؤثّرات الخاصة، فالبساطة السرديّة والبصريّة هي المفتاح لإيصال الرسالة. يعزو مكتبي هذا الاندماج ما بين العناصر إلى تَماهي فريق العمل كاملاً مع الحكاية، «بما أننا ننتمي إلى نفس الجيل، والوطن، وقد اختبرنا الحرب ذاتها كلٌ على طريقته».

يزخر الفيلم بالرموز التي رافقت سنوات الحرب اللبنانية، وسكنت ذاكرة الأطفال في تلك الآونة، كموسيقى الخبر العاجل على الإذاعة، والتي كانت بمثابة نذير شؤمٍ ورعب، وكأغاني الإعلانات التجارية التي كانت تفصل بين خبر انفجار ونبأ اشتعال جبهة. ومع أنّ الفيلم صامت، وتقتصر المؤثرات الصوتية فيه على ضحكات الطفولة، وأنينها، وعلى دويّ أدوات الحرب، فإنّ الموسيقى جاءت لتكمّل شاعريّة الصورة، وهي من تأليف الفنان البريطاني فاذر سبتمبر، المتخصص في الموسيقى التصويرية السينمائية.

يزخر الفيلم بالرموز التي رافقت الحرب اللبنانية (فريق الإنتاج)

يبقى الرمز المحوَريّ في «جيم 1983» شخصية غرندايزر الكرتونية التي حفرت عميقاً في أذهان جيل الثمانينات. وإذا كان الأطفال حول العالم قد رأوا فيه بطلاً خارقاً مثيراً للدهشة، فإنّ أطفال لبنان في تلك الآونة حلموا بأنه المنقذ الآتي ليخلّصهم من الدمار، والبشاعة. «أنقذْنا يا غرندايزر»، شعارٌ كُتب على جدران بيروت المشظّاة في الفيلم. «حتى أمي كانت تردّد ممازحةً أمنية بأن يأتي غرندايزر ويخلّصنا من الحرب وأسيادها»، يخبر جورج مكتبي.

لكنّ الطفل أخذ الأمنية على محمل الجدّ. رسمَ بطلَ أحلامِه، وحلّق على متن صحنه الطائر، فارضاً على نفسه وعلى المدينة هدنةً من التفجيرات، والقذائف، والدماء. وفي زمنٍ كان الأطفال يلهون بالقنابل، والعبوات، والمسدّسات، كان «جيم» يحمل عبوات الألوان، ويرشّ بها الجدران شموساً، وقلوباً، ووروداً حمراء.

غرندايزر شخصية محوَريّة في الفيلم وفي خيال «جيم» (فريق الإنتاج)

عندما عُرض الفيلم في «مهرجان البحر الأحمر»، بدا التأثّر واضحاً على المشاهدين، 12 دقيقة اخترقت قلوب الحاضرين على اختلاف جنسياتهم. «ليس من الضروري أن تكون لبنانياً حتى تشعر بأنك معنيّ بالفيلم»، يوضح مكتبي. هي قصة طفلٍ حاول النجاة من الحرب بسلاح الخيال، واختراعَ عالمٍ موازٍ تزيّنه ألوان الأمل؛ وهي بذلك قصةٌ عابرةٌ للأمكنة، والأزمنة.

«لو أنّ الفن الذي يحاكي الحرب اللبنانية قال كلمته الأخيرة، لكُنّا حقّقنا الآن شفاءً جماعياً، غير أنّ ذلك لم يحصل بعد»، هذه قناعة مكتبي. هو المدرك أهمية الفنّ في علاج الندوب، لا يرى أنّ الذاكرة الجماعية قد اكتفت من المحتوى الذي يحاكي الحرب بأسلوبٍ هادف.

مؤلّف الفيلم جورج مكتبي متسلّماً الجائزة في «مهرجان البحر الأحمر السينمائي» (فريق الإنتاج)

لعلّ أكثر ما يستهلكه جورج مكتبي هي الدفاتر، والأوراق، وأقلام الحبر الأسود. يرسم على عدد الأنفاس؛ خلال اجتماعات العمل، والجلسات مع الأصدقاء، واللقاءات الصحافية. غير أنّ ذلك لا يفصله عن التقنيات الحديثة التي باتت جزءاً أساسياً في صناعة الرسوم المتحركة. «جيم 1983» المتأثّر شكلاً بثقافة «المانجا» اليابانية، هو فيلم ثنائي الأبعاد.

«من الضروري تطويع التكنولوجيا الحديثة، والذكاء الاصطناعي في خدمة السَّرد القصصي، ولإضفاء مزيد من السحر إلى الحكايات»، يقول مكتبي. لكنه متأكّد في المقابل من أنه «لا غنى عن العنصر البشري»، فهو الذي يأتي بالمشاعر، والتجارب الحقيقية إلى كل قصة مؤثّرة.

«جيم» الصغير أهدى المدينة المدمّرة هدنة برسومه وألوانه (فريق الإنتاج)

قريباً يجول «جيم 1983» على مجموعة من المهرجانات السينمائية الأوروبية، والآسيوية. وبعد أن شقّ الفيلم طريقه بنجاح إلى «مهرجان البحر الأحمر»، وضع مكتبي نصب عينَيه تأسيس صناعة عربية للرسوم المتحركة ثنائية الأبعاد على طريقة «المانجا»: «لدينا الإمكانيات، والمواهب في الوطن العربي لصناعة (المانجا) الخاصة بنا، والتي نروي من خلالها سرديّاتنا». في نظره، لا يجب الاكتفاء باستيراد واستهلاك الرسوم المتحركة اليابانية، والعالمية المترجمة إلى العربية، بل من الضروري ابتكارها محلياً. وهو يوضح في هذا السياق أنّ «الجمهور العربي، لا سيّما فئة البالغين، جاهز أكثر من أي وقت للتعامل مع هذا المحتوى، بدليل إقباله الكبير على ثقافة (المانجا)».